إسرائيل تدخل مجال التصنيع العسكري بالمغرب.. تهديد للأمن القومي أم تنافس إقليمي؟

"هذه الخطوة تصطدم بالإرادة الشعبية المغربية الرافضة للتطبيع"
رغم التحذيرات من خطورة التغلغل الصهيوني على الأمن القومي، تواصل السلطات المغربية تعاونها مع إسرائيل في المجال العسكري والإنتاج الحربي، وسط مخاوف إسبانية.
وافتتحت شركة “بلو بيرد إيرو سيستمز” التابعة لـ"الصناعات الجوية الإسرائيلية" (IAI) أول مصنع من نوعه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لإنتاج الطائرات الانتحارية "سباي إكس" (SpyX)، بمدينة بنسليمان ضواحي الدار البيضاء.
وبحسب صحيفة "غلوبز" الإسرائيلية، في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، فإن المصنع الجديد سيتخصص في تصنيع وتجميع ذخائر جوالة من طراز "سباي إكس"، المعروفة بقدرتها على تنفيذ مهام هجومية دقيقة تعتمد على التتبع الآلي للأهداف قبل الانقضاض عليها وتدميرها.
تعاون عسكري
وقال الموقع: إن الطائرة الانتحارية، التي اختبرها الجيش المغربي في مارس/آذار 2024، تتميز بقدرة على حمل رأس حربي يزن 2.5 كيلوغرام، كما يمكنها بلوغ سرعات تصل إلى 250 كيلومترا في الساعة، مع إمكانية التحليق لمدة تصل إلى 90 دقيقة بفضل قدرتها العالية على الاستقلالية.
ويجري توجيه هذا النوع من الطائرات خصيصا لضرب الدبابات والمدرعات القتالية والقواعد العسكرية.
وتفيد "غلوبز" بأن “المغرب يعد هذا المشروع خطوة أساسية نحو تعزيز استقلاله الدفاعي، إذ سيتولى مهندسون وتقنيون مغاربة عمليات التجميع والصيانة بعد تلقيهم تدريبات تقنية متقدمة توفرها الشركة الإسرائيلية بهدف نقل التكنولوجيا وبناء خبرات محلية”.
التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي ترجمته أيضا صفقة أبرمت في فبراير/ شباط 2023 بقيمة 500 مليون دولار لتزويد الرباط بنظام الدفاع الجوي والصاروخي "باراك إم إكس" الذي تصنعه شركة الصناعات الفضائية الإسرائيلية، والذي يعد من أعتى أنظمة الدفاع الجوية والذي صمم لمواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات ويعمل من على منصات بحرية وبرية.
وقبل ذلك بعامين، اقتنت الرباط من دولة الاحتلال نظام "سكاي لوك دوم" المضاد للطائرات دون طيار.
وفي يوليو/تموز 2023، أعلن رئيس مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، شاي كوهين، أن شركة الدفاع الإسرائيلية "إلبيت سيستمز" تعتزم افتتاح مصنعين لتصنيع طائرات دون طيار إسرائيلية في المغرب يرجح أن يكون أحدهما في الدار البيضاء.
وفي فبراير 2025، أفادت التقارير بأن المغرب اشترى 36 وحدة Atmos من شركة "إلبيت سيستمز".
ويشمل هذا النظام مدفع هاوتزر قادر على إطلاق جميع القذائف والمقذوفات القياسية المعتمدة من حلف الناتو عيار 155 ملم، ويبلغ مداه الفعال أكثر من 40 كيلومترا مع القذائف العادية، ويتيح مدى أطول مع المقذوفات المدفوعة بالصواريخ.
كما أفيد بأن المغرب اقتنى أنظمة الدفاع الجوي “باراك إم إكس" Barak MX من “IAI” وأنظمة ”سبايدر" من شركة “رافائيل”، الأمر الذي يظهر كيف أصبحت الأسلحة الإسرائيلية جزءا لا يتجزأ من الجيش المغربي.

تعزيز الترسانة
وفي أغسطس/آب 2025، أكمل المغرب تجربة ناجحة لصواريخ موجهة من طراز "إكسترا" من إنتاج “Elbit” و"IAI"، ضمن تمرين تدريبي أقيم جنوب شرق البلاد.
ويبلغ عيار هذه الصواريخ 306 ملم، ويصل مداها إلى 150 كيلومترا، مع رأس حربي يزن 120 كيلوغراما.
