Friday 22 October, 2021

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: أبريل/نيسان 2021

منذ 2021/05/04 20:05:00 | الحالة العربية
ما زالت الدول العربية تشهد تدافعا بين قوى التغيير والثورة والقوى المعارضة لها
حجم الخط

المحتويات

المحور الأول: جائحة كورونا في الوطن العربي

  • العراق

  • الأردن

  • لبنان

  • الإمارات

  • المغرب

  • السعودية

المحور الثاني: الحالة السياسية

  • فلسطين بين المواجهات والانتخابات 

  • انقلاب الأردن

  • زيارة الرئيس التونسي لمصر

  • ضرب مصر لسد النهضة

  • ليبيا وتحركات محور الثورة المضادة

  • توتر العلاقات الجزائرية الفرنسية

المحور الثالث: الاقتصاد العربي

  • استمرار تراجع الأوضاع المالية بالخليج

  • مخاوف حول تدويل الدين المحلي المصري

  • الإنفاق العربي على التسليح عام 2020

المحور الرابع: الحالة الفكرية

  • الدراما والمتلاعبون بالعقول في الحالة المصرية

  • في اليوم العالمي للكتاب.. واقع القراءة في حياتنا

الخاتمة


مقدمة

امتلأت الساحة السياسية العربية هذا الشهر بمجموعة من الأحداث المهمة والمحورية في عدة أقطار عربية، فمن الانتخابات العامة الفلسطينية التي طال انتظارها، والمحاولة الانقلابية في الأردن، مرورا بزيارة الرئيس التونسي قيس سعيد، المثيرة للجدل إلى مصر، كانت كلها أحداثا جوهرية لها ما بعدها. 

هذا بالإضافة إلى استمرار الحديث حول الحل العسكري لأزمة سد النهضة الإثيوبي التي تتعقد بمرور الوقت، واستمرار التحركات الهدامة لمحور الثورات المضادة على الساحة الليبية، وأخيرا، نرصد التوتر المتزايد في علاقات الجزائر مع فرنسا.

وفي الملف الاقتصادي، ما زال تراجع الأوضاع المالية في الخليج مستمرا، كما نلقي الضوء على المخاوف حول تدويل ملف الدين المحلي في مصر، واستعراض حجم إنفاق الدول العربية على التسليح عام 2020.

أما على الساحة الفكرية، فنستعرض المسلسلات التلفزيونية، وكيف يستخدمها النظام المصري، على وجه الخصوص، لترويج سرديته والتلاعب بعقول الشعب، فضلا عن استعراضنا لواقع القراءة في حياة الشعوب العربية، بمناسبة اليوم العالمي للكتاب الموافق 23 أبريل/نيسان من كل عام. 

كذلك يستمر تقريرنا للحالة العربية في رصد تطورات وضع جائحة كورونا في المنطقة العربية، من حيث حالات الإصابة والتعافي، وما تتخذه الدول العربية المختلفة من إجراءات للحد من انتشار الجائحة.المحور الأول: جائحة كورونا في الوطن العربي

بمرور نحو ما يزيد عن 16 شهرا على ظهور فيروس (COVID-19) المعروف باسم فيروس كورونا، ضربت الجائحة معظم دول العالم، وبلغ عدد الإصابات المكتشفة ما يقترب من 149 مليون حالة حول العالم منذ بداية الوباء في ديسمبر/كانون الأول 2019، حتى نهاية مارس/آذار 2021.

ولا شك أن السباق الذي يجري حاليا حول العالم هو سباق التلقيح، خاصة بعد تصاعد موجات ثالثة من الفيروس وسلالات جديدة في بلاد عديدة وإعادة صورة الخطر الذي بدأ مع بداية الجائحة.

وتأتي الدول العربية في حالة متوسطة من حيث الأخطار وعدد الحالات مقارنة مع باقي دول العالم، حيث يعد العراق من الدول الأكثر من حيث عدد الإصابات في الوطن العربي في المرتبة الـ24 عالميا، يليه الأردن في المرتبة الـ34، إلا أنه بلا شك تختلف كفاءة الدول في مواجهة الوباء والتعاطي مع المستجدات. 

ونرصد خلال أبريل/نيسان 2021، الدول العربية الأكثر إصابة بكورونا، وهي العراق والأردن ولبنان والإمارات والمغرب والسعودية.

  • العراق 

في فبراير/شباط 2021، أعلنت وزارة الصحة العراقية تفشي "سلالة جديدة" لكورونا في البلاد، وأكدت انتشارها بشكل كبير بين صفوف الأطفال والشباب، بعد أن كانت الإصابات منتشرة طيلة عام بين كبار السن فقط، وقد انتشرت السلالة الجديدة بشكل بالغ حيث زادت الإصابات خلال شهرين ونصف أكثر من 400 ألف حالة جديدة.

ويحتل العراق المرتبة الأولى عربيا من حيث عدد الإصابات، وقد تجاوزت حاجز المليون مؤخرا، في حين تعتبر حالات الوفاة ضئيلة مقارنة بهذا العدد من الإصابات، فقد بلغت الوفيات 15257 حالة وفاة . ووفقا لآخر الإحصائيات تعد الحالات الفعالة التي تخضع للعلاج حالياً، ما يقارب 111 ألفا.

ويعاني الشعب العراقي من سوء الخدمات الصحية، حيث يفضل الكثير منهم التداوي في الحجر المنزلي بدلا من الذهاب إلى المستشفيات، خاصة في ظل الكثافة السكانية العالية وزيادة الأعداد في ظل عدم سيطرة كاملة من الحكومة لمعالجة الأوضاع التي تسوء يوما بعد يوم. 

فيما تحاول مبادرات شبابية ومجتمعية المساعدة في مواجهة تفشي كورونا، ومن هذه المبادرات "أبناء الحدباء للإغاثة والتنمية"، التي قامت بإنشاء مشغل لخياطة الكِمامات الطبية، وفق مديرة المنظمة علا العثمان لموقع DW عربية، لمحاولة سد عجز الإمكانيات الحكومية في مواجهة الجائحة.

وكان آخر نتائج الإهمال في العراق، نشوب حريق في مستشفى "ابن الخطيب" ببغداد المخصص للمصابين بكورونا ليلة 24 أبريل/نيسان 2021، نتج عنه 82 قتيلا بينهم مرضى كورونا وعشرات الجرحى والمصابين، ولازالت الأعداد مرشحة للارتفاع، وفق تصريحات وزارة الداخلية

وأُطلقت دعوات في العراق تهدف إلى استقالة المسؤولين عن الحريق في بلد يعاني من نظام صحي متهالك منذ عقود، وذكرت مصادر طبية لوكالة "فرانس برس" أن الحريق بدأ في إسطوانات أكسجين "مخزنة من دون مراعاة لشروط السلامة".

ومؤخرا، أعلنت الحكومة أن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي قرر خلال جلسة استثنائية لمناقشة الحادث المأساوي في مستشفى ابن الخطيب "سحب يد وزير الصحة حسن التميمي ومحافظ بغداد محمد جابر العطا وإحالتهما للتحقيق. 

وفيما يخص اللقاحات، استلمت بغداد نحو 650 ألف جرعة من لقاحات مختلفة، وتلقى حتى نهاية أبريل/نيسان ما يقرب من 274 ألفا و343 عراقي جرعة لقاح واحدة على الأقل، وفق وزارة الصحة التي تجري حملة توعية لإقناع السكان بتلقي اللقاحات في ظل تشكيك واسع فيها وإحجام عن وضع الكمامات.

  • الأردن 

تحتل الأردن المرتبة الثانية عربيا من حيث عدد الإصابات بكورونا، حيث بلغ إجمالي الإصابات بنهاية أبريل/نيسان ما يعادل 708 آلاف و265، وفقا للإحصائيات الرسمية، بمتوسط إصابات يزيد عن 3 آلاف حالة في اليوم خلال هذا الشهر، وزادت الأعداد خلال أبريل/نيسان بمعدل 100 ألف إصابة، ما يعد انخفاضا متدرجا في منحنى الإصابات، فيما تبلغ أعداد الحالات النشطة حاليا 21 ألفا و336.

وأعلن أمين عام وزارة الصحة عادل البلبيسي، في 27 أبريل/نيسان، أن 695 ألف شخص تلقوا الجرعة الأولى من اللقاح، و137 ألفا تلقوا كلتا الجرعتين. 

ويُذكر أن الأردن بدأ في 13 يناير/كانون الثاني 2021، حملة التطعيم، ومنح "تراخيص طارئة" لخمسة لقاحات هي: "سينوفارم" و"فايزر/بايوتيك" و"أسترازينيكا" و"جونسون آند جونسون" و"سبوتنيك-في".

وفي تصريحاته الأخيرة، أعلن وزير الصحة الأردني فراس هواري، أن العالم كله يتعرض لموجة شديدة من كورونا رغم انتشار حملات التطعيم، وهو ما يدعو إلى الحذر، ولفت إلى أن الموجة الثانية في الأردن كانت أشد من الأولى بنسبة 30 بالمائة. 

كما أشار إلى أن دراسة منظمة الصحة العالمية تتطابق مع ما يحدث على أرض الواقع، والقرارات التي يتم اتخاذها تنعكس على أعداد الإصابات والوفيات، ولولا الإجراءات لكانت الزيادة المتوقعة بنسبة 250 بالمائة في الإصابات عن ما سجلناه بوجود الإجراءات، ولولا حظر الجمعة لزادت الإصابات 48 بالمائة.

وفيما يتعلق بمواجهة الوباء، فقد اتخذ الأردن منذ مارس/آذار من العام الماضي جملة من الإجراءات للحد من تفشي الوباء في البلاد، حيث أغلقت الجامعات والمدارس وتم اعتماد التعليم عن بعد لمعظم المراحل التعليمية، فيما حظرت حفلات الزفاف ومجالس العزاء.

وثارت حالة كبيرة من الجدل والاحتجاج مؤخرا داخل مجلس النواب الأردني، حيث طالب ما يزيد عن 90 عضوا الحكومة بإلغاء الحظر وفتح المجال للمواطنين لأداء الصلوات وعودة حركة الاقتصاد من جديد نظرا للضرر الاقتصادي الذي نال المواطنين، رغم خطورة مثل هذه المطالب في ظل الوضع الوبائي.

كما أشار البرلماني يران فريحات إلى محاولات زعزعة الاستقرار السياسي في البلاد من بعض الأشخاص، مستغلين في ذلك الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحظر، متهما الحكومة بدعم مثل هذه التيارات من خلال عدم سماحها بفتح المجال من جديد وتصعيد الوضع الاقتصادي على المواطن، وهو ما استجابت له الحكومة بشكل جزئي.

وخلال المؤتمر الأخير للحكومة الأردنية في 28 أبريل/نيسان 2021، أعلن وقف الحظر الشامل أيام الجمعة من كل أسبوع، والسماح بأداء صلوات العشاء والتراويح والعيد في ساحات المساجد الخارجية، مع التأكيد على أن هذا القرار جاء استجابة لمطالب 95 نائبا بالتخفيف عن المواطنين، فيما لازال الحظر الجزئي مستمرا كما هو معمول به.

  • لبنان

يأتي لبنان في المرتبة الثالثة عربيا من حيث عدد الإصابات، حيث بلغ العدد الإجمالي في نهاية أبريل/نيسان 524 ألفا و241، وتبلغ عدد الحالات النشطة حاليا 61 ألفا و902، فيما بلغ العدد الإجمالي للوفيات 7 آلاف و224.

وبعدما تخطت المستشفيات الرئيسة طاقتها الاستيعابية واضطر مصابون بكورونا للانتظار في أقسام الطوارئ أو تلقي العلاج داخل سياراتهم، فرضت الحكومة حجرا صحيا شاملا وحظر تجول تام خلال إجازات الأعياد الدينية المقبلة، بدءا من عيد الفصح لدى الطوائف المسيحية لتشمل عيد الفطر لدى المسلمين.

وأعلن لبنان، في بداية أبريل/نيسان، تسلم نحو 47 ألف جرعة إضافية من لقاح "بيونتيك فايزر"، وقالت وزارة الصحة إنها تسلمت 46 ألفا و800 جرعة من لقاح "بيونتيك فايزر"، تمثل الدفعة الثامنة التي تتلقاها من هذا اللقاح. 

وأوضحت الوزارة، في بيان، أنه مع وصول الدفعة الجديدة يكون لبنان تلقى 297 ألفا و180 جرعة من لقاح "بيونتيك ـ فايزر".

واستمرارا في اتخاذ التدابير الاحترازية، طالبت الحكومة اللبنانية، وزارة الطيران المدني، وقف نقل جميع الركاب القادمين من الهند والبرازيل، كما أوجبت على الركاب القادمين من إحدى الدولتين الإقامة في أي بلد مدة 14 يوما قبل القدوم إلى لبنان.

ومنذ ظهور الجائحة يعاني اللاجؤون في لبنان بشكل كبير، فمنذ أوائل مارس/آذار 2020، فرضت 8 بلديات على الأقل حظر تجوّل يقيّد حركة اللاجئين السوريين ضمن فترات محددة، متذرعة بمخاوف كورونا، وطبّقت هذه البلديات الإجراءات قبل أن تدعو الحكومة إلى حظر تجوّل على الصعيد الوطني.

