مسلمو بريطانيا يحتفلون بعيد الأضحى في يومين مختلفين.. ما أسباب الانقسام؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

ظلت دول أوروبية تسعى لصهر المسلمين في هويتها عبر طرق مختلفة، ووضع قوانين تصبغهم بهوية غربية لسلخهم من هويتهم الإسلامية، إلى حد فرض ما يسمى "إسلام فرنسي" و"أوروبي" و"أميركي" عليهم.

سعى بعضها، مثل فرنسا، في سبيل ذلك، لسن قوانين لـ "الاندماج" تفرض عليهم عدم اتباع الدول الإسلامية أو السعودية في بعض الطقوس الدينية، وتشكيل مجالس "علمانية" لإدارة شؤون الجاليات المسلمة.

نتج عن هذا ظهور بعض الخلافات الداخلية بين المسلمين، خاصة الأجيال الجديدة التي ولدت في الغرب، والأجداد، حول مسائل فقهية مثل الاحتفال بالأعياد، ورؤية هلال الشهور الهجرية وغيرها، وتبني حلول محلية أوروبية بدل اللجوء للسعودية.

وقفتان وعيدان! 

القصة باختصار هي أن المسلمين في بريطانيا، ورغم أنهم في بلد واحد، لن يحتفلوا سويا بعيد الأضحى في اليوم نفسه هذا العام، ولكن في يومين هما 28 و29 يونيو/حزيران 2023.

وهذا العام ولأول مرة، حدث خلاف بين مسلمي شرق وغرب بريطانيا، حول تاريخ وقفة عرفات والعيد واختار كل فريق يوما مختلفا لوقفة عرفات وعيد الأضحى.

إذ قرر مسجد شرق لندن الاحتفال بعيد الأضحى يوم 28 يونيو 2023، فيما أعلن مسجد مانشستر المركزي أن على المسلمين الاحتفال بالعيد بعده بيوم، بحسب ما ذكرته صحيفة "التايمز" البريطانية، في تاريخ 21 من ذات الشهر. 

"قارئ عاصم"، وهو إمام مسلم من "ليدز" لخص لصحيفة "التايمز" الأزمة قائلا: "يبدو حقاً أن هناك انقساماً بين مسلمي الشمال والجنوب".

أضاف: "يميل الناس في الجنوب إلى أن يسيروا مع إعلان السعودية بسبب السهولة واكتشاف الرؤية في وقت مبكر من اليوم (قبل الغروب) بينما في الشمال، يميل الناس أكثر إلى اتباع الرؤية المحلية البريطانية أو المغربية".

ومع أن هذا الاختلاف قد يبدو طبيعيا بين الدول، لكن حدوثه في بلد واحد هو بريطانيا وما أعلن عن أسبابه، طرح تساؤلات من قبيل: هل نجح الغرب في فرض هويته ودفع المسلمين لتحديد الرؤية وفق توقيت لندن بدل السعودية كما كان معتادا، أم أن هذا الخلاف عادي وجائز شرعا بسبب اختلاف التوقيتات؟

وشهدت بلدان أوروبية خاصة فرنسا وهولندا تصعيدا في سن قوانين لإجبار المسلمين على "الاندماج" في المجتمعات الغربية والتخلي عن قوانينهم الدينية، وسعت لقطع علاقتهم بالبلدان الإسلامية.

وكان أعنفها إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكتوبر/تشرين الأول 2020 خطة لمكافحة ما سماه "النزعات الانفصالية"، ضمن قانون "تعزيز قيم الجمهورية"، بحجة إدماج المسلمين، وغلق بموجبها مساجد ورّحل أئمة مغاربة.

كما أعلنت الحكومة الفرنسية في 9 يناير/كانون الثاني 2022، تشكيل مجلس علماني لتمثيل المسلمين بدلا من "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية"، لفرض ما يسمونه "الإسلام الفرنسي" على أكبر جاليات أوروبا من المسلمين.

