Sunday 25 July, 2021

صحيفة الاستقلال

تراجع الحضور الخارجي الفرنسي.. الملامح والأسباب

منذ 2021/07/11 20:07:00 | تقدير موقف
تراجعات واستماتة فرنسية واسعة في الحفاظ على بعض مواطئ القدم، واهتزاز في أداء أدواتها الدبلوماسية والعسكرية
حجم الخط

المحتويات

المقدمة

أ. ملامح التراجع الفرنسي خارجيا:

1. تراجع "برخان".

2. التراجع في الشمال الإفريقي.

3. التراجع في شرق أوروبا وأرمينيا.

4. تهديدات أخرى للنفوذ الفرنسي.

ب. أسباب التراجع الفرنسي:

1. طبيعة خطاب السياسة الخارجية الفرنسية.

2. الغضب الأميركي من اضطراب الأداء الخارجي الفرنسي.

3. الصراع التركي - الفرنسي.

خاتمة


المقدمة

لم يكد مشهد ازدراء الرئيس الأميركي هاري ترومان، لطلب نظيره الفرنسي شارل ديجول، بالحضور في تسويات "الحرب العالمية الثانية" يبارح أذهان المراقبين حتى حل محله مشهد آخر مماثل.

المشهد الأحدث للواقعة التاريخية تمثل أيضا في لجوء الرئيس الفرنسي الحالي "إيمانويل ماكرون"، خلال اجتماع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، يونيو/حزيران 2021، للرئيس الأمريكي جو بايدن.

ماكرون، سعى للحصول على مباركة بايدن، لخطة سحب القوات التركية أو المحسوبة على أنقرة من ليبيا كمدخل لتنفيذ الرؤية التي لم يتمكن من تنفيذها الرئيس الفرنسي، في الدولة العربية الإفريقية رغم التمويل الإماراتي والسعودي السخي، والدعم اللوجيستي والاستخباراتي من من مصر واليونان.

مشهد الناتو، أعقب إعلان فرنسا نواياها بالانسحاب من عملية "برخان" في غرب القارة السمراء، مفسحة المجال لعمل دولي مشترك.

وهنا بدأ التساؤل يُطرح بشأن نجاعة السياسة الخارجية الفرنسية بأدواتها المختلفة من القوة الناعمة الخطابية والدبلوماسية، وحتى قوتها الصلبة العسكرية والاقتصادية في دعم الحضور الدولي الفعال لباريس.

والتساؤل كذلك بشأن قدرة فرنسا على مواجهة مؤسسات دبلوماسية عتيدة كالدبلوماسية الروسية التي نسقت معها باريس، ودعمت حضورها في أكثر من ملف، دون أن تتمكن من احتواء تأثيرات حضورها لاحقا بملفات غرب وشمال إفريقيا، وصولا إلى انقلاب مالي الأخير مطلع يونيو/حزيران 2021.

تلك التساؤلات كشفت عن مساحة كبيرة للتراجع ووهن التأثير، تستعرضها الدراسة، مشفوعة بالعوامل الثلاثة الرئيسة التي تقف وراء تراجع فاعلية السياسة الخارجية الفرنسية، فما هي صور التراجع؟ وما هي أسبابه؟.


أ. ملامح التراجع الفرنسي خارجيا

تشهد الأداتان الدبلوماسية والعسكرية من أدوات السياسة الخارجية الفرنسية ضعف أداء لافت، ما انعكس سلبا على قوة الحضور الفرنسي في مناطق مثل "القوقاز"، وغرب وشمال إفريقيا، مع تراجع واضح للحضور الفرنسي بشرق أوروبا كذلك.

لكنه تراجع يترافق مع تمسك فرنسي بأهداب الحضور في الشمال الشرقي للمنطقة العربية، والتي تكاد -لسيولتها- تكون المناطق الأكثر استقرارا فيما يتعلق بالحضور الفرنسي.

ما ملامح هذا التراجع؟ المحور الأول من هذه الدراسة يجيب على هذا التساؤل.

1. تراجع "برخان":

 في 10 يونيو/ حزيران 2021، أعلن ماكرون، أن العمليات العسكرية الفرنسية ضد "المسلحين الإسلاميين" بغرب إفريقيا ستنتهي، وأن القوات الفرنسية هناك تعمل الآن في إطار جهود دولية أوسع.

وهو القرار الذي اتخذ على مستوى اجتماع مجلس شؤون الدفاع الفرنسي في تسعة يونيو/ حزيران 2021، فيما أعلن الرئيس الفرنسي، أن اللمسات النهائية للتغيير ستوضع بحلول نهاية يونيو/حزيران 2021، بعد مشاورات مع أميركا والدول الأوروبية المشاركة في المنطقة ودول الساحل الغربي الإفريقي الخمس. 

هذا الطرح يعد الثاني للقضية، بعد أن كان الرئيس الفرنسي، قد تراجع عن قرار بخصوص خفض القوات، بعد قمة افتراضية في فبراير/شباط 2021.

وإلى جانب التحضيرات للانتقال من مربع "القيادة" إلى "المشاركة"؛ وصولا إلى الانسحاب التام بحلول نهاية 2023، قررت فرنسا استمرار مشاركة مئات من أفراد القوات الخاصة الفرنسية إلى جانب دول أوروبية أخرى، في قوة مهام "تاكوبا"، التي تقاتل المسلحين في منطقة الساحل، إلى جانب جيشي مالي ونيجيريا.

"برخان" عملية ضمن الجهود الدولية في إطار "مكافحة الإرهاب"، وتتعلق بمنطقة الساحل الإفريقي. وبدأت هذه العملية في الأول من أغسطس /آب 2014، بالتعاون مع خمسة بلدان، تمثل مستعمرات فرنسية سابقة تمتد بمنطقة الساحل الإفريقي، وهي: (بوركينا فاسو، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والنيجر)، والتي يشار إليها باسم مجموعة "جي 5 الساحل". 