ومؤخرًا تزداد المعاناة بشكل واسع في تلبية احتياج الرعاية الطبية للاجئين، فبحسب شاهد عيان فلسطيني، فإن الجزء الأكبر من الرعاية الطبية توفرها وكالة "أونروا" لسكان المخيم، والتي تقوم بالتعاون مع منظمة "أطباء بلا حدود" ومستشفى الهمشري في جنوب لبنان بإجراء اختبارات كورونا من 3 إلى 4 أيام في الأسبوع.

ووصل عدد الإصابات التي تم تسجيلها في مخيم برج البراجنة قرب بيروت إلى 670 حالة في فبراير/شباط ومارس/آذار الماضيين، حسب أرقام لجنة كورونا في المخيم، والتي تتكون من منظمات غير حكومية والهلال الأحمر الفلسطيني، لكن يعتقد أن الرقم الحقيقي للإصابات أكبر من ذلك بكثير، حيث لا تُجرى اختبارات كافية.

  • الإمارات

تأتي الإمارات في المركز الرابع على مستوى الدول العربية، حيث بلغ إجمالي عدد الإصابات 515 ألف حالة، وهذا يُعد تراجعا ملحوظا عما كانت عليه الأعداد قبل أسابيع، فيما بلغت الوفيات 1580، وهي نسبة ضئيلة كذلك مقارنة بعدد الإصابات.

وأعلنت وزارة الصحة ووقاية المجتمع بالإمارات، في 26 أبريل/نيسان 2021، عن إجراء 160 ألفا و390 فحصا جديدا خلال الـ24 ساعة على فئات مختلفة في المجتمع باستخدام أفضل وأحدث تقنيات الفحص الطبي، للكشف عن حالات كورونا.

وساهم تكثيف إجراءات التقصي والفحص في الدولة وتوسيع نطاق الفحوصات على مستوى الدولة في الكشف عن 1759 إصابة جديدة بكورونا، من جنسيات مختلفة، وجميعها حالات مستقرة وتخضع للرعاية الصحية اللازمة، وبذلك يبلغ مجموع الحالات المسجلة 512 ألفا و497.

في شأن متصل، أعلنت وزارة الصحة ووقاية المجتمع الإماراتية، أن مجموع جرعات لقاح كورونا التي تم تقديمها بلغ 10 ملايين و254 ألفا و63 جرعة ومعدل توزيع اللقاح 103 آلاف و68 جرعة لكل 100 شخص.

ويأتي ذلك تماشيا مع خطة الدولة لتوفير اللقاح، وسعيا إلى الوصول للمناعة المكتسبة الناتجة عن التطعيم والتي ستساعد في تقليل أعداد الحالات والسيطرة على انتشار الفيروس.

  • المغرب 

يُعد المغرب خلال هذا الشهر في المرتبة الخامسة على مستوى العالم العربي في إصابات كورونا، حيث بلغ عدد الوفيات منذ الجائحة 8 آلاف و992، ما يعني زيادة الوفيات خلال أبريل/نيسان بما يعادل 180 حالة، وهي نسبة متزنة مقارنة بالنسبة العالمية، فيما تبلغ أعداد المتعافين 494 ألفا و872.

كما سجل المغرب، انخفاضا طفيفا في إجمالي الإصابات، حيث بلغ ما يعادل 509 آلاف و300 حالة، ما يشير إلى زيادة الأعداد خلال الشهر الأخير حوالي 14 ألف حالة وهي نسبة أقل قليلا مقارنة بالشهرين الماضيين حيث سجلت ما يقرب من 25 ألف إصابة.

في سياق متصل، طالب بعض المغاربة بتخفيف الإجراءات الاحترازية، في ظل تراجع مستوى المنحنى الوبائي وعودة الأمل في العودة إلى الحياة الطبيعية، فيما رد رئيس المركز الوطني للعدالة الاجتماعية، مصطفى كرين أنه "يصعب جدا حسم مسألة تخفيف التدابير الاحترازية"، منبها أن المغرب في "مرحلة موجة ثالثة".

وتابع بقوله: أن "أي تهاون من قبل الدولة أو المواطنين ستكون فاتورته غالية الثمن، خاصة مع عدم توفر اللقاح بالشكل الكافي"، مطالباً بعدم مقارنة المغرب بدول نالت حظها من اللقاح.

يُذكر أن عدد الذين تلقوا جرعة لقاح واحدة على الأقل في المغرب 4 ملايين و723 ألفاً و635، بنسبة حوالي 13 بالمائة من نسبة السكان، فيما بلغ عدد الذين تلقوا جرعات لقاح كاملة 4 ملايين و217 ألفاً و 48، بنسبة 11.6 بالمائة من عدد السكان.

وقد قررت الحكومة المغربية في بداية أبريل/نيسان، تمديد فترة العمل بالإجراءات الاحترازية التي تم إقرارها في 13 يناير/كانون الثاني الماضي إلى 10 مايو/أيار 2021.

  • السعودية 

وصل العدد الإجمالي للمصابين في السعودية 416 ألفا و307، من بينها 9892 حالة نشطة لا تزال تتلقى الرعاية الطبية، وتعد هذه زيادة ملحوظة عما كانت عليه المملكة قبل 3 أشهر، وقد وصلت أعداد المتعافين بنهاية هذا الشهر إلى 398 ألفا و454 حالة.

كما أعلنت وزارة الصحة أن حصيلة الوفيات جراء تداعيات كورونا، ارتفعت إلى 6 آلاف و913، فيما تبلغ نسبة التعافي 95.98 بالمائة، ونسبة الحالات النشطة 2.3 بالمائة ونسبة الوفيات 1.67 في المائة.

وبنهاية أبريل/نيسان، أعلنت السعودية عن توزيع 9 ملايين جرعة من لقاح كورونا على المواطنين والمقيمين على أرضها، عبر أكثر من 587 موقعا للتطعيم في كافة مناطق المملكة، وفقا للإحصائيات الرسمية.

واستمرارا في اتخاذ التدابير الاحترازية، أغلقت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد 34 مسجدا مؤقتا في 9 مناطق بعد ثبوت 34 حالة إصابة بالفيروس بين صفوف المصلين، ليصل مجموع ما أُغلق خلال 81 يوما 901 مسجد، فُتح 862 منها بعد الانتهاء من التعقيم واكتمال الجاهزية في إطار الحرص على سلامة المصلين.


المحور الثاني:  الحالة السياسية

تموج تقلبات عدة في المشهد العربي خلال الأعوام الأخيرة، وكان نصيب أبريل/نيسان منها حافلا، ما بين تجدد جزئي لاحتجاجات القدس يتخوف معه قطاع من المراقبين من أن تثور في فلسطين انتفاضة ثالثة من شأنها أن تضيف لتعقيد المشهد الإقليمي الذي يقبع قيد الاضطراب حتى عقد قادم على الأقل.

ويبدو المشهد المغاربي أكثر تقلبا، حيث تحضر منه معنا في هذا التقرير 3 حالات؛ ترتبط أولاها بالتطورات السياسية في الملف الليبي مع اتجاه اللواء الانقلابي خليفة حفتر نحو خوض رئاسيات 2021، وتحفز يوناني فرنسي لـ"إهالة الركام" على ميراث حقبة رئيس حكومة الوفاق السابق فائز السراج.

فيما لدينا الزيارة الغامضة للرئيس التونسي إلى القاهرة والتي لا تتناسب مدتها مع الأهداف التي أعلنتها الرئاسة التونسية كمستهدف منها، ومع هاتين القضيتين توتر العلاقات الجزائرية الفرنسية على خلفيات بعضها بات من المعروف من هذه العلاقات بالضرورة، فيما تجد مستجدات تؤسس لمرحلة جديدة أكثر توترا في العلاقات بين البلدين. 

وعلى صعيد ثالث، تعاني دول السلام البارد من تجدد أزمات لا تبدو يد الكيان الصهيوني بعيدة عنها، حيث شهد الأردن محاولة انقلاب على خلفية التحديات والتحولات الإقليمية الراهنة.

فيما تواصل مصر صراعها الدبلوماسي وتجهيزاتها الاستخباراتية والعسكرية للضغط على إثيوبيا من أجل عدم الاندفاع نحو ملء ثان للسد يقبع بمثابة الكارثة على الشعب المصري، ولا تبدو تونس بعيدة عن هذا المربع المتعلق بالتطبيع البارد.

فلسطين بين المواجهات والانتخابات

في 23 أبريل/نيسان الماضي، اندلعت مواجهات عنيفة بين مقدسيين وقوات الاحتلال في مدينة القدس المحتلة، ونتج عنها إصابة أكثر من 105 فلسطينيين، فيما ادعت شرطة الاحتلال أن نحو 20 من أفرادها أصيبوا بجروح، وأنها اعتقلت 50 شخصا من الجانبين (المقدسيين والمستوطنين).

وأدت هذه المواجهات لاشتعال الموقف في فلسطين المحتلة على أكثر من صعيد، وسط إدانات عربية شملت الإمارات إلى جانب فلسطين والأردن وإيران، وبلغ اتساع نطاق المواجهات حد نصح السفارة الأميركية في الكيان الصهيوني رعاياها في القدس بـ"اليقظة".

وتسببت إسرائيل في اندلاع هذه المواجهات، حيث تنتهج قوات الاحتلال سياسة تضييق واسعة النطاق على الفعاليات الرمضانية التي تشهدها مدينة القدس منذ بدء شهر رمضان المعظم. 

فمن جهة، دأبت قوات الاحتلال على أن تطلب من الفلسطينيين الحصول على جرعتي التطعيم ضد كورونا؛ وتصريح دخول إلى مدينة القدس كشرط لعبورهم للمدينة.

يأتي ذلك في وقت لا تتوفر فيه كميات كافية من اللقاحات في الضفة الغربية، حيث يقتصر التطعيم على أصحاب الأمراض المزمنة ومن هم فوق سن الـ60، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. 

ومن جهة أخرى، دأبت قوات الاحتلال على مباشرة اعتداءات دورية على المصلين الموجودين في المسجد الأقصى لأداء صلاة التراويح، واتسع نطاق المواجهات في مناطق باب العامود والمصرارة وباب الساهرة، ولم يلبث الموقف أن تفجر ليلة الجمعة الرمضانية الثانية بعد تظاهرات لمستوطنين صهاينة طالبت بقتل العرب ومنع الصلوات في الأقصى.

وفي تداع أبرز، أدت الاحتقانات المتراكمة عبر فترة حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ورغبة حركات المقاومة في استثمار الظرف لتعبئة الشارع الفلسطيني، علاوة على هذه المواجهات لخرق قواعد الاشتباك المستقرة بين حركة حماس في قطاع غزة، والتي تم التوصل إليها برعاية مصرية وقطرية إثر عمليات 2014 واسعة النطاق على القطاع. 

ولم تكتف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بإطلاق صواريخها على مناطق 48، بل دعت القوى الفلسطينية الأخرى لتجهيز صواريخها لـ"استهداف معاقل الاحتلال ومنشآته العسكرية والحيوية".

وأطلقت حركات المقاومة أكثر من 30 صاروخا على إسرائيل في ليلة، ونحو 5 صواريخ في الليلة الثانية، ومثيلتها في الليلة الثالثة، منها 5 صواريخ أطلقتها كتائب المقاومة الوطنية، الجناح المسلح للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. 

وقد اعترضت منظومة القبة الحديدية 6 صواريخ، بينما سقطت أخرى في مواقع "خالية من السكان"، وردا على إطلاق الصواريخ، قصفت إسرائيل بالدبابات مواقع في غزة، ثم نفذت غارات جوية بطائرات مروحية وطائرات قتالية على القطاع طالت مواقع "حماس"، وأخرى للتدريب تابعة للفصائل الفلسطينية المسلحة في مناطق متفرقة في مدن غزة.

وبالنظر لتغير قواعد الاشتباك، أقرت حكومة الكيان الإسرائيلي خطة قصف جوي على أهداف تخص "حماسا" في القطاع حال استمر إطلاق الصواريخ.

المشهد السابق يعكس حالة تماسك غير مسبوقة في الموقف العربي الرافض للعنف من جانب الطرف الصهيوني، وفيما ركزت غالبية الدول والقوى السياسية العربية على التعاطي مع الحكومة الإسرائيلية باعتبارها الطرف الرئيس المتسبب في تفجر العنف، فإن الطرف الإماراتي، والذي انخرط في حالة شجب غير معهودة حيال العنف ضد الفلسطينيين؛ لم يتهم الكيان الرسمي، وإنما اتجه إلى إدانة موقف من أسماهم بـ"المتطرفين". 

وكان هذا الموقف مساويا للموقف الفرنسي الذي عبر عنه موقع قناة "فرانس 24"، والذي ركز على دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأطراف المختلفة لخفض التصعيد؛ لتبدو معه الصورة وكأنه حكم بين أطراف متساوين؛ المقدسيون من جهة والمستوطنون من جهة أخرى.

من جهة ثانية، اتجهت الفصائل الفلسطينية كلها وجهة إشعال حس المقاومة الذي لم يخمد أواره طيلة الفترة الماضية، وشهد حراكا قويا؛ وبخاصة في قطاع غزة، لكن الفصائل تعاطت بقوة مع هذا التصادم لأنه أتى من البقعة الأكثر رمزية في فلسطين قاطبة، وهي البقعة المقدسية.