وكان الوزير المكلف بإدارة الدفاع المغربي، عبد اللطيف لوديي، قد صرح في نوفمبر 2023 أن المغرب يطمح إلى دعم مجال التصنيع العسكري.
وذكر في مجلس النواب أن الرباط أبرمت مجموعة من الشراكات والاتفاقيات لأجل تطوير أسلحة وتجهيزات القوات المسلحة. مشيرا إلى أن المغرب يريد جذب استثمارات أجنبية في هذا المجال.
وخلال السنوات الأخيرة، عززت الرباط ترسانتها عبر اقتناء منظومات إسرائيلية متعددة، من بينها أقمار المراقبة “Ofek 13” التي اختارتها بديلا عن المزودين التقليديين Airbus وThales، إضافة إلى منظومة المدفعية “أتموس” التي اقتنى منها المغرب 36 وحدة تعمل بذخائر الناتو، ومنظومات الدفاع الجوي “باراك8" و”سبايدر".
إلى جانب الصواريخ الموجهة "إكسترا" بعيدة المدى التي جرى اختبارها بنجاح في جنوب شرق المغرب عام 2024 بمدى يصل إلى 150 كيلومترا.
كما سبق للمغرب أن اقتنى منظومة “PULS” الخاصة بالراجمات متعددة المهام في صفقة بلغت قيمتها 150 مليون دولار.
وفي السياق نفسه، تواصل الرباط أيضا تعزيز ترسانتها من الأسلحة الأميركية، بما في ذلك دبابات “أبرامز” المتطورة.
ومنذ تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل، في أعقاب اتفاق ثلاثي بينهما وبين الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب عام 2020، نمت العلاقات بينهما بشكل كبير، سواء في المجالات الاقتصادية أو العسكرية.

موقف سياسي
في قراءتها للحدث، رأت رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المحامية سعاد براهمة، أن "إنشاء مصنع للطائرات المسيرة على التراب المغربي يعد خطوة خطيرة للغاية، ومرفوضة قانونيا وحقوقيا".
وشددت براهمة لـ"لاستقلال"، على أن هذه الطائرات "قد تُستعمل أو تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في ارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة وفي الأراضي الفلسطينية عموما، بما فيها جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية".
وذكرت الناشطة الحقوقية أن هذا "يتعارض بشكل صريح مع مبادئ القانون الدولي، وخاصة واجب عدم التواطؤ".
ونبهت إلى أن "الجميع يعرف أن الطائرات المسيرة الإسرائيلية هي إحدى الأدوات الأساسية المستخدمة في الهجمات التي تستهدف المدنيين، وبالتالي، فإن إقامة صناعة مرتبطة بها في المغرب يشكل خرقا واضحا للالتزامات الدولية للمملكة".
وأوضحت رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن "هذه الخطوة تصطدم بالإرادة الشعبية المغربية الرافضة للتطبيع، وتسيء لصورة المغرب الحقوقية، وتزج بالبلاد في ترتيبات عسكرية تتناقض جذريا مع مبادئ حقوق الإنسان".
بناء على ذلك، طالبت براهمة باسم جمعيتها "بإغلاق هذا المشروع فورا، ووقف كل أشكال التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل".
وأردفت "وذلك انسجاما مع التزامات المغرب الدولية ومع واجبه الأخلاقي والقانوني في حماية حقوق الشعب الفلسطيني".
في مقابل هذا الرأي المحذر من تغلغل الكيان الصهيوني في أرض المغرب، يرى رئيس المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية محمد الطيار، أن افتتاح مصنع الطائرات الانتحارية "يشكل تطورا نوعيا في المنظومة الصناعية الدفاعية المغربية".
وأضاف الطيار لموقع "آشكاين" المحلي في 14 نوفمبر 2025، أن "هذا الافتتاح لا يقتصر دوره على التصنيع المحلي فحسب، بل يتيح للمغرب دخول مجال تطوير الذخائر الذكية وتكوين خبرات وطنية في الهندسة العسكرية والإلكترونيات الدفاعية والصيانة الدقيقة للطائرات المسيرة".
وأكد أن "حضور المغرب لتدريب متقدم وإطلاق أول خط إنتاج محلي ببنسليمان، يشكلان تحولا نوعيا في مسار التطور الدفاعي الوطني، كما يشكلان تحولا مهما ينقل المغرب من مرحلة الاستفادة من الخبرة إلى مرحلة نقلها وتلقينها، وهو ما يؤكد دخول المملكة عهد التصنيع الدفاعي الذاتي".
