قوات منهكة.. لماذا تسعى أوكرانيا إلى الزج بأجانب في حرسها الوطني؟

يعاني الجيش الأوكراني من نقص في الأفراد يبلغ متوسطه 25 بالمئة
مع دخول الغزو الروسي على أوكرانيا عامه الثالث وسط ميل الكفة العسكرية شرق البلاد لصالح القوات الروسية، باتت كييف بحاجة ماسة إلى مزيد من الجنود لتعويض الخسائر الميدانية والسماح لقوات الخطوط الأمامية المنهكة بالتعافي.
وفي هذا السياق، وقع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 21 فبراير/ شباط 2024، مرسوما يسمح لمواطني الولايات المتحدة وغيرهم من الرعايا الأجانب المقيمين بشكل قانوني في البلد بالانضمام إلى "الحرس الوطني".
تعبئة جديدة
وقال زيلينسكي في بيان نشره مكتبه، إن "الأجانب وعديمي الجنسية" يمكنهم الآن الانضمام إلى قوات الحرس الوطني الأوكراني.
وهناك مقاتلون أجانب في صفوف أوكرانيا منذ بدء الهجوم الروسي واسع النطاق في فبراير 2022، لكنهم غالبا ما يتطوعون كجزء من الفيلق الدولي.
وليس من الواضح عدد المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى أوكرانيا للانضمام إلى هذا الفيلق، لكن من غير المرجح أن يكون ذلك كافيا للحفاظ على مستويات الأفراد في قوات كييف على المدى الطويل.
وقال زيلينسكي في البيان: "أي شخص يريد الانضمام للدفاع عن أوكرانيا وأوروبا والعالم، يمكنه أن يأتي ويقاتل جنبا إلى جنب مع الأوكرانيين".
ويقع الحرس الوطني ضمن اختصاص وزارة الداخلية الأوكرانية، وهو جزء نشط من خط دفاع البلاد ضد القوات الروسية.
وقال زيلينسكي إن المتقدمين الأجانب يجب أن يُسمح لهم قانونا بدخول أوكرانيا، على ألا تكون لديهم إدانات سابقة، كما أن عليهم اجتياز معايير محددة للخدمة العسكرية.
وعلى المتطوعين في الفيلق الدولي أن يستوفوا نفس المعايير تقريبا، مثل أولئك المؤهلين الآن للانضمام إلى الحرس الوطني.
وكانت تكلفة الحرب باهظة بالنسبة للجيشين الأوكراني والروسي، لكن كييف في حاجة ماسة إلى المزيد من القوات لمواصلة المعارك ضد مجموعات أكبر من الجنود الروس.
وقال زيلينسكي في منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2023، إن الجيش الأوكراني يريد تعبئة ما يصل إلى نصف مليون جندي إضافي، لكنه وصف احتمال التعبئة الجديدة بأنها قضية "حساسة للغاية".
وستكون العقود المبرمة مع الأجانب المعينين كجنود لفترة أولية مدتها 3 سنوات، بينما يمكن أن تكون لمدة 3 إلى 5 سنوات بالنسبة للرقباء وضباط الصف.

وفي فبراير 2022، حث زيلينسكي المقاتلين الأجانب على القدوم للانضمام إلى المقاومة الأوكرانية بشكل طوعي ضد الغزو الروسي الشامل لبدله.
وقد لبى النداء مواطنو دول أوروبية ومن الولايات المتحدة، حيث بات يخدم حاليا في المقاومة نحو 20 ألف أجنبي جرى تنظيمهم في "الفيلق الدولي" الأوكراني.
وبحسب المتحدث باسم "الفيلق الدولي" داميان ماغرو، فقد انضم مواطنون من 55 دولة للقتال إلى جانب أوكرانيا.
هناك أيضا عدة كتائب من المواطنين البيلاروسيين والروس الذين يقاتلون من أجل أوكرانيا ضمن الوحدات والكتائب التابعة للجيش الأوكراني.
وكانت هناك مشاكل فيما يتعلق بالوضع القانوني للمقاتلين الأجانب، إذ واجه البعض، مثل الروس والبيلاروسيين، الاضطهاد في وطنهم.