وبلغ عدد الجنود الفرنسيين المشاركين بالعملية عام 2020، نحو 5100 جندي، بعد أن قررت فرنسا حينها دعم هذه القوات بنحو 600 جندي إضافي.

وقُتل من الجنود الفرنسيين خلال تلك العمليات نحو 55 جنديا، أثناء مواجهات مع مجموعات مرتبطة بـ"تنظيم القاعدة"، كانت استولت على عدة مدن وبلدات في شمال مالي، قبل بدء العملية بنحو عام.

كان من المفترض أن تكون تلك العملية دائمة، ما دفع مجلس شؤون الدفاع الفرنسي باتخاذ مقر دائم لها في العاصمة التشادية "نجامينا".

ويمكن القول بأن المنطقة تشهد حضورا مكثفا لكل من فرنسا التي تدير عملية "برخان"، وتركيا، وإيران، وحتى إسرائيل، فيما فشلت فرنسا في كبح نشاط الجماعات المسلحة التي نجحت في السيطرة على نحو ثلث مالي.

غير أن مراقبين يرون أن الحضور الأخطر هو الحضور الروسي، وهو الحضور الذي لا ينبغي تقييمه بالاستناد للدعم العسكري، حيث تنشط الشركات الروسية في نشاط التعدين، والتنقيب عن الماس والذهب، وهي أنشطة حيوية من جهة، علاوة على الاستخدامات الخفية للشركات في الأنشطة الاستخبارية.

كان ضعف مردود الجهود الفرنسية أحد أهم أسباب ظهور معارضة إفريقية قوية للوجود الفرنسي بشكل خاص، إذ شهدت العاصمة المالية "باماكو" تظاهرات طالبت باستدعاء القوات الروسية، وهو ما يعكس أمرين؛ أولهما يتعلق بضعف الثقة في جيش مالي نفسه، وثانيهما يتعلق بتدريب الضباط الانقلابيين في روسيا.

ما يجعل المشهد مربكا بالنظر للانقلاب الثاني في مالي، والذي قام به العقيد "عاصمي جويتا"، وبخاصة بعد إسباغ "المحكمة الدستورية المالية" الشرعية القانونية على قائد الانقلاب (الثاني في أقل من عام)، وهو ما دفع مراقبين للتساؤل حول احتمالية حلول القوات الصينية الروسية محل القوات الفرنسية في غرب إفريقيا.

غير أن الموقف الفرنسي يعكس عدة متغيرات شهدها المسرح الإفريقي الغربي، يمكن إيجازها فيما يلي:

  • الموارد الاقتصادية الواسعة التي تنفق على عملية "برخان"، والتي لا يبدو لنهايتها أو فاعليتها أي أفق، وبخاصة مع محدودية الانتصارات التي حققتها القوات الفرنسية على المجموعات المسلحة في غرب إفريقيا.

وهو ما أثار حفيظة الفرنسيين أنفسهم في الداخل، وبلغ الأمر حد وصف صحيفة "لوموند" الفرنسية لانتصاراتها باعتبارها "وهما".

  • يترافق مع ضعف الفاعلية هذه تساؤلات عدة تثار من جانب الفرنسيين بشأن جدوى الوجود الفرنسي في غرب إفريقيا، والذي يؤدي إلى إزهاق أرواح الجنود الفرنسيين من دون نتائج حاسمة، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الدول الخمسة الإفريقية نفسها.

  • اتجاه الانقلابيين الجدد للتفاوض مع الجماعات المسلحة، وهو الأمر الذي أزعج ماكرون"، ما اضطره لتعليق عمليات "برخان" بعد 3 أيام من الانقلاب، ثم اضطراره لإعلان الانسحاب الفرنسي التدريجي من العمليات لصالح وجود دولي أكبر ستقوده أميركا التي كانت تكتفي بالدور اللوجستي الداعم لهذه العمليات من قبل. ووصف "ماكرون" الوضع في مالي باعتباره "انقلابا داخل الانقلاب".

  • الفشل الفرنسي أدى لتعزيز الحضور الروسي في غرب إفريقيا كما سبق أن فعلت موسكو في شرق وشمال القارة السمراء، ما أدى لارتفاع حساسية واشنطن، حيال ما يمكن اعتباره تخبطا فرنسيا إستراتيجيا من وجهة النظر الأميركية والتركية. 

وهو ما بدا من بين سطور لقاء كل من الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والفرنسي ماكرون على هامش اجتماع "الناتو" خلال يونيو/حزيران 2021.

  • لا يمكن فصل التوتر الذي تشهده مالي عن الموقف الفرنسي المعلن من الإسلام، والذي يمثل دين 90 بالمئة من الماليين على المذهب السني المالكي، هذا علاوة على الحضور الصوفي القوي عبر الطريقتين التيجانية والقادرية، ما يجعل من تصريحاته تجاه "أزمة الدين الإسلامي" مصدرا لتقويض شرعية الوجود الفرنسي في هذه الدولة، وظهوره بمظهر الغزو.

2. التراجع في الشمال الإفريقي:

التراجع الفرنسي في غرب إفريقيا سبقه تراجع في الشمال كذلك. فهذه المنطقة التي كانت تمثل مجالا حيويا لفرنسا، وموطنا لقطاع خارجي واسع من مصالحها الاقتصادية والاجتماعية يفلت من بين أيديها المربع تلو الآخر، بدءا من تونس وحتى ليبيا، مرورا بالجزائر والمغرب. 

غير أن الطريق الذي يقوده ماكرون في هذه المساحة يبدو متعلقا بتسليم الراية لأميركا بعد الإخفاق الإستراتيجي النسبي لفرنسا في مواجهة كل من تركيا وروسيا، هذا علاوة على الحفاظ على بعض مصالح الاتحاد الأوروبي المتمثلة في مكافحة الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب.

فما هي ملامح الحضور الفرنسي في الشمال الإفريقي؟

  • فيما يتعلق بالملف التونسي، فإن الأيام الأخيرة من عمر إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، شهدت تكريس حضور واشنطن في تونس من خلال اتفاق للتعاون الإستراتيجي لمدة 10 أعوام.

