مجزرة الروس.. ما أسباب خرق موسكو اتفاقيات خفض التصعيد في سوريا؟

12

طباعة

مشاركة

رغم اتفاقيات خفض التصعيد بين قوات النظام السوري وفصائل الثورة والمعارضة، إلا أن روسيا فيما يبدو ماضية بطريقها في التصعيد وإعادة التوتر إلى المناطق التي اتفق عليها سلفا كمناطق خفض تصعيد بريف محافظة إدلب.

صباح 26 أكتوبر/تشرين الأول 2020، استهدفت المقاتلات الحربية الروسية معسكرا تدريبيا لفيلق الشام التابع للجبهة الوطنية للتحرير، فقتلت ما لا يقل عن 78شخصا، وأصابت أكثر من 90 آخرين، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

الغارة الروسية تزامنت مع حلول الذكرى الرابعة لـ"مجزرة الأقلام" التي استهدف فيها طيران بشار الأسد 3 مدارس في بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي، في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2016، وتسبب بسقوط 38 مدنيا، بينهم 18 طفلا، و6 نساء، و4 من الكادر التدريسي بالإضافة إلى 14 تلميذا.

الاستهداف الروسي لم يقتصر على المعسكر التدريبي الواقع في منطقة الدويلة بريف إدلب، بل طال مخيما للمدنيين في قرية الدويلة، ما تسبب بسقوط عشرات المدنيين بين قتلى وجرحى ما زالوا تحت الأنقاض، وذلك بحسب بيان صادر عن الائتلاف الوطني لقوة الثورة والمعارضة السورية.

وفي الوقت الذي يفترض أن يرعى الجانب الروسي، كطرف ضامن، اتفاق خفض التصعيد  الموقع في أستانا في مايو/أيار 2017، ثم في سوتشي مارس/آذار 2018، إلا أنه على العكس من ذلك قام بانتهاك اتفاق خفض التصعيد، من خلال غارة جوية تسببت بسقوط عشرات القتلى والجرحى بين العسكريين وصفوف المدنيين.

كان من المفترض أن تلتزم جميع الأطراف باتفاقيات (أستانا) ثم (سوتشي) وتكفل تنفيذها الأطراف الضامنة (تركيا عن المعارضة السورية وروسيا وإيران عن قوات بشار الأسد) وذلك بخفض التصعيد ووقف إطلاق النار تمهيدا لإقامة مناطق آمنة.

الانتهاك الروسي الأخير يعد استفزازا وخرقا للاتفاق من طرف يفترض أنه يتحمل المسؤولية المضاعفة تجاه ما يحصل من انتهاكات، بصفته ضامنا من جهة، وبصفته حليفا لنظام بشار الأسد من جهة أخرى.

تنديد واستنكار

تجاه ذلك الخرق الذي تسبب بسقوط العشرات من المتدربين والمدنيين، أصدر الائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية والمعارضة بيانا نشره حساب الائتلاف الوطني على تويتر.

البيان قال: "خارج إطار أي مواجهة أو تحرك عسكري أو تصعيد من طرف الجيش الوطني، ارتكبت طائرات الاحتلال الروسي صباح اليوم عدوانا إجراميا على معسكر تابع للجيش الوطني السوري ما أدى إلى استشهاد العشرات من مقاتليه، ولا تزال عمليات إسعاف الجرحى مستمرة في ظل نداءات تدعو المواطنين إلى التبرع بالدم".

وأضاف البيان أن الغارات التي نفذها الاحتلال الروسي على المعسكر الواقع في منطقة الدويلة بريف إدلب، شملت أيضا قصفا على قرية الدويلة وعلى المخيم الموجود فيها، ما خلّف العديد من المصابين في صفوف المدنيين، وما زال العشرات منهم تحت الأنقاض، بحسب نص البيان.

وأكد البيان أن هذه الغارات تمثل خرقا مباشراً للاتفاق المتعلق بالوقف الكامل للعمليات العدائية في منطقة خفض التصعيد الرابعة شمالي سوريا، ما يعني أن الطرف الضامن للاتفاق بات الطرف الذي يعكف على خرقه وانتهاكه والتهديد بإسقاطه بشكل نهائي.

البيان طالب المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم يندد بالعدوان الروسي والخرق الذي يهدد، بشكل جدي، إمكانية استمرار الاتفاق، ويفتح آفاق التصعيد على المجهول.