هذه البقعة التي من شأنها أن تعيد الروح لحس المقاومة الذي بات من المعهود النظر إليه باعتباره حكرا على قطاع غزة الذي تسيطر عليه "حماس" منذ 2007، فيما بات معتادا أن تكون الضفة أكثر الأطراف هدوءا في التعاطي مع العنف الصهيوني.

ويتصور أن الاستثمار في شحن روح المقاومة يرتبط بمشروعين؛ أولهما ترقب نتائج الانتخابات الفلسطينية، والانطلاق منها باتجاه تعزيز الموقف الفلسطيني حقوقيا وسياسيا.

كما يرتبط بتوقعات فلسطينية باحتمال اندلاع مواجهات تركية - إسرائيلية في المستقبل؛ وذلك بالنظر للترتيبات العسكرية التي وقعها الكيان الصهيوني مع كل من اليونان وقبرص، والتي تستهدف أنقرة بطبيعة الأطراف المشاركة في هذه الترتيبات، وهو ما تتحين تفاصيله القوى الفلسطينية؛ من أجل تحقيق مكاسب ترتبط بحقوق الفلسطينيين وعلاقتهم بمقدساتهم، وبخاصة مع سخونة الوضع على الجبهة الأردنية.

غير أن المتغير الذي جد في هذا الإطار قاد السلطة الفلسطينية لتأخير الانتخابات؛ في محاولة لاحتواء التهديدات الانتخابية التي تتعرض لها حركة "فتح".

من جهة ثالثة، لوحظ أن نطاق انتشار صواريخ المقاومة؛ والذي اتسع رسميا ليشمل غالبية الفصائل الفلسطينية، من بينها "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"، التي أعلنت في بيان إطلاقها 5 صواريخ على مستوطنات.

هذا النطاق لانتشار الصواريخ لم يتجاوز حد التهديد، ولم تنجم عنه إصابات في صفوف المستوطنين، حيث إن 30 صاروخا من أصل 36 سقطوا على أراض غير مأهولة، بجانب مستوطنات، وهو ما يعكس اهتماما بإبعاد المدنيين (ولو كانوا صهاينة) عن مرمى الصواريخ.

لكن هذا يحمل دلالة ردع تتعلق بتطور الصواريخ من جهة المدى والدقة، وإن كان الصدى الإعلامي واستمرار التهديد عبر فترة طويلة نسبيا من الزمن (3 أيام)، ودخول أطراف أخرى غير حركة "حماس"، وإن كان بدعوة منها، قد أدى إلى تطور نسبي في رد فعل قوات الاحتلال، في محاولة للضغط من أجل العودة لقواعد الاشتباك التي استقرت طيلة الفترة من 2014 وحتى 2021، والتي اتجهت في إطارها حكومات الاحتلال لإرساء علاقات احترام للاتفاقات شبه المباشرة التي التزمتها في مواجهة "حماس"، أيا كان الطرف العربي الراعي لها.

من جهة رابعة، فإن قصف قوات الاحتلال للقطاع بالطائرات ربما يستهدف الرأي العام الداخلي في منحى يرمي للتبشير بتمكن جيش الاحتلال من تحييد ما سبق أن كشفه من توفر تقنية إنتاج صواريخ "أرض - جو"، والتي جرى قصفها منتصف أبريل /نيسان.

انقلاب الأردن

في 3 أبريل/نيسان 2021، شهد الأردن محاولة انقلاب فاشلة قادها الأمير حمزة بن الحسين ولي العهد السابق، وصفتها الحكومة بأنها "مخططات آثمة" تهدف لـ "زعزعة أمن الأردن واستقراره".

وفي غضون هذا البيان اعتقلت السلطات نحو 20 شخصا، بينهم رئيس الديوان الملكي السابق باسم عوض الله، ومبعوث الملك عبد الله الثاني السابق للسعودية الشريف حسن بن زيد، في حين وضع الأمير حمزة تحت الإقامة الجبرية، حتى تصاعدت الضغوط لتخفيف حدة منهج تعامل الملك مع الأزمة. 

فيما تصف أطراف إعلامية خارجية الموقف بأنه لا يعدو أن يكون محاولة أردنية لكسب عطف إدارة الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، والحصول على دعمه بعد تطورات سلبية واجهت المملكة في علاقتها بالكيان الصهيوني.

وإذا كان من عنوان للانقلاب الذي شهده الأردن فإنه يمكن استلهامه من المقابلة التي أجراها ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله مع التلفزيون الرسمي في الثلث الأخير من مارس/آذار الماضي، حيث قال: إن "القدس مسألة شخصية عندما يتعلق الأمر بالعائلة الهاشمية، فوصاية الأردن على الأماكن المقدسة خط أحمر"

ولم تكن هذه الواقعة إلا القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات الراهنة بين الأردن والكيان الصهيوني.

وبعد أيام من هذه المقابلة، أراد ولي العهد الأردني السفر للمسجد الأقصى - وفق زيارة مخططة - في ليلة الإسراء والمعراج، وهي زيارة دينية بالأساس، وفوجئت المملكة بأن الكيان الصهيوني قام بإلغاء الزيارة تحت لافتة "دواع أمنية"، وهو ما أعقبه رفض الأردن التصديق على مسار طائرة نتنياهو خلال سفره إلى الإمارات.

عقب ذلك تأكد للكيان الصهيوني أن الابن على مسار أبيه في بناء تطبيع بارد مع الكيان الصهيوني، وأن الأردن تحاول استثمار إدارة بايدن من أجل تعميق مفهوم الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية في فلسطين، وهي القضية التي تواجه فيها الأردن منافسة قوية ومثيرة لتخوفات العالم الإسلامي من جانب السعودية التي يحرك سياستها الخارجية - عمليا - ولي العهد محمد بن سلمان.

هي إذن القشة التي قصمت ظهر البعير، وتبدأ قصة تخوفات إسرائيل من الأردن، مع حالة من التنافس القوية بين المخابرات الأردنية ومخابرات الكيان الصهيوني فيما يتعلق بإدارة المصالح الأميركية في المنطقة، وهي خطوة اتجهت الولايات المتحدة لتعميقها عبر فترة من الزمن، وتعاظمت مع إدارة بايدن، وبخاصة مع توقيع الأردن اتفاقية تعاون دفاعي جديدة مع واشنطن في 17 فبراير/شباط 2021.

هذه الاتفاقية تمنح بموجبها الأردن للولايات المتحدة تسهيلات واسعة في تحركات الأفراد والقوات الأميركية البرية والبحرية في عموم البلاد. كما يرغب الكيان الصهيوني في كسر علاقة الوكالة الإقليمية للأردن عن الإمارات في عدد من ملفات الترتيبات الإماراتية الإقليمية (خاصة في ليبيا وأرمينيا)، حيث يرغب الكيان الصهيوني في البقاء على اطلاع لأدق تفاصيل التصور التنفيذي للمشروع الإماراتي في المنطقة.

وخلال الفترة التي سبقت الترتيبات الانقلابية في الأردن، وبخاصة مع ازدياد وتيرة التفاعل التعاوني بين الإمارات وإسرائيل، ومع الطموح السعودي في الحصول على الوصاية على المقدسات المقدسية، ومع انكفاء الأردن - عبر العاهل الأردني وولي عهده - في مربع التطبيع البارد، والذي يكرس فكرة "العدو الصهيوني"، برغم اتفاق "وادي عربة"، بدأت ترتيبات "إسرائيلية" - سعودية - إماراتية للتمهيد لانقلاب سياسي في العرش الأردني.

وكان المدخل الأساسي لهذه الترتيبات تلك العلاقة الوثيقة بين الأمير حمزة وقيادات الجيش الأردني، هذا فضلا عن اتجاه الأمير للعب دور سياسي خلال الفترة الماضية عبر توجيه الانتقادات للحكومة بخصوص أداء القطاع الاقتصادي الحكومي (القطاع العام) وحول الفساد. 

ومثلت علاقة الأمير حمزة بالمؤسسة العسكرية ما وفر قبولا لدى استخبارات البنتاغون لهذا الخيار، وهو الدافع وراء ضغوط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية باتجاه تجاوز فكرة "الانقلاب"، ورفضها إجراء تحقيق "قانوني" من شأنه أن يفضي إلى عقوبة، بل وضغطها من أجل مشاركة السعوديين والإماراتيين في التحقيق المتعلق بهذا الانقلاب وخلفياته.

الضلوع الإماراتي - السعودي في ترتيبات الانقلاب يجد رابطه في ضلوع مدير الديوان الملكي الأردني السابق في ترتيباته، وهو الفاعل الذي تربطه علاقات وثيقة بكل من ولي العهد السعودي وكذا مستشار ولي عهد أبو ظبي، محمد دحلان. وكان نائب رئيس الوزراء الأردني أيمن الصفدي قد صرح في مؤتمر صحفي أعقب الانقلاب بأن الأجهزة الأمنية الأردنية اعترضت اتصالات بين ولي العهد السابق حمزة بن الحسين - الأخ غير الشقيق للملك عبد الله الثاني - ودائرته المباشرة، وأطراف خارجية لتنفيذ خطة من شأنها التأثير على استقرار البلاد. 

ويرتبط بهذا المنحى كذلك ضغوط السعودية لإطلاق سراح 4 أسماء من بين القائمة التي اعتبرتها الأجهزة الأمنية الأردنية متهمة بالتواطؤ، فضلا عن سعي الإمارات لإطلاق سراح كل الأسماء.

حدوث الانقلاب كان سيمنح السعودية فرصة أوسع للتطبيع مع الكيان الصهيوني من بوابة التعاون فيما يتعلق بالإشراف على الأماكن المقدسة، ولن يتسبب بالإضرار بمصالح الإمارات مع الأردن، والتي تتركز في التسهيلات التي تقدمها كل من الاستخبارات والقوات المسلحة الأردنية.

هذه التسهيلات هي ترتيبات محكومة بتدفقات نقدية لنظام متعثر؛ أكثر منها ترتيبات سياسية، وإن كانت ستقل لصالح استفادة الأجهزة الأمنية بالكيان الصهيوني استخباراتيا وماليا جراء المشاركة في إدارة الترتيبات الإماراتية لوجستيا واستخباراتيا. 

غير أن هذا الانقلاب سيعني بالنسبة للإمارات إضعاف مربع السلام المتحفظ الذي تقوده حاليا مصر والأردن وحكومة العدالة والتنمية في المغرب؛ بعد خروج العراق من هذا المربع إثر حزمة المساعدات الإماراتية الموعودة.

زيارة الرئيس التونسي لمصر

في 9 أبريل/نيسان 2021، قام الرئيس التونسي قيس سعيد بزيارة للقاهرة، استغرقت 3 أيام، وهي مدة كبيرة، بالنظر لهامشية القضايا التي أعلن عن دوران الزيارة حولها، والتي تتمثل في قضية التحشيد الدولي لمساندة قضية أمن مصر المائي، علاوة على قضية مستقبل ليبيا. 

وتأتي زيارة سعيد إلى مصر وسط أجواء سياسية داخلية مشحونة، إذ تتواصل القطيعة بين الرئاسات الثلاث والتي غذاها مطالبة سعيّد باستقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي من جهة، ورفضه الإمضاء على تعديلات القانون الأساسي للمحكمة الدستورية التي هددت أطراف سياسية من الحزام السياسي الداعم للحكومة باستخدامها ضده.

وقد أثارت الزيارة ردود أفعال سلبية في مواجهة الرئيس سعيد، وبخاصة أن الزيارة موجهة لمصر التي يحكمها عسكري انقلب على الربيع المصري وثورة يناير، وأزاح أول رئيس مدني منتخب (محمد مرسي) في عملية تصويت حرة هي الأعلى في نزاهتها في تاريخ البلاد، ما دفع البعض يصور الزيارة وكأنها منح رمزية من نوع ثوري لرأس سلطة 3 يوليو/تموز 2013.

ويمكن في هذا الإطار أن نقرأ الزيارة في ضوء عدة اعتبارات؛ بعضها إستراتيجي وبعضها الآخر سياسي. 

فمن جهة، لا يمكن قراءة الزيارة في ضوء علاقة يحاول الرئيس التونسي بناءها مع إحدى دول الثورة المضادة، وبرغم غموض الموقف الإستراتيجي المصري، والتوازنات الدقيقة التي تسير بها الدبلوماسية، نجد أن تونس قد أوضحت وجهتها الإستراتيجية، وقبلت ببناء جسر مع الولايات المتحدة الأميركية.

هذا الجسر الذي يتجاوز إنهاضها عسكريا، باتجاه كونه يكفيها مؤونة مواجهة الحلف الحقيقي للثورة المضادة، والذي تقوده إقليميا دولة الإمارات، وأوروبيا الدولة الفرنسية، ولعل التدريبات التي اختارت تونس أن تجريها مع اليونان في مجال مكافحة الأنشطة غير المشروعة، بينها الهجرة غير القانونية والتهريب أكبر مثال على هذا النموذج.