وهي خطوة تعني دخول تونس ضمن دائرة الاهتمام الإستراتيجي الأميركي جنبا إلى جنب مع كل من اليونان وتركيا، كما تأتي على حساب الاستئثار الفرنسي بالدولة المغاربية بصورة قطعية. 

وتمثل الحصاد التونسي في هذا الإطار باتجاهها للتطبيع مع مصر، وهو ما جاء في زيارة الرئيس التونسي "قيس سعيد" للقاهرة في التاسع من أبريل /نيسان 2021، وهي زيارة تضمنت بحث الخطوة التونسية في اتجاه العلاقة مع إسرائيل.

وهو ما ترجمته تونس، لاحقا في صفقة قمح "إسرائيلي" ضخمة تمثل فاتحة التعاطي بين تونس وتل أبيب.

هذا علاوة على استضافة تونس قاعدة عسكرية أميركية في منطقة سيدي أحمد بمحافظة بنزرت، تضم طائرات استطلاع من دون طيار، برغم نفي تونس وجود قاعدة، وتأكيد "القيادة الأميركية في إفريقيا" (أفريكوم) على أنه لن تتخذ تونس منطلقا لعمليات القيادة الإفريقية.

  • وفيما يخص المغرب كذلك، فإن وتيرة تأكيد الحضور الأميركي هناك والشراكة الدفاعية الأميركية المغربية تتعزز حتى الآن يوما بعد يوم؛ بالرغم من كون الرباط  ثالث أكبر مستورد للسلاح الفرنسي.

وهو ما يفسر التعاون القوي بين الولايات المتحدة والمغرب عسكريا، إلى الحد الذي بلغت فيه العلاقة حد ترتيب مناورات مشتركة حملت اسم "مصافحة البرق 2021"، بالقرب من "جزر الكناري" الخاضعة للسلطة الإسبانية، فيما اعتبرته إسبانيا "خطوة مفاجئة".

وتضمنت المناورات مشاركة المدمرة ذات الصواريخ الموجهة "يو إس إس بورتر" وحاملة الطائرات "يو إس إس دوايت دي أيزنهاور".

هذا علاوة على مفاوضات وترتيبات باتجاه استضافة المغرب للمركز الرئيس لقوات "أفريكوم"، والذي ما زال حتى اللحظة قابعا في مدينة "شتوتجارت" الألمانية؛ بعيدا عن مسرح العمليات الأساسية، وهو ما يتوقع تغييره قريبا بعد اتجاه فرنسا لسحب مشاركة قواتها تدريجيا من "عملية برخان".

  • أما فيما يتصل بالشأن الجزائري، فإن الجزائر تشهد حضورا قويا من جانب السلاح الروسي، ورأس المال الصيني، يأتيان على حساب النفوذ الفرنسي السابق، فيما تبذل جهودا قوية للحصول على هامش مناورة واسع، بعيدا عن التبعية العسكرية الكاملة لأي من القوى الدولية الكبرى. 

الحضوران السالف الإشارة إليهما لكل من الصين وروسيا قاما على أنقاض تفتيت النفوذ الفرنسي، وتقسيمه بين كل من روسيا والصين، وهو ما يجعل الجزائر، البعيدة بقوة عن المتناول الفرنسي اليوم، في مرمى الهجوم الدبلوماسي الأميركي، والذي بلغ حد وضعها على جدول أعمال "قمة بايدن - بوتين".

إذ طالب الرئيس الأميركي بايدن، نظيره الروسي بوتين، بعدم تزويد الجزائر بصواريخ "إس 400"، وهو ما تحفظت عليه روسيا.

كما أن هذه الواقعة سبقها اتجاه القوات الأميركية لتنفيذ مناورات لاحتواء المنظومات الثلاثة من نظام "إس 400". جدير أن الجزائر هي ثالث دولة تقوم بنشر هذه المنظومة التي حصلت عليها في مطلع 2021.

كما نلفت إلى أن مصادر القلق من الجزائر ترتبط بعمليات تصنيع عسكري واسعة بإذن (روسي - صيني)، لعدد من القطع الإستراتيجية والتكتيكية، ما يسبب قلقا لقوى جنوب أوروبا، وخاصة فرنسا وإسبانيا.

  • وفيما يمس الملف الليبي، يشهد الموقف الفرنسي اهتزازا كبيرا فيما يتعلق بحضور باريس الفعال خاصة بعد استياء أميركا من تعاظم النفوذ الروسي فيها عطفا على تعاون فرنسي روسي في الملفين الليبي والأرميني.

هذا علاوة على الغطاء السياسي والأمني الذي توفره المملكة المتحدة، وإيطاليا، لسيف الإسلام القذافي، ابن العقيد الليبي الراحل معمر القذافي.

وبرغم إصرار فرنسا على إخراج ما تسميهم المرتزقة التابعين لكل من تركيا وروسيا، ووضع ماكرون، خطة اطلع عليها كل من "بايدن" وأردوغان" خلال لقاءاته بهما على هامش قمة "الناتو"؛ إلا أن مجلة "بوليتيكو" الأميركي، أشارت إلى أن الخطة الفرنسية تمثل تحولا تكتيكيا من جانب ماكرون.

ووفق المجلة، فإن الرئيس الفرنسي، يتبنى نهجا أكثر ارتباطا بالحركة الجماعية الغربية، لكنها لفتت إلى أن الخطة -في حال نجاحها- ستهدي فوزا سياسيا لشخص آخر هو الرئيس الأميركي وليس لفرنسا.

نفس الأمر ينطبق على تحركات اللواء المتقاعد في ليبيا خليفة حفتر الأخيرة تجاه الحدود الجزائرية، تحت غطاء مكافحة الإرهاب، وهو ما يمكن ربطه بخطوة الانسحاب الفرنسي من "برخان".

