فوز بطعم الخسارة.. لماذا فشلت أحزاب إسبانيا في تشكيل الحكومة؟

في ثاني رسالة مقلقة تتلقاها أوروبا، جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية الإسبانية 10 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، دون تغيير في المشهد السياسي العام، الذي تعيشه إسبانيا منذ الانتخابات الأولى في إبريل/ نيسان الماضي، ولكنها أطلقت جرس إنذار عن الواقع الجديد الذي يتشكل في واحدة من أهم الدول الأوروبية.
ورغم أن الاشتراكيين مجتمعين حافظوا على الصدارة، ولم ينفرد أي من أحزابهم التي خاضت الانتخابات في الصدارة التي تؤهله لتشكيل الحكومة منفردا، إلا أن ما حققه اليمين المتطرف الذي يمثله حزب "فوكس"، الوليد على الساحة الإسبانية، جعل تقدم الاشتراكيين أقرب للخسارة.
فالحزب الذي فاز بـ 24 مقعدا، في أول انتخابات يخوضها في إبريل/ نيسان الماضي، حقق أكثر من ضعف هذا الرقم بعد 7 أشهر فقط، على حساب الأحزاب الاشتراكية واليسارية الأخرى.
فهل يمثل تفوق "فوكس" اليميني الرافض للمهاجرين، صداعا جديدا في رأس إسبانيا التي تعاني من أزمات واحتجاجات ومطالبات بالانفصال الذاتي، تزداد ضراوتها كل يوم؟، وهل يمكن أن يمتد الصداع لغيرها من الأنظمة الأوروبية التي ترى في صعود اليمين المتطرف تهديدا مباشرا لسياستها ووجودها؟
مكاسب ناقصة
وفق النتائج الرسمية التي أفرزتها الانتخابات الإسبانية، فإن الحزب الاشتراكي الحاكم الذي يقوده رئيس الوزراء، بيدرو سانشيز، حقق 120 من إجمالي 350 مقعدا، متراجعا بثلاثة مقاعد عن نتائج انتخابات أبريل/ نيسان الماضي، بينما أحرز حزب الشعب اليساري 88 مقعدا بزيادة 22 مقعدا عن الانتخابات السابقة، وكانت المفاجأة في حزب فوكس اليميني، الذي حل ثالثا في الترتيب، بعد أن فاز بـ 52 مقعدا، بزيادة 28 مقعدا عن الانتخابات الماضية.
ورغم أن الحزب الاشتراكي هو صاحب الأغلبية، إلا أنها لن تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا، وبات عليه تقديم تنازلات للأحزاب القريبة منه، ليتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية، يعبر بها الأزمة التي واجهتها بعد انتخابات أبريل/نيسان الماضية، حيث فشل في تشكيل ائتلاف حكومي يمنحه ثقة البرلمان، ما دفعه لإجراء انتخابات أخرى، ولكنه لم يحقق فيها أيضا التقدم المأمول.
وتشير كلمات سانشيز، بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات، إلى: أنه يشعر بالقلق من تكرار فشله في تشكيل حكومة ائتلافية، خاصة وأن بلاده شهدت أربع انتخابات في أربعة أعوام متتالية من بينها جولتين لم يفصل بينهما سوى 7 أشهر فقط.
وحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية: فإن رئيس الوزراء سانشيز، أعلن التزامه تشكيل حكومة مستقرة، وأنه سيعمل على "تطويع السياسة لصالح غالبية الشعب الإسباني"، موجها الدعوة لكل الأحزاب السياسية بأن تتحلى بالمسؤولية من أجل حلحلة الموقف السياسي في البلاد.
زاد الطين بلّة
يشير كثير من المراقبين إلى: أن نتائج الانتخابات الأخيرة، لن تحل المشكلة السياسية التي تعيشها إسبانيا منذ سنوات، وإنما كما يقول المثل العربي الشهير "ستزيد الطين بلة"، خاصة وأن الأحزاب اليسارية والاشتراكية فضلت مصالحها الضيقة على حساب المصلحة العامة للبلاد، ما دفع في النهاية لبزوغ نجم حزب "فوكس" اليميني المتشدد، والذي تأسس قبل ثلاثة سنوات فقط، ولذلك جاءته التهاني السريعة من زعماء الأحزاب اليمينية في كل من فرنسا وإيطاليا النمسا وألمانيا.
ويدعم الرأي السابق تحليل موسع كتبته المترجمة والباحثة التونسية المقيمة في إسبانيا والعضو النشط في المنتدى العربي الثقافي الإسباني، عبير الفقيه، أكدت فيه: أن الانتخابات التي جرت قبل أيام، كانت تعبيرا واضحا عن عمق الأزمة السياسية التي تعيشها إسبانيا، خاصة وأن النتائج التي أفضت إليها هذه الانتخابات أدخلت البلد في أزمة أعمق.

