Thursday 22 April, 2021

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: مارس/آذار 2021

منذ 2021/04/02 20:04:00 | الحالة العربية
لا يزال وطننا العربي يتحرك وفقا لما تمليه عليه المتغيرات الدولية في الولايات المتحدة وأوروبا
حجم الخط

المحتويات:

مقدمة

المحور الأول: جائحة كورونا في الوطن العربي

  •  مقدمة 

  • العراق

  • الأردن

  • المغرب

المحور الثاني: الحالة السياسية 

  • الحالة المصرية.

-       تصريحات تركية متتابعة.

-       تخفيف لهجة قنوات المعارضة.

-       فتور نسبي مصري.

-       إشارات واقعية إيجابية.

-       كيف يمكن فهم التأني المصري؟

-       31 دولة ينتقدون أوضاع حقوق الإنسان في مصر.

-      إستراتيجية النظام في المقاومة والمناورة.

  • الحالة الليبية.

-       منح الثقة للحكومة الليبية الجديدة.

-       شرطان رئيسان لإتمام المسار السياسي.

-       ما العقبة الحقيقية؟

-       محاولة للتوازن في السياسة الخارجية للسلطة الجديدة.

  • الحالة اللبنانية.

-       فراغ سياسي مستمر.

-       تراشق إعلامي وكشف مراسلات بين عون والحريري.

-       الطائفية السياسية هي الأزمة.

  الحالة التونسية.

-       أزمة سياسية مستمرة.

-       قيس سعيد يشترط استقالة المشيشي.

-       هل الانتخابات البرلمانية المبكرة هي الحل؟

-       أزمة مطابقة في عهد الباجي قايد السبسي.

المحور الثالث: الاقتصاد العربي

-       تداعيات أزمة تعطل الملاحة بقناة السويس.

-      انخفاض قيمة العملة في الجزائر وتوقعات بتعويم قريب.

المحور الرابع: الحالة الفكرية

-    مقدمة.

-   في اليوم العالمي للشعر.. مفهوم الشعر ودوره في حياة الفرد والمجتمع.

-     في اليوم العالمي للمرأة.. "النسوية: مفهومها وأثرها".


مقدمة

استمرارا لتوابع المشهد الإقليمي والدولي الجديد، الذي كان أبرز مفاتيحه هو فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، وما تبع ذلك من عودة للحديث بكثافة عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة العربية، وكذلك الميل إلى تسوية الأزمات والنزاعات المسلحة.

ومن أبرز الأحداث على الساحة السياسية خلال شهر مارس/ آذار 2021، هو منح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية الجديدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وما تمثله هذه الخطوة من أهمية كبرى على طريق الوحدة والسلام في ليبيا، وتحدث تقرير الحالة العربية عن شرطين رئيسين لإتمام هذا المسار حتى نهايته.

كما تجدد خلال الشهر الحديث عن التقارب المصري التركي، لا سيما في ظل التصريحات التركية المتعاقبة من أعلى المستويات تجاه مصر والنظام المصري، وكذلك الخطوة التي اتخذتها تركيا فيما يتعلق بالطلب من القنوات المصرية المعارضة التي تبث من إسطنبول أن تخفف لهجتها تجاه النظام المصري.

وكذا تجدد الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك عقب بيان مشترك أصدرته 31 دولة ينتقد أوضاع حقوق الإنسان والحريات في مصر. ورصد التقرير كيف تعامل النظام مع البيان، ومن ثم حاول استنتاج الإستراتيجية التي سيتبعها النظام في المناورة والمقاومة تجاه الضغوط الخارجية المرتقبة.

وفي لبنان يستمر الفراغ السياسي، ويتصاعد الصراع حول تشكيل الحكومة بين رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري. وكذلك تستمر الأزمة السياسية في تونس، ويشترط رئيس الجمهورية قيس سعيد استقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي لبدء الحوار.

وفي محور الاقتصاد العربي يرصد التقرير قرار السودان بتعويم الجنيه تمهيدا لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وكذلك يحلل الأزمة المالية والاقتصادية بالكويت.

بينما يتناول المحور الفكري موضوعين، الأول: في اليوم العالمي للشعر.. مفهوم الشعر ودوره في حياة الفرد والمجتمع"، حيث يوافق 21 آذار/ مارس من كل عام اليوم العالمي للشعر. والثاني: في اليوم العالمي للمرأة..  النسوية: مفهومها وأثرها"، حيث يخصص يوم 8 مارس/آذار كل عام للاحتفال باليوم العالمي للمرأة.