إذ تمت تحركات "حفتر" بضوء أخضر أميركي فرنسي وتمويل إماراتي، علاوة على غطاء عملياتي مصري محتمل حال تدخل القوات التركية الموجودة في "قاعدة الوطية" ضد هذا التحرك الأخير لحفتر. 

غير أنه من المبكر تقدير الوضع الراهن لفرنسا في ليبيا، بانتظار ترتيبات ماكرون النهائية حيال عملية "برخان" ومن ثم الوجود الفرنسي في "نجامينا" التي تمثل منطلقا فرنسيا تجاه ليبيا.

  • وفيما يرتبط بالعلاقة مع مصر، يبدو المشهد المصري مشوشا قليلا، وإن كان يميل لصالح إعادة إنتاج علاقات التحالف القديمة تحت ضغط أزمة سد النهضة، والتي يبدو فيها اللاعبون الخليجيون يملكون بعض أدوات الحل.

وهو ما يفسر زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري للدوحة؛ مشاركا في أعمال اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي دعم مصر في مواجهة إثيوبيا، وزيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، للقاهرة متوسطا بين مصر والإمارات التي خطت بجدية في اتجاه دعم مشروع السد خلال الفترة الماضية. 

بعث العلاقات المصرية الإماراتية مجددا يشي بعودة التحالفات المصرية القديمة كاملة، وبخاصة مع التدريب البحري المصري الفرنسي في مطلع هذا الشهر (5 يونيو/ حزيران 2021).

كما أدت زيارة ابن سلمان، للاتجاه نحو تجميد المباحثات المصرية التركية على نحو ما يرى مراقبون؛ وقصرها على المستوى الأمني الأولي الذي كانت عليه قبل زيارة الوفد الاستكشافي التركي للقاهرة.

الأمر الذي تدلل عليه زيارة رئيس الوزراء اليوناني "كيرياكوس ميتسوتاكيس" للقاهرة 21 يونيو/ حزيران 2021، والتي كان الملف الليبي أحد أبرز العناوين التي تناولتها الصحافة المصرية ضمن تغطيتها للزيارة.

وهي الزيارة التي أعقبتها مباشرة زيارة مدير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل إلى العاصمة الليبية في 16 يونيو الجاري.

3. التراجع في شرق أوروبا وأرمينيا:

 لم يكن التراجع الفرنسي مقصورا على القارة الإفريقية وحدها، سواء شمالها أو غربها، إذ ثمة تراجعات ملموسة في شرق أوروبا وغرب القوقاز، يمكن إجمالها فيما يلي:

  • أرمينيا تتجه لحسم الوجودين الروسي والغربي: يشهد الملف الأرميني بحسب غالبية المراقبين اتجاها نحو حسم التنافس الأجنبي لصالح روسيا وتقليص النفوذ الغربي، وبخاصة الفرنسي هناك.

وكانت الحرب الأذرية - الأرمينية مواجهة من الدرجة الأولى؛ رافقتها مواجهة من الدرجة الثانية بين تركيا من جهة، وكل من روسيا وفرنسا وإسرائيل من جهة أخرى. 

وبعيدا عن الحضور الإسرائيلي المرتبط مع أذربيجان بتعاون في مجال التصنيع العسكري، فقد أدى الانتصار الأذري في "قره باغ" لإحراج روسيا التي سعت لتعزيز نفوذها في أرمينيا على حساب الغرب. 

قد يكون مبكرا لأوانه أن نحسم الجدل بخصوص انحسار الحضور الفرنسي في أرمينيا، التي رافقت الهزيمة الأرمينية، إذ إن الانتخابات التشريعية التي تجري حاليا تعكس استقطابا حادا بين عدة شخصيات سياسية وحزبية.

حزب "العقد المدني" الذي يتزعمه القائم بأعمال رئيس الوزراء حاليا ورئيس الوزراء السابق "نيكول باشينيان"، والكتلة المنافسة له "أرمينيا" التي يتزعمها "روبرت كوتشاريان" الذي ينحدر من "قره باغ" وشغل منصب الرئيس الأرميني خلال الفترة بين عامي 1998 و2008، وكذلك أول رئيس لجمهورية "ناغورنو كاراباخ" (غير المعترف بها دوليا) بين عامي 1994 و1998

وموضوع الاستقطاب يتعلق بصورة كبيرة بهزيمة "قره باغ" وعجز الجيش الأرميني عن القتال والعلاقات مع روسيا، وهذه النقطة الأخيرة قد تؤدي إلى حسم المواجهة الانتخابية حيالها إلى تقزيم الحضور الفرنسي / الغربي في أرمينيا أو تثبيته.

  • العلاقة مع إيطاليا: يمكن النظر لملف شرق المتوسط وليبيا باعتباره أهم الملفات التي حاولت فرنسا تعبئة الاتحاد الأوروبي والناتو خلفها، انطلاقا من مبدأ بلورة العدو وتمثيله في صورة تركيا. فهل نجحت الدبلوماسية الفرنسية في هذا الصدد؟

بدأت الحكومة الإيطالية بقيادة "ماريو دراجي"، والتي وصلت لسدة السلطة منتصف فبراير/ شباط من العام 2021، إثبات حضورها في شرق المتوسط بإصدار بيان مشترك مع فرنسا دعمتا فيه العملية السياسية المزمعة في ليبيا، وطالبتا بانسحاب القوات الأجنبية.

وهو ما لم يتطرق معه البيان للصيغة المستقرة في خطاب "ماكرون" تجاه ليبيا، والمتمثلة في "إخراج المرتزقة"، ما يعكس اختلاف الرؤية الإيطالية عن نظيرتها الفرنسية حيال الوضع في ليبيا، وهو ما أوضحه أكثر من موقف يظهر قدرا من التوافق بين المصالح الإيطالية والتركية هناك. 

