خلافات البرهان وحميدتي تتصاعد.. هل تؤثر على مستقبل السودان؟

أحمد يحيى | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

حالة التوتر والتململ غير المعلن بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، المستمرة منذ سنوات، تصاعدت بعد عزل الرئيس عمر البشير وتحولت لمواجهة عبرت عنها الأزمات المتعددة أو التلاسن الخشن والمشادات التي لم تعد خافية على عامة الناس، وتجري في كواليس العلاقة بين الطرفين.

ومع الأزمة التي تعيشها الحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ووجود فرضيات بسقوطها، عاد الحديث عن الحاكم القادم للسودان، هل يكون رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان؟ أم قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي"؟.

البرهان وحميدتي، كلاهما يمتلك من أسباب القوة والمنطق لفرض إرادته وإحكام نفوذه، ما يجعل من احتمالية وجوده على رأس السلطة قائما، أو السيناريو الأكثر خطورة على مستقبل السودان، أن يصل الأمر إلى الاشتباك والصدام.

شواهد الصراع

في 24 أغسطس/ آب 2020، بمنطقة عسكرية شمال العاصمة السودانية الخرطوم، وقف البرهان، مخاطبا لفيفا من جنوده قائلا: "هناك حملات تستهدف تفتيت القوات (النظامية) السودانية. هناك محاولات حثيثة لإيقاع فتنة مع الجيش".

ورغم محاولات مراكز القوى السودانية داخل الجيش وقوات الدعم السريع، في عدم إظهار الخلافات بينهما، لكن تأتي شواهد تؤكد أن الصراع بين القوتين محتدم في أكثر من مجال. 

في 14 أبريل/ نيسان 2020، أصدر البرهان، قرارا بسحب ضباط يتبعون للقوات المسلحة، من قوات الدعم السريع، التي يقودها "حميدتي".

حينها، أرسلت وزارة الدفاع، توجيها عاجلا إلى 68 ضابطا بإنهاء انتدابهم إلى قوات الدعم السريع والعودة إلى القوات المسلحة، تنفيذا لقرار القيادة العليا للجيش.

صحف ووسائل إعلام تحدثت في ذلك الوقت عن خلاف كبير في وجهات النظر بين البرهان ونائبه "حميدتي"، في عدد من الملفات، خاصة وأن حميدتي اعتقل في يونيو/ حزيران 2019، عددا من الضباط المنتدبين إلى قواته من القوات المسلحة ومن جهاز الأمن والمخابرات، بدعوى أنهم "استدرجوا قوات الدعم السريع لفض اعتصام القيادة العامة".

كان من أبرز المعتقلين اللواء الصادق سيد، الذي يعد ضمن الضباط الذين انتدبتهم القوات المسلحة للعمل في جهاز الأمن والمخابرات الوطني، قبل أن ينتقل إلى قوات الدعم السريع، ويلقى مصيره.

المناوشات الأخيرة، ليست فقط سبب الخلاف بين الجيش والدعم السريع، بل إن التاريخ جزء لا يتجزأ من طبيعة الصراع، ومنطق الفريقين نفسه يوسع من دائرة الشقاق ويبتعد عن دائرة التلاحم واللقاء.

القبيلة والجيش

الفارق بين الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، هو الفارق تماما بين الدولة ومؤسساتها وطبيعة الانسياق بداخلها، وبين القبيلة وعصبيتها وانحيازها والولاء المطلق لها.

قوات الدعم السريع في الأصل مليشيات قبلية، تنتمي إلى قبائل عربية، استعانت بها الحكومة لمواجهة التمرد الذي اندلع في إقليم دارفور عام 2003، واعتمدت عليها بشكل أساسي، حتى أن الرئيس المعزول عمر البشير، دان لها بالفضل في حسم صراع دارفور المرير.

شهدت تلك المليشيات القبلية تحولا فارقا عام 2013، عندما استجاب البشير لحميدتي، ووحد الجنجويد، وأطلق عليهم رسميا لقب "قوات الدعم السريع"، لتصبح قوة نظامية تابعة اسما للقوات المسلحة، لكنها في الوقت نفسه لا تدين بالولاء ولا تتبع التسلسل الهرمي للقيادة العسكرية.

إجراء البشبر أثار حفيظة كبار قادة الجيش الذين رفضوا انضمام حميدتي، الذي كان تاجرا للإبل إليهم، على اعتبار أنه دخيل على القوات المسلحة، ما اضطر البشير لإلحاقها بجهاز الأمن، وظلت الغصة قائمة بين حميدتي وقادة الجيش بمختلف أفرعه.

رفض الجيش قرار البشير كان نابعا من تاريخ القوات المسلحة السودانية التي تأسست قبل أكثر من 70 عاما، حيث بدأ تكوين الجيش عام 1925 وشاركت وحدات منه في الحرب العالمية الثانية، وله عقيدة قتالية كسائر جيوش المنطقة، تقوم على أساس الدفاع عن الوطن والحفاظ على سيادته، وحماية النظام الحاكم، فضلا عن انضباط عسكري صارم.

ولعب الجيش على مدار تاريخ السودان الحديث دورا رئيسيا في قيادة البلاد، التي تعاقبت عليها حكومات عسكرية مختلفة، بما فيها حكم البشير الذي استمر قرابة 3 عقود.

مفارقات القوة

هناك تباين واضح بين الجيش وقوات الدعم السريع، كلاهما يتمتع بخصائص متفردة عن الآخر، يضم الجيش السوداني 189 ألف جندي بينهم 105 آلاف في قوات الاحتياط، ويمتلك 191 طائرة حربية و410 دبابات و403 مركبات قتالية مدرعة و20 منصة صواريخ تجعله في المرتبة 69 بين أقوى جيوش العالم والمرتبة الثامنة على مستوى إفريقيا.

