أسواق "الأنتيكا" في تركيا.. هكذا جذبت التحف القديمة رواد الحاضر

آدم يحيى | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

في مقابل الأسواق والمتاجر الكبيرة التي تعرض البضائع والأصناف المتعددة في عموم المحافظات التركية، هناك أسواق تاريخية منتشرة في بعض المدن، وعلى وجه الخصوص في مدينة إسطنبول، تعرض الأنتيكا والتحف القديمة التي كانت جزءا من حياة إنسان ما في فترة تاريخية معينة.

تعرض الأسواق التاريخية ثريات مزخرفة، وزجاجيات، ونحاسيات، وفخاريات، وحلي، وأوسمة، وأجهزة موسيقية، وأجهزة مذياع، وأجهزة استقبال لاسلكي، وآلات كاتبة، ومكائن خياطة، وسجادات، وساعات قديمة، وعملات نادرة، ومسكوكات.

وتعرض أيضا كتبا نادرة ومخطوطات ووثائق، بالإضافة للسيوف والرماح وحتى المدافع، وعشرات الأصناف التي مثل بعضها ثورة في حينه، كالآلات الكاتبة وأجهزة المذياع، وبعض الآلات الموسيقية.

تشهد تلك الأسواق إقبالا من قبل عدة فئات في المجتمع، فمنهم من يزورها ليستمتع بالتعرف على الماضي من خلال تفاصيلها التي تحكيه، ومنهم من يزورها لأنه يجد فيها استجابة لحالة النوستالجيا أو للحنين المفرط للماضي الذي يشعر به، إذ تعيد مقتنيها إلى الماضي والحقبة التي تمثلها، في حين يزورها آخرون مولعون بشراء التحف واقتنائها على الدوام.

مثلت تلك الأسواق متاجر ومتاحف في آن واحد، فيمكن للزائر أن يستمتع بمشاهدة التحف، ويمكن له أن يقتني منها ما يشاء. كما أن عددا من هواة اقتناء التحف، قد درج على شراء النادر منها حتى تحول بيته إلى متحف يحوي مقتنيات تحمل كل واحدة منها  قصة وحكاية.

قيمة حضارية

في حين تمثل التحف للبعض مجرد قطعة قديمة، تمثل للآخرين شيئا قيما، يستمد قيمته من الحضارة التي يعود إليها بما فيها من تفاصيل وحكايات.

تُعمر التحف أكثر من صاحبها، وتحمل كل تحفة حكاية حقبة معينة، وتختزل تراكما حضاريا مثلت بعضها ثورة بحد ذاتها، كالمذياع، في نسخته الأولى التي ظهر بها، والجرامافون، الآلة الموسيقية التي كان اقتناؤها حكرا على الأسر الحاكمة والأرستقراطية، والآلة الكاتبة التي شكلت ثورة معرفية في بداياتها الأولى.

وبالقدر الذي تمثل التحف تجارة للبعض، إلا أنها تعد إنقاذا لها أيضا من التلف، وتنقلها من جيل إلى جيل آخر.

ويخضع سعر قطع التحف لحجم توفرها، فكلما كانت نادرة كان سعرها أغلى، كما يخضع لتاريخها، فكلما كانت أقدم كان سعرها أعلى، وتزداد قيمتها كلما كانت على هيئتها الأصلية، ولم تخضع لتعديلات.

تشجيع حكومي 

تشجع الحكومة التركية مظاهر إحياء الثقافة والقطع الأثرية، وهناك جمعية "الأناضول لإحياء الثقافة والقطع الأثرية" التي تضم نحو 80 تاجرا في التحف، وهم إلى جانب كونهم تجارا يعدون خبراء في الأنتيكا والمقتنيات القديمة.

أعضاء الجمعية يعرفون القيمة الحضارية والثقافية التي تمثلها الأنتيكا وإلى أي زمن تعود، وما إذا كان قد تعرضت لتعديلات، وما هو الثمن الذي تستحقه، وهل تباع بشكل مباشر أم عبر مزاد.

كما تنظم البلديات التركية مهرجانا ثقافيا لعرض التحف القديمة والتاريخية، في محاولة لإحياء التراث، والترويج للسياحة، فهناك مهرجان الأنتيكا وعادة ما يعقد بشكل سنوي مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول، ويستمر 50 يوما، في ميدان تقسيم المكان الأشهر بإسطنبول.

ويعرض المهرجان، التقليد المستمر منذ 30 عاما، كل القطع الأثرية القديمة، من الآلات الكاتبة وحتى عربات الأحصنة والسيارات العتيقة، كما يعرض المهرجان تحفا مقلدة للتحف الأصلية، أو مصغرة لها، تشترى كتذكار بأسعار زهيدة.

سوق هورهور

تتعدد الأسواق التاريخية التي تعرض التحف، بين أسواق دائمة وثابتة، تفتح طوال الأسبوع، وبين أسواق أخرى مؤقتة، تفتح في يوم معين خلال الأسبوع، كما تتنوع تلك الأسواق، فبعضها يبيع بنظام البيع المباشر، وبعضها يبيع بالمزاد التنافسي.