فالتوجه بعيدا عن فرنسا، باتجاه الحليف المستقبلي المركزي للولايات المتحدة في شرق المتوسط يكشف المسافة التي تفصل تونس عن المحور الفرنسي الإماراتي

وعلى مسافة من هذا المسار، تبدو مصر وكأنها قد تحررت من عقدة الإسلاميين، ومن العقدة التركية - القطرية، وشرعت في انتهاج سياسة "خاصة" بها، سواء فيما يتعلق بليبيا، أو فيما يتعلق بشرق المتوسط، ولا يمكن التكهن بمستقبل علاقتها الإستراتيجية بأي من الدولتين؛ تركيا أو الإمارات، ولا حتى التنبؤ بمستقبل علاقتها بالمحور الفرنسي اليوناني على وجه القطع؛ إذ ما زالت القاهرة قيد صدمة هشاشة تحالفاتها السابقة.

لكن الراجح أن سعيّد ربما يرغب في استشارة مصر في الأزمة الداخلية التونسية، ويشي طول الزيارة بأنها ربما حملت مسارا عمليا لدعم سعيد، وهو ما ستكشف الأيام المقبلة عن درجة كفاءة التحليل حياله.

ومن جهة أخرى، تضمنت الزيارة - بحكم واقعها - مقابلة أحد رموز التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، ثم زيارته لقبر الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وهو أول رئيس عربي يقوم بتوقيع معاهدة سلام مع هذا الكيان.

وبالنظر للموقف الاستهلالي للرئيس سعيد في حملته الانتخابية، والتي بنيت على موقف متشدد حيال العلاقة مع الكيان الصهيوني، وكذلك بحكم اتجاه تونس لبناء علاقة تحالف إستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية، وما يرتبط بها إقليميا من ضرورة وجود حد أدنى من التعاطي مع واقع حضور الكيان الصهيوني في المنطقة، وموقعها من الإستراتيجية الأميركية، فإن الزيارة لا تخلو من احتمال وجود رغبة - إن لم تكن إرادة - لدى الرئيس التونسي في التمهيد لتقديم تنازل فيما يتعلق بالمبدأ الأساسي له في العلاقة مع الكيان الصهيوني. 

وبالنظر لكون الهوة ساحقة بين الموقف المبدئي والموقف المرتقب، يمكن النظر لاختيار سعيد مصر لإرسال هذه الرسالة عبرها بالنظر لاتسام الأخيرة ومؤسستها العسكرية - بشكل عام - بموقف متحفظ حيال "السلام الدافئ" مع الكيان الصهيوني وربما تعكس هذه الزيارة رغبته في بناء علاقته المرتقبة في إطار نفس المسار الذي يجمع الأردن وقطر والمغرب والكويت وغيرها من دول السلام المفروض من أعلى.

من جهة ثالثة، أدت هذه الزيارة إلى فتح ملفات عدة شائكة في مواجهة الرئيس التونسي، وكان من أبرز تجلياتها الفضيحة التي أثارها النائب راشد الخياري حول تلقي سعيّد أموالا أميركية بلغت 5 ملايين دولار خلال فترة حملته الانتخابية

وقد ردت السفارة الأميركية على تصريحات النائب التونسي بأنها لم تقدم أي تمويل للحملة الانتخابية للرئيس، وهو ما أثار عاصفة من الجدل السياسي بعدما أقر مسؤول الحملة الرئاسية لسعيد أمام القضاء العسكري بأنه تلقى أموالا من المسؤول الأمني بالسفارة الأميركية في باريس.

وما تزال التحقيقات في هذه القضية جارية، وإن كانت تجري من خلال مسار قضاء غير طبيعي؛ إذ إن التحقيق يجري أمام النيابة العسكرية، وهو قادح آخر في سلامة موقف الرئيس التونسي الذي يترأس هذه النيابة بحكم منصبه ومسؤولياته الدستورية. 

غير أن قرارات سعيد، وبخاصة سياساته العسكرية تصب جميعها في مربع تعاون عسكري وثيق مع البنتاعون؛ بدءا من اتفاق التعاون الدفاعي العشري، وقاعدتي الطائرات المسيرة والغواصات الأميركية، رغم أن التعاون الدفاعي مع واشنطن له غطاء سياسي قوي محسوب لصالح استقلال تونس؛ ولكن ليس المقام لبسط الحديث فيه.

ومن جهة رابعة، فإن الاتجاه للقول بأن هذه الزيارة ستضر بالديمقراطية التونسية، أمر وارد، رغم استبعاد بعض الخبراء، بوزن الدبلوماسي التونسي السابق عبد الله العبيدي، حدوث ذلك. 

ولا يمكن النظر للرئيس التونسي باعتباره محنكا سياسيا، بل تعكس إدارته للحملة الانتخابية، وأطروحاته خلالها، ومنهج تعامله مع الاستقطاب السياسي الداخلي في بلاده خلوا من هذه الحنكة.

وفي حال كان لجوء قيس لمصر من أجل توفير إطار تعاوني لتحجيم نفوذ حركة "النهضة" ونسق تحالفاتها، فإن هذا التوجه سيكون له توجه رديف غير مقصود يتمثل في رغبة المحور الفرنسي - الإماراتي في احتواء التجربة التونسية؛ وإن كان الهدفان متباينان بين الإمارات وفرنسا، فالأخيرة لن تتمكن من تحقيق مرادها بالانفراد بتونس، وإعادتها وثروتها البحرية المرتقبة - بعد ترسيم الحدود إن حدث - إلى الحظيرة الفرنسية مجددا بعد أن خطت خطوات كبيرة في عبور الأطلنطي باتجاه الولايات المتحدة. 

ومن ثم فإن انهيار التجربة التونسية لن يصب إلا في مربع المؤسسة العسكرية التي سترث الاتفاق الدفاعي والقواعد العسكرية، وستجد نفسها أسيرة النفوذ الأميركي، وبخاصة إن ارتبط بتوفر مساعدات عسكرية أو اقتصادية.

أما النفوذ الإماراتي الذي نجح في اختراق تونس؛ فسيكون المنتصر الأكبر في حال الإطاحة بـ"التجربة الديمقراطية" ويمكنه تجسير الفجوة مع قيادة تونس العسكرية؛ عبر تجسير الفجوة مع الولايات المتحدة، فالدولة الوظيفية لا تعدم أن تخلق فرصا للتحول بين "الباترونات".

ضرب مصر لسد النهضة

خلال مارس/آذار 2021، بدأت تسريبات تترى حول اعتزام مصر توجيه ضربة إجهاضية لسد النهضة، ولم يكد الشهر يمر حتى بدأ الخطاب المصري ينحو باتجاه العودة للتفاوض مجددا مع الجانب الإثيوبي. 

وفي إطار التحضيرات الدبلوماسية في هذا الملف، أكد الاتحاد الأوروبي ضرورة جلوس إثيوبيا مع دولتي المصب للتوصل لاتفاق بخصوص أزمة سد النهضة،  وهي المفاوضات التي بدأت بالفعل في العاصمة الكونغولية كينشاسا، ولم تلبث أن وجدت صدى في روسيا التي اقترحت كذلك استضافة محادثات مباشرة مصرية إثيوبية، وهو ما أتى في حينه في إطار محاولات القاهرة التخلص من ضغوط الإدارة الأميركية الجديدة.

التحرك المصري خارج الغطاء الأميركي دفع واشنطن لدعوة الأطراف الثلاثة، إثيوبيا ومصر والسودان للجلوس على مائدة التفاوض، وهو ما أعلنت إثره رفضها أي إجراء أحادي الجانب في هذه القضية، لكنها اتجهت في ختام الشهر، ومع تأكيدها على الحل التفاوضي، إلى دعوة إريتريا للانسحاب من إقليم "تيغراي". 

وفي إطار التأكيد على المسعى التفاوضي للوصول لاتفاق، ضغطت القيادة الأميركية لإفريقيا "أفريكوم" على السودان لمنعها من إعطاء القاهرة الإذن لاستخدام مجالها الجوي كمسار لضرب سد النهضة

وفي تطور شهده أبريل/نيسان، اتفقت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على اتفاق بشأن احترام الاتفاقات الإستراتيجية التي أبرمتها الدولتان لتسوية مصالحهما حول العالم، وكانت "اتفاقية عنتيبي" 1954 من بين الاتفاقيات التي شملها الاتفاق بين الدولتين، وهو ما يمثل أساسا قانونيا يمكن لمصر أن تبني عليه مطالبها بالتدخل الأميركي في مواجهة الإصرار الذي أبدته إثيوبيا في مفاوضات "كينشاسا" على رفض أي مراقبين غير أفارقة فيما يتعلق بتقييم الأعمال الجارية في سد النهضة.

من جهة ثانية، كشف موقع "جيش الاحتلال الإسرائيلي" عن إجراء مصر مناورات باستخدام صاروخ "بلاك شاهين" الذي يعد الاسم المصري لصاروخ "سكالب" الفرنسي المستخدم في تسليح طائرات "الرافال"، والمصمم لضرب أهداف في عمق الأراضي المعادية.

التدريبات التي كشف عنها الجيش الإسرائيلي ترتبط بتوجه لديه بحماية سد النهضة لما يرتبط به من استثمارات في الأراضي السودانية التي ستجف بعد اكتمال عملية التحكم في تدفق المياه من السد.

وظهر الصاروخ خلف قادة القوات الجوية المصرية والفرنسية في إحدى القواعد الجوية المصرية لأول مرة رسميا في فبراير/شباط من هذا العام.

ومؤخرا، نقل مراقبون عن وسائل إعلام يونانية أن السعودية سلمت مصر تسهيلات في جزيرة "فرسان"، والتي تحوي مدارج طائرات من الجيلين الرابع والخامس، ما يمكن مصر من استغلالها لتنظيم طلعات بطائرات "رافال" باتجاه سد النهضة، وهي الخطوة التي فهمها بعض المراقبين في إطار إهداء السعودية الجزيرة لمصر. 

هذا علاوة على تطوير مصر لاتفاقية التعاون الاستخباراتي مع أوغندا بخصوص مكافحة الإرهاب، يتوقع مراقبون أنها قد تتطور باتجاه تعاون استخباراتي كامل، إضافة إلى إمكانية استخدامها لتوفير تسهيلات عسكرية لمصر

من جهة أخرى، وفي نفس إطار الإجراءات اللوجيستية المصرية في تحضيرات هذا الملف، كشفت مسؤولة بيلاروسية عن استخدام بالون بيلاروسي إيكولوجي الوظائف للتجسس على التطورات فيما يتعلق ببناء وملء سد النهضة، وهو إجراء يلتف على الاحتياطات التي اتخذتها إثيوبيا فيما يتعلق بتأمين السد؛ ومن بينها منع الطائرات والمسيرات من الطيران فوق سماء هذا السد.

وفي هذا الإطار، يمكن تقديم عدة قراءات حول الملف، تتمثل أولاها في نجاح جهود الدبلوماسية المصرية في احتواء تداعيات توقيع رأس سلطة 3 يوليو على "مذكرة تفاهم الخرطوم"، وفي الدفع من أجل توفير إطار للتدخل الأميركي في ملف سد النهضة، سواء عبر ضغوطهم المباشرة، أو عبر علاقتهم بالمفاوض البريطاني الذي اعتبر الاتفاقية المنظمة لحوض النيل من الاتفاقيات الإستراتيجية التي يتعين على الدولتين، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة احترامها. 

وأيضا العمل بمقتضاها، وهو ما يمثل أساسا للضغط الأميركي للحضور كمراقب للأعمال الواردة فيما يتعلق بسد النهضة، وهو ما سيجري على خلاف إرادة إثيوبيا التي ترغب في قصر مهام الرقابة على الدول الإفريقية، وهو توجه يمكن توفير أرضية لاحترامه لولا أنه يأتي على حساب مصالح شعب بأكمله (الشعب المصري). 

من جهة أخرى، وفي نفس الإطار، فإن اتجاه مصر للضغط على الولايات المتحدة عبر استدعاء الفاعل الروسي في هذه القضية، أدى لتحرك أميركي للتدخل من أجل الضغط على إثيوبيا للجلوس لمائدة التفاوض، وهي عملية تفاوضية لم يكن الطرف الروسي يملك أكثر من مستواها (مستوى الدعوة للجلوس للتفاوض). 

وتأتي التحركات المصرية في هذا الإطار مدعومة بالاتفاق الأميركي - البريطاني، والذي احتاج لتوفير أساس سياسي يمكن استخدامه كحافز للتدخل الأميركي، وكان التوجه الأميركي لمواجهة الحضور الصيني - الروسي في القارة السمراء حافزا كافيا لضمان كل من مصر والسودان التمتع بغطاء أميركي.

من جهة ثانية، وبعيدا عما اعتبرته وسائل إعلام خليجية نوعا من الخيانة لمصر، يرى مراقبون أن المسلك السوداني المتعلق بتفضيل معالجة قضية سد النهضة في إطار تفاوضي لا صراعي يأتي في إطار تخوفات حكومة "حمدوك" من أن تؤدي المعالجة العسكرية المصرية - السودانية المشتركة لأزمة سد النهضة إلى منح المؤسسة العسكرية السودانية قدرا ضخما من الشرعية يساندها في مواجهة الضغوط التي توفرها عليها القوى المدنية من أجل تصحيح الأوضاع السياسية والمالية والاقتصادية للمؤسسة العسكرية السودانية. 

