ليس مجرد غذاء.. هكذا تعبر الأطعمة عن الوضع السياسي لدى المغاربة

"أكل العرب الإبل فأخذوا منها الغيرة والغلظة، وأكل الأتراك الخيول فأخذوا منها الشراسة والقوة"، مقولة كتبها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، تُظهر مدى تأثير الأطعمة في طبائع الشعوب وثقافتها، وهو مجال حاز فيما بعد باهتمام كثير من الأنثروبولوجيين والكتاب.
وأصدر كثير من المهتمين دراسات تهتم بهذه الجزئية، بل ذهب بعضهم إلى حد القول إن الطعام يكشف عن تاريخ العلاقات في المجتمع وتوازناته. ويعتبر الشعب المغربي من أبرز الشعوب التي تأثرت بالطعام وما يحمله من تأثير عليه.
إذ أوضح الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي شتراوس أن التعامل مع الطعام لا يكون معزولا عن النسق الثقافي الذي ينتمي إليه الفاعل الغذائي، فكل طعام وكل تدبير ممكن لهذا الطعام يتأسس على صيرورة ثقافية.
أستاذ علم الاجتماع المغربي عبدالرحيم العطري، كان أحد الباحثين في المجال عبر كتابه "قَرابَةُ المِلح.. الهندسة الاجتماعية للطعام"، حيث قال: "ليس هناك طعام صامت، إنه حمّال أوجه ومعان، وناطق بالمعلن والمضمر من خطابات وتمثلات وممارسات".
فكيف أثرت الظروف السياسية على مائدة المغاربة، وما هي أهم المراحل التاريخية التي تركت بصمتها عليها؟
أعوام الجوع
يتعامل المغاربة مع الطعام بنوع من التقديس، ويطلقون عليه صفة "النعمة" في مواقف متعددة.
ويقول العطري في كتابه: إن "النعمة يتوجب تقبيلها وإماطتها عن الطريق إن وجدت مرمية، كما يتوجب إكمال الشهادتين، وعدم ترك قطع أو نتف صغيرة أو قليلة فوق المائدة، فالطعام بما هو نعمة وبركة، لا ينبغي أن يبذر أو يهدر".
ويرجع هذا التقديس عند المغاربة إلى ما عرفته المنطقة والبلاد من فترات شح الأمطار والجفاف أحيانا الذي يمكن أن يدوم أكثر من موسم زراعي، وترتبت عنه مجاعات ومصائب كثيرة في الماضي.
ويوضح ذلك المؤرخ إسماعيل العلوي في أحد أبحاثه، بالقول: إن البلاد عرفت 42 فترة جفاف منذ مطلع الفتح الإسلامي في القرنين 7 و8 إلى غاية القرن 20؛ وهو ما يعني أنه لم يَسلم أي جيل لمدة 1000 سنة من تحمل آثار الجفاف وعواقبه المعيشية والوبائية.
ويعبّر الخزن (مكان تخزين الطعام) عن إستراتيجية وقائية ومضادة تعكس تخوف المغاربة من "هجوم العدو" وضرورة الاستعداد المسبق له، بحسب كتاب "قرابة الملح"، قبل أن يزيد "لكن حتى في اللحظة التي يصير فيها الجوع هو النص الحاضر، فإن المغربي يلجأ إلى آليات التفاوض والتكيف مع الواقع".
وظهر ذلك بحسب الكاتب عن طريق مواجهة هذا الواقع بنوع من الترميق (لقيمات لسد الرمق)، وهو ما لاح بقوة في أوقات الجوع والتعب التي لجأ فيها المغاربة إلى الدخول في مسلكيات غذائية تجاوزت في بعض الأحيان مسألة الحلية والحرمة، وبتبرير من العلماء.
فخلال سنوات "البون" (المجاعة بسبب استيلاء المستعمر الفرنسي على خيرات البلاد)، أفتى بعض العلماء بجواز أكل لحم الخنزير انطلاقا من الآية "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه".