في هذا الإطار، فإن إيطاليا كانت ثالث ثلاثة قوى اجتمعت في صقلية؛ إلى جانب كل من تركيا والمملكة المتحدة لبحث وضع إطار لتأمين شرق المتوسط، وهي خطوة جاءت ردا على تدريبات "ضربة الصقر" التي باشرتها إسرائيل بالقرب من سواحل ليبيا.

اللافت في هذا اللقاء الذي عقد على مستوى وزراء الدفاع في الدول الثلاثة أنه تجاوز كلا من فرنسا واليونان، وأراد وضع المصالح التوافقية والتاريخية للدول الثلاث أمام أعين القوى التي تحاول وضع أقدامها في ليبيا.

  • تركيا وشرق أوروبا: تعقدت لعبة تشبيك المصالح في شرق أوروبا خلال السنوات الخمس الماضية، فيما نحتاج معه لمحك نقيس من خلاله أداء الدبلوماسية الفرنسية فيما يتعلق بخدمة إستراتيجيتها.

وفيما كانت فرنسا منكفئة على ملفات في شمال وغرب إفريقيا، تمكنت تركيا من ترميم الصدع الذي أصابت به فرنسا حلف الناتو، ونسجت شبكة مصالح واسعة في شرق أوروبا ربما باستثناء بلغاريا التي تجمعها بأنقرة علاقات تدافع تمثل الأقلية من أصول تركية في بلغاريا، وسلوفاكيا محورها الرئيس، علاوة على النمسا التي تشهد تناميا لليمين المتطرف المعادي للأتراك.

وبالرغم من حاجة فرنسا التي تقدم نفسها كقائد للاتحاد الأوروبي وللناتو، إلى تعزيز شبكة علاقاتها بالدول الأعضاء في المنظمتين، نجد أن خصمها الأوروبي الأقوى: تركيا قد تمكنت من نسج علاقات قوية مع كل من رومانيا والمجر وبولندا، وكذلك مع أوكرانيا التي تعتبر اليوم شريكا إستراتيجيا لأنقرة وشاطرتها في تكوين محور داخلي لـ"الناتو" ضم إلى جانبها المملكة المتحدة.

وبلغت قوة هذه العلاقات حد مشاركة تركيا في رشق فرنسا بالتصريحات التي تحمل معاني ضعف الرؤية الإستراتيجية على نحو ما سنرى تباعا. 

ومن جهة ثانية، وإلى جانب مشترياتها من الأسلحة التركية، شاركت بولندا في عملية لتأمين الحدود الجنوبية لتركيا بمحاذاة سوريا. وتجمع كل من أنقرة ووارسو وبوخارست "آلية" التضامن الثلاثي".

وإلى جانب القوة الناعمة التركية في المجر عبر مؤسسة "تيكا"، فإن هذه الدولة الأوروبية من أهم المشترين للسلاح التركي، حيث تعد أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي والسادسة حول العالم، تختار المدرعة التركية لتلبية احتياجات قواتها الأمنية. كما استعانت المجر بتركيا لتكوين وكالة فضاء محلية. 

وتؤكد الخارجية المجرية على أهمية الدور التركي في تأمين شرق أوروبا؛ وفي تصريحات لوزير الخارجية المجري "بيتر زيجارتو"، قال إن "قسما مهما من أمن أوروبا بيد الأتراك، سواء أعجب ذلك الأوروبيين أم لم يعجبهم"

ومن جهة ثالثة، تعتبر بولندا من الدول الحليفة لتركيا في شرق أوروبا، وأعرب الرئيس البولندي "أندريه دودا" أن تركيا أوثق حلفائها. وتعد بولندا المشتري الأول للمسيرات التركية من بين دول "الناتو".

وتشكل بولندا وأوكرانيا مع ليتوانيا ما يعرف باسم "مثلث لوبلين" الذي تقيم الاستخبارات العسكرية الروسية علاقة تركيا به باعتبارها تهدف إلى "احتواء" النفوذ الروسي في وسط وشرق أوروبا".

وتتجه العلاقة بين تركيا وصربيا لمزيد عمق من خلال المشروعات المشتركة بين البلدين في مجال البنية التحتية على وجه الخصوص، وأهمها مشروع الطريق الواصل بين "سراييفو" و"بلغراد"، علاوة على التنامي المضطرد لعدد الشركات التركية في صربيا، ونشاط القوة الناعمة التركية فيها، والذي تتقدمه مشروعات ترميم المواقع الأثرية.

وتتجه صربيا نحو بناء علاقات متنامية كذلك مع الإمارات الوكيل عن الجانب الفرنسي في شرق أوروبا، وتتعاظم علاقة أبوظبي مع المجمع العسكري الصناعي في بلغراد، علاوة على الاستثمارات العقارية، وهو ما يجعل صربيا أكثر براغماتية وتوازنا، الأمر الذي يفسر انحيازها لفرنسا إبان حالة انقسام الناتو.

  • وفي نفس الإطار تعمل تركيا في كل من البوسنة وتشيكيا وكرواتيا، حيث تبدو القوة الناعمة التركية، وبخاصة الطبية، بالتزامن مع جائحة كورونا أحد أبرز المداخل لتعميق علاقتها بهذه الدول، بالإضافة لمشروعات البنية التحتية.

العلاقات المتنامية بين تركيا وشرق أوروبا تمثل مصدر إزعاج لفرنسا بشكل خاص من بين دول الاتحاد الأوروبي.

وبرغم اتجاه دول شرق أوروبا نحو التوازن في علاقتها بالطرفين المتصارعين في أوروبا، إلا أن علاقات تركيا المتنامية بدول شرق أوروبا أحبطت جهود فرنسا وضغوطها داخل الاتحاد الأوروبي والناتو باتجاه فرض عقوبات على تركيا.

ما أدى لضعف وتراخي العقوبات التي اضطر الاتحاد لفرضها ترضية لباريس، بعد تصعيد ضغوط جبهة التشدد التي تقودها فرنسا بعضوية كل من النمسا وهولندا واليونان وقبرص، في مقابل جبهة المرونة التي تضم كلا من إيطاليا ثم ألمانيا؛ وبشكل أقل إسبانيا، علاوة على غالبية دول شرق أوروبا، وعلى رأسها بولندا والمجر.

