مرحلة "الإفلاس الاقتصادي".. قيس سعيّد يوصل تونس إلى أوضاع كارثية
.png)
أزمة غير مسبوقة تعيشها تونس منذ أشهر بسبب نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية، مما أدى إلى اضطراب عمل عدد من المصانع وغياب منتجات عن رفوف المتاجر في البلاد.
ويوميا، يعيش المواطن التونسي رحلة مرهقة للبحث عن السكر والزيت والحليب، وقائمة طويلة من المواد الغذائية التي اختفت وارتفعت أسعارها بشكل كبير.
في المقابل، يكتفي الخطاب الرسمي منذ 25 يوليو/تموز 2021 باتهام "جهات مجهولة" باحتكار هذه المواد من أجل ضرب "المسار التصحيحي" الذي يقوده الرئيس قيس سعيد، محاولين الرجوع بالبلاد لما قبله.
ومنذ ذلك التاريخ تعاني تونس أزمة سياسية بعد انقلاب سعيد إثر تجميد اختصاصات البرلمان، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وإقالة رئيس الحكومة، وتعيين أخرى جديدة.
ملاحقة السراب
وسبق وأن دعا سعيد منذ انقلابه إلى شن "حرب دون هوادة" ضد الاحتكار والمضاربة بالسلع الغذائية في بلاده.
إلا أن تقارير وخبراء أكدوا أن ما تروجه الرئاسة "مجرد مغالطات"، وأن أسبابا أخرى في مقدمتها عجز موازنة الدولة وتراجع التصنيف الائتماني للبلاد وسوء إدارة الملف الاقتصادي من سلطة الانقلاب، أدى إلى الوضع الكارثي الذي تعيشه تونس.
وحذروا من السخط الشعبي المتصاعد خاصة في أوساط الفئات الضعيفة والمهمشة.

وتحدث المواطن أيمن (45 سنة، صاحب مقهى) عن الصعوبات التي يتعرض لها يوميا من أجل مواصلة العمل في المقهى الذي يشغل 6 أشخاص بسبب النقص الحاصل في مادتي السكر والقهوة.
وأكد لـ"الاستقلال" أنه "منذ أواخر يوليو/تموز 2022، بدأ هنالك اضطراب في توزيع القهوة والسكر وكنا نعتقد كأصحاب المقاهي أن النقص بسبب فصل الصيف وزيادة الإقبال على المادتين".
واستدرك أيمن: "لكن ومنذ بداية سبتمبر/أيلول 2022 يمكن القول أن هذه المواد أصبحت نادرة ومن الصعب الحصول عليها، حيث توقف تجار الجملة عن توزيعها كما توقفت مصانع تعليب السكر عن العمل".
وأضاف أنه "إذا تواصل الوضع بهذا الشكل فإنه سيضطر لوقف العمل إلى حين عودة هذه المواد إلى الأسواق".
في نفس الوقت تشهد المحلات التجارية طوابير طويلة للمتسوقين من أجل الحصول على المواد المفقودة.
ولاحظ الجميع اللافتات المعلقة في أروقة المحلات تحدد للمواطنين الكمية القصوى التي يسمح بشرائها والتي لا تتجاوز في أغلب الأحيان علبتين.
وشهدت الأسعار ارتفاعا ملحوظا، حيث صعد مؤشر التضخم السنوي في تونس خلال أغسطس/آب 2022، إلى 8.6 بالمئة، وسط استمرار تأثيرات ارتفاع أسعار السلع عالميا، وفي مقدمتها الطاقة بأنواعها.
وجاء ذلك، بحسب بيانات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس (حكومي)، أرجع فيها التضخم إلى تسارع نسق ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات إلى 11.9 بالمئة، وأسعار الأثاث والتجهيزات والخدمات المنزلية إلى 11.3 بالمئة والتعليم إلى 10 بالمئة.
حرب وهمية
في 9 مارس/آذار 2022، أعلن سعيد عن الساعة الصفر لشن حرب مفتوحة على المحتكرين وما أسماه حينها بمسالك "التجويع"، وبالفعل تحركت أجهزة الدولة من قوات الأمن ومكلفين بالرقابة لملاحقة من يعتقد أنهم محتكرو السلع والبضائع.
الغريب في الأمر أن نفس الخطاب الذي تحدث به رئيس الجمهورية في تلك الفترة، تكرر بعد 6 أشهر دون الحديث عن نتائج للحرب التي شنتها الدولة على الاحتكار والمضاربة.
ففي يوم 9 سبتمبر 2022، تنقل سعيد إلى مقر وزارة التجارة حيث التقى بالوزيرة فضيلة الرابحي، وحثها على "تحمل كل طرف مسؤولياته كاملة في هذا الظرف الذي تعيشه تونس"،
وعد أن "بعض المواد التي تم تخزينها في عدد من المناطق واحتكارها بهدف تأجيج الأوضاع الاجتماعية لأهداف سياسية فضلا عن الربح غير المشروع".
لكن ببحث بسيط في أسباب الأزمة يتبين أن السبب الأبرز هو انعدام السيولة الكافية لدى الدولة لشراء المواد الغذائية، ومع تنامي الأزمة الاقتصادية والسياسية ما بعد انقلاب 25 يوليو/تموز 2021، امتنع العديد من المزودين الدوليين عن تسليم حمولاتهم من الحبوب والمحروقات في صورة عدم سداد ديونهم السابقة.