وأوضح الطيار أن "هذا التوجه سيمكن المغرب على المستوى الأمني والعسكري من امتلاك قدرات متقدمة في المراقبة والاستطلاع والردع الذكي، وتقليص تبعيته للخارج، من حيث تكوين كفاءات وطنية عسكرية متخصصة في تقنيات الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي العسكري".
وشدد أن هذا الأمر "سيعزز جاهزية القدرات العسكرية المغربية واستقلاليتها التقنية، أي أننا سنتوفر على كفاءات وطنية مدربة ومؤطرة وتتوفر على خبرات عالية".
وذكر الطيار أن "رفع المغرب في سقف إنفاقه الدفاعي إلى مستوى غير مسبوق، بعد تخصيص 157.171 مليار درهم (15.7 مليار دولار)، في مشروع قانون مالية 2026 لتحديث القوات المسلحة وتطوير الصناعة الدفاعية الوطنية، مثّل تحولا إستراتيجيا يعكس استمرار المملكة في نهج التحديث العسكري وتعزيز سيادتها الأمنية والصناعية.
منافسة إسبانيا
قراءات أخرى ذهبت في اتجاه أن تعزيز المغرب لتعاونه مع إسرائيل يأتي في ظل تنافس إقليمي-عسكري، خاصة مع الجارة الشمالية للمملكة، إسبانيا.
وعبرت إسبانيا عن انتباه مبكر بالتحركات المغربية، وهو ما انعكس في رد أدلت به رئاسة مجلس النواب الإسباني على سؤال موجه لها من ممثلي حزب "فوكس" اليميني المتطرف بشأن مدى استعداد مدريد للرد على أي اعتداء محتمل بـ"الطائرات المسيرة الانتحارية" من المغرب بالقول: "الرد سيكون حازما".
ووفق تقرير لصحيفة “الكونفدنسيال ديجيتال” الإسبانية في 29 يوليو 2025، فإن هذا التهديد الرسمي يأتي في ظل تقارير متواترة عن التحركات المغربية لتعزيز ترسانته من الطائرات المسيرة الانتحارية.
ودأبت وسائل إعلام إسبانية وأحزاب معارضة على الترويج لوجود ما أسمته بـ"الأجندة المغربية السرية"، وزعمت أن الرباط أصبحت قادرة على توجيه ضربة إلى سبتة ومليلية الخاضعتين للسيادة الإسبانية، بفضل حصولها على الطائرات المسيرة الإسرائيلية.
وفي هذا الصدد، قالت الصحيفة في تقريرها: إن "الرباط تعد إحدى الدول الرئيسة التي ستنتج وتصدر الطائرات بدون طيار بموجب ترخيص من تل أبيب إلى السوق الدولية".
وذكرت أن "القوات المسلحة الملكية المغربية أصبحت تمتلك تكنولوجيا الطائرات المسيرة الانتحارية وهو السلاح، الذي يحمل اسم "سباي إكس" ويتم تطويره بتكنولوجيا إسرائيلية من قبل شركة “بلو بيرد إيرو سيستمز”.
ونبهت إلى أن هذه التكنولوجيا، إلى جانب أسطول الطائرات المسيرة الموجود بالفعل والذي يتألف من 233 طائرة درون، تجعل المغرب ثاني أكبر قوة للطائرات المسيرة في إفريقيا بعد مصر، وفق ما ذكرته الصحيفة الإسبانية.
في تصنيف القوة العسكرية العالمية الذي أجرته “غلوبال فاير باور”، والذي شمل 145 دولة، احتل فيه المغرب المركز 61 وإسبانيا المركز 20، لكن بالنسبة لحزب "فوكس" فإن ميزات الطائرات المسيرة الانتحارية "سباي إكس" تتفوق على تلك التي تملكها إسبانيا.
وفي 2024، وقعت المملكة المغربية عقدا مع الولايات المتحدة ستحصل بموجبه الرباط على 18 نظاما لإطلاق صواريخ HIMARS و112 صاروخا أرض-أرض، ثلاثة نماذج بمدى يتراوح بين 82 إلى 305 كيلومترات.