ووصفت رئيسة الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية، كارين تايلور، ما تفعله دول غربية بالمسلمين بأنه أشبه بـ "مطاردة الساحرات"، على غرار ما كانت تفعله الكنيسة في العصور الوسطى من مهزلة اضطهاد أشخاص تدعي أنهم يمارسون السحر.

قالت إنهم "يستخدمون نظريات المؤامرة لجعل المسلمين أكباش فداء للعملية السياسية، بدلا من الاعتراف بمشاكل الإسلاموفوبيا".

بتوقيت لندن

بسبب الخلاف بين مسلمي بريطانيا حول الهلال، دعا أئمة وعلماء بارزون في منطقة "بلاكبيرن" بمدينة لانكشير شمال غرب بريطانيا، للتوقف عن اتباع التوقيت السعودي في تحديد وقفة عرفات وعيد الأضحى والاعتماد على توقيت بريطانيا.

قالوا إن مسلمي بريطانيا "يسيرون على خطى المواقيت السعودية بشكل أعمى" ويحددون مواقيت الشهور الهجرية والأعياد بغير التوقيت البريطاني، ودعوا لتغيير ذلك، كما تقول صحيفة "لانكشير تليجراف" 19 يونيو/حزيران.

"مجموعة عمل مراقبة الهلال في بلاكبيرن" أو Blackburn Moonsighting Working Group (BMWG) التي تتألف من ثمانية علماء، دشنت حملة قالت إن هدفها "تثقيف المجتمع المسلم الأوسع حول سبب أهمية رؤية القمر محليا (بريطانيا)".

المجموعة قالت إنها حصلت على "دعم كامل" من المفتيين البارزين والعلماء و32 باحثًا آخرين من أجل تحديد "القاسم المشترك" وهو اتباع تقويم المملكة المتحدة المحلي فقط أو دولة المغرب في رؤية القمر، وتجاهل التوقيت السعودي.

أكدت أنه يجب التوقف عن استخدام توقيتات السعودية في رؤية الهلال والأعياد لأن هذا كان يحدث سابقا بسبب "الكسل" عن الاجتهاد في الأخذ بتوقيت إنجلترا، ولأن انتظارهم التوقيت الصحيح من المغرب، الأقرب لهم، "كان يتأخر".

قالوا إن غالبية مسلمي بريطانيا اعتمدوا حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، على رؤية الهلال في المغرب، لكنهم انتقلوا إلى الاعتماد على السعودية لـ "أغراض التيسير".

وأرجع ذلك إلى أن الأمر كان يستغرق وقتاً طويلاً للحصول على الأخبار المتعلقة برؤية الهلال في المغرب عبر "الهواتف الأرضية وأجهزة الفاكس".

لكن الآن "حققنا قفزات كبيرة على صعيد التكنولوجيا والاتصالات ويمكن أن نحصل على معلومات رؤية الهلال من المغرب في غضون ساعة من غروب الشمس على أقصى تقدير فلماذا نعتمد على رؤية السعودية؟".

ودعوا إلى الاستعداد لرؤية الهلال في المملكة المتحدة في التاسع والعشرين من كل شهر إسلامي بالعين المجردة، وإذا تعذر ذلك يؤخذ برؤية القمر من أقرب البلدان الإسلامية لبريطانيا وهي المغرب التي تقع في نفس المنطقة الزمنية.

وبناء على ذلك أعلن الإمام "يوسف علي ماكدا"، أحد أئمة بلاكبيرن عبر حسابه في فيسبوك أنه جرى استطلاع الهلال في إنجلترا يوم 20 يونيو 2023 لكن لم تثبت رؤيته، وبذلك سيتم الاحتفال بعيد الأضحى يوم 29 يونيو 2023، وفقا للرؤية المحلية.

وكان مكتب HM Nautical Almanac التابع للحكومة البريطانية، والذي يوفر بيانات فلكية للمنظمات الدينية والجيش ومصنعي التقويم، قال إن القمر الجديد سيولد في الساعة 5.37 صباح 18 يونيو، لكن سيصعب رؤيته ما يعني أن العيد يوم 29.