كما لجؤوا إلى أكل الجراد وبعض النباتات، وأبيح للمغاربة الفقراء منهم على وجه الخصوص، خلال سنوات الأزمة، أكل الجيف ولحوم البشر والقطط والكلاب، مبررين أن ذلك معمول به في أقصى درجات المسغبة (الجوع)، ما يجعل التمثيل الغذائي يتحرك باتجاه النقيض في محاولة لحفظ الحياة وتأمين الاستمرارية، بحسب العطري.
نظام عفوي
عاش المغاربة محكومين باقتصاد الكفاف وقسوة البيئة قبل البنيات الحديثة التي أدخلها الاستعمار الأوروبي في القرن العشرين، بحسب ما ذكر المؤرخ المغربي محمد حبيدة في كتابه "المغرب النباتي: الزراعة والأغذية قبل الاستعمار"، وهو ما ارتهنت معه الزراعة بما تجود به السماء من أمطار، وما يستخدمه الفلاح من تقنيات قديمة.
هذه العوامل جعلت الإنتاج ضعيفا والطعام قليلا؛ وهو ما دفع الناس إلى الاقتيات على الحبوب والبقوليات والخضروات والفواكه الطرية والجافة وزُيوت الزيتون وبذور الأرجان في الأوقات العادية، والنباتات البرية في أوقات القحط والمجاعة.
ويوضح حبيدة أن اللحم كان "مادة احتفالية" بمغرب ما قبل الاستعمار، تتصل بالمناسبات العائلية أو الدينية؛ وهو ما تظهره المعطيات المتناثرة داخل المصادر التاريخية، ما يجعل من هيمنة الطعام النباتي على موائد المغاربة "نظاما نباتيا عفويا" بعيدا عن أي تصور طبي أو بيئي أو أخلاقي، وفق تعبيره.
رغم اختلاف هذه الظروف، لم تتغير عادات المغاربة كثيرا في الأكل، ويمكن القول إن هناك بطء في تغير العادات الغذائية لدى المجتمع المغربي خاصة التقليدية منها، بحسب الدكتورة نعيمة المدني، أستاذة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة "القاضي عياض" بمدينة مراكش.
واستندت المدني في تصريحها لصحيفة "الاستقلال" على أن وصفات غذائية ذكرها باحث مثل مولييراس في القرن التاسع عشر لا زالت حاضرة إلى يومنا هذا ضمن النظام الغذائي المغربي، كما هو الحال بالنسبة لوصفات تصبير الزيتون التي لا تزال تحضر في مناطق من شمال المغرب، ووصفات طبخ البقوليات خاصة الفول، الذي عُثر كذلك على جرة مكلسنة منه تعود إلى القرن التاسع الميلادي، حسب المؤرخ روزو نبرجي.
ويقول العطري في كتابه: إن "الانتقال من سجل النيء إلى المطبوخ إلى المعفّن، والتموضع في وضعيات وسيطية، تماما كما هو الأمر بالنسبة إلى المشوي والمسلوق، إنهما معا (الانتقال والتموضع) يحيلان على ممارسات ثقافية تختزن من الرموز والطقوس ما يفيد حقا في تأويل الثقافة السائدة".
انتماءات سياسية
أفاد كاتب "قَرابَةُ المِلح"، أننا "عندما نتتبع مسار التعامل الإنساني مع أي نوع من الشراب أو الطعام، فإننا نكتشف مسارات من البناء الثقافي الذي يتجاوز المتن الغذائي، إلى الاجتماعي والديني والاقتصادي والنفسي والسياسي، ونكاد نَعبُر بالتالي إلى مخيالهم ونظرتهم للكون".