من أشهر وأكبر الأسواق الدائمة سوق هورهور، ويقع في حي آق سراي بمنطقة الفاتح، وسط إسطنبول التاريخية، ويوجد السوق في مبنى مكون من 7 أدوار، ويحوي نحو 214 محلا، كلها متخصصة ببيع التحف القديمة، وكثير من التحف التي تباع تحمل الطراز العثماني القديم، كما يحوي السوق مقتنيات أوروبية استطاع التجار جلبها من خارج تركيا، ويصنف هذا السوق من أهم الأسواق في شرق أوروبا ومنطقة البلقان. 

وفي بعض الأحيان يقيم التجار في هذا السوق مزادات لبعض القطع النفيسة والتي يحدد سعرها التنافس بين المضاربين ومدى رغبتهم باقتناء تلك التحف العتيقة.

مزاد حي بلاط

مزاد حي بلاط، هو من أشهر المزادات الأسبوعية، ويقام في حي بلاط، أشهر حي تاريخي وسط إسطنبول في منطقة القرن الذهبي، ويعقد 3 مزادات أسبوعية، لعرض تحف قيمة وقديمة، استخدم بعضها إبان الدولة العثمانية، ونجحت تلك التحف في تحويل عشرات البيوت إلى متاحف تضم العديد من القطع الأثرية.

عادة ما يتم افتتاح المزاد بشرح القيمة التاريخية للأنتيكا المعروضة، ثم تحديد سعر أولي لها من قبل البائع، لتصل بعد ذلك إلى السعر الذي يقرره المتنافسون وصيادو التحف الذين يرون أن الأشياء كلما كانت قديمة زادت قيمتها.

ويعتبر هذا المزاد مقصدا لمئات الزوار الذين يجدون أغراضهم أحيانا بأسعار مناسبة وغير متوقعة. كما يشهد حي بلاط سوقا مسائية تبدأ من الساعة الثالثة عصرا، لبيع التحف بشكل مباشر، أي بدون مزاد. 

بازار فيري كوي

سوق فيري كوي، هو الآخر من أقدم وأهم أسواق الأنتيكا في إسطنبول، ويقع بمنطقة شيشلي، ويحتوي على أندر المقتنيات العتيقة، وبوجوده في هذه المنطقة فإنه يعتبر مزارا لبعض الأسر الثرية، التي تسكن في محيط منطقة شيشلي ويعرض في هذا السوق كل شيء، ويرتاده كثير من الزبائن، خاصة من كبار السن، الذين عايشوا الفترات التي سادت فيها تلك التحف قديما.

عادة ما يروي التجار في هذا السوق قصصا عن بعض التحف النادرة، وعن ملكية شخصية تاريخية أو أسرة مشهورة لها، ويميل الزبائن الذين يصدقون تلك الروايات إلى شرائها، في حين لا يصدق الكثيرون تلك الروايات ما لم تكن مثبتة بصورة قديمة تظهر التحفة وهي بحوزة تلك الشخصية أو الأسرة الشهيرة.

بازار أنقرة

بازار أنقرة من أكبر البازارات في العاصمة أنقرة، وتشرف عليه جمعية الأناضول للأنتيكا، ويحتوي السوق على أندر أنواع التحف، ويقع البازار في منطقة إيرانجي، التابعة لمنطقة تشنكايا، في قلب العاصمة أنقرة.

ويفتتح السوق أيام الأحد والثلاثاء من أول كل شهر، ويعد السوق متنفسا للزائر والزبون على السواء، فيمكن أن يتخذ منه الزائر متحفا ويكتفي بالاستكشاف والفرجة، ويمكن أن يشتري منه ما يشاء.

احتيال وتزوير

يمتهن بائعو التحف التجارة عن طريق  الإنترنت، كما يمتهن بعض المحتالين تجارة الأنتيكا المقلدة عن طريق  الإنترنت، ويبيعون زبائنهم تحفا مقلدة، مصحوبة بقصص مفبركة بكونها تعود لفترة معينة، أو امتلكتها أسرة مشهورة، مستغلين جهل الزبائن وتعلقهم بالمقتنيات التاريخية أو الأثرية.

لهذا فإن خبراء الأنتيكا ينصحون دائما بعدم شراء التحف عن طريق الإنترنت، إلا في حدود ضيقة، وينصحون بعرضها على الخبراء قبل الشراء، للتأكد من كونها تحفة أثرية، ومن كونها لم تتعرض لأي تعديلات أو إضافات، ولإعطائها السعر المناسب في نفس الوقت.

أحد عشاق التحف (رغب بعدم الكشف عن اسمه) تحدث للاستقلال في وقت سابق، بأنه اشترى خنجرا، عن طريق الإنترنت، بنحو 400 دولار، واشتراه بحسب وصف التاجر بأن تاريخه يعود لنحو 500 عام.

تضمن عرض السعر للقطعة عرض سند الخنجر التاريخي، لكن بعد الشراء عرض الزبون الخنجر على خبراء، فأخبروه بأن الخنجر لا يستحق أكثر من 20 دولار، وأنه ليس أثريا، بل معالجا، حيث يقوم المحتالون بمعالجة بعض المقتنيات الحديثة، ببعض المواد والأصباغ المواد الخاصة، لتبدو وكأنها قديمة وعتيقة.

الكلمات المفتاحية