تمرد على السعودية

في تبريرها للتخلي عن الرؤية السعودية للهلال والتركيز على الرؤية المحلية في بريطانيا، بدا أن مجموعة عمل مراقبة الهلال في بلاكبيرن" (BMWG) تتمرد عليها رغم اعتمادها من مسجد شرق لندن، بل وتقول إنها "مشكوك فيها أحيانا".

قالوا، في بيان، إن السعودية أرض مباركة لأنها تضم مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة المقدستين، وليس هناك من ينكر هذه الحقيقة.

ولكن "عندما يتعلق الأمر بمسألة رؤية القمر وتحديد الأهلة، فإن شريعتنا تنصحنا بالبحث عن القمر محليًا (بريطانيا)، وإذا لم تتم رؤيته نتبع أقرب دولة إسلامية"، وهي المغرب، وفق البيان.

ذكروا أن بعض الأخطاء تحدث في رؤية الهلال في المملكة ويجرى أحيانا الاعتماد على حسابات فلكية، و"شريعتنا لا تسمح لنا أن نبني أشهرنا الإسلامية على حسابات فلكية أو غيرها، فالتعاليم واضحة جدا، ويجب رؤية القمر كل شهر بالعين المجردة".

قالوا: "لا ضرر على الإطلاق في الحصول على المساعدة من التنبؤات الفلكية عند التحقق مما إذا كان ادعاء الرؤية ذا مصداقية أم لا؟"

واتهموا لجان رؤية الهلال في السعودية بأنها لا تأخذ هذه النقطة (الحسابات الفلكية) في الحسبان، وتقبل شهادة حفنة من الأفراد، حتى لو تعارضت شهادتهم مع هذه الحسابات، التي تنص على استحالة رؤية القمر بالعين المجردة في ذلك اليوم المحدد، و"بسبب ذلك نرى أن رؤية السعودية يكون مشكوكا فيها أحيانا"، وفق بيانهم.

وأوضحوا أنه على مدى السنوات الـ 35 الماضية، أصبحت الأخبار الخاصة برؤية الأهلة الواردة من المملكة العربية السعودية "مشكوكا فيها أكثر فأكثر".

وفي حين يرى البعض هذا الاعتماد على التقويم البريطاني لا السعودي أنه جزء من تحول في الهوية باعتماد مسلمي بعض دول الغرب على التقويم البريطاني، يعتقد علماء أنه خلاف صحي ولا حرج في اختلاف التقويم.

محمد زيدان، وهو باحث شرعي مصري مقيم في أميركا، أوضح لـ "الاستقلال" أنه "لا حرج ولا لوم على المسلمين في بريطانيا أو دولة أخرى أن يختلفوا طالما هم ليسوا في السعودية، ومن المعترف به اختلاف المطالع ومنازل القمر".

قال: يجوز للمسلمين أن يختلفوا في بداية الصوم ونهايته، وفي تحديد يوم عرفة ويوم العيد "ما دامت مطالعهم مختلفة".

ولفت إلى أن العبرة في دخول الشهر بالرؤية أو بإتمام الشهر ثلاثين يوماً، ويكون يوم عرفة والعيد بالنسبة لمن هم في مكة، مختلفا عن ذات الأيام بالنسبة لغيرهم ممن يختلف مطلعهم عنهم كالشام أو غيرها، وفق شرحه.

أضاف: إذا تأخرت رؤيتهم (في بريطانيا) للهلال عن رؤية أهل مكة مثلاً فلا يقال إنهم صاموا يوم عرفة في العيد وصومه ممنوع.

لأنه لم يكن قد دخل يوم العيد عندهم حتى يقال عنهم إنهم صاموه، وفق ما قال محمد زيدان.

