من الخرطوم إلى جوبا.. كيف تسللت الحرب السودانية عبر الحدود؟

بعض المقاتلين كانوا في الأصل عناصر ضمن مليشيات محلية تشكلت خلال الحرب الأهلية الجنوبية
في معارك كردفان المشتدة حاليًا، لم يكن كل من حمل السلاح سودانيًا؛ إذ أسر الجيش السوداني مطلع يناير/كانون الثاني 2026 مقاتلين من دولة جنوب السودان كانوا يقاتلون إلى جانب مليشيا الدعم السريع المتمردة والمدعومة إماراتيًا.
ليكشف ذلك واقعًا مقلقًا، مفاده أن الحرب التي اندلعت في الخرطوم قبل نحو ثلاثة أعوام باتت تستدعي مقاتلين من خارج الحدود، في مؤشر خطير على اتساع رقعة النزاع وتحوله من صراع داخلي إلى ساحة جذب لقوى بشرية عابرة للدول.
وتوالت الأسئلة تباعًا: ما الذي يدفع جماعات أو أفرادًا من جنوب السودان للقتال إلى جانب محمد حمدان دقلو “حميدتي” ضد الجيش السوداني؟ وكيف سينعكس هذا التطور على العلاقة الهشة أصلًا بين الخرطوم، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وجوبا، التي تحاول الإمساك بخيط رفيع من التوازن في محيط إقليمي مشتعل؟

أسرى من جنوب السودان
وبحسب مصادر عسكرية سودانية، تمكن الجيش والقوات المتحالفة معه، يومي 30 و31 ديسمبر/كانون الأول 2025، من أسر أكثر من عشرة مقاتلين أجانب في بلدتي كازقيل والرياش بولاية شمال كردفان، خلال اشتباكات مباشرة مع مليشيا الدعم السريع.
وأكدت المصادر أن بين الأسرى عناصر يحملون جنسية جنوب السودان، مشيرة إلى أن الخرطوم بصدد مخاطبة حكومة جوبا رسميًا، مدعومة بما وصفته بأدلة موثقة على مشاركة هؤلاء في القتال.
وفي الأول من يناير/كانون الثاني 2026، نشرت صفحة “أخبار شرق كردفان” المحلية على منصة “إكس” مقطع فيديو يظهر قادة وجنودًا من القوة المشتركة وهم يتناولون العشاء مع أسرى من مليشيا الدعم السريع، وعلقت بأن من بينهم مرتزقة من دولة جنوب السودان، مضيفة أن المجموعة كانت تستعد للاحتفال برأس السنة قبل وقوعها في الأسر.
ورغم عدم صدور تأكيد مستقل ومحايد لمضمون الفيديو، فإن تداوله الواسع أسهم في تعزيز السردية الرسمية للجيش السوداني.
وجاء ذلك بالتزامن مع تصعيد آخر، تمثل في مقتل القائد الميداني البارز في مليشيا الدعم السريع، حامد علي أبو بكر الذي كان يقود المجموعات المهاجمة، ومن ضمنها مقاتلون من جنوب السودان، في هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مدينة زالنجي بوسط دارفور في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025.
وقد نعى أبو بكر مستشار قائد الدعم السريع، الباشا طبيق، متوعدا بالرد، ومتهمًا الجيش السوداني بتنفيذ عملية اغتيال متعمدة.
وهذان الحدثان، الأسر والمقتل، تداخلا في رسم ملامح مرحلة جديدة من الحرب، مرحلة تبحث فيها مليشيا الدعم السريع عن كل أوراق القوة الممكنة، بما في ذلك الاستعانة بمقاتلين أجانب من الجنوب، في وقت يراكم فيه الجيش مكاسب ميدانية نسبية في ولايات الوسط وكردفان.
من هم هؤلاء المقاتلون؟
ومن هنا يبرز السؤال الأول المتعلق بهوية المقاتلين القادمين من جنوب السودان. وتشير المعلومات المتوافرة حتى الآن إلى أنهم لا ينتمون إلى وحدات نظامية تابعة للجيش الشعبي لتحرير السودان، ولا يعملون بتكليف رسمي من حكومة جوبا.
بل ينتمون إلى خليط من جماعات مسلحة سابقة، وعناصر قبلية مسلحة، وأفراد راكموا خبرة قتالية خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان بين عامي 2013 و2018.
ويُعتقد أن جزءًا من هؤلاء ينحدر من مناطق شمال بحر الغزال وغرب الاستوائية، وهي مناطق حدودية شهدت تاريخيًا تداخلًا قبليًا واقتصاديًا مع غرب كردفان ودارفور. فقبائل مثل الدينكا والمسيرية والرزيقات، ورغم اختلاف جنسياتها بعد انفصال الجنوب في 2011، ظلت تحتفظ بشبكات مصالح عابرة للحدود تشمل الرعي والتجارة، وأحيانًا التهريب.