وشدد على ضرورة وضع حد للاعتداءات اليومية والمتصاعدة من جانب روسيا والنظام والمليشيات الإيرانية بحق المدنيين في المنطقة، كما شدد أيضا على وجود مخاطر حقيقية لا يمكن تقدير حدودها والمدى الذي ستصل إليها في حال استمرار التلاعب بالاتفاق وخرقه المتكرر.

سلسلة خروقات

ورغم كون هذه العملية هي الأحدث، والأعلى أيضا من حيث الكلفة البشرية، إلا أنها تأتي كحلقة في سلسلة الانتهاكات الروسية بمناطق خفض التصعيد، حيث ارتكب سلاح الجو الروسي مئات الخروقات منذ توقيع اتفاقية أستانا، وعشرات الخروقات الأخرى منذ اتفاقية سوتشي التي دخلت حيز التنفيذ في 17 سبتمبر/أيلول 2018.

وحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ارتكبت القوات الروسية في الستة الأشهر الأولى التي تلت توقيع اتفاقية سوتشي ما لا يقل عن 34 خرقا، في حين ارتكبت قوات نظام بشار الأسد في نفس الفترة 4476 خرقا في محافظة إدلب وأجزاء من محافظات حماة وحلب واللاذقية.

علاوة على ذلك، ارتكب سلاح الجو الروسي 11 مجزرة، خلال النصف الأول من العام الجاري 2020، وفق ما أوردت الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

أما فريق منسقي استجابة سوريا فأصدر تقريرا في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2020، قال فيه: إنه منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 5 مارس/آذار 2020، استهدفت الطائرات الروسية 17 منشأة حيوية في مناطق خفض التصعيد شمال غربي سوريا، متسببة بمقتل نحو 33 مدنيا.

تجدر الإشارة إلى أن الجانب الروسي، بالإضافة إلى مسؤوليته عن الاختراقات التي ارتكبتها بشكل مباشر، يعد مسؤولا أيضا عن اختراقات نظام بشار بصفته ضامنا رسميا لالتزام قوات بشار الأسد باتفاقيات خفض التصعيد ووقف إطلاق النار.

غير أن موسكو كالعادة، تتنصل من مسؤوليتها كطرف ضامن، وعلاوة على ذلك تقوم بارتكاب خروقات بشكل مباشر متسببة بإعادة التوتر في المنطقة، ومتسببة إلى جانب ذلك باستمرار معاناة آلاف المدنيين السوريين، من خلال تأخر عودتهم إلى مناطقهم، ومتسببا بموجات نزوح جديدة.

  

تصفية حسابات

تأتي هذه التطورات، بالتزامن مع أنباء عن تصاعد الخلاف بين الطرفين الضامنين، موسكو وأنقرة، حول الملفات العالقة في إدلب، من بينها الخلاف على إعادة المدنيين إلى المناطق المحتلة بريفي حماة وإدلب، واستهداف قوات بشار الأسد لعناصر من القوات التركية، بالتزامن مع اتهام موسكو لأنقرة بكونها تدعم ما سمته "مجموعات إرهابية" بالإشارة إلى الفصائل المسلحة التي تدعمها أنقرة.

إثر ذلك، صعدت روسيا خلال الأسبوعين الماضيين هجماتها بشكل مكثف باتجاه إدلب، وذلك من خلال غارات جوية على مناطق متفرقة في إدلب، بالتزامن مع تغييرات ميدانية قامت بها القوات التركية، وذلك لإعادة تموضع قواتها بين ريفي حماة وإدلب.

ورغم توقيع اتفاق بين موسكو وأنقرة لخفض التصعيد على نحو يفترض أن يسير باتجاه إنهاء الأزمة أو تقليص دائرتها، إلا أن الخلافات بين الطرفين تتعاظم منذ توقيع ذلك الاتفاق، وزاد من توسيع دائرة التوتر استهداف قوات نظام بشار الأسد الحليف لموسكو لعناصر من القوات التركية.

غير أن الملاحظ أن موسكو، فيما يبدو، تقوم بتصفية خلافها مع أنقرة من خلال استهداف فصائل سورية معارضة محسوبة على تركيا، واستهداف مدنيين آخرين، وهو الأمر الذي يضاعف الثمن الإنساني الذي يدفعه اللاجئون والنازحون السوريون، ويطيل من أمد الأزمة السياسية والإنسانية في سوريا.