لكنه شدد على أن "أهل البلد الواحد المتحد المطلع يلزمهم أن يتحدوا في الصوم والعيد إذا رأوا الهلال أو أتموا الشهر فيصوموا أو يضحوا في يوم واحد باعتبار ثبوت الهلال لديهم، أو إكمال عدة الشهر، ولا يصح أن يوافقوا أهل البلد الآخر".

اختلاف المطالع

أيضا أكد زيدان أنه "لا يصح أن يختلفوا (أهل بريطانيا) ويتفرقوا في هذه الحالة، لما ثبت في سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصوم يوم تصومون، والإفطار يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون".

شرح أنه: "إذا لم يتم الشهر عندهم، ولم يروا الهلال، وأعلن غيرهم عن دخول الشهر أو خروجه ممن يخالفونهم في المطلع، وأخذ بعض الناس برؤيتهم أخذا بمذهب أكثر الفقهاء القائل بعدم اعتبار اختلاف المطالع، فقدم صومه أو فطره معهم قبل أهل بلده، فلا ينكر عليه ذلك، لأنه آخذ بقول معتبر لأهل العلم".

ويقول خالد حنفي، وهو أستاذ جامعي متخصص في أصول الفقه، وعميد الكلية الأوروبية للعلوم الإنسانية، ورئيس لجنة الفتوى بألمانيا، إن جميع المجامع الفقهية المعاصرة ترى وحدة المطالع.

أوضح في بحث نشره بموقع شبكة "الجزيرة" 26 أبريل/ نيسان 2023 أنه لم يخالفها سوى المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي، الذي ذهب إلى القول باختلاف المطالع.

أكد أن "القول باختلاف المطالع لا يناسب زماننا رغم أنه رأى جمهور الفقهاء قديما وحديثا، وكل الدول العربية والإسلامية اليوم تخالفه وتعتمد مبدأ اختلاف المطالع".

أوضح أن أخذ هذه الدول باختلاف المطالع رغم ضعف دليله، يرجع فقهيا إلى سببين: الأول: سياسي حيث يتأثر إعلان بعض الدول بالخلافات السياسية أحيانا، وتستقل كل دولة في إعلانها ولا تتبع الأخرى حتى وإن وافقتها في النتيجة.

والثاني: عدم إلزام تلك الدول نفسها بالإعلانات الخاطئة لغيرها من الدول والأقطار، لأنها إن أخذت بـ "وحدة المطالع" ستضطر للأخذ بما أعلنته الدول الأخرى من رؤية الهلال، وقد تكون الرؤية عندها مستحيلة أصلا.

شدد على أن "اختلاف المطالع لا يناسب عصرنا لأسباب، منها: أنه قولٌ مبني على عدم إمكان بلوغ الخبر من الدولة التي رُئي فيها الهلال إلى الدول الأخرى قبل طلوع الفجر.

لهذا فرَّق كثير من الفقهاء المتقدمين القائلين باختلاف المطالع بين تباعد البلدان وتقاربها فقالوا "إذا تقاربت أخذنا بوحدة المطالع وإذا تباعدت أخذنا باختلافها"، وفق خالد حنفي.

أضاف: هذه العلة لم تعد موجودة في زماننا وفي عالمنا، الذي أصبح غرفة صغيرة تنقل الأخبار فيه في اللحظة ذاتها إلى العالم كله.

كما أن القول باختلاف المطالع يؤدي إلى تقسيم الأمة وتعميق الفوارق بين أبنائها في أعيادها وفيما يجب أن تظهر فيه وحدتها، وفق تقديره.

وبين أن ذلك يؤدي إلى تقسيم المسلمين في البلد الواحد، فقد يُرى الهلال في جنوب البلاد ولا يرى في شمالها مثلا فيصوم هؤلاء ويفطر أولئك، وفق رؤيتهم.

شدد على أن "أمتنا المتفرقة المتشرذمة بفعل السياسة والمذاهب والأيديولوجيا والجماعات يجب أن تغتنم كل فرصة للاجتماع والوحدة خاصة في أعيادها، ولا تبحث في التراث الفقهي عما يفرقها ويشتت شملها".