فحكومة "حمدوك" لا تريد تقوية المؤسسة العسكرية في ضوء محاولتها بناء علاقات مدنية عسكرية تميل القوة فيها لصالح المؤسسة المدنية. لهذا، استجابت الحكومة لمطالب "أفريكوم" بخصوص منع مصر من استخدام المجال الجوي السوداني في أية عملية محتملة لضرب السد، لكنها رحبت في نفس الإطار بأي مسار تفاوضي. 

وتجدر الإشارة إلى أن مصر وجدت في المساندة السعودية عبر جزيرة "فرسان" بديلا كافيا، خاصة وأن هذه الجزيرة تواجه دولة إريتريا، والتي تشارك مصر في علاقة أمنية قابلة للتمدد.

من جهة ثالثة، فإن مصر أبدت بعدين هامين حتى الآن فيما يتعلق بإثبات جديتها في اعتبار مياه النيل خطا أحمر، أولهما البعد المتعلق بالجاهزية الاستخباراتية، وقدرتها على إنتاج اختراق على صعيدي المعلومات (المراقبة الجوية) والاختراق (عرقلة وصول عدد من شحنات تأمين السد وذلك عبر منع وصول أجهزة تشويش على رادار طائرات الرافال) و(إثارة القلاقل في شرق إثيوبيا).

 أما البعد الآخر فيتعلق بالجانب العسكري، حيث تمكنت القاهرة من إقناع الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة وحتى الدول الراعية لبناء السد؛ وعلى رأسها إسرائيل بأنها مستعدة للذهاب بعيدا - على الصعيد العسكري - فيما يتعلق بأمنها المائي، وهو الأمر الذي بلغ بإثيوبيا حد دعوة جنوب إفريقيا ومجلس الأمن للتدخل ودعوة مصر لمائدة المفاوضات مجددا.

ليبيا وتحركات محور الثورة المضادة

خلال أبريل/نيسان، شهدت الساحة الليبية تحركين أساسيين على صعيد انتكاسة ليبيا في اتجاه الثورة المضادة. 

فمن جهة، بدا أن ثمة دعم من كل من مصر وفرنسا واليونان من أجل العمل على دفع العسكري حفتر للترشح في انتخابات الرئاسة الليبية، وهذه الخطوة الخاصة بترشح حفتر يرتبط بها إجراءان مكملان. 

أولهما يتمثل في وجود سعي محموم بضغوط فرنسية لتجنيس القبائل الليبية الموجودة داخل الحدود المصرية والتشادية بالجنسية الليبية، في خطوة تستهدف تفكيك البنية الديمغرافية القائمة في ليبيا واستبدالها ببنية بديلة واقعة تحت التأثيرين المصري والفرنسي، ما يصب مباشرة في اتجاه ترجيح كفة حفتر. 

وأما الإجراء الثاني فتمثل فيما سبق أن أجرته القاهرة من مصالحة بين كل من حفتر ورئيس الأركان التابع لبرلمان طبرق، الفريق عبد الرزاق الناظوري. 

وكان خلاف حاد قد نشب بين الرجلين خلال مارس/آذار الماضي، كاد يصل لحد المواجهات المسلحة بينهما، بسبب ورود معلومات للناظوري عن نية حفتر التخلص منه وتصفيته؛ كونه البديل المحتمل له في المرحلة المقبلة، وتمكنت المخابرات الحربية المصرية من حل الخلاف بينهما.

وقد بدأ حفتر بالفعل في الترتيبات المرتبطة بترشحه، حيث وقّع على مخطط لبناء 3 مدن حول بنغازي (شرق)، وأتبع هذه الخطوة باستقبال وفد من مدينة الزنتان (غرب) التي تضم أكثر حلفائه ولاء بالمنطقة الغربية.

وأشارت وسائل إعلام لبعض ملامح هذا المشهد والتي تمثلت في هتاف أُسر قتلى مليشيات حفتر، بعد أن عرض عليهم حفتر عددا من الرشاوى الانتخابية التي اعتاد قادة المجتمع القبلي وعلى رأسهم الراحل معمر القذافي على منحها للقبائل لنيل رضاهم، وهي رشاوى تتمثل في توفير مساكن ووظائف والتكفل بمصاريف تدريس أبنائهم.

وفي نفس إطار هذا المسار، وبعد زيارة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس للعاصمة الليبية، أعلن إعادة فتح سفارة أثينا في طرابلس، وجدد رفضه لاتفاق تعيين الحدود البحرية التركية - الليبية. 

فيما قام وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس بزيارة رسمية إلى مدينة بنغازي؛ ثاني أكبر مدن ليبيا، وأجرى محادثات مع نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية الجديدة، حسين القطراني،  داعيا إلى مغادرة جميع القوات الأجنبية التراب الليبي، وتمكين الشعب وحده من تقرير مصيره.

وأشار ديندياس إلى اتفاقيات مشتركة مع ليبيا، وأكد استعداد أثينا لتفعيلها وإبرام أخرى جديدة، معربا عن رغبته في استمرار مسيرة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، ومبديا استعداد اليونان "لإبرام اتفاقيات جديدة للرفع من مستوى التعاون مع ليبيا"، وجدد موقف بلاده الرافض لما وصفها بـ"الاتفاقيات غير القانونية التي أبرمتها الحكومة السابقة مع تركيا".

وفي مسار مختلف، زار رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أنقرة رفقة وفد وزاري رفيع المستوى في 13 أبريل/نيسان، لحضور الاجتماع الأول "للمجلس الليبي التركي للتعاون الإستراتيجي رفيع المستوى"، الذي تأسس عام 2014، 

وفيما استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للدبيبة، تضمن الوفد الليبي وزراء الخارجية والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والدفاع والطاقة والنفط والغاز والتخطيط والتجارة والاقتصاد، الذين عقدوا لقاءات مع نظرائهم الأتراك؛ لبحث سلسلة من المشروعات التي بدأت أنقرة تنفيذها في الغرب الليبي.

وفي هذا الإطار، يمكن الوقوف على ملامح تفسير هذا المشهد من عدة زوايا مختلفة. 

فمن جهة، فإن زيارة وزير الخارجية اليوناني للشرق الليبي ارتبطت بمطلب استئناف خطوة ترسيم الحدود البحرية اليونانية الليبية.

فيما قالت المتحدثة باسم الحكومة أريستوتيليا بيلوني: إن "ليبيا اقترحت تشكيل لجنة فنية لمراجعة قضية ترسيم المنطقة البحرية مع اليونان"، وهذه الخطوة من شأن تنفيذها أن تلغي عمليا الاتفاقية التي سبق أن وقعتها كل من ليبيا وتركيا بخصوص تعيين الحدود البحرية فيما بينهما. 

والتفاؤل اليوناني في هذا الصدد وجد خلفيته في ملمحين اثنين، أولهما أن دبلوماسيا فرنسيا صرح لمجلة "لوموند" بأن الاتفاقية التركية الليبية البحرية "لن تكون لها قيمة قانونية فى كل من القانونين المحلى والدولي، إلا إذا صادق عليها مجلس النواب الليبى". 

الدبلوماسي الفرنسي تجاوز الإطار القانوني مع الصحيفة بتأكيده أنه سيتعين تجاوز الاتفاقية إذا لم يكن من الممكن إلغاؤها، والملمح الثاني في هذا الإطار أن الاتفاق بين الدول الثلاث، ومن خلفهم بقية دول المحور الذي تقوده فرنسا داخل "الناتو"؛ يدعمون خيار الانتخابات الرئاسية قبل التشريعية، وهو ما يعني أن الاتفاقية التركية الليبية لن تصل إلى المجلس النيابي الليبي أبدا في حال وصول حفتر لكرسي الرئاسة.

من جهة أخرى، تتمسك مصر بأن تجرى الانتخابات الرئاسية في موعدها، وأن تسبق الانتخابات النيابية، تحت غطاء إنجاز الانتخابات النيابية تحت مظلة مشروعية شعبية وليست مشروعية فصائلية. 

وتجمع الدول الثلاث في هذا الإطار رغبة في إبعاد النفوذ التركي عن ليبيا، وهو ما يتم تحت مظلة إبعاد أية قوة غير عربية عن العمق الإستراتيجي الشرقي بالنسبة لمصر؛ هذا علاوة على عداء حفتر للإسلاميين؛ وهو الأساس الأبرز لكل مشروعات الثورة المضادة في الإقليم.

وهو ما تبدى خلال كلمة حفتر أمام عائلات قتلى ميليشياته، حيث أعلن أنه "لن يبقي أي واحد يطلق عليه إخوان (جماعة الإخوان المسلمين).. لن نتعايش معهم أبداً"

كما يأتي هذا الدعم من جانب القوتين الأوربيتين في إطار مكافحة التمدد الإقليمي التركي بالنسبة لكل من فرنسا واليونان، كما أنها تأتي في إطار مواجهة مشروع تمكين سيف الإسلام القذافي الذي تدعمه المملكة المتحدة، وهو ما يعني أنه قد يقبل بتوفير درجة من الغطاء لحضور بريطاني - تركي في الشرق الليبي، وذلك بالنظر للشراكة التركية - البريطانية التي تقدمت مؤخرا بضع خطوات.

من جهة ثالثة، فإن الخطوات التي اتخذها المحور الفرنسي- اليوناني - المصري قد يكون لها تداعيات خطيرة. وبرغم دبلوماسية التصريحات التي أطلقت من المسؤولين الليبيين خلال زيارة وزير الخارجية اليوناني إلى تركيا، أو خلال زيارة الوفد الوزاري الليبي إلى تركيا، والتي أكدت أن العلاقات الليبية مع الطرفين تأتي في إطار المصالح الليبية مع كلتا الدولتين.

إلا أن انقساما يلوح في الأفق بين فريقين سياسيين ليبيين مختلفين في مراميهما، وهو ما ينذر باحتمال تفاقم الخلاف مجددا بين شطري ليبيا. وفي هذا الإطار، فإنه رغم التزام حفتر الصمت حيال تأكيد "الدبيبة" في لقائه بالرئيس أردوغان التزامهما باتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين الدولتين، فإن تصريحات صدرت عن مصادر مقربة من حفتر اعتبرت أن هذا الالتزام من طرف الجانبين يتعارض مع تعهدات الدبيبة بالحفاظ على السيادة الوطنية لليبيا، وأن مواقف الدبيبة المتحالفة مع تركيا تعمق المسافة مع "الجيش الوطني" ومع "حفتر"

وتكشف هذه التصريحات عن بذور خلاف قابل للتطور في حال لم تتجه القوى الليبية لتوفير مظلة مصلحية تدفع الأطراف الدولية لتقدير أهمية البناء على توافقات ليبية حقيقية.

ويكشف مراقبون في هذا الإطار عن وجود حالة حنق داخل معسكر حفتر بسبب تجاهل الدبيبة الاجتماع أو الاتصال بالأول، والامتناع عن زيارة مدينة بنغازي حتى تاريخ كتابة هذه السطور، رغم وعود الدبيبة المتكررة حيال هذا الأمر، وهو ما يثير علامة استفهام لا تصب في صالح أمن واستقرار البلاد، بحسب تعبير سياسيين مقربين من حفتر.

توتر العلاقات الجزائرية الفرنسية

في 6 أبريل/نيسان، أعلنت باريس تأجيل زيارة كان مقررا أن يقوم بها رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس للجزائر في 11 أبريل/نيسان إلى أجل غير مسمى، في خطوة مفاجئة عزتها باريس لأسباب متعلقة بجائحة كورونا.

لكن مصادر فرنسية وجزائرية مطلعة أكدت أن أسباب التأجيل دبلوماسية، تتعلق بتخفيض فرنسا مدة الزيارة وعدد الوزراء المشاركين فيها، ما اعتبرت الجزائر معه أن "تشكيلة الوفد دون المستوى"، وأبلغت قنوات الاتصال الفرنسية بذلك، ما أدى لإلغاء الزيارة.

ورغم أن هذه الحدة في التعامل بين البلدين متوقعة بالنظر لحساسية الجزائر جراء وجود "لوبي" في باريس ينظر للدولة المغاربية بنظرة استعلاء - بحسب خبراء جزائريين-، ويسعى لتقليص مستوى العلاقات معها، ويعكر صفو العلاقة بين البلدين من حين لآخر، إلا أن خطاب التوضيح الذي تبادله الخبراء من الجانبين يشي بأن ثمة أزمة مكتومة بسبب تراكم الملفات العالقة بين البلدين. 

وفيما يتعلق بتأجيل الزيارة، أفاد مراقبون بأن السبب المباشر الذي زاد من حساسية الجزائر أن حزب الرئيس الفرنسي "الجمهورية إلى الأمام" قد قام قبل الزيارة بأيام بتدشين لجنة دعم في مدينة الداخلة في الصحراء الغربية التي يقع قسمها الأكبر تحت سيطرة المغرب، الأمر الذي أثار حفيظة الجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو في حق تقرير المصير، ما دفعها للاحتداد مع تقليص باريس مدة الزيارة وحجم الوفد. 

في المقابل، رد خبير فرنسي بأن باريس سبق لها أن طلبت مساعدة الجيش الجزائري في ملف إفريقي، وهو ما تحفظت عليه الجزائر، ما دفع باريس لإرسال رسالة سياسية لها عبر "لجنة الدعم".

في هذا الإطار من الحدة والحساسية في العلاقات بين البلدين، يمكن التعرف على الخلفيات المعاصرة المتعددة لهكذا تراكم في المشاعر السلبية بين الجهازين الدبلوماسيين في البلدين. 