إلا أن الحكومة الأوكرانية أعلنت عن إزالة العقبات التي تحول دون السماح للأجانب بالقتال، ففي يناير/ كانون الثاني 2024، قام البرلمان الأوكراني بتبسيط إجراءات منح الجنسية الأوكرانية للأجانب الذين قاتلوا في وحدات مختلفة من القوات المسلحة الأوكرانية.
واعترف زيلينسكي في 25 فبراير 2024 بأن 31 ألف جندي أوكراني قتلوا خلال الحرب الروسية الشاملة وذلك في أول إفصاح رسمي عن عدد القتلى العسكريين منذ شهور.
ولفت زيلينسكي في مؤتمر صحفي إلى أنه لا يستطيع الكشف عن عدد الجرحى في الحرب، مشيرا إلى أن ذلك من شأنه أن يدعم عمليات التخطيط العسكري الروسية.
ضرورة المرحلة
وفي هذا الإطار، نشر البرلمان الأوكراني نهاية 2023 مشروع قانون يقترح خفض سن الأشخاص الذين يمكن تعبئتهم العسكرية إلى 25 عاما، بعد أن كان 27 عاما.
بالمقابل، أجرى زيلينسكي عدة تغييرات على قيادة الحرس الوطني في عام 2023، بما في ذلك تعيين أولكسندر بيفنينكو قائدا في يوليو واستبدال أربعة نواب للقائد في نوفمبر من العام ذاته.
ومن الجدير بالذكر أن العسكريين، على عكس الموظفين، لا يحصلون على راتب، بل على علاوة مالية لا تعد راتبا.
وفي عام 2024، سيكون الحد الأدنى لراتب الجندي المعبأ 33000 هريفنا (أكثر من 860 دولارا).
وتتلقى مجموعات من الحرس الوطني الأوكراني تدريبات عالية من قبل دول حلف شمال الأطلسي "ناتو".
ومن دون المزيد من الجنود، ستكون الخطوط الدفاعية الأوكرانية ممتدة فوق طاقتها وأكثر عرضة للهجوم الروسي.
خاصة إذا شنت موسكو هجمات مكثفة متعددة المحاور على طول خط المواجهة الذي يبلغ طوله 1000 كيلومتر.
ويعاني الجيش الأوكراني من نقص في الأفراد يبلغ متوسطه 25 بالمئة عبر الألوية.
ولذلك، فإن القادة العسكريين غير قادرين على منح جنودهم القدر الكافي من الراحة، وخاصة مع زيادة روسيا من وتيرة الهجمات؛ ونتيجة لذلك، يشعر الجنود بالإرهاق ويسهل إصابتهم، ما يفاقم آثار النقص.
وقالت القيادة العسكرية الأوكرانية إن هناك حاجة إلى ما بين 450 ألفا إلى 500 ألف مجند إضافي للمرحلة التالية من الحرب.

وحتى لو نجحت أوكرانيا في حشد هذا العدد، وهو أمر غير مرجح، فإنها لن تكون قادرة على مضاهاة القوة البشرية في روسيا، التي يزيد عدد سكانها على ثلاثة أضعاف سكان أوكرانيا.
وأمام ذلك، أمضى المشرعون الأوكران شهورا في التفكير في اقتراح مثير للجدل لزيادة عدد التجنيد الإجباري، حيث يواصل العديد من الرجال الأوكرانيين التهرب من الحرب في المدن الأوكرانية.
ويقول القادة إنهم ليس لديهم ما يكفي من الرجال لحفر الخنادق أو تنفيذ عمليات هجومية.
وقد تطلب النقص منهم أيضا تغيير التكتيكات والتركيز على الحفاظ على حياة الجنود الموجودين لديهم، أحيانا على حساب السيطرة على الأراضي.
"استدامة الجيش"
وفي الوقت الراهن يؤكد خبراء أن المعركة في أوكرانيا "عالقة في طريق مسدود"، ولهذا فإن البحث عن مزيد من القوة البشرية القتالية، يرجع إلى التخطيط "لمرحلة حسم الحرب".
وفي الوضع الحالي، لم يفز أي من الطرفين، ولم يخسر أي من الجانبين، ولا يقترب أي من الطرفين من الاستسلام.