وتشير مصادر أمنية سودانية إلى أن بعض هؤلاء المقاتلين كانوا في الأصل عناصر ضمن مليشيات محلية تشكلت خلال الحرب الأهلية الجنوبية، قبل أن يجري تسريحهم أو تهميشهم عقب اتفاق السلام الذي أُعيد تنشيطه عام 2018. ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية في جنوب السودان، وارتفاع معدلات البطالة بين المقاتلين السابقين، بات هؤلاء فريسة سهلة لشبكات التجنيد المرتبطة بمليشيا الدعم السريع.
دوافع خفية
وقال السياسي السوداني أمين عبد الرازق، في تصريح لـ“الاستقلال”: إن انخراط مقاتلين من جنوب السودان في الحرب داخل السودان لا يمكن فصله عن الدور الإقليمي الداعم لمليشيا الدعم السريع، وفي مقدمته الإمارات التي اتهمها بتوفير الغطاء السياسي واللوجستي لاستمرار المليشيا في القتال رغم تراجعها الميداني.
وأضاف أن الدعم السريع، بعد أن استنزف حواضنه المحلية وخسر مساحات إستراتيجية، لجأ إلى استجلاب مقاتلين أجانب من جنوب السودان، مستغلا الأزمة الاقتصادية الخانقة هناك والانهيار شبه الكامل في الخدمات، فضلًا عن تأخر رواتب القوات النظامية. ورأى أن القتال مقابل الدولار أو السلاح لم يعد نشاطًا فرديًا، بل بات جزءًا من منظومة تجنيد منظمة تعمل بتمويل وإسناد خارجي.
وأشار عبد الرازق إلى أن هذا المسار يرتبط بشبكة أوسع من المصالح العابرة للحدود، تشمل تهريب السلاح والوقود والماشية والبشر، مؤكدًا أن هذه الشبكات تحظى بحماية مليشيا الدعم السريع، وتتحرك عبر مسارات حدودية معروفة، في ظل صمت إقليمي وصفه بالمريب، ودعم إماراتي يتخذ، بحسب تعبيره، أشكالًا إنسانية ظاهرها الرحمة وباطنها إدارة الحرب.
وأوضح أن إقامة مستشفيات ميدانية ومراكز دعم لوجستي قرب الحدود السودانية، كما حدث في جنوب السودان، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العسكري، مستحضرًا تجارب سابقة في تشاد وليبيا جرى فيها توظيف العمل الإنساني غطاءً لإدارة عمليات عسكرية وتمويل مليشيات خارج إطار الدول.
وشدد على أن الدعم السريع، بدفع وتشجيع إماراتي، يعيد فتح صراعات حدودية قديمة بين جماعات سودانية وجنوبية، مستغلًا هشاشة المناطق المتداخلة قبليًا، ويرى أن الحرب الحالية وفرت غطاءً لإحياء نزاعات دامية على الموارد والرعي، بما يهدد وحدة السودان واستقرار الإقليم بأكمله.
وختم عبد الرازق بالقول إن لجوء المتمردين إلى مقاتلين أجانب، بدعم إماراتي صريح أو ضمني، يمثل خرقًا فاضحًا للسيادة السودانية وتصعيدًا خطيرًا ينقل الحرب من صراع داخلي إلى نزاع إقليمي. محذرًا من أن استمرار هذا المسار سيقود إلى موجة عدم استقرار طويلة الأمد ستدفع شعوب المنطقة ثمنها.

لماذا يلجأ حميدتي إلى المرتزقة؟
ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، اعتمدت مليشيا الدعم السريع أساسًا على قوتها البشرية المحلية، مستندة إلى شبكات قبلية في دارفور وكردفان، وإلى ترسانة سلاح راكمتها خلال سنوات تحالفها السابق مع الجيش.
غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير مع خسارة قوات حميدتي مواقع إستراتيجية في ولايات الجزيرة وسنار وأجزاء من الخرطوم، ومع تصاعد الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة.
وفي هذه المرحلة، باتت مليشيا الدعم السريع بحاجة إلى تعويض النقص البشري، والاستعانة بعناصر لا ترتبط مباشرة بالحاضنة الاجتماعية السودانية، بما يقلل من الحساسية الداخلية للخسائر البشرية.
وفي هذا السياق، يؤدي المقاتل الأجنبي القادم من جنوب السودان وظيفة مزدوجة: تعزيز القوة العددية، وتقليل الكلفة السياسية. كما أن الاستعانة بمقاتلين من دول الجوار، مثل تشاد وتنزانيا، تمنح الدعم السريع هامش مناورة أوسع، وتعقّد مهمة الجيش في ضبط الحدود ومنع تدفق الإمدادات البشرية.
ويمثل وجود عناصر مسلحة من جنوب السودان بُعدًا إضافيًا في العلاقة بين الخرطوم وجوبا، التي اتسمت بالهشاشة منذ انفصال الجنوب في يوليو/تموز 2011. ورغم محاولات متكررة للتعاون، خاصة في ملفات النفط والحدود، ظلت الشكوك المتبادلة حاضرة بقوة.