وحسب تحليل الفقيه الذي نشرته شبكة الجزيرة الإخبارية: فإن رئيس الوزراء الحالي، وحزبه الاشتراكي، يتحملان وحدهما ما تعيشه البلاد من أزمة متصلة، عندما رفض قبل 7 أشهر التحالف مع الأحزاب الصغيرة لكي يتجاوز عتبة 176 مقعدا ليشكل حكومته، ولكنه الآن يقع في نفس المأزق.
وتلفت الفقيه النظر إلى قضية أخرى أفرزتها سياسات الحزب الاشتراكي، وهي أن إسبانيا كانت البلد الأوروبي الوحيد الخالي من الأحزاب اليمينية المتطرفة، حتى عام 2018، والذي شهد ظهور حزب فوكس، والذي ما لبث أن احتل المرتبة الثالثة في الانتخابات الأخيرة متقدما على عدد من الأحزاب الليبرالية والاشتراكية الأخرى.
الفائز.. فوكس
وفق تحليل لصحيفة الجارديان البريطانية: فإن النتائج التي تحققت في الانتخابات الأخيرة، تشير لفائز واحد وهو حزب فوكس، الذي حقق المركز الثالث في السباق الانتخابي بعدد 52 مقعدا، في ثاني تجربة يخوضها، وهو ما اعتبرته الصحيفة رسالة مباشرة بأن مزاج الناخب الإسباني في مرحلة تغيير واضحة.
وكشف تقرير آخر لصحيفة الشرق الأوسط الصادرة من لندن: أن المستشار السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومستشاره الإستراتيجي في الحملة الانتخابية ستيف بانون، تحدث للصحيفة قبل عدة أشهر، متوقعا فوز حزب "فوكس"، وقال وقتها: إن هذا الحزب سيكون "خميرة الصعود اليميني في أوروبا خلال السنوات المقبلة".
وحسب نفس التقرير: فإن النتائج أفرزت واقعا سياسيا جديدا في إسبانيا، تشير جميعها لخسارة اليسار من كل الاتجاهات، حيث خسر الحزب الاشتراكي الحاكم ثلاثة مقاعد، وخسر شريكه في الحكم حزب "بوديموس" سبعة مقاعد، كما انهار حزب "مواطنون" المعتدل الذي كان يعتبره ساسة أوروبا، الحليف الطبيعي للاشتراكيين لتشكيل حكومة مستقرة، بينما كانت الخسارة الأكبر لليسار، هو خروج اليمين المتطرف من قمة السياسة الإسبانية ليحتل المركز الثالث.
ويؤكد توقع سابق للكاتب الأرجنتيني دييغو فونسيكا، نشره في مقال مطول بصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، بعد فشل تشكيل حكومة يسارية في إبريل/نيسان الماضي: بأن إسبانيا على أعتاب موجة تغيير بعد استيقاظ اليمين المتطرف، وزيادة مطالب الانفصال في كاتالونيا.
ووصف "فونسيكا" السياسة الإسبانية: بأنها منغلقة، وأن تقدم فوكس يحمل رسالة سيئة لأوروبا التي بات عليها التعامل مع المشهد الحالي، بآليات مختلفة إذا كانت تريد أن تظل إسبانيا في مربعها الاشتراكي، خاصة وأن الدولة الأكبر من حيث المساحة تعاني من أزمة بطالة خانقة منذ الأزمة الاقتصادية لعام 2008.
وحسب وصف الصحيفة الأمريكية: فإن إسبانيا أصبحت أشبه بالكرة التي يتلاعب بها ثلاثة أطفال يشكلون الأحزاب السياسية الرئيسة في البلاد، والذين انضم إليهم طفل آخر، وهو حزب فوكس اليميني المتطرف، ولكن الجديد في الأمر وفق الصحيفة: أن هذا الطفل الجديد، هو في الواقع الأقدم والأكبر سنا بين أهل إسبانيا، في إشارة لنظام "الطاغية فرانكو".
وقد ظهر حزب "فوكس" اليميني، للمرة الأولي عام 2013 عندما حقق 12 مقعدا في البرلمان المحلي في مدينة الأندلس، وهو ما كان صدمة للإقليم الذي يسيطر عليه اليسار منذ نهاية عهد فرانكو. ويعادي الحزب اليميني المهاجرين بشكل خاص، كما أنه معارض بشكل صارم لانفصال إقليم كتالونيا، وينادي بوحدة التراب الإسباني.
