رغم تودده.. لماذا تخلت روسيا عن السيسي في معركة سد النهضة الإثيوبي؟
.jpg)
دبلوماسية النظام المصري "المتودد" لروسيا منذ سنوات، لم تتوقع موقف موسكو الصادم بـ"الانحياز" إلى إثيوبيا خلال جلسة مجلس الأمن المتعلقة بأزمة سد النهضة.
فعندما أجرى رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، حوارا جامعا مع الصحف القومية المصرية في أغسطس/آب 2016، عقد مقارنة بين علاقة مصر بالولايات المتحدة وروسيا.
السيسي وصف حينها العلاقة مع واشنطن بـ"الإستراتيجية" التي تقوم على المصلحة بين الطرفين، أما العلاقة بموسكو فأثنى عليها قائلا إنها "راسخة وذات طبيعة خاصة، ولها بعدها التاريخي".
كانت التفضيلات التي اتخذها السيسي نحو الكرملين، كثيرة ومتشابكة الأغراض، فبعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013، وفرض عقوبات أميركية على تصدير الأسلحة إلى النظام، ولى السيسي وجهه إلى موسكو وعقد اتفاقيات عسكرية واقتصادية مع الرئيس فلاديمير بوتين، وتبادلا الزيارات التي اتخذت طابعا وديا فيما بينهما.
ولكن جد الجديد مع استفحال أزمة سد النهضة، ووصولها إلى أروقة مجلس الأمن، وتصرف روسيا ببراغماتية وحسابات المصالح في انحيازها إلى إثيوبيا، وذهبت وعود الصداقة، وصفقات السلاح الكبرى، وحسابات التاريخ المتوافقة.
ضربة موسكو
مع انطلاق جلسة مجلس الأمن الاستثنائية لمناقشة "أزمة النهضة" في 8 يوليو/تموز 2021، والتي جرت بدعوة كل من مصر والسودان، لحفظ الأمن المائي لكلا البلدين بعد وصول المفاوضات مع إثيوبيا إلى طريق مغلق، واستحالة إيجاد حل بعد 10 سنوات من المباحثات المتعسرة، كانت القاهرة تنتظر من حلفائها دعم موقفها ومساندتها في معركتها الأهم.
لكن الحلفاء "تخاذلوا تباعا" لا سيما الحليف الروسي، وهو ما ظهر خلال كلمة مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، الذي قال إن بلاده "تشعر بالقلق من تنامي الخطاب التهديدي في أزمة سد النهضة"، في إشارة واضحة إلى الخطاب المصري التصعيدي خلال المرحلة الماضية.
وأضاف: "روسيا تدرك أهمية سد النهضة بالنسبة لإثيوبيا"، بينما أورد على استحياء تفهمهم لموقف السودان ومصر من ملء وتشغيل السد أيضا.
وتابع نيبينزيا: "نأمل أن تتمكن مصر والسودان وإثيوبيا من حل الأزمة، ونثمن دور الاتحاد الإفريقي للتوصل إلى حل بين الأطراف الثلاثة".
وتتخوف القاهرة من تأثير سلبي للسد على تدفق حصتها السنوية من مياه نهر النيل، البالغة 55 مليار متر مكعب، فيما تحصل السودان على 18.5 مليار، وأن حياة نحو 100 مليون مواطن في مصر على المحك؛ بسبب الأثر الناجم عن العجز المائي الرهيب، الذي سيخلف آثارا اجتماعية واقتصادية مدمرة.
وفي 7 يوليو/تموز 2021، كشفت دراسة أعدها "مركز الدراسات العربية الأوراسية" بالقاهرة، حول موقف روسيا من أزمة سد النهضة، من أن "موسكو لا تفضل اللجوء لوساطة غير مقبولة من كلا الطرفين".
وذكرت أن "الموقف الروسي المعلن، وآراء الخبراء الروس، يرون أن لا حل عسكريا لهذا الخلاف، وأن الأفضل لمصر التمسك بالقانون الدولي".
وأوردت الدراسة أن "موسكو أكدت في كافة المناسبات، وآخرها زيارة وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى مصر في أبريل/نيسان 2021، على حق إثيوبيا في التمتع بمواردها المائية".
