مضاربة السيسي بأموال المعاشات في البورصة.. كيف يضر ملايين المصريين؟
.png)
"إنني مفزوع لأقصى مدى"، بهذه الكلمات عبر سياسي مصري عن قلقه من توجه نظام عبد الفتاح السيسي نحو "استثمار" أموال تأمينات ومعاشات المصريين في شراء أسهم بالشركات الحكومية المطروحة للبيع في البورصة، وسط أزمة اقتصادية متفاقمة تمر بها البلاد.
ومع عجز النظام عن جلب استثمارات أجنبية نتيجة سياساته الأمنية والاقتصادية الفاشلة، شرع في بيع أصول البلاد السيادية وشركاتها الرابحة، وهو ما لا يكفي لحل الأزمة، لذا توجه نحو أموال المصريين بهيئة التأمينات والمعاشات لتخفيف الأزمة.
ويسعى نظام السيسي لإعادة السيولة إلى البورصة، حيث تشهد السوق ضعفا في التداول منذ أكثر من عامين، تفاقم في 2022 مع هروب المستثمرين الأجانب من مصر، ما تسبب في انهيار مؤشرها وتراجعه بنحو 22 بالمئة منذ بداية العام.
وزاد من ارتباك البورصة المصرية الذعر الشديد المعروف في أوقات الأزمات والاندفاع نحو البيع والخروج من السوق خوفا من تفاقم الخسائر، فضلا عن تخبط نظام السيسي وضغوط الديون الهائلة على نظامه، وكثرة الحديث عن شبح الإفلاس أخيرا.
أزمة خانقة
وبلغت ديون نظام السيسي نحو 160 مليار دولار بحسب آخر تقديرات البنك المركزي في سبتمبر/ أيلول 2022، وهو مطالب بتسديد نحو 35 مليار دولار مع نهاية العام المالي (2022/ 2023)، بحسب رئيس لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان فخري الفقي في يوليو/ تموز 2022.
حجم الأزمة المصرية كبير، وعبر عنه الفقي بقوله إن "أعباء وأقساط الديون المطلوبة تصل إلى 15.5 مليار دولار، بجانب ارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 20 مليار دولار".
صحيفة "البورصة" الاقتصادية المحلية نشرت نهاية أغسطس/ آب 2022 جدول سداد ديون مصر الخارجية حتى 2038، مؤكدة أنه يتعين سداد 8.57 مليارات دولار حتى نهاية 2022، و17.65 مليار دولار في 2023، و24.2 مليار دولار في 2024.
مصر، التي تعاني من تراجع أكبر مواردها من العملات الأجنبية من الصادرات والسياحة وهروب الأموال الساخنة، تعتزم جمع 6 مليارات دولار من بيع حصص بشركات مملوكة للدولة، بحسب تصريحات لوزيرة التخطيط هالة السعيد في سبتمبر 2022.
في هذا الإطار تعتزم الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات (حكومية تدير أموال المعاشات التي يستفيد منها 10.7 ملايين مواطن) الاستثمار ببرنامج طروحات الشركات الحكومية، بحسب تصريح رئيس الهيئة لواء الجيش السابق جمال عوض، لـ"البورصة" في 28 سبتمبر 2022.
في اليوم التالي، قال وزير المالية محمد معيط، إن "الفائض المالي المتاح بالصناديق التأمينية سيتم ضخه بمجالات استثمارية ذات عائد مرتفع؛ سيحول هيئة التأمينات لمستثمر مؤسسي له وزن باقتصاد مصر كصناديق الاستثمار بالعالم".
توجه الدولة ممثلة بوزارة المالية وهيئة التأمينات لاستثمار أموال المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات لاقى رفضا من مراقبين وسياسيين.
فتحت عنوان "احذروا"، تساءل رئيس حزب "الخضر" المصري، محمد عوض: "هل يعلن وزير المالية المشروعات التي ستستثمر فيها أموال المعاشات؟ ولماذا لم تستثمر الحكومة بهذه المشروعات من قبل طالما هي رابحة؟ وهل مشروعات البنية التحتية استثمارية؟".
وقال عبر "فيسبوك": "احذروا أموال التأمينات والمعاشات، حتى لا تلقى في التراب والأبراج وأعلى الساريات"، ملمحا إلى مشروعات النظام التي تعدها المعارضة غير مجدية.
عوض، حمل وزير المالية "المسؤولية المباشرة أمام الشعب عن هذه الأموال".
ومع ما أحدثه الأمر من ضجة، أصدرت وزارة المالية بيانا في 29 سبتمبر قائلة إن "أغلب دول العالم تستثمر فوائض أموال صناديق المعاشات بأذون وسندات الخزانة"، مشيرا لاستثمار أميركا 90 بالمئة منها.
وألمحت إلى أن "قانون التأمينات الجديد (148) لسنة 2019، ينص على استثمار 75 بالمئة من فوائض أموال صندوق المعاشات سنويا بأذون وسندات الخزانة".
المالية المصرية شددت كذلك على أن "الخزانة العامة للدولة ملتزمة بالوفاء بالأقساط السنوية المستحقة لهيئة التأمينات".
وهنا قال رئيس حزب الخضر، إن إعلان المالية مسؤوليتها عن سداد أموال المعاشات لوزارة التضامن في مواعيدها، ومقارنة استثمار هذه الأموال بأميركا وفي مصر، يعني أن "هناك أمرا مقلقا للغاية".
وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، أضاف: "في أميركا، المشروعات معلوم مقدما قيمة عائدها، ومتى يتحقق"، موجها تساؤله للحكومة المصرية: أين ذهبت أموال معاشات المصريين؟
وتزيد هذه الخطوة من مخاوف المصريين على أموالهم ومعاشاتهم، خاصة وأن نظام حسني مبارك السابق كان قد استغل أموال التأمينات وتسبب في خسارة كبيرة لها.
وإثر ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 جرى اتهام نظام مبارك بالاستيلاء على 435 مليار جنيه من أموال المعاشات لسد عجز الموازنة، و200 مليون جنيه لبنك الاستثمار القومي، و300 مليون جنيه للمضاربة بالبورصة، (الدولار حينها بين 5 و6 جنيهات).
ما أسفر عن وقوع خسائر 60 بالمئة من أصول تلك الأموال، وفق نص الاتهامات الموجهة لوزير المالية بعهد مبارك يوسف بطرس غالي (2004 حتى 2011)، بالدعوى رقم (6 لـسنة 2013).
تدمير ممنهج
سياسيون حذروا من المساس بأموال التأمينات والمعاشات ومن التلاعب بها تحت بند الاستثمار، ومن خطورة وضعها في برنامج بيع الشركات الحكومية.
رئيس حزب مصري، تحدث لـ"الاستقلال"، وطلب عدم ذكر اسمه، قال إن "الخطط الحالية بحق أموال التأمينات تماثل مضاربة وزير مالية مبارك يوسف بطرس غالي، بنسبة من أموال التأمينات ببورصات عالمية، منيت حينها بخسارة فادحة".
ولفت إلى حجم أزمة الحكومة، موضحا أن "هناك أزمة سيولة مالية شديدة، ولدي تخوفات من أن رفع البنك المركزي نسبة الاحتياطي من 14 لـ18 بالمئة في 22 سبتمبر، نتيجة مباشرة لنقص السيولة".
وأضاف: "أغلب المشروعات لا يجد المقاولون العاملون فيها الأموال اللازمة لاستكمالها مثل العاصمة الإدارية، والمونوريل، وغيرها، وللمقاولين مستخلصات كبيرة لم تصرف، ما يهدد بالتوقف التام".
وتابع: "بالتالي، أخشى أن يجري استخدام أموال التأمينات لإنقاذ مشروعات النظام، رغم أن العائد المالي ليس سريعا ويمتد لأكثر من 10 سنوات، ما يهدد أموال التأمينات ويجعلها بخطر".
وأكد أنه "منذ عهد مبارك، وهناك محاولات للاستيلاء على هذه الأموال"، مشيرا إلى دور وزيرة التأمينات السفيرة ميرفت التلاوي (1997-1999) في التصدي القوي لهذا المخطط.
جانب آخر يؤكد نية الحكومة التلاعب بأموال التأمينات والسطو عليها لفك أزماتها، وفق رئيس الحزب، أن "قطاع البترول الحكومي استحوذ على صناديق مكافأة نهاية الخدمة للعاملين من كل الشركات، وأن هيئة البترول حولت هذه الأموال لبنك مصر".
وقال إنها "خطوة مقلقة للغاية، كون هذه الأموال جرى سدادها كحقوق مقرضين لأعمال البترول باتفاقية مع البنك الذي يتولى صرف مكافآت العاملين بالبترول، مقابل تحويل الهيئة له ما يخصم لصناديق المكافأة شهريا".
وأضاف: "لا أثق بالحكومة، وبيان وزارة المالية، يمهد فعليا للإعلان عن أن أموال التأمينات سيتم الحصول عليها، وأظن أنهم بالفعل حصلوا عليها، ولا يبقى سوى إخطار الناس بذلك"، خاتما بالقول إنه "تدمير ممنهج من نظام أهوج".
ويجري صرف نحو 22 مليار جنيه (1.1 مليار دولار) لأصحاب المعاشات شهريا، بحسب رئيس الهيئة في 27 مايو/ أيار 2022، موضحا أن أقل معاش هو 1022 جنيها (51 دولارا)، وأن الهيئة تتعامل مع 10.6 ملايين مصري، وأن هناك 13.8 مليونا مؤمنا عليهم.
وفي 19 يونيو/ حزيران 2022 أكدت وزارة التضامن الاجتماعي أن عدد أصحاب المعاشات والمستحقين للمعاش وصل إلى 10 ملايين و758 ألفا و226 مصريا، وأن هناك 14 مليونا و138 ألفا و739 مؤمنا عليهم.
قانون (148)
ويبدو أن الحكومة الحالية كانت تخطط لاستخدام أموال التأمينات منذ وقت مبكر.
إذ إن استثمار أموال التأمينات والمعاشات أمر جرى تقنينه عبر القانون (148) لسنة 2019، الذي أقره البرلمان وأثار جدلا كبيرا لحرمانه آلاف العاملين من الخروج المبكر على المعاش، بجانب النص على استثمار نسبة 75 بالمئة من أموال التأمينات.
وفي 4 أغسطس 2019، تحدث مستشار وزير التضامن للتأمينات والمعاشات عمر حسن، عن قصة استثمار أموال التأمينات، مبينا أن قانون التأمينات الاجتماعية الجديد (148) به باب مستقل لاستثمارها.
الأمر أخذ اتجاهات تنفيذية بدعوة رئيس "الصندوق السيادي" المصري أيمن سليمان، 20 مارس 2022، لرفع حجم استثمارات أموال التأمينات والمعاشات بالبورصة وزيادة نسبتها من 5 بالمئة إلى 10 بالمئة، لإنعاش السيولة بسوق المال.
ذلك التصريح أثار المخاوف حينها على أموال التأمينات والمعاشات، وخاصة وأن البورصة المصرية تعاني تراجعا كبيرا ومخاطر شديدة منذ الحرب الروسية الأوكرانية 24 فبراير/ شباط 2022، ما عده مراقبون خطرا شديدا يمس أصول أموال التأمينات.
خطوات عملية جرت على الأرض، في أبريل/ نيسان 2022، باجتماع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بوزير المالية معيط، ورئيس هيئة التأمينات اللواء جمال عوض، ورؤساء صناديق المعاشات والتأمينات.
حينها، بحثوا زيادة نسبة استثمارات المؤسسات الحكومية كصناديق المعاشات والتأمينات العامة والخاصة بسوق الأوراق المالية، ما فجر غضبا مصريا ومخاوف حقوقيين وناشطين، لم تتمكن انتقاداتهم من إثناء الحكومة عن توجهها ذلك.
وهنا، قال وكيل لجنة العمال بحزب "المحافظين" المصري المستشار حكيم يحيى، أن طمع الحكومة بأموال التأمينات والمعاشات ليس وليد اليوم، مؤكدا لـ"الاستقلال" أنها وضعت "العمال بين مطرقة الفصل والتسريح وسندان (قانون 148)".
وأضاف: "عندما تشرع القوانين يكون هدفها منفعة عامة أو درء خطر أو حل مشكلة تواجه المجتمع؛ لكن أصبح سكان المحروسة أمام مولود مسخ من القانون الخاص بالتأمينات والمعاشات، يخالف القانون والدستور".
وأوضح أن "القانون قضى على أمل عمال مصر في جنيهات التأمينات القليلة التي كانت وبالكاد تسد رمقهم وجوع أولادهم وتجعلهم فقط من الأحياء، وحرمهم من الخروج للمعاش المبكر، وها هو اليوم يستخدم أموالهم لحل أزماته".
وتابع: "لم يحلم عمال مصر يوما الخروج من تحت خط الفقر، والذي خططوا لهم أن يعيشوا تحته، ولكنهم حلموا فقط بالستر وعدم مد أيديهم لأحد بعد وصولهم لسن التقاعد؛ لكن هيهات أن تتركهم الحكومة وهذا القانون أن يحققوا حلم العيش بكرامة".
وأوضح أنهم "أتوا بمواد تعجيزية منها المادة (21) وفقرة (6)، وبند (أ) والتي حرمتهم من المعاش المبكر كحق مشروع من اشتراكاتهم المتراكمة عبر سنوات، ما يجعله متعارضا مع قوانين أخرى ويجعله غير دستوري".

أموال التأمينات والمالية
وبمقابل مخاوف المصريين على أموال التأمينات، قال اللواء جمال عوض، في 27 مايو 2022، إن "أموال التأمينات والمعاشات بخير وفي أيد أمينة".
وأشار عوض إلى أن إجمالي أموال المعاشات لدى الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات نحو 500 مليار جنيه (2.77 مليار دولار تقريبا حينها).
لكنه، وفي 5 يوليو 2022، أكد أنها 475 مليار جنيه (حوالي 2.63 مليار دولار وقتها)، وأن 81 بالمئة منها يجري استثماره بسندات وأذون خزانة.
ومنذ العام 1980 تواجه أموال تأمينات المصريين أزمة مع الحكومة المصرية، خاصة مع إنشاء بنك "الاستثمار القومي" لاستثمار أموال صناديق التأمينات.
منذ ذلك الحين أصبحت أموال التأمينات والمعاشات تابعة لوزارة المالية تتصرف فيها بقرار الوزير، وفقا لتقرير لموقع (مصراوي) 24 مارس/ آذار 2019.
لكن مع ضم وزارة التأمينات لوزارة المالية يوليو 2006، زاد الأمر خطورة.
حينها، أنشأ وزير المالية الأشهر بعهد مبارك، يوسف بطرس غالي، حسابا بنكيا موحدا للعمليات المالية الخاصة بصناديق التأمين الاجتماعي والعمليات المالية لقطاع الموازنة العامة للدولة وبنك الاستثمار القومي.
إثر ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، عادت تبعية هيئة التأمينات الاجتماعية لوزارة "التأمينات" ثم وزارة "التضامن"، ما دفع "النقابة المستقلة لأصحاب المعاشات" للمطالبة باسترداد أموال التأمينات التي بحوزة المالية.
مديونية التأمينات لدى الحكومة عبارة عن سندات وصكوك على الخزانة العامة، ومديونية مباشرة على وزارة المالية لصالح صناديق التأمينات، ومديونية على بنك الاستثمار القومي.
مستشار وزير التضامن للتأمينات والمعاشات عمر حسن، وفي 4 أغسطس 2019، أكد أنه لدى الحكومة المصرية نحو 900 مليار جنيه (5.6 مليارات دولار تقريبا) من أموال التأمينات والمعاشات.
وكان رئيس صندوق التأمينات الاجتماعية عبدالهادي عبدالهادي قد قال في مارس 2019، إن إجمالي أموال التأمينات لدى وزارة المالية تبلغ ما بين 640 إلى 642 مليار جنيه (نحو 4 مليارات دولار حينها).
وهي الأموال التي أمر السيسي في عام 2019 برد وزارة المالية لها على أقساط إلى وزارة التضامن الاجتماعي، بمدة تقسيط 50 سنة.
وفي 29 سبتمبر 2022 قال وزير المالية معيط، إن الخزانة العامة للدولة ستسدد 45 تريليون جنيه (2.25 تريليون دولار) للتأمينات والمعاشات في 50 عاما حتى 2068، وأنه جرى تحويل 558 مليار جنيه (2.79 مليار دولار) لصناديق المعاشات منذ عام 2019.
وعلى الرغم من تعليمات السيسي للحكومة برد أموال التأمينات، إلا أن توجهات نظامه تحولت إلى ضخ أموال التأمينات للاستثمار بالبورصة وشراء أسهم بالشركات المطروحة للبيع، ما يزيد من مخاوف المصريين عليها من تغول حكومي قد يحرم الفقراء من معاشها الشهري.
المصادر
- عوض: هيئة التأمينات ستستثمر في طروحات الشركات الحكومية
- وزير المالية: تسديد أكثر من 558 مليار جنيه لصناديق المعاشات بـ39 شهرًا منذ 2019
- اللواء جمال عوض: أموال التأمينات والمعاشات بخير وفي أيدٍ أمينة
- صندوق التأمين الاجتماعى الحكومى .. الندوة الأولى لنشر الوعى التأمينى بقانون التأمينات الجديد
- 475 مليار جنيه إجمالى أموال التأمينات واستثمار 81% من المبلغ فى أذون خزانة

