وضمن هذا السياق، يشير إليوت كوهين، من "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" إلى أن "عام 2025 قد يكون عام الحسم بالنسبة لحرب أوكرانيا".
لأنه بحلول ذلك الوقت، وفق كوهين، قد يكون أي من الجانبين قد استنفد المساعدة التي يمكنه الحصول عليها من حلفائه، أو قد يكون هناك تطور عسكري جديد أو ابتكار يتسبب فجأة جانب أو آخر لتحقيق انفراجة.
وأضاف كوهين في تصريحات صحفية: "إن رستم أوميروف، وزير الدفاع الأوكراني الجديد، من المرجح أن يقضي بقية عام 2024 في الاستعداد لتلك المرحلة النهائية".
وتابع: "سوف يركز على استدامة الجيش الأوكراني؛ والعثور على القوات اللازمة للقتال، وتجهيزها، وتصميم إستراتيجية تحافظ على الأراضي التي استولت عليها أوكرانيا في الهجمات والهجمات المضادة التي شنتها أوكرانيا حتى الآن".
ويرى كثير من الخبراء أن أوكرانيا بمساندة من دول الغرب تعكف حاليا على إعادة تقييم الإستراتيجية القتالية، وخاصة عقب فشل الهجوم المضاد ضد روسيا الذي انطلق صيف 2023.
ولهذا سوف يكون لزاما على أوكرانيا أن تقرر ما إذا كانت ستجند عسكريا لتلبية احتياجاتها من القوى البشرية وكيفية ربط هذا الخليط من العتاد المختلف الذي تتلقاه من الغرب لتحويله إلى قوة قتالية فعالة ومتماسكة في أرض المعركة.

ويجتهد الرئيس الأوكراني لجلب المزيد من الأسلحة بعيدة المدى، بهدف توجيه ضربات أعمق في الأراضي الروسية، مما يجعل عامة الشعب الروسي "يفهمون تكاليف هذا الصراع" على بلاده.
وخاصة مع اضطرار روسيا إلى الحصول على الذخائر والأجزاء العسكرية من الصين وكوريا الشمالية وإيران" مع يعكس التأثر الكبير لقدرتها على المدى الطويل في الحفاظ على الإنتاج الحربي في ظل الاستنزاف على أرض أوكرانيا.
ومن الممكن أيضا وفق المراقبين أن يكون هناك المزيد من عمليات التمرد بين القوات الروسية، مثلما حصل مع مجموعة "فاغنر".
ولذلك، تعول روسيا على تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا بينما تحافظ موسكو على ضغطها العسكري المستمر على طول خط المواجهة.
وقد أصاب الضعف أوكرانيا في الأسابيع الأخيرة بسبب نقص الذخيرة، حيث تم عرقلة حزمة مساعدات أميركية تحتاجها بشدة بقيمة 60 مليار دولار بسبب المشاحنات السياسية في الكونغرس الأميركي.
ومن دون المساعدة الغربية، لن تتمكن أوكرانيا من الحصول على الأسلحة والذخيرة والتدريب الذي تحتاج إليه لمواصلة المجهود الحربي، ولن تتمكن من الحفاظ على اقتصادها المنهك أو الوصول إلى الأوكرانيين المحاصرين وسط تبادل إطلاق النار في المعارك.
لكن هذا العامل لا يبدو أنه ضمن إستراتيجيات الدول الغربية التي أعلنت وقوفها مع كييف لمنع امتداد الخطر إلى دول أخرى في حال انهزام أوكرانيا.
لذلك فإن الجدول الزمني لبوتين حول مدة الحرب، له جانب سلبي على بلاده، حيث يتسبب الصراع في خسائر فادحة لروسيا من خلال استنزاف مواردها الاقتصادية والعسكرية وتأجيج التوترات الاجتماعية.
وذلك حتى في الوقت الذي كانت فيه وفاة زعيم المعارضة الروسية المسجون أليكسي نافالني بمثابة تذكير مروع بحملة القمع القاسية التي يشنها الكرملين على المعارضة.

