سبق أن خاض الجيش السوداني معارك لمدة تزيد على 50 عاما في الحرب الأهلية بجنوب السودان من أغسطس/ آب عام 1955 حتى عام 2005 التي انتهت بتوقيع اتفاقية نيفاشا للسلام.

أما حجم ونفوذ قوات الدعم السريع، فتحدثت عنه تقارير دولية، منها ما نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية في 11 يونيو/ حزيران 2019 قائلة: "قوات الدعم تقوم بزيادة عمليات التجنيد في شرق السودان مما يعني زيادة في التوتر داخل البلاد".

مضيفة: "هذا مخيف، ولا يعرف الخبراء والمسؤولون الكيفية التي سيتم فيها إخراج السودان من الحافة، وفي مركز الجهود كيفية التعامل مع حميدتي الذي يوصف بأمير الحرب، ومع ذلك فهو عضو في المجلس العسكري الانتقالي الذي يقول إنه سيقود البلاد".

وأشارت المجلة إلى أن "الجنرال حميدتي يدير نحو 30 ألف جندي من قوات الدعم السريع المسلحين جيدا كأنهم على أهبة الاستعداد لخوض حرب".

دعم خارجي

في 20 يونيو/ حزيران 2019، نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، تقريرا بعنوان "زعيم المليشيا المسلحة حميدتي يقترب من السلطة"، قالت فيه: "مقاتلو حميدتي صهرتهم الحروب، وبعد دمج البشير قوات الدعم السريع في الجيش عام 2013 تفاوض حميدتي على نشر عناصرها في اليمن للقتال إلى جانب التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات هناك".

وأضافت: "استطاع حميدتي من خلال هذا الحصول على صداقات مع شخصيات مؤثرة مثل محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي، ومحمد بن سلمان ولي العهد السعودي، وحصل أيضا على موارد مالية ساهمت في تلميع صورته وتوسيع نفوذه".

وفي 28 مايو/ أيار 2019، نشر موقع الجزيرة نت تقريرا كشف عن "وجود خطة لإعادة هيكلة الجيش السوداني، وتمويل خليجي لتدريب طيارين بغرض تشكيل قوة جوية تابعة لقوات الدعم السريع". 

التقرير تحدث أيضا عن "فكرة تفكيك القوات المسلحة" ووصفها بأنها "مغامرة إماراتية هدفها تكوين قوة عسكرية مستدامة الولاء لمحورها تحت قيادة حميدتي"، وأضاف: أن "الدولة المصرية ترفض ذلك، بحكم خبرتها ومعرفتها بشؤون السودان، حيث تفضل دعم الجيش وقيادته العليا الممثلة في عبد الفتاح البرهان".

ومنذ لقاء البرهان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، برز مرة أخرى نجمه كواجهة للسلطة، والرجل صاحب القرار الأول والأخير، ما جعل البعض يؤكد من فرضيات تأهيل البرهان وتسويقه، أنه سيكون الحاكم الفعلي للسودان مستقبلا.

حالة معقدة

مصدر سوداني مطلع قال لـ"الاستقلال": "لا يمكن أن تستمر وضعية الجيش وقوات الدعم السريع على تلك الحالة القائمة، في النهاية لا بد أن توجد إدارة مركزية، وقوة واحدة يلتف خلفها الشعب السوداني، الآن هناك خلافات سياسية وإدارية واقتصادية بين قوات الدعم السريع المنتشرة في عموم الخرطوم والسودان، وبين الجيش المتأهب والمتحفز لاستعادة دوره ووضعه مرة أخرى".

المصدر الذي فضل عدم الإفصاح عن اسمه أضاف: "لا يعقل أن يدار بلد كبير كالسودان من قبل قوتين عسكريتين نافذتين، فرغم أن قوات الدعم السريع تندرج رسميا تحت لواء الجيش، لكن على أرض الواقع هما طرفا نقيض، لا يحكم أي منهما سيطرته على الآخر".

وتابع: "لا يستطيع رئيس المجلس السيادي إقالة قائد قوات الدعم السريع (حميدتي)، ولا قائد قوات الدعم السريع بقادر على إملاء إرادته وقراراته على قيادات الجيش، فالأمر بينهما تفاوضي وتشاوري في كثير من الأحيان".

وأوضح: "لا يمكن فصل الوضع بين الجيش والدعم السريع، عن التدخلات الخارجية، فحميدتي من المقربين للإمارات منذ البداية، حتى أنه بعد عزل البشير، وولاية الفريق عوض بن عوف ليوم واحد، اعترض حميدتي بدافع من الإمارات، ولم يتم إعلان تشكيلة المجلس إلا بعد استقالة ابن عوف، وقيادة البرهان، تحت عين أبوظبي وقائد قوات الدعم السريع الذي انضم للتشكيلة الأخيرة القائمة حاليا".

وأردف: "وداخليا تعتبر حكومة حمدوك، هي الطرف الأضعف في المعادلة، لافتقادها الظهير الشعبي القوي، أو القوة العسكرية والأمنية المؤثرة، وبمجرد إزاحة هذه الحكومة، وهو الأمر الذي بات قريبا، سواء بمظاهرات شعبية، أو تحركات عسكرية، سيبدأ فصل جديد من الصراع بين البرهان وحميدتي، وهو السيناريو الأسوأ الذي يترقبه السودان عن بكرة أبيه".