4. تهديدات أخرى للنفوذ الفرنسي:

وإلى جانب هذا التراجع، يبدو أن ثمة اهتزازات قوية في موقف فرنسا في أكثر من مجال، وبخاصة فيما يتعلق بوضعها في كل من اليونان وسوريا والعراق. 

فمن جهة، تبدو اليونان، التي تستغل فرنسا عداءها لتركيا بسبب ملفي ليبيا وشرق المتوسط متأرجحة بين إبداء العداء القوي لتركيا من ناحية، وتهدئة التوتر بينهما كلما ارتفعت درجة حدته لتقترب من شفير المواجهة.

ويمكن تفسير هذا التردد بكون اليونان مسرحا إستراتيجيا أميركيا أكثر منها مسرحا فرنسيا، وتطور الأمر مؤخرا ليتسع بها النفوذ الإسرائيلي على نحو ربما يتجاوز النفوذ الفرنسي.

ومن جهة ثانية، وفيما يتعلق بالحضور الفرنسي في سوريا، فإن الضغوط الأميركية على فرنسا دفعت الأخيرة لتأطير تحجيم حضورها في سوريا في إطار وضع تصور جديد قوامه التزام نظام بشار الأسد بنموذج للتسوية الدائمة.

إلا أن هذا لا يعني تراجعا فرنسيا قويا، إذ كانت باريس أحد الداعمين الرئيسيين لإنشاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو تحالف غالبيته العظمى من قوات شبه عسكرية كردية.

وبعد اتجاه العلاقات الأميركية الكردية نحو التراجع؛ إثر إعلان النهاية الرسمية للحرب ضد "تنظيم الدولة"، تبقى فرنسا محاولة الإبقاء على خطها الخاص مع الأكراد.

وهو توجه يحده اعتبار تركيا الأكراد تهديدا إرهابيا لأمنها القومي، بما يعني أن حدود فرنسا تتمثل في تجنب المواجهة المباشرة مع تركيا في هذا الصدد.

أما فيما يخص العراق، فإن الحضور الفرنسي معتمد على التسهيلات التي تتمتع بها فرنسا في القواعد العسكرية في قطر والإمارات على حد سواء.

ويتجاوز الدور الفرنسي محاولات احتواء الجماعات المسلحة، لصالح بناء علاقات قوية مع العراق وأكرادها، سواء عبر التسليح أو التدريب أو حتى الاستثمارات التي تسير على استحياء.

وهي عملية تبدو كما لو كانت موجهة ضد النفوذ التركي بالأساس، ويبدو أفقها محكوما بعدة عوامل، على رأسها استمرار علاقة التخوفات الخليجية من إدارة "بايدن" من جهة، ومدى تحسن علاقات فرنسا مع إيران من جهة ثانية.

وتعظيم آليات التعاون مع الإقليم الكردي شمال العراق من جهة ثالثة، وهو ما يجعل المسرح العراقي عرضة لتنافس سياسي واقتصادي وعسكري بين كل من تركيا وفرنسا.


ب. أسباب التراجع الفرنسي

ثمة عوامل ثلاثة تمثل مداخل تكاملية لتفسير التراجع الفرنسي النسبي البادي، لعل أبرزها ما يتعلق ببنية خطاب السياسة الخارجية الفرنسية ذاته.

علاوة على سخط حلفاء فرنسا؛ وبخاصة أميركا حيال استدعائها روسيا في منطقة "قلب العالم".

وتلاعب الأخيرة بها في كل من ليبيا وغرب إفريقيا، علاوة على السبب الأكثر حضورا في وسائل الإعلام العالمية والمتعلق بالمواجهة التركية- الفرنسية. وفيما يلي نتناول مسارات تأثير هذه المداخل:

1. طبيعة خطاب السياسة الخارجية الفرنسية

يمكن القول بأن هذا الخطاب بما يحمله من استعلاء وعنصرية ومعاداة للآخر الحضاري، يمثل العامل الأساسي وراء تراجع الحضور الفرنسي في مناطق نفوذها التي تعتبرها مجالها الحيوي.

إذ تتسم هذه المناطق بشكل عام بالاختلاف الحضاري عن النسق الحضاري الأوروبي؛ إن كان في الدين أو في التقاليد الاجتماعية والثقافية؛ وحتى السياسية، التي يحاول قادة دول الشرق الأوسط بشكل عام تلبيسها بالاستبداد والقمع. 

وفي هذا الإطار تكمن المشكلة الأساسية للحضور الفرنسي، والذي لا يكاد يجد له وسيطا إيجابيا إلا تطلعات قطاع من الحكام المستبدين، أو الارتباطات الجيوسياسية عظيمة التأثير في التوقيت من ظرف قارات العالم القديم بشكل خاص.

إن إطلالة على ملامح خطاب السياسة الخارجية الفرنسية تكشف تلك الحقيقة، سواء من هذه الملامح الخطابية ما يتعلق بالهجوم على الإسلام كديانة، وليس كنمط تدين.

ومهاجمة رموز هذه الديانة، وفي مقدمتهم (رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم) خلال أزمة الرسوم المسيئة وتداعياتها، أو من خلال مهاجمة فريضة الحجاب.

ومحاولات تقليد أئمة الاستبداد في الدول العربية والإفريقية عبر الاتجاه لإخضاع قيادات المجتمع الإسلامي الفرنسي، وضغوطه لفرض نمط الحياة الفرنسي على المجتمع الإسلامي في فرنسا برغم ترك الساسة الفرنسيين هذا المجتمع عرضة للتهميش والتمييز والإفقار. 

وتعد المجابهة بين أردوغان وماكرون بشأن الإسلاموفوبيا أحد أبرز ملامح تدهور العلاقة بين تركيا وفرنسا، حتى أن اللقاء الذي جمعهما على هامش اجتماع "الناتو"، والذي امتد لنحو 49 دقيقة؛ غلب فيه الحديث عن معاداة الإسلام، وعن الخطاب الفرنسي حياله.