فمن جهة، تتراكم المشكلات بين البلدين تحت مظلة وجود تيار يميني عنصري متنام ينظر للجزائر كمستعمرة سابقة لا كدولة مستقلة ذات سيادة، ويميل للتعاطي معها في إطار الوكيل الذي ينبغي أن تكون وتيرة استجاباته لـ"الباترون" الفرنسي عبر الامتثال وتنفيذ الإملاءات. 

فيما ترى فرنسا، وبخاصة بعد حراك 2019، أن الجزائر ينبغي أن تتعاطى معها بمنطق المعاملة بالمثل، وأنها ليست مضطرة لتقديم تنازلات على مستوى السيادة لدولة استعمارية سابقة؛ ما زال المنطق الاستعماري يحكم توجه سياستها الخارجية نحو الجزائر.

ومن بين المشكلات المتراكمة في هذا الاتجاه، ملف "الذاكرة"؛ وما يرتبط به من رفض فرنسا الاعتراف بجرائمها خلال الاحتلال في الفترة من 1832 إلى 1962، هذا علاوة على بعض الملفات الخطرة المرتبطة بتلك الفترة؛ ومن بينها - على سبيل المثال - ملف "خريطة النفايات النووية" الفرنسية المدفونة في الجزائر، وهي قضية خطيرة وتتجاوز في أبعادها الملف الأمني لصالح أبعاد أخرى إيكولوجية واقتصادية تهم الجانب الجزائري. 

غير أن من أخطر الملفات في هذا الإطار ملف استضافة فرنسا رئيس حركة "ألماك" الانفصالية، ومن ثم ضلوع باريس في جهود ترى الجزائر أنها تستهدف زعزعة الاستقرار في المنطقة المغاربية.

ولا يمكن في هذا الإطار تجاهل اتجاه فرنسا لتوظيف الجنود الإماراتيين المنسحبين من أفغانستان في عملياتها في شمال مالي (قرب الحدود مع الجزائر)؛ من دون تنسيق أو إخطار للجزائر.

من جهة أخرى، يعد البعد النفسي الحاكم للدبلوماسية الفرنسية تجاه مستعمراتها السابقة، والذي ربما تظهر في الرسالة التي بعث بها جنرالات متقاعدون فرنسيون للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وتحمل حسا شوفينيا متقدما يرفض اليسار الفرنسي ورؤاه المعادية للنزعة الاستعمارية الفرنسية.

هذا البعد يجعل باريس تنظر للجزائر باعتبارها موردا للخام، ومنفذا للمنتجات، ومن ثم؛ فهذا البعد لا يقدر توجه الجزائر لدعم اقتصادها، وهو التوجه الذي يلامس عالما متغيرا، تتصاعد فيه قوة فاعلين عالميين كبار يحملون رؤية للاقتصاد العالمي، ويسعون لتكريسها عبر تعاونهم مع بقاع حيوية مختلفة عبر العالم؛ من بينها الجزائر.

يأتي هذا في وقت تباشر فيه فرنسا سلوكيات تلكؤية وكيدية  كتلك التي ردت بها على الموقف الجزائري الرافض للتعاون في ملف يخالف أسس سياساتها الخارجية، وبخاصة على الصعيد الإقليمي، فيما شركاء عالميون مثل الصين لا يضيعون الوقت في هكذا ردود أفعال كيدية، ويتقدمون  بمقترحات لمشروعات تحتاجها الجزائر مشفوعة بتصورات لجدوى هذه المشروعات، ويتقدمون بنظم تسهيلات مرتبطة بالعوائد التي تترقبها الجزائر في المستقبل. 

وهذا النمط من أنماط التعامل يلائم الشخصية الجزائرية التي تقترن فيها العزة القومية بالنزعة العملياتية المرتبطة بالتجدد الثقافي العالمي، علاوة على نزوع تدعيم الاستقلال.

من جهة ثالثة، فإن التطور العسكري الذي يحدث بالجزائر، والذي يستقي من مسارات متعددة اليوم؛ أبرزها روسيا والصين، يزيد من رغبتها في دعم استقلالها، وفي الاعتزاز بسيادتها وقوتها. 

ولعل من أخطر النماذج التي تثير قلق فرنسا في هذا الإطار؛ مشاركة الجزائر في تصنيع وتطوير عدة مشروعات عسكرية روسية وصينية تتراوح ما بين صواريخ ومسيرات وحتى طائرات مقاتلة، علاوة على تأكيد الجزائر أهمية حضورها في المتوسط للعناية بما ترتقبه من ثروات في هذا المجال.

وأيضا رغبتها في ترسيم الحدود البحرية الخاصة بها من أجل الشروع في استغلال هذه الثروات في توقيت ترغب فيه فرنسا في الاستفادة منها لدعم اقتصادها الذي يترقب موجة ضغوط آنية ومستقبلية؛ برغم الإرادتين الأميركية والفرنسية اللتين ترغبان في أن تدير الجزائر ملف الجماعات الإرهابية في الصحراء.


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

الأوضاع المالية لدول المنطقة العربية، تظهر أداء سلبيا، في ظل الأزمة المزدوجة، التي جمعت بين جائحة كورونا، وتراجع أسعار النفط في السوق الدولية، فالدول النفطية تتأثر بشكل كبير بسبب تراجع إيراداتها النفطية، فضلًا عن حالة الانكماش في اقتصادياتها، كما أن الدول العربية غير النفطية، تتضر أيضا بشكل كبير من استمرار جائحة كورونا، لما تفرضه من تداعيات سلبية على حركة النشاط الاقتصادي، وبخاصة الدول التي كانت تعتمد على إيرادات قطاع السياحة، مثل مصر وتونس ولبنان والأردن والمغرب.

وفي ضوء التطورات الأخيرة لانتشار فيروس كورونا وتحوره في أكثر من دولة، لجأت بعض الدول إلى الإغلاق الكامل، أو الجزئي، وهذا من شأنه أن يعزز حالة الانكماش في الاقتصاد العالمي، ويقضي على التوقعات التي كانت تأمل بانقشاع الأزمة تدريجيا مع النصف الثاني من عام 2021. ولكن على ما يبدو أن الدول العربية ستظل تعاني اقتصاديا وماليا على مدار الأجل القصير، أي خلال السنوات الثلاث القادمة، من أوضاع مالية غير مواتية.

وفي ضوء ما سبق يتناول المحور الاقتصادي هذا الشهر، التوقعات المالية الخاصة بدول الخليج خلال الفترة القادمة، وكذلك ما يتعلق بالمخاوف التي انتابت المتابعين للشأن المصري، بخصوص إقدام الحكومة بتأهيل دينها المحلي لمقاصة أوروبية بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

وكان من المهم أن نتناول نتائج التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم للسلام العالمي عن قيمة الإنفاق العسكري في العالم، للوقوف على معرفة، كم نصيب الدول العربية من هذا الإنفاق؟، في ظل أوضاع كورونا، والأزمة الاقتصادية المستشرية على مستوى العالم، وبالمنطقة العربية بالتبعية.

استمرار تراجع الأوضاع المالية بالخليج

لاتزال أسعار النفط في السوق الدولية تشهد حالة من التذبذب الذي يؤرق صانعي السياسة الاقتصادية بدول الخليج، ففي ظل موجات من التفاؤل بإمكانية تزايد معدلات تعاطي اللقاح، وإمكانية زيادة الطلب على النفط، أتت أزمة تفشي كورونا في الهند، لتؤدي إلى حالة من التشاؤم فيما يتعلق بتعافي الاقتصاد العالمي قريبًا، كما ألقت بظلالها السلبية على أسعار النفط في السوق الدولية.

ولاتزال أوضاع أسعار النفط المتدنية في السوق العالمية، تلقي بظلالها السلبية على الأوضاع المالية بدول الخليج، بسبب اعتماد هذه الاقتصاديات على النفط بشكل رئيس، على الرغم من حديث المسؤولين هناك منذ منتصف 2014 عن تبني إستراتيجيات لتنوع الاقتصاديات الخليجية.

ويمكن أن نلاحظ مدى تأثر ميزانيات دول الخليج ماليا، بتلك التوجهات المتزايدة لدى أكبر دولتين خليجيتين، وهما السعودية والإمارات، وذلك من خلال الإعلان عن بيع حصة من شركة "أرامكو" السعودية، وإصدار موانئ أبو ظبي لسندات بقيمة مليار دولار لمدة 10 سنوات.

ففيما يخص شركة "أرامكو"، تم الإعلان عن عزم السعودية عن بيع نسبة 1 بالمائة من أسهم الشركة لمستثمر إستراتيجي، لم يعلن عنه بعد، ويتوقع أن تحصل الرياض بموجب هذه الخطوة على نحو 19 مليار دولار.

 والجدير بالذكر أن السعودية باعت حصة تبلغ 1.7 بالمائة من أسهم أرامكو في 2019، وجنت من وراء ذلك 29.4 مليار دولار، وذلك من أجل تمويل مشروعات رؤية 2030. 

وفيما يتعلق بشركة موانئ أبو ظبي فقد أعلن عن المبالغ المتحصلة من إصدار السندات للشركة ستستخدم في أغراض مؤسسية عامة وإعادة تمويل ديون، وتعد هذه هي المرة الأولى التي تطرح فيها الشركة سندات، وهو ما يعني وجود حاجة تمويلية ملحة.

ومؤخرا توقعت وكالة "فيتش" أن تؤدي الأزمة المزدوجة لجائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط، التي عاشتها دول الخليج في 2020، إلى استمرار العجز لدى حكومات دول الخليج، وإن كانت أسعار النفط خلال الشهور المنقضية من 2021 قد شهدت تحسنا في أسعار النفط، عند متوسط أسعار بحدود 66 دولار للبرميل.

إلا أن هذا التحسن لن يؤدي إلى تحقيق حالة من القضاء على العجز المالي، فكما ذكرت الوكالة أن البحرين تحتاج لأن يصل سعر برميل النفط إلى 100 دولار لكي تحقق توازنًا في ميزانية 2021 – 2022، والكويت تحتاج لسعر برميل نفط يصل إلى 80 دولار لتحقق ذلك، وتحتاج كل من السعودية وعمان لأن يصل برميل النفط إلى 70 دولار لتحقق ذلك

وثمة توقعات تبين أن أزمة تفشي وباء كورونا في الهند، ستؤثر بشكل كبير في الأجل القصير على اقتصاديات دول الخليج، نظرا لكميات النفط الكبيرة التي تستوردها الهند من دول الخليج، وبخاصة من السعودية والإمارات، وتوقع الخبراء أن يحدث هذا التأثير السلبي على عوائد النفط الخليجية المتحصلة من الهند أواخر أبريل/نيسان 2021.

وبشكل عام، أنه في ظل استمرار اقتصاديات دول الخليج على العوائد النفطية، فسيكون من الصعب تحقيق توازن مالي، في الأجلين القصير والمتوسط، وهو ما يعني أن السنوات الثلاث القادمة على الأقل، ستشهد حالة من العجز المالي لدى معظم دول الخليج، وقد تكون قطر أقرب الدول للخروج من دوامة العجز المالي، حيث أعلنت مؤخرا أنها حققت فائضا في الربع الأول من 2021.

مخاوف حول تدويل الدين المحلي المصري 

وأواخر أبريل/نيسان 2021، صرح وزير المالية المصري محمد معيط أثناء حديثه إلى أعضاء غرفة التجارة المصرية الأميركية، أن الدين المحلي المصري مؤهل للمقاصة الأوروبية، ومفتوح أمام عدد أكبر من المستثمرين الأجانب بحلول نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

والجدير بالذكر أن مصر شهدت بعد توقيع برنامجها للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، زيادة في حصة المستثمرين الأجانب في شراء أذون الخزانة المصرية، وهو ما سمح بتوفير موارد من النقد الأجنبي، بلغت في يناير/كانون الثاني 2021 لنحو 28.5 مليار دولار.

والجدير بالذكر أن هذه الآلية معمول بها في مصر منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، إلا أنها شهدت إقبالا كبيرا من المستثمرين الأجانب بعد أن خفضت مصر عملتها المحلية بنسبة تصل إلى 100 بالمائة، فضلا عن رفع سعر الفائدة المصاحب لتحرير سعر العملة المحلية.

وقد استهدفت مصر من خطوة زيادة المساحة المسموح بها لوجود الأجانب في سوق الدين، أن تزيد من المعروض من النقد الأجنبي، عبر ضخ هؤلاء المستثمرين للعملات الأجنبية لدى البنك المركزي أو البنوك المصرية، مما يساعد على استقرار سعر الصرف، الذي تعتبره الحكومة أحد إنجازاتها، بصرف النظر عن التكلفة العالية التي تتكبدها الموازنة العامة، نظير سعر الفائدة المرتفع الذي تغري به مصر المستثمرين الأجانب للدخول في سوق الدين لديها.

ويمثل الدين العام بشقيه (المحلي والخارجي) عبئا على الموازنة المصرية، سواء من حيث الأقساط أو الفوائد، في الوقت الذي تنتهج فيها الحكومة سياسة التوسع في الدين العام. 