لذلك لم ينفصل حديث المندوب الروسي أمام الأمم المتحدة عن السياسة المستمرة لبلاده التي قوت بشكل أو بآخر الموقف الإثيوبي.
تباينات المصلحة
أمام الموقف الروسي الجديد، تتبادر إلى الأذهان المصالح القائمة مع مصر، وسؤال "أين ذهبت حساباتها"، تحديدا المتعلقة بصفقات السلاح، ففي 9 سبتمبر/أيلول 2019، عقدت القوات المصرية، صفقة أسلحة مع روسيا تضمنت 20 مقاتلة "سوخوي–35" بتكلفة 2 مليار دولار.
وجاءت الصفقة ضمن صفقة أسلحة ضخمة شملت شراء منظومة (SA-17 وSA-23) دفاع جوي، بالإضافة إلى شراء 46 طائرة من طراز (KA-52)، في اتفاقية تسليح "تاريخية" لم تحدث منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، بحسب موقع "ديفينس ويب" الأميركي.
ومنذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013، شهدت العلاقات المصرية الروسية طفرة كبيرة، بعد صعود السيسي، وحرصه على عقد صفقات سلاح ضخمة، رغم الأزمات الاقتصادية الطاحنة، التي فشل نظامه في معالجتها، فضلا عن تزايد حدتها.
من ناحية أخرى لا يمكن تجاوز التدخل الروسي في العقيدة العسكرية الإثيوبية، فهي من أكثر بلدان العالم دراية وتأثيرا على أديس أبابا عسكريا، حيث إن غالبية تسليح وعقيدة الجيش الإثيوبي القتالية روسية الصنع.
كما أن قادة الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية، وهو ائتلاف من عدة أحزاب بزعامة جبهة تحرير شعب التغراي، حكمت إثيوبيا منذ عام 1991 وحتى 2019، وتلقوا تعليمهم في الاتحاد السوڤييتي، ونقلوا التجربة بالحكم الفيدرالي لإثيوبيا، وعبرها توقفت الحرب الأهلية التي امتدت لعدة عقود.
وهو ما يعني أن إثيوبيا الحالية بتكوينها السياسي والعسكري قريبة من روسيا إلى حد كبير.
أسباب الانحياز
الموقف الروسي دفع مجموعة من الباحثين والسياسيين المصريين لتوضيحه، حيث قال أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، عاطف معتمد: "تعجب الناس من أن روسيا لم تؤيدنا بمجلس الأمن في قضية أزمة سد النهضة، التي لا تقل خطرا عن احتلال سيناء.. السؤال هو: لماذا توقعنا تأييدا من روسيا؟".
وذكر عبر صفحته بـ"فيسبوك" في 9 يوليو/تموز 2021 أنه منذ انقلاب السيسي "كانت الزيارات مكثفة ومتعددة إلى موسكو، في وقت كانت علاقات مصر مع الغرب في أسوأ حالاتها، وكانت موسكو هي القبلة تقريبا في سنوات 2014-2016".
ولفت معتمد إلى أن "موسكو كادت تستثمر هذا الموقف في تقديم مقترحات بوجود روسي على الأرض في مصر، وجود إستراتيجي فعلي وليس سياحي على الشاطئ والبلاجات".
وأورد: "لم يستمر الأمل الروسي أكثر من عامين، سرعان ما حدثت انفراجة بين مصر والغرب برعاية خليجية وعادت تيارات الاتصال ساخنة بين القاهرة وواشنطن إلى سابق عهدها، راقب الروس ما يجري في مصر وتأكدوا أن العلاقات المصرية الأميركية أو المصرية الأوروبية أقوى بكثير من علاقات مصر روسيا، وأن شيئا لم يتغير تقريبا منذ زمن محمد أنور السادات".
واستطرد: "بينما تمثل إثيوبيا لروسيا أرضا بكرا يصلح فيها الاستثمار والحضور الجيوسياسي كما تمثل ورقة ضغط على مصر في أية علاقات ثنائية مقبلة في أي مجالات إستراتيجية أو جيوإستراتيجية، الاستثمار الروسي في إثيوبيا أكثر فائدة على المدى الطويل، فمصر في عيون روسيا دولة تشكلت بوصلتها".