تتبدى عنصرية ماكرون، في هذا الإطار، أكثر ما تتبدى في تصريح وزير خارجيته جان إيف لودريان، في سبتمبر/أيلول 2015، بأن "الأسد عدو للشعب السوري فقط، وليس للمجتمع الدولي"، وكأنه مخول له أن يقتل السوريين وأن يكون صديقا للمجتمع الدولي في آن.

الجانب الآخر من خطاب السياسة الخارجية الفرنسية يتعلق برفض فرنسا بلورة وقفة جادة أمام خبراتها الاستعمارية وما خلفته من "جرائم ضد الإنسانية" بحق الشعوب المستعمرة. 

وأبرز دلالات ذلك رفض فرنسا منح الجزائر خرائط دفن النفايات النووية خلال فترة الاستعمار، أو الاعتذار عن المذابح المرتكبة في حق شعوب مستعمراتها.

وتبلغ عدد المستعمرات الفرنسية نحو 48 في الأميركتين، و47 في إفريقيا، و29 في آسيا، و23 في المنطقة الإقيانوسية، مع إغفال 6 مستعمرات في القارة القطبية الجنوبية.

 وتخشى فرنسا من كم هائل من التعويضات؛ لا يتعلق فقط بضحايا المجازر الجماعية، بل يرتبط كذلك بحقبة فساد استمرت منذ رحيل الاستعمار الفرنسي وحتى يومنا هذا في غالبية المستعمرات السابقة.

2. الغضب الأميركي من اضطراب الأداء الخارجي الفرنسي:

قامت الإمبراطورية الأميركية المعاصرة على أساس الحلول محل الإمبراطوريات القديمة في مستعمراتها السابقة، مع فرض نمط جديد من الاستعمار السياسي -الاقتصادي- الثقافي بعيدا عن الاستخدام المباشر للأداة العسكرية.

وهو ما لا يعفي أميركا من صيغة تنافسية استعمارية مع عدد من الدول المتقدمة من بينها فرنسا التي تشهد مواجهة ضروسا مع أميركا في شمال وغرب إفريقيا بشكل خاص، كما تتبلور اليوم في العداء الأميركي لتمدد النفوذ الاقتصادي الصيني حول العالم.

غير أن العلاقة مع فرنسا تأثرت كثيرا لسبب آخر يتمثل في تصاعد وتيرة العلاقة التعاونية مع روسيا والتساهل حيال حضور الأخيرة عسكريا في المناطق التي تشهد حضورا قويا للنفوذ والآليات العسكرية الفرنسية. 

يمكن ملاحظة ذلك في ليبيا والجزائر وحتى غرب إفريقيا، وسبق أن أشرنا لتظاهرات في مالي تطالب بحلول القوات الروسية محل القوات الفرنسية هناك لمواجهة الجماعات المسلحة. 

ويجد هذا النزوع الفرنسي للاستقلال عن سياسة الغرب في المجال العسكري موردا قديما تمثل في انسحاب فرنسا من القيادة الموحدة لحلف "الناتو" إبان فترة حكم "شارل ديجول" في 7 مارس /آذار 1966.

قبل أن تعود فرنسا للقيادة إبان فترة رئاسة "نيكولاي ساركوزي" في 11 من نفس الشهر في عام 2009. 

مرة أخرى، تتجدد مخاوف أعضاء الحلف من فرنسا، لكن التخوف هذه المرة بسبب اتجاه فرنسا "ماكرون" نحو استدعاء الروس والتنسيق معه (في أكثر من ملف؛ وعلى رأسهم الملف الأرميني).

وحافظت على مسافة بين باريس وبين "الناتو" الذي تراه فرنسا "هولاند- ماكرون" حلفا (أنجلو-أميركا) بالأساس، واصفة إياه بالموت الدماغي، ومعلنة أن روسيا والصين ليستا العدوين، وإنما "الإرهاب" هو العدو.

ولم تلبث فرنسا أن دعت - لاحقا - لوضع خطوط حمراء لروسيا، وهو الانقلاب الذي يرجع إما لضغوط الإدارة الأمريكية، أو لتبين التلاعب الروسي بفرنسا وبخاصة في الغرب الإفريقي.

التطور في العلاقات (الفرنسية- الروسية) دفع أميركا لفض قطاع من خبراتها التحالفية مع فرنسا، وهو ما تبلور بشكل صارخ حيال الدعم اللوجيستي الأميركي لباريس في عملية "برخان".

إذ صرح مسؤول أميركي بارز لموقع "يورونيوز" بأننا "ننفق مئات الملايين من الدولارات على قوة فرنسية لا تزال عاجزة عن قلب الموازين.. لا يبدو أننا نحصل على ثمار ما ننفقه".

هذا الأمر بدا معه أن أميركا تتجه نحو وقف دعمها المالي واللوجستي للقوات الفرنسية في الساحل الإفريقي؛ وهو ما يبدو مدخل الانسحاب الفرنسي الراهن من "برخان".

تطور موقف حلفاء فرنسا بعد تصريحات "ماكرون" عن الموت الدماغي لحلف "الناتو"، وهو ما فسره مراقبون ألمان وأميركيون بأنه تصريح يأتي بسبب التقارب الفرنسي الروسي المتناقض مع العقيدة الراهنة للحلف. 

وانضمت إيطاليا لركب الانتقادات لاحقا بعد مساعدات فرنسية للعسكري الليبي "خليفة حفتر" المدعوم روسيا باتجاه دخول العاصمة "طرابلس". 

وتشهد الساحة الإفريقية بشكل خاص، ومناطق النفوذ الروسي بشكل عام، تلاعب روسيا بالدبلوماسية الفرنسية، ما يعزز انعدام الثقة الأميركية في قدرات باريس ومن ثم ضرورة معاودة سياسة "الحلول محلها" أسوة بالفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

3. الصراع التركي - الفرنسي:

يمثل هذا الصراع أحد أهم مصادر زعزعة مكانة فرنسا في مناطق نفوذها بالمنطقتين العربية والإفريقية.