إننا بذلك نفكك كثيرا من الشفرات الثقافية لأي مجتمع من خلال طعامه ومائدته، ويقول العطري: "إن الطبق البسيط أو العالي الكعب، يظل مُعبِّرا وحمّالا لأوجه عديدة من احتمالات القراءة، فهو دال من حيث المضمون والشكل والمعنى الذي ينتجه، ويبني به استمراريته أو مكانته بين ألوان الطبيخ".
في حين ترى الدكتورة نعيمة المدني أن ما يؤثر في العادات الغذائية المغربية بامتياز هو الجانب الثقافي والاجتماعي، بدرجة أولى أكثر حتى من الجانب الطبيعي، حيث أن توفر منتوج غذائي في مقطع جغرافي معين لا يعني تصدره لمائدة الطعام في تلك المنطقة، إذ يمكن لساكنة بعض السواحل المغربية تجنب تقديم السمك للضيوف لأنها قد لا تعتبره غذاء احتفاليا.
أما الجانب السياسي، بحسب المتحدثة لـ"الاستقلال"، فليس له أثر يذكر في العادات الغذائية المغربية شبه الثابتة، حيث نجد السياسي مهما كان انتماؤه فله عادات غذائية مغربية جهوية ووطنية لا تتغير بتغير لونه، وهي عادات يمكن له أن يتقاسمها مع السكان في المنطقة التي ينشط بها أو يمثلها كمغربي وليس كناشط.

ارتباطات دينية
في كتابه "ديوان المائدة" قال سعد سرحان: إن الكسكس "يقدم عادة في قصعة ثقيلة تقرفص وسط المائدة أو على الأرض، مجبرة آكليه على التحلق حولها، جاعلة بذلك من نفسها محورا ورمزا لثقافة التشارك، فضلا على أنه مرتبط وجدانيا بأيام الجُمَع والمناسبات وحلقات الذكر".
ويرجع حفاظ المجتمع المغربي على العادات الغذائية التقليدية، بحسب دكتورة الأنثروبولوجيا، إلى بعدها السوسيو-ثقافي الذي جعلها جزءا من التراث المغربي، وبالتالي وسيلة للتعبير عن الهوية والانتماء المغربي، لذلك تمكن العادات الغذائية من التعرف على خصائص المغاربة ووروافدهم الثقافية.
وترى المتحدثة لـ"الاستقلال" أنه بالنظر إلى توفر المغرب على عادات غذائية جهوية مختلفة، يكفي النظر إلى مطبخ الأسرة المغربية لمعرفة أصولها الجهوية، وكذلك سبر عمقها الإفريقي كما هو الحال بالنسبة للكسكس الوطني باعتباره طبق إفريقي بامتياز يعد في الاحتفالات الدينية والاجتماعية بالمغرب.
وتضيف الأستاذة الجامعية: "لا نكاد نعثر على تغيرات جذرية إذن في تاريخ العادات الغذائية المغربية، فالنظام الغذائي المغربي كنظام إفريقي يعتمد بالدرجة الأولى على الحبوب، وهذا مؤكد سواء في المصادر القديمة التي تناولت تاريخ الغذاء بالمغرب، أو في البحوث الوطنية حول النفقات الغذائية، كما يعتمد المغاربة على الخبز كغذاء أساسي في جميع الوجبات، ويحظى برمزية دينية في المغرب باعتباره يدل على الرزق".
لهذا عندما نتحدث عن تحول العادات الغذائية المغربية فهذا الأمر يحيل فقط على دخول الوجبات السريعة إلى النظام الغذائي المغربي خاصة في الوسط الحضري، نظرا لمجموعة من الإكراهات الاجتماعية الأسرية والمهنية.
غير أن هذه الوجبات السريعة ظلت فردية وليست جماعية نظرا لكون الأطباق المغربية في الأصل هي أطباق جماعية، كما أنها لم تستطع بتاتا أن تخترق المطبخ الاحتفالي المغربي الاجتماعي منه والديني باعتباره مطبخا تقليديا بامتياز، بحسب المدني.

