ويضع اتهام الخرطوم، ولو بشكل غير مباشر، لمواطنين من جنوب السودان بالقتال في صفوف الدعم السريع حكومة جوبا في موقف بالغ الحساسية؛ فهي من جهة لا ترغب في الدخول في مواجهة دبلوماسية مع السودان الذي يمثل شريانا حيويا لعبور نفطها إلى الأسواق العالمية، ومن جهة أخرى، فإن غض الطرف عن تجنيد مواطنيها في حرب الجار قد يُفسر في الخرطوم على أنه تواطؤ أو تقصير.
وتشير مصادر دبلوماسية سودانية إلى أن الخرطوم تدرس تقديم ملف متكامل إلى جوبا خلال يناير/كانون الثاني 2026، يتضمن أسماء الأسرى ومسارات وصولهم إلى ساحات القتال. وفي حال لم تُقابل هذه الخطوة بتعاون واضح، قد تشهد العلاقات الثنائية توترًا جديدًا ينعكس على ملفات اقتصادية وأمنية حساسة.

الإمارات وجنوب السودان
ويزداد المشهد تعقيدًا مع دخول العامل الإماراتي على خط الأزمة، بوصفه خصمًا عنيدًا للسودان في هذه الحرب. ففي 7 مارس/آذار 2025، افتتحت الإمارات مستشفى “مادهول” الميداني في إقليم شمال بحر الغزال بجنوب السودان، بحضور وفد رسمي رفيع ترأسه وزير الدولة الإماراتي شخبوط بن نهيان آل نهيان، وبرعاية مباشرة من رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان.
ورغم الطابع الإنساني المعلن للمشروع، أثار موقع المستشفى الذي يبعد نحو 64 كيلومترًا فقط عن الحدود السودانية، جدلًا واسعًا في الأوساط السودانية. ورأى سياسيون وناشطون من بينهم الدكتور أحمد مقلد، أن المستشفى يشكل غطاءً لقاعدة لوجستية تستخدم لدعم مليشيا الدعم السريع، مستحضرين سوابق مشابهة في منطقة أم جرس على الحدود التشادية.
وقال الخبير الأمني السوداني عامر حسن، في مقابلة مع قناة “طيبة” السودانية في 12 مارس/آذار 2025: إن الإمارات “تقيم قاعدة لوجستية في جنوب السودان تحت غطاء الهلال الأحمر”. محذرًا من أن هذه القواعد قد تستخدم لإطلاق طائرات مسيّرة أو لتجميع المرتزقة.
ورغم غياب أدلة علنية قاطعة على هذه الاتهامات، فإن تزامن افتتاح المستشفى مع تقارير عن تحركات مقاتلين أجانب يعزز الشكوك، ويضع حكومة جوبا في موقف حرج بين شريك إقليمي قوي وضغوط الجار الشمالي.
وقال عضو حزب المؤتمر الوطني السوداني، إبراهيم الشيخ، في تصريح لـ“الاستقلال”: إن انخراط مقاتلين من جنوب السودان في الحرب السودانية، مهما بدا محدودًا من حيث العدد، يكشف مسارًا بالغ الخطورة يتمثل في تدويل النزاع بصورة زاحفة وعالية الاستنزاف.
وحمل الشيخ قوى إقليمية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، مسؤولية الدفع بهذا المسار. مؤكدًا أن تعدد الجنسيات المتورطة في القتال داخل السودان لم يعد تطورًا عارضًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات ممنهجة فتحت الباب أمام المال والسلاح والمرتزقة.
وأوضح أن هذا التدويل الزاحف لا يعني بالضرورة اندلاع حرب إقليمية شاملة في الوقت الراهن، لكنه يفتح الباب أمام صراعات بالوكالة، وتنافس استخباري، واستخدام المناطق الحدودية كساحات خلفية للعمليات العسكرية، ما يحول السودان تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وأشار الشيخ إلى أن واقعة أسر مقاتلين من جنوب السودان تمثل جرس إنذار خطيرًا، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت البلاد أمام نقطة تحول في مسار الحرب، أم أمام حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات الخارجية التي غذّت الصراع وأطالت أمده.
وختم بالقول: إن الحرب السودانية لم تعد شأنًا داخليًا منذ وقت طويل، محذرًا من أن كل مقاتل أجنبي يُؤسر، وكل منشأة إنسانية تحيط بها الشبهات، تقرّب السودان خطوة إضافية من حافة صراع مفتوح، تُدفع كلفته أولًا من دماء السودانيين، ثم من استقرار المنطقة بأكملها.
المصادر
- الجيش السوداني يعلن أسر عناصر من جنوب السودان ضمن قوات "الدعم"
- RSF Darfur security advisor killed in drone strike near Zalingei
- الإمارات تفتتح مستشفى مادهول الميداني في جنوب السودان
- جذور الميليشيات في مأساة السودان الجديدة
- كيف يُغيّر الدعم السريع ديمغرافية دارفور عبر النزوح؟
- «المشتركة»: مشاركة «مرتزقة أجانب» في معارك الفاشر تجاوز عسكري وتهديد للسيادة الوطنية