الموقف المتوازن لتركيا بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عكس قدرا عاليا من النضجين الإستراتيجي والدبلوماسي، مكنا أنقرة من الحفاظ على علاقة متوازنة مع كل هذه الكيانات مع خسائر طفيفة على الجانب الغربي.

 لكنها لم تقدم أخطاء إستراتيجية أسوة بفرنسا التي تلاعبت بها كل من أميركا وروسيا خلال المواجهات في شمال وغرب إفريقيا.

ما جعل الموقف الفرنسي من روسيا يبدو مضطربا إلى حد أكبر من حالة الاضطراب التي رافقت إدارتها لمعارك "برخان"، والتي أدت لضعف فاعلية العملية بأكملها.

ومن جهة أخرى، فإن التصعيد مع تركيا أدى لتوجيه الأخيرة لمواردها من القوتين الناعمة والصلبة لتحقيق إستراتيجية قامت على أساس احتواء فرنسا والحلول نسبيا محلها.

وهي الإستراتيجية التي نجحت نسبيا في القوقاز وفي شمال وغرب إفريقيا، وبخاصة في الجزائر، لتبقى الإرادة الأميركية محافظة على مبدأ تحقيق التوازن بين فرنسا وتركيا إقليميا. 

القوة الاقتصادية التركية -رغم الاضطراب النقدي- ساندا تركيا في مواجهة فرنسا التي تكابد أزمة نمو قوية خلال السنوات الخمس الماضية.

ومن جهة ثالثة، فإن القوة العسكرية التركية، مقرونة بتصاعد البنية التحتية للصناعة العسكرية فيها، والمدعومة بتطور تقني نوعي، وقدرة تركيا على تطويع الأزمات الخارجية باتجاه تطوير بنية ذاتية للتصنيع العسكري.

هذا إلى جانب ارتفاع الروح القومية التركية، وصرامة أردوغان القيادية في سياسته الخارجية، وقوة الجهاز الدبلوماسي التركي.

 كل هذه الاعتبارات أدت لإقدام تركيا على الوصول لحافة المواجهة مع فرنسا واليونان مرات عدة في "شرق المتوسط"، وهي الحافة التي تراجعت عنها كل من مصر واليونان أكثر من مرة.

بخاصة بعد تأثير الردع الذي نتج عن حرب "قره باغ" والمواجهة مع روسيا في سوريا ومع فرنسا في شمال العراق، وفعالية الآلة العسكرية والتقنية التركية خلال هذه المواجهات.

كل هذه الاعتبارات أدت إلى زعزعة مكانة فرنسا وإلى تراجع صورة قوة آلياتها الدبلوماسية والعسكرية أمام تركيا في المحافل السياسية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

وأيضا في المحافل الإستراتيجية كذلك؛ وعلى رأسها الناتو، بالرغم من مخاوف المراقبين من مواجهة عالمية محتملة مبدؤها ومسرحها منطقة شرق المتوسط. 


خاتمة

تراجعات واستماتة فرنسية واسعة في الحفاظ على بعض مواطئ القدم، واهتزاز في أداء أدواتها الدبلوماسية والعسكرية، بلغ الأمر معه حد تصور كثير من المراقبين أن استمرار حضور "ماكرون" في مستقبل فرنسا السياسي أمر غير مضمون.

وذلك، أمام جيش يطمح لاستعادة الإرث الديجولي بالحضور المباشر في قلب المؤسسة السياسية والدبلوماسية، وأمام يمين وحتى يسار يجدان في اهتزاز الأداء الداخلي مطمعا للهجوم على الرئيس الفرنسي، وسحب البساط السياسي من تحت قدميه.

ضعف الآلة العسكرية تبدى في تراجعات حفتر في ليبيا وضبابية النصر الذي تزعمه القوات الفرنسية في برخان، وقصور عن المواجهة مع تركيا في طرابلس وكردستان العراق وحتى الشمال السوري.

وأيضا، مرورا بالكفاءة التي أبدتها القوات الخاصة التركية في مواجهة نظرائها الروسية والفرنسية والإسرائيلية في مسرح "قره باغ"، وتضارب رؤى "ماكرون" حيال العلاقة مع كل من روسيا وحلف "الناتو".

 كلها اعتبارات أدت لفقدان الثقة في القدرة العسكرية الفرنسية، وأثارت استياء المؤسسة العسكرية الفرنسية التي يستعد رئيس أركانها السابق الجنرال "بيار دو فيلييه" لترشيح نفسه لرئاسة فرنسا أملا في إصلاح الضرر الذي تسببت فيه سياسة "ماكرون". 

لا يقل الوهن البادي في الأداة الدبلوماسية الفرنسية عن نظيره في الأداة العسكرية، وبخاصة مع ضعف القدرة على حشد التأييد في الاتحاد الأوروبي لسياسة فرنسا الخارجية حيال كل من تركيا وروسيا وإفريقيا.

واضطرار ماكرون للانحناء أمام بايدن العائد بقوة للمزاج الأميركي التدخلي في أكثر من قضية، من بينها قضايا يبدو فيها ماكرون وقد خاب مسعاه في بناء تحالف معتبر مع روسيا في كل من القوقاز وغرب إفريقيا وحتى شمالها.

ويبدو أن فرنسا تعمل اليوم جاهدة لعدم بذل خسارة جديدة على صعيد المكانة الخارجية، مترقبة وصول قيادة قوية يمثلها الرئيس الـ22 لفرنسا في انتخابات 23 أبريل/نيسان 2022، وسط وفرة من مرشحي اليمين، ومرشح يساري واحد على الأرجح، ومرشح آخر من أصول عسكرية.

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

ألمانيا أميركا أوروبا إسرائيل إيران إيمانويل ماكرون الإمارات الجزائر العراق المغرب