الحلول المتأخرة
وبالعودة لتقرير صحيفة الجارديان البريطانية: فإن الحلول التي بدأ الساسة الإسبان الاشتراكيون في التوصل إليها، بعد نتائج انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الأخيرة، هي نفسها الحلول التي كان يجب أن يتوصلوا إليها بعد انتخابات إبريل/نيسان الماضي، حتى لا يضطروا للقبول بالنتائج الأخيرة التي أفرزت تقدم حزب فوكس.
وعلقت الصحيفة على الاتفاق الائتلافي الذي توصل إليه الحزب الاشتراكي الحاكم (المرتبة الأولى 120 مقعدا)، مع حزب "بوديموس" اليساري المناهض للتقشف (المرتبة الرابعة 35 مقعدا): بأنها محاولة لإنقاذ البلاد من شبح الانتخابات للمرة الثالثة، وأنه لولا فوز حزب فوكس بالمرتبة الثالثة، لما كان الحزبان حريصان على إتمام تحالفهما، رغم تصريحات سانشيز قبل شهرين والتي قال فيها: "إنه سيواجه صعوبة في النوم إذا كان لديه وزراء من بوديموس في حكومته".
بينما علق رئيس حزب بوديموس: بأن التحالف المصغر حديثا يجب أن يركز على تحديات الحاضر، بما في ذلك الأزمة الناشئة على استقلال كاتالونيا والتهديد الذي يمثله حزب فوكس اليميني المتطرف، واصفا الحكومة المرتقبة بأنها تقدمية وتمثل "أفضل لقاح ضد اليمين المتطرف".
وحسب رأي الجارديان: فإن التحالف الجديد (155 مقعدا) لن يستطيع تمرير حكومة ائتلافية، حيث تتطلب 176 مقعدا للحصول على أغلبية في مجلس النواب المؤلف من 350 مقعدا، ما يشير لاحتمالية الاستعانة بحزب ثالث، سيكون على الأرجح حزب ماس مدريد اليساري (Más País) والذي حل رابعا في الانتخابات الأخيرة.
وتشير تقارير أخرى تابعت التطورات الإسبانية: أن هذا الائتلاف الحاكم التقدمي الجديد، يعد الأول من نوعه منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل 80 عاما، خاصة وأن رئيس الوزراء وزعيم الحزب الاشتراكي سانشيز سيباشر، يسعى لتوسيع الائتلاف مع أحزاب أخري قومية ويسارية، لتأمين أكبر تأييد ممكن لحكومته المقبلة.
وعلق الحزب الشعبي الذي حل ثانيا في الانتخابات الأخيرة (88 مقعدا)، على الاتفاق الذي جرى بين الاشتراكيين وحزب «بوديموس»: بأنه جاء لرفع الضغط عنهم بعد أن كانت جهات عدة تدعو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وأعلن الحزب أنه سيمارس معارضة مسؤولة تجاه حكومة الائتلاف التقدمي في حال تشكيلها، انطلاقا من كونه البديل الوحيد لمثل هذه الحكومة.
المصادر
- رداً على تقدم اليمين المتطرف في إسبانيا: أول حكومة تقدمية منذ ثلاثيات القرن الماضي
- أوروبا تترقب انتخابات إسبانيا وسط مخاوف وآمال كبيرة
- انتخابات إسبانيا بعثرت أوراق اليسار وقلبت ترتيب أحزاب اليمين
- إسبانيا: سانشيز يفشل في نيل ثقة البرلمان لتشكيل الحكومة
- تصدر الحزب الاشتراكي وصعود لليمين المتطرف في الانتخابات التشريعية الإسبانية
- انتخابات إسبانيا التشريعية.. إعادة زادت الطين بلّة
- انتخابات إسبانيا: اليمين المتطرف الرافض للمهاجرين يحقق مكاسب كبيرة
- ما هي أبرز النقاط التي تحدد ملامح الانتخابات البرلمانية الإسبانية؟
- تشكيل أول ائتلاف حكومي {تقدمي} في إسبانيا منذ 80 عاماً
- اليمين المتطرف «الفائز» الفعلي في الانتخابات الإسبانية
- هل يهدّد تصاعد أسهم اليمين المتطرّف الإسباني مصالح المغاربة؟
- جارديان: اليمين المتطرف الفائز الأكبر بانتخابات إسبانيا.. وهكذا يُهزم
- إسبانيا: من هو حزب "فوكس" اليميني المتطرف الذي فاز في انتخابات الأندلس
- نيويورك تايمز" حول الانتخابات الإسبانية: "أوروبا ، لديك مشكلة أخرى"



