واختتم معتمد قائلا: "روسيا لم تفعل أي شيء مدهش، روسيا تصرفت بكل براغماتية، وفقا لحسابات المصالح المراوغة".
فيما نشر الناشط المصري أحمد عابدين عبر صفحته بفيسبوك، تدوينة بطريقة ساخرة، معلقا على الموقف الروسي: "صفقات سلاح بمليارات ومشروع نووي بمليارات واثنين حاملة طائرات أخذناهم عشان خاطر عيون بوتين، وبعدين باعنا في دقيقة، وكان أقوى معارض لمصر في أهم قضية تواجهها في تاريخها".
البراغماتية تحكم
الباحث المصري أحمد مولانا، قال: إن "موسكو تتعامل مع أزمة سد النهضة من منطق البراغماتية البحتة، خاصة مع إستراتيجية روسيا المتجهة نحو ترسيخ نفوذها في العمق الإفريقي، وتحديدا إثيوبيا باعتبارها من أكثر البلدان كثافة سكانية (112 مليونا)، وتتحكم في منطقة الشرق والوسط للقارة، ومن المفاتيح الأساسية لمن يريد الوجود على الساحة الإفريقية".
وأضاف مولانا لـ"الاستقلال": "لذلك فإن إثيوبيا أكثر أهمية للكرملين من مصر، لأن الأخيرة هي من سعت إليها، وتعتمد عليها في كثير من صفقات التسليح وإقامة القواعد الحربية، وإرسال البعثات العسكرية للتدريب، فعلى سبيل المثال تحصل القاهرة من موسكو على طائرات سوخوي، كوحدة أساسية ضمن تشكيلة قواتها الجوية بالإضافة إلى القطع البحرية القتالية".
وأردف: "كيف يمكن أن نطلب من روسيا أخذ موقف حاد أو جاد من إثيوبيا، والنظام المصري نفسه لم يتخذ ذلك الموقف، رغم المناوشات الكلامية، لكن السيسي لم يقطع علاقته بأديس أبابا، وكل قنوات التواصل الدبلوماسية مفتوحة، ويوجد سفير مصري فوق العادة هناك".
وأورد الباحث أن "الإعلام المصري الحكومي روج صورة خاطئة عن طبيعة علاقة الدولة بروسيا على أنها علاقة استثنائية، وغض الطرف عن مشكلات حقيقية مثل وقف الرحلات الروسية السياحية إلى مصر منذ عام 2015، مع تفجير الطائرة في سيناء، ومن وقتها فرضت حكومة موسكو حظرا لرحلاتها إلى المطارات المصرية لأجل غير مسمى".
واستطرد: "بوتين يعلم أنه لن يخسر من القاهرة الكثير إذا انحاز لإثيوبيا، بينما لا يريد خسارة الجانب الإثيوبي ولا علاقته بإفريقيا، لا سيما أن روسيا عقدت القمة الإفريقية مع 54 دولة في منتجع سوتشي (2019)، وكانت أديس أبابا على رأس تلك القمة، وعين بوتين مستشارا خاصا بالعلاقات الإفريقية، في دلالة واضحة على رسم ملامح المستقبل، ولا مكان لمصر فيها".
المصادر
- "السيسي" يكشف الفارق بين علاقات مصر بروسيا وأمريكا
- مندوب روسيا في مجلس الأمن: قلقون من تنامي الخطاب التهديدي في أزمة سد النهضة
- مجلس الأمن يدعو إلى التفاوض لحل أزمة "سد النهضة" برعاية إفريقية
- ماذا جرى في جلسة مجلس الأمن الاستثنائية حول سد النهضة؟ مواقف الدول الأعضاء
- أين تقف روسيا من أزمة سد النهضة؟ … دراسة بحثية تُوضح موقف موسكو
- هل تخلت روسيا عن مصر في سد النهضة.. ماذا عن زيارة لافروف؟
- بعد أزمة سد النهضة بين إثيوبيا ومصر....روسيا تتدخل
