فحسب بيانات وزارة المالية، بلغت فوائد الديون في موازنة 2020/2021، نحو 569 مليار جنيه، وهو ما يمثل قرابة 38 بالمائة من الإنفاق العام في نفس العام، ويعتبر المخصص الأكبر بين مخصصات بنود الموازنة.

كما تعاني مصر من حالة إرباك في إدارة الدين الخارجي، تجعلها في حالة دائمة لإصدار السندات في السوق الدولية، حيث تحل ديون قصيرة الأجل بشكل دائم، مما يجعل الحكومة تصدر سندات جديدة لسداد السندات القديمة. 

ففي فبراير/شباط 2021 نشرت وسائل الإعلام المختلفة، أن مصر مطالبة بسداد 21.4 مليار دولار خلال عام 2021، وأن غالبية هذه الديون هي عبارة عن ودائع لدول الخليج (السعودية، الإمارات، الكويت) وتقدر بنحو 17 مليار دولار.

والخطوة التي طرحها معيط وزير المالية بأن الدين المحلي سيكون مؤهلا لمقاصة أوروبية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أثار مخاوف كثيرة تتعلق بهذه الآلية، التي تعتمد على رهن بعض الأصول نظير تداول الدين المحلي في البورصات الخارجية، نظرا لتجارب مصر التاريخية السلبية إبان عهد الحاكم الخديوي إسماعيل، الذي أفرط في الديون الخارجية، مما أرغم مصر على القبول بإدارة اقتصادها عبر ما يسمى بصندوق الدين، وكان البوابة التي أدت لاحتلال الإنجليز لمصر.

وتبقى الإشكالية الكبرى في مصر فيما يخص موضوع الدين العام، في كون الحكومة تتخذ قرارات منفردة، سواء فيما يتعلق بالمشروعات التي تنفذها، أو صفقات السلاح، أو عمليات الخصخصة، دون وجود مشاركة مجتمعية، أو رقابة حقيقية تمكن من حسن إدارة هذه الأموال، أو جدوى هذه المشروعات.

ووفق بيانات البنك المركزي المصري، فإن الديون المحلية لمصر بلغت 4.35 تريليون جنيه في ديسمبر/كانون الأول 2020، كما بلغت الديون الخارجية في نهاية الربع الأول من 2020/2021 نحو 125.3 مليار دولار، ولم تتوقف الحكومة فيما بعد هذه التواريخ عن الاقتراض الداخلي أو الخارجي، سواء من خلال الديون قصيرة أو طويلة الأجل. 

ويعد أحدث الديون التي أبرمتها مصر، دينا يتعلق ببيع أذون خزانة لمدة عام مقومة بالدولار، بقيمة 988.5 مليون دولار، بسعر فائدة 3.09 بالمائة، ويلاحظ أن مصر على مدار العامين الماضيين تتوسع بشكل كبير في بيع أذون خزانة في السوق المحلي مقومة بعملات أجنبية، وبخاصة الدولار واليورو. 

الإنفاق العربي على التسليح في عام 2020

وأصدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تقريره السنوي عن الإنفاق على السلاح في العالم عن عام 2020، وقد بلغت قيمة الإنفاق على التسليح 1.98 تيرليون دولار، بزيادة نسبتها 2.6 بالمائة عن حجم الإنفاق على التسليح في 2019

والمثير للاستغراب أن هذه الزيادة تأتي في ظل عام تراجعت فيها معدلات النمو الاقتصادي على مستوى العالم، بسبب جائحة كورونا، وكان المنطقي أن تتراجع قيمة الإنفاق على التسليح، لصالح الرعاية الصحية، أو مشروعات التنمية، لإنعاش النشاط الاقتصادي على مستوى العالم.

والمعلوم أن المنطقة العربية، لها حصتها المعتبرة من الإنفاق على التسليح، والتي قدرها التقرير عام 2020 بنسبة 9 بالمائة من الإنفاق العالمي، أي أن الإنفاق العربي على التسليح عام 2020 بلغ 178.2 مليار دولار.

وكالعادة أتت السعودية في مقدمة الدول العربية من حيث قيمة الإنفاق على التسليح بنحو 57.7 مليار دولار، ثم الجزائر في المرتبة الثانية بنحو 9.7 مليارات دولار، ثم العراق بقيمة إنفاق 7 مليارات دولار، ثم الكويت بقيمة 6.9 مليارات دولار، ثم عمان بنحو 6.7 مليارات دولار، وأتى المغرب في المرتبة الأخيرة بنحو 4.8 مليارات دولار.

والملاحظ من هذه المعلومات التي أوردها التقرير، أن دولا ظلت على مدار السنوات الماضية، كانت تأتي بعد السعودية، غابت عن الترتيب المتقدمة، وهي مصر والإمارات. 

والملاحظة الثانية هي أن الدول النفطية -باستثناء المغرب- هي من تتقدم قائمة الإنفاق العربي على التسليح. 

ولكن الملمح المهم أن الدول العربية الست التي تأتي في مقدمة القائمة العربية للإنفاق على التسليح تعاني جميعها من أوضاع مالية صعبة، بل ولجأت للاقتراض الخارجي لتغطية عجزها المالي.

وكان ينتظر أن يكون لأزمة تراجع أسعار النفط، أثرا ملموسا على تخفيض الإنفاق على التسليح بالدول العربية النفطية، فالأزمة مستمرة منذ منتصف 2014، والأوضاع الحالية في سوق النفط، تنذر بتعميق الأزمة المالية لدى الدول النفطية.

ولعلها ليست المرة الأولى التي يطرح فيها مجموعة من الأسئلة حول الإنفاق العسكري العربي، ففي حالة السعودية التي تنفق نحو 60 مليار دولار في المتوسط على مدار العقد الماضي، ما هو جدوى هذا الإنفاق في ظل حالة الانخفاض البادية للعين، لعجز السعودية عن حسم حربها في اليمن، والتي تمتد لعامها السابع، دون رؤية لنهاية الصراع. 

بل الأدهى أنه رغم هذا الإنفاق الأكبر في المنطقة العربية على التسليح، فإن الأمن القومي السعودي مهدد بشكل كبير من قبل جماعة "الحوثي"، التي تستخدم الطائرات المسيرة والصواريخ لتضرب العمل السعودي، سواء لمنشآت النفط، أو المطارات، أو بعض قصور الأمراء السعوديين. فكم تحتاج السعودية من الإنفاق على التسليح، لتأمن نفسها ضد إمكانيات محدودة لجماعة الحوثيين في اليمن؟

وفي إطار الشأن الخليجي أيضا، لما تنفق كل من الكويت وسلطنة عمان مبالغ 6.9 مليار دولار و6.7 مليار دولار على التوالي، وهما مثقلتين بأزمة مالية خانقة؟ وفيما يتعلق بالكويت على وجه التحديد فقد نشر أن هناك تحقيقات نالت مسؤلين كبارا متهمين بعمليات فساد فيما يتعلق بالتسليح وباقي نفقات تخص الجيش الكويتي

وإن كان الوضع في الكويت سمح بأن تنال الأوضاع القضائية مسؤولين كبارا متهمين بالفساد فيما يخص الأوضاع المالية للجيش، فإنه من الصعوبة بمكان أن تتم هذه الخطوة في دول خليجية وعربية أخرى، وإن سمح فسيكون هناك كم كبير من ممارسات الفساد، وبخاصة في دولة مثل العراق، الذي يكاد ينعدم فيه الرقابة، في ظل الطائفية وغياب دولة القانون حاليا.

ويظل السؤال المهم يطرح نفسه اقتصاديا وماليا، فيما يتعلق باستمرار وتزايد الإنفاق العربي على التسليح، متى يعاد النظر في هذا الإنفاق، سواء فيما يتعلق بالبدائل للإنفاق على التسليح لمواجهة الفقر والبطالة، والشروع في مشروعات تنموية تعود بقيمة مضافة إيجابية على المجتمعات العربية.

وأيضا الشق المهم الذي يخص العائد على الإنفاق، بمعنى أنه إذا كانت الدول العربية مستمرة في الإنفاق على التسليح، وفي نفس الوقت عاجزة عن تحقيق الأمن البيني العربي، أو حتى حسم النزاعات الداخلية، لعودة الاستقرار الأمني والسياسي لهذه البلاد، لتتوفر أجواء مناسبة للتنمية وممارسة النشاط الاقتصادي الهادف؟ إن الإجابة على هذين السؤالين، جديرة بأن تنهي العديد من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية السلبية التي شهدتها المنطقة العربية مؤخرا، من البطالة والفقر، والنازحين والمهاجرين قسرا. 


المحور الرابع: الحالة الفكرية

يتناول المحور الفكري لشهر أبريل/نيسان، موضوعين، هما: أولا- الدراما والمتلاعبون بالعقول في الحالة المصرية. 

درجت الأنظمة المستبدة والمتسلطة على توظيف جميع الوسائل التي من شأنها أن تضفي عليها نوعا من المشروعية والقبول لدى المجتمع. 

ويعد تسخير "الدراما" وسيلة جذابة ومهمة استخدمها النظام المصري بهدف تزييف التاريخ، واللعب بعقول الناس، والطعن في الفئة المعارضة له، وتحفيز عنصر الكراهية وتعميقه تجاه خصومه السياسيين، وبخاصة من الإسلاميين، ظنا منه أن ذلك يؤدي إلى تغيير صورته كمستبد ظالم، فكانت صناعته لمسلسل" اختيار2" الذي يروي "أحداث فض رابعة"، بنوع من تزييف الحقائق، وطمس الأدلة على بشاعة المجزرة التي ارتكبها هذا النظام في حق هؤلاء الضحايا الأبرياء.

ثانيا- في اليوم العالمي للكتاب.. واقع القراءة في حياة الأمة. 

في 23 أبريل/نيسان من كل عام تحتفل مؤسسة "اليونسكو" باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، ولاشك أن الكتاب أصبح يواجه تحديات في ظل الوسائل التكنولوجية الحديثة، وفي توجه شرائح كثيرة من المجتمع - وبخاصة فئة الشباب - إلى وسائل التواصل الاجتماعي، مما يؤثر سلبا على "القراءة"، في وقت نحن بحاجة فيه إلى إعداد أجيال تقدر قيمة القراءة والكتاب، وتتعب في تحصيل المعرفة التي هي أساس لتقدم كل أمة وسبب رئيس من أسباب رفعتها.

الدراما والمتلاعبون بالعقول في الحالة المصرية

يأتي شهر رمضان من كل عام ليكون واحة ظليلة يتزود فيها المرء بمعاني التقوى، والروحانيات العالية. لكن - مع الأسف - تحوَّل رمضان بقدسيته إلى شهر يتبارى فيه صنَّاع المسلسلات. 

وإذا كانت هذه الأعمال – باستثناء الأعمال الهادفة التي تكاد تكون معدومة حاليا - ملهاة للمسلمين عن نفحات هذا الشهر العظيم بما يمثله من معاني الإيمان والتقوى، فإن "الجديد" أن بعض الأنظمة العربية - وبخاصة في دول الربيع العربي التي تم الانقلاب على تجربتها الديمقراطية -  تستغل هذا الشهر الكريم في بث رؤيتها بشأن الأحداث التي وقعت على أرضها، قبل الانقلاب على ثورات الربيع العربي، وإن كان الهدف العام المشترك – الآن – هو تشويه "المشروع الإسلامي"، وتقديم الإسلام الذي ترضى عنه أميركا والغرب، ليس هذا فحسب، وإنما - أيضا- تعظيم التطبيع مع الكيان المحتل.

والمستهدف من كل هذا هو الجماهير والشعوب العربية والمسلمة، وذلك بغرض السيطرة عليها، بجعلها تتبنى رواية النظام فيما يخص الأحداث.

إن تضليل عقول البشر – على حد قول باولوفرير – "أداة للقهر"، فهو يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى "تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة". 

وتضليل الجماهير لا يمثل أول أداة تتبناها النخب الحاكمة من أجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية. فالحكام لا يلجأون إلى التضليل الإعلامي – إحدى الأدوات الرئيسة للسيطرة - إلا "عندما يبدأ الشعب في الظهور، كإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية"، أما قبل ذلك فلا وجود للتضليل (بالمعنى الدقيق للكلمة) بل نجد بالأحرى قمعا شاملا، إذ لا ضرورة هناك لتضليل المضطهدين، عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع.

إن تضليل النخبة الحاكمة لشعوبها، لا يبدأ إلا إذا كان لهذه الشعوب وتلك الجماهير نوع من الظهور في المجتمع، يستهدف إيقاظ الوعي، ويدافع عن حريته وعن حقوقه، أما قبل ذلك فالقمع الشامل هو الأداة التي يتعامل بها هؤلاء الحكام مع شعوبهم.

لو أمعنا النظر لوجدنا أن هذا الكلام ينطبق على ما حدث في "مصر السيسي"، فهو أولا: أرهب الشعب من خلال الوسيلة القمعية لكل من يرفع صوته بالاعتراض على أي شيء في سياسة الدولة المصرية، وسبق ذلك الفض المريع " لرابعة وأخواتها" التي كانت رسالة للجميع، أنه ليس هناك إلا القهر والقوة الغاشمة، وشعر أنه سيطر على الشعب، فإذا بأحداث سبتمبر/أيلول (الاحتجاجات المصرية 2019) التي اندلعت يوم الجمعة الموافق لـ20 سبتمبر/أيول 2019 في عددٍ من المدن للمُطالبة بعزل السيسي وإسقاطِ النظام. 