هذه الصفقة أثارت القلق في إسبانيا، وقالت صحيفة “الكونفدنسيال” إن هذه المعلومات "تثير القلق"، موضحة أنه يمكن للمغرب مراقبة الحدود والطرق البحرية الإستراتيجية باستخدام هذه الأسلحة الأميركية.
ولمواجهة ذلك "التهديد المحتمل"، كشفت تقارير إسبانية أن وزارة الدفاع نشرت في مناطق خاضعة للسيادة الإسبانية في المياه الإقليمية شمال المملكة المغربية أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة بهدف "حماية هذه المناطق".
![]()
سباق تكنولوجي
وفي آخر تحركاتها في هذا الصدد، أعطت الحكومة الإسبانية الضوء الأخضر لبرنامج فضائي عسكري جديد يهدف إلى تعزيز قدرات البلاد في مجال المراقبة والاستطلاع الفضائي، وذلك عبر تمويل شركة “Hisdesat” بقيمة 1,012 مليار يورو لتطوير منظومة الأقمار الصناعية "باز 2"، التي ستحل محل القمر الحالي "باز 1" المتوقع انتهاء صلاحيته عام 2030.
وبحسب تقرير لموقع “إنفو ديفونسا” الإسباني، في 3 سبتمبر/ أيلول 2025، فإن البرنامج الجديد يتضمن تصنيع وإطلاق قمرين صناعيين بين عامي 2031 و2032، مجهزين بتقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية (SAR).
وسيتمكنان من مضاعفة القدرات التشغيلية 16 مرة مقارنة بالنظام الحالي، مع تحسين دقة الصور إلى بضعة سنتيمترات فقط، وزيادة التغطية اليومية ثلاث مرات.
كما ستتيح المنظومة الجديدة صورا متعددة الاستقطاب، وتستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتفسير الأهداف بشكل أوتوماتيكي، ما يمنح إسبانيا تفوقا تكنولوجيا في مجال المراقبة.
وزارة الدفاع الإسبانية أكدت أن البرنامج يندرج ضمن إستراتيجية حماية المصالح الوطنية؛ إذ سيوفر معلومات دقيقة وآنِيَة للجيش والإدارات العمومية والهيئات الدولية في مجالات متعددة مثل الاستخبارات والأمن القومي، وإدارة الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ، ومراقبة البنية التحتية الحيوية، والتحكم في الحدود.
وسيتم تنفيذ المشروع من طرف “إيرباص ديفانس أند سبيس إسبانيا”، بنسبة مشاركة محلية تصل إلى 65 بالمئة، بما يغطي مراحل التصميم، التصنيع، الاختبارات، الإطلاق والتشغيل الأولي، إضافة إلى خدمات التأمين واللوجستيك.
وشدد الموقع على أن إطلاق إسبانيا لبرنامجها العسكري الجديد "باز 2" لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات الإقليمية، خصوصا مع تزايد الاهتمام المغربي بالفضاء كجزء من منظومته الدفاعية والإستراتيجية.
وأشارت إلى أن المغرب بدوره أطلق خلال السنوات الماضية أقمارا صناعية متطورة من طراز محمد السادس A وB، بقدرات عالية في مجال الاستشعار عن بعد ومراقبة الحدود.
ونبه المصدر ذاته إلى أن "هذه الخطوة وضعت الرباط ضمن قائمة محدودة من الدول الإفريقية القادرة على الاستفادة من صور فضائية لأغراض عسكرية وأمنية وتنموية".
ورأى الموقع أن هذا التوازي بين مدريد والرباط يعكس دخول المنطقة في مرحلة سباق تكنولوجي وأمني في مجال الفضاء، ستكون له انعكاسات مباشرة على التوازنات الإستراتيجية في غرب المتوسط.
وخلص إلى أنه، وبينما تحاول إسبانيا ضمان استقلاليتها الأوروبية في المراقبة الفضائية، يسعى المغرب إلى تكريس مكانته كقوة صاعدة، ليس فقط في القارة الإفريقية بل أيضا كـ"شريك لا غنى عنه" في الأمن الإقليمي.
المصادر
- IAI unit opens suicide drone production plant in Morocco – report
- España puede defenderse de un ataque de drones israelíes procedentes de Marruecos
- El Gobierno impulsa los satélites militares Paz 2 con un crédito de 1.012 millones a Hisdesat
- الطيار: افتتاح مصنع درونات “Spy-X” يعزز جاهزية المغرب التقنية ويرسخ مكانته كقوة استقرار إقليمية