كذلك يستمر تقرير الحالة العربية في رصد مستجدات فيروس كورونا بالمنطقة العربية، من حيث حالات الإصابة والتعافي، وما تتخذه الدول العربية المختلفة من إجراءات للحد من انتشار الجائحة.


المحور الأول: كورونا في الوطن العربي

بمرور نحو ما يزيد عن 15 شهرا منذ ظهور فيروس (COVID-19) المعروف باسم فيروس كورونا، ضربت الجائحة معظم دول العالم، وبلغ عدد الإصابات المكتشفة ما يقترب من 129 مليون حالة حول العالم منذ بداية الأزمة في ديسمبر/ كانون الأول 2019، حتى نهاية مارس/ آذار 2021، توفي منهم ما يربو على مليونين و818 ألفا و341، حتى كتابة هذه السطور.

كان نصيب العالم العربي من هذه الإصابات نحو 5 ملايين و6 آلاف إصابة، بنسبة قدرها 3.88 بالمئة من مجمل الإصابات المكتشفة حول العالم، وبلغت الوفيات في الدول العربية نحو 79 ألفا و600 وحالتي وفاة، أي بنسبة بلغت 2.82 بالمئة من إجمالي وفيات العالم جراء هذا الفيروس (كل الأرقام التي وردت، وسترد، في هذه الورقة، مستمدة من موقعي "Worldometer" الإحصائي العالمي، و"ESCWA" التابع للأمم المتحدة، أو من حسابات الباحث للبيانات الصادرة من هذين الموقعين). 

وبما أن نسبة سكان الوطن العربي إلى سكان العالم تبلغ نحو 6.6 بالمئة. فإن هذه الأرقام تعني -نظريا- أن العالم العربي في حال أفضل من الأقطار الأخرى، أو أن منظومته الصحية قد استطاعت السيطرة على المرض بشكل كبير.

بيد أنه من المعلوم في الإحصاء أن الأرقام والإحصاءات لا تعبر - بالضرورة - وحدها عن الواقع، بل قد تبدو الأرقام - أحيانا - مغايرة لما عليه الواقع، فلا بد من النظر وراء هذه الأرقام حتى نستطيع النظر ما إذا كانت دلائل هذه الأرقام صحيحة أم لا.

ومن المعلوم أن عدد الإصابات - على وجه التحديد - لا يعبر عن نجاح أو فشل الدولة أوالمنظومة الصحية في مواجهة الفيروس، بل إنه العامل الأقل أهمية على الإطلاق في التقييم، وتتعدد العوامل التي تمثل أهمية أكبر بالنسبة للتقييم، فنسبة الوفيات إلى المفحوصين، عدد الفحوصات اليومية، نسبة الفحوصات المجراة إلى عدد السكان، الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة قبيل انتشار المرض، الإجراءات التي تتخذها الحكومة بعد انتشار المرض، كذلك نسبة المصابين إلى المفحوصين، كل هذه العوامل وغيرها لا بد أن توضع في الميزان حتى يكون التقييم أكثر انضباطا وواقعية.

تحاول هذه الورقة استكمال ما بدئ في الأشهر الماضية من رصد وتحليل للأرقام المعلنة من قبل الحكومات العربية حول فيروس كورونا ومدى انتشاره في بلدانهم.

لمحاولة رصد ما وراء هذه الأرقام، سواء كانت إيجابية أو سلبية، سيحاول التقرير البحث في الأرقام الصادرة عن كل دولة على حدة، وسيعتمد التقرير على الترتيب التنازلي من حيث عدد الإصابات. وسيكتفى برصد إحصائيات الدول أصحاب المراكز الثلاثة الأولى من حيث أعداد الإصابات.

  • العراق:

استمر تصاعد الحالات في العراق، ليحافظ على المركز الأول في عدد الإصابات المكتشفة في المنطقة العربية للشهر السابع على التوالي منذ ظهور الجائحة، بينما انخفض ترتيبه عالميا ليصل إلى المركز السادس والعشرين. حيث بلغ عدد الحالات المكتشفة - حتى كتابة السطور- منذ بداية الأزمة 844.260 حالة، بزيادة قدرها نحو 15 ألف حالة عن الشهر السابق، وهي زيادة معقولة نسبيا مقارنة بمستويات التصاعد منذ ظهور الجائحة. 

كما بلغت حالات الوفاة 14.286 حالة، أي بزيادة قدرها نحو 1500 حالة عن سابقه، وهو ما يشير إلى زيادة كبيرة في أعداد الوفيات خلال مارس/ آذار 2021، حيث كانت الزيادة خلال الشهر