وكذلك ما كان من رد فعل الناس تجاه هدم بيوتهم، فيما عرف بـ"مخالفة قوانين البناء"، وترديدهم لهتاف: "لا إله إلا الله والسيسي عدو الله". 

لكن مع الإدارة الأميركية الجديدة، أراد هذا النظام أن ينتقل من القمع الشامل إلى "التضليل الإعلامي"، حتى يستطيع "تشويه الحقيقة، وتزوير التاريخ" لصالحه، من أجل السيطرة على الشعب، فكان "مسلسل اختيار 2"، الذي تدور قصته حول أحداث "مذبحة رابعة".

وقد أراد النظام تزييف وعي الشعب بتزوير التاريخ وما يتصل بأحداث "فض رابعة وأخواتها"، ولكنه نسي أو تناسى أن الناس عاشت هذه الأحداث، بل إن العالم كله رأى مشهد المذبحة عبر الفضائيات، فما الهدف من وراء ذلك؟.

إن الهدف كما قلنا هو تضليل الشعب، للسيطرة عليه، خاصة أن "الطغمة الحاكمة" تعلم أن الشعب المصري "عاطفي"، فأرادت أن تستغل هذه العاطفة في تغيير الحقيقة وتزييف الوعي، وثانيا: لزيادة تمزيق لحمة المجتمع، بتشويه المعارضين للنظام، حتى يضمن المستبد بقاءه أطول فترة بسبب التفريق بين أبناء المجتمع الواحد.

وثالثا: هناك أجيال كانت صغيرة لا تدرك أحداث فض رابعة جيدا، وهو يريد أن يتبنى هذا الجيل الصغير رواية النخبة الحاكمة في مذبحة رابعة، ورابعا: تهيئة الناس لما ينزله من قمع وتسويغه بحق الفئة الأخرى أو القسم الثاني من الشعب "الباحثون عن الحرية"- بحسب تقسيمه- من قتل وإعدامات وتعذيب، وسجن.. إلخ.

وخامسا: للتغطية على الفشل المريع في المشاريع، والتعمية على الكوارث التي ستحل بالبلد – لا قدر الله – وأهمها سوء التعامل مع ملف سد النهضة الإثيوبي. وسادسا: رسالة إلى الغرب برفع "شماعة الإرهاب" و"الإخوان" خاصة، للإبقاء على الدعم الخارجي السخي، كما كان من قبل، للوقوف في وجه "المشروع الإسلامي" وأنصاره، وكل من يدعو إليه تحقيقا للرؤية الغربية والصهيونية.

وقال خبراء ونقاد إن هدف النظام المصري من إنتاج الجزء الثاني من مسلسل الاختيار هو: تزييف التاريخ وشيطنة المعارضة وتغيير الصورة الذهنية عن الجيش والشرطة، وتعزيز سلطة النظام في ظل تراجع شعبيته.

لكن "رابعة" ستظل وصمة في جبين هذا النظام حينما ارتكب هذه المجزرة البشرية التي تعد من أكبر المجازر البشرية في العصر الحديث.

إن تغييب عقول الشعوب -الآن- أصبح أمرا صعبا في ظل السماوات المفتوحة وكثافة المعلومات المنشورة عبر وسائل التواصل الحديثة، إذا صحت الإرادة وقوي العزم في سبيل الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية.

إن "معركة الوعي" من أخطر المعارك التي يجب أن ينتبه إليها المصلحون والجماهير، والطريق إلى تحقيق ذلك يحتاج أولا إلى رغبة وإرادة من تلك الشعوب، وإلى مصلحين يتقدمون الصفوف بشجاعة ويزيدون الوعي لدى الناس بدأب، لأن المعرفة مثل الحرية لا تمنح وإنما تنتزع.

الشعوب الحية تعرف كيف تنتزع حريتها وكيف تعمق معرفتها وكيف تفرض رأيها وتشارك الحكام في تقرير مصيرها، ولهذا نجد أغلب البشرية بشكل عام تميل نحو الخنوع وعدم الرغبة في المغالبة والحصول على الحقوق من خلال التدافع، وأغلب المصلحين يريدون أن يكونوا رجال الحاكم حتى يحصلوا على الامتيازات والعطايا والهبات، وأن يتجنبوا الدخول في المواجهات والمتاهات وتكاليف الإصلاح الباهظة.إلا المصلحين أصحاب الرسالة، الذين لا همَّ لهم إلا أن يروا بلادهم قد تحررت من الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، وإن كلفهم ذلك ذهاب متاع الحياة الدنيا؛ فما عند الله خير وأبقى. 

في اليوم العالمي للكتاب.. واقع القراءة في حياتنا

تحتفل "اليونسكو" باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف في 23 أبريل/نيسان من كل عام، الذي يصادف ذكرى رحيل الكاتب المسرحي والشاعر الإسباني ميغيل دي سرفانتس، والكاتب المسرحي البريطاني وليام شكسبير. وتتكاتف دور النشر والمكتبات والمعاهد الثقافية وروابط المؤلفين في مختلف أنحاء العالم للترويج للقراءة وصناعة النشر وحماية الملكية الفكرية بمناسبة هذا الاحتفال.

أهداف اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف

من أهم أهداف اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، ما يلي:

  • تشجيع الناس في العالم كله على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وأديانهم وأعراقهم على القراءة واقتناء الكتب.

  • توضيح مفهوم الملكية الفكرية للإنسان، وتوضيح حقوق المؤلفين والتأكيد على ملكية الأفكار التي لا تقل أهمية عن ملكية المال والعقارات.

  • إحياء ذكرى كل كاتب وأديب ومؤلف عظيم، وتشجيع الناس والمواهب الصاعدة على القراءة والكتابة والإبداع.

  • تعزيز مفهوم حقوق النشر، والعمل على حماية حقوق الملكية الفكرية في النشر.

أهمية القراءة في حياتنا:

يقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد:

ومن وَعَى التاريخَ في صدره  ///  أضاف أعمارا إلى عُمْره!

فليست إضافة أعمار إلى العمر بالشيء المهم إلا على اعتبار واحد، وهو أن يكون العمر المضاف مقدارا من الحياة لا مقدارا من السنين، أو مقدارا من مادة الحِسّ والفكر والخيال لا مقدارا من أخبار الوقائع وعددِ السنينَ التي وقعت فيها...

كلا! لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرا في تقدير الحساب.

وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياةٌ واحدةٌ لا تكفيني ولا تحرّك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة دون غيرها هي التي تُعْطِي أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد؛ لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تُطِيلها بمقادير الحساب. 

إن الإنسان بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع أكثر من حياة في عمر واحد، ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله، كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل وتتضاعف الصورة بين مِرْآتَيْن.

فالقراءة تعد من أهم الوسائل في تحصيل الثقافة وتحقيق التقدم الحضاري، لذا أولتها الأمم والشعوب أهمية قصوى، نظرا لما تسهم به في رعاية وثقافة أبنائها الذين يمثلون ثروة البلاد وطموحاتها المستقبلية في البناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فالأمم التي تقدّمت ركزت على تربية أطفالها، واعتنت بتثقيفهم وتحبيبهم القراءة وتحصيل المعرفة، فكانوا بمنزلة استثمار نافع عاد على تلك الأمم بالتطور والازدهار والخير العميم.

ولو نظرنا إلى الحالة التي تعيشها الأمة – اليوم – من تردٍّ وانحطاط وانكسار، لوجدنا أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب، منها تراجع نسب القراءة بين مختلف الشرائح، والتي أكدتها كثير من الدراسات والأبحاث، رغم توافر كميات هائلة من المعلومات وتعدد مصادر ومشارب القراءة.

إن البداية الحقيقية لتقدم أي شعب من الشعوب هي تشجيع القراءة، ودعم المكتبات العامة والمدرسية، وتحقيق ذلك يكون بتوفير كل الإمكانات المادية والبشرية وفق خطة وطنية شاملة موجهة لجميع فئات المجتمع مع تركيز أساسي على الأطفال الذين هم اللبنة الأساسية في تكوين وبناء المواطن الصالح .

تأثير انتشار وسائل التقنية الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي على القراءة 

يشكل الانجذاب الكبير نحو مواقع التواصل الاجتماعي تحديا بالنسبة إلى جمهور الكتاب والقراءة في العالم العربي، خاصة أن أغلب مستخدمي الفضاء الرقمي يقضون أوقاتهم في الدردشة وتناقل المعلومات أو اكتشافات تطبيقات جديدة.

ورغم أن وسائل التواصل كانت وسيلة للتعبير في المجتمعات العربية عن الواقع السياسي والاجتماعي خاصة في أعقاب ما عرف بثورات "الربيع العربي"، حيث كانت وسيلة لنقل المواقف والآراء بخصوص ما تعانيه الشعوب من أزمات، فإنه يطغى عليها اليوم الجانب الترفيهي والذي كان له تأثير على نسب القراءة التي تشهد تدهورا من فترة إلى أخرى.

لقد أصبح كثيرون منا اليوم أسرى للعديد من تقنيات ووسائل التواصل الحديثة التي نستعين بها في التواصل والتعلم والترفيه، وغيرها من مجالات الحياة، حتى إن أحدنا هذه الأيام لا يكاد يترك الهاتف المحمول من يده.

ولا شك أن هذا الواقع الجديد ترك آثاره على كثير من مناحي حياتنا اليومية، وباتت هذه الوسائل الحديثة تهدد عادات كانت راسخة في حياة كثيرين، مثل قراءة الكتب والجرائد الورقية.

إن وسائل التواصل الاجتماعي سرقت القارئ من القراءة، واستحوذت على الوقت الذي كان مخصصا لهذه العادة، لقد أصبح كثير من الناس وبخاصة فئة الشباب ضحايا "الإنترنت" بشكل عام، وكل ذلك جاء على حساب القراءة.

صار الجميع يلهث بحثا عن المعلومة في وقت وجيز، فلم يعد لدى الغالبية القدرة على القراءة، أو قضاء وقت كبير في الاطلاع على معلومات في الكتب أو الصحف الورقية. 

وأصبح الاعتقاد السائد لدى كثير من المجتمعات أن القراءة ليست مهمة، لأن كثيرا من المشاهير عادة هم من غير المثقفين الذين يتخذهم الشباب قدوة لهم، ويطمحون إلى الشهرة والغنى مثلهم، في مجالات كالغناء والرياضة والتمثيل، وغيرها، وهي أنشطة باتت حاضرة في وقت غابت فيه الأنشطة الثقافية والفكرية.

وهناك من الشباب من يرى أن الجيل الجديد يفضل استخدام الوسائل الحديثة للقراءة على الكتاب، ويميل الشباب للنُسَخ الإلكترونية من الكتب لأسباب شتى، منها سهولة النقل وعدم الحاجة إلى مكان للتخزين، فضلا عن أن الكتاب الإلكتروني أرخص من الكتاب الورقي، وأحيانا يكون مجانيا، مما يُرجّح كفة الكتب الإلكترونية، وهذا وإن كان يضر بالكتاب الورقي، فهو من ناحية أخرى يعزز عادة القراءة لدى هذه الفئة .

ويرى بعض علماء الاجتماع أن الاستعمال المكثف للإنترنت ليس السبب الحتمي لتراجع نسب القراءة، بل ما فاقم الأزمة هو "عدم ابتكار وسائل للترويج للكتاب الإلكتروني، إضافة إلى عدم تخصيص مساحة للكتاب في الفضاءات العامة". واستنتج أن الحل يكمن في "ابتكار أساليب جديدة لإعادة مصالحة المواطنين مع الكتاب وعدم جعل الإنترنت هي الخصم اللدود".

إن عزوف الشباب عن القراءة مشكلة تواجهها المجتمعات العربية والإسلامية، ولا شك أن ذلك يعد أحد أسباب تأخر الأمة. فالقراءة هي رافد الفكر والثقافة والوعي والإبداع، وهذه عوامل لا يمكن التضحية بها إذا أردنا لأمتنا أن تنهض، وتتبوأ مكانتها بين الأمم المتقدمة، وتستعيد دورها في الحياة كما كانت من قبل؛ خير أمة أخرجت للناس.


الخاتمة

ما زالت الدول العربية تشهد تدافعا بين قوى التغيير والثورة والقوى المعارضة لها، فالتغيير في ليبيا يواجه تحديات جمة رغم انتخاب حكومة جديدة، وكذلك تشهد الساحة السياسية في تونس الثورة انسدادا سياسيا. 

كذلك فإن أنظمة الحكم التي تبدو مستقرة ليست بعيدة أبدا عن التعرض لانقلابات أو ثورات بين ليلة وضحاها، ولنا في المحاولة الانقلابية الأخيرة في الأردن مثال.

ولن تستقر بلادنا العربية، إلا إذا أعلت كل الطوائف والقوى والأحزاب والشخصيات السياسية مصلحة البلاد والشعوب على المصالح الخاصة الضيقة، كما لن تنجح ثورة إلا إذا توحد ثوارها على المطالب الجامعة لثورتهم، دون التركيز على خلافات المصالح والأيدلوجيات.

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

أفغانستان أميركا إثيوبيا إسرائيل إيران الأردن الإمارات الاتحاد الأوروبي البحرين الجزائر