وسبق أن صنفت وكالة "بلومبرغ" الأميركية، تونس في القائمة الحمراء للبلدان الأكثر عرضة للتخلف عن السداد، فيما وضع تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أيضا تونس في قائمة الدول التي قد "تجد نفسها مضطرة للاختيار بين الدفع للدائنين أو توفير الغذاء والوقود لشعوبها".
وتوقع تقرير "فايننشال تايمز"، في 27 يوليو/تموز 2022، مواجهة عدة دول نامية لمصير يشبه ما حدث في سريلانكا بسبب المشاكل الاقتصادية والديون المتراكمة".
ومن بين الدول التي ذكرها التقرير مصر وتونس، حيث تواجهان أزمة اقتصادية حادة، وتجريان مباحثات مع صندوق النقد الدولي لإنقاذ اقتصادها".
من جهته، عد الأكاديمي والخبير الاقتصادي، عز الدين سعيدان، أن "السبب الأساسي والأهم هو الوضع الصعب جدا الذي تمر به المالية العمومية في تونس، مما جعل من الدولة غير قادرة على تسديد مستحقات المؤسسات العمومية وخاصة تلك المستحقات المتأتية من صندوق التعويض (الدعم)".
وقال سعيدان لـ"الاستقلال" إنه "على سبيل المثال الشركة التونسية لصناعات التكرير (حكومية) والتي تقوم باستيراد المحروقات بأسعار السوق العالمية ومن ثم تقوم بضخها في السوق المحلية بالسعر المحدد من قبل الدولة من ثم تحصل على الفارق من صندوق الدعم، إلا أن وزارة المالية لم تقم بصرف هذه الأموال بسبب العجز الحاصل في الموازنة".
واستطرد: "هذا الوضع نفسه يتكرر في شركة الكهرباء وديوان الحبوب وديوان التجارة وعديد المؤسسات العمومية الأخرى".
وأوضح الخبير التونسي أن "هذا الوضع جعل المؤسسات العمومية تفقد تماما ثقة المزودين الأجانب وتفقد ثقة البنوك الداخلية والخارجية، وإضافة إلى مشاكل ندرة بعض المواد في السوق العالمية هناك مشاكل ثقة ومشاكل دفع".
وأكد سعيدان أن "القطاع الخاص والمزودين الأجانب يشترطون الدفع المسبق مقابل أية عملية استيراد، سواء كانت دواء أو غذاء أو محروقات، وهذا يزيد الضغط على المالية العمومية، لذلك فإن المواد المفقودة في السوق هي المواد التي تحتكر الدولة استيرادها مثل السكر والقهوة والأرز والمحروقات…".
احتقان اجتماعي
هذا الوضع زاد من حدة الاحتقان الاجتماعي في تونس، إذ تعددت التحركات الاحتجاجية في العديد من مناطق البلاد رغم تضاعف القبضة الأمنية وانحسار ملحوظ في الحريات العامة.
ولا يتوقع الخبراء الاقتصاديون إيجاد حل للأزمة القائمة خلال الفترة المقبلة، رغم سعي الحكومة الحثيث على التقدم في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وتوقيعها اتفاقا مع النقابات العمالية سيؤدي إلى زيادة في أجور العمال والموظفين في القطاع العام.
وفي هذا السياق، توقع الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، "حدوث سيناريوهات مرعبة بخصوص حالة الغضب والاحتجاجات الاجتماعية في الفترة القادمة".

وأضاف بن عمر خلال حديث لإذاعة "شمس إف إم" المحلية في 9 سبتمبر 2022، أن "الربع الثالث من سنة 2022 سيكون صعبا جدا، حيث ستصل فيها الدولة إلى مرحلة الإفلاس".
وأفاد ابن عمر بأنه "في ظل عجز ميزانية الدولة ستصبح عمليات التزود بالمواد الأساسية صعبة وسيرتفع مستوى المضاربة مما سيخلق أجواء متوترة اجتماعيا".
وأكد أن ارتفاع نسبة التضخم وتوقعات البنك الدولي بتحقيق نسبة نمو أقل مما هي منتظرة، سيكون بدوره له تأثيرات كبيرة على المناخ الاجتماعي.
ويذكر أنه في بداية سبتمبر 2022، شهدت عدد من مناطق البلاد والأحياء الشعبية في العاصمة احتجاجات شعبية تنديدا بالغلاء وغياب المواد، كما تفجرت احتجاجات أخرى بعد مقتل أحد الشباب يعمل في تجارة المواد المهربة على يد ضابط بالديوانة (الجمارك).
المصادر
- أزمات متصاعدة و نظرة اقتصادية متشائمة.. سيناريو سريلانكا يحوم فوق دولتين عربيتين
- نقابي: تونس تعاني أزمة سكر أوقفت الإنتاج بمصانع
- تونس.. فقدان السكر يدفع مصانع إلى الإغلاق وتسريح آلاف العاملين
- تحوّل رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مقر وزارة التجارة وتنمية الصادرات
- رمضان بن عمر: 'ننتظر سيناريوهات مرعبة بخصوص الإحتجاجات لان الثلاثية الرابعة من 2022 ستكون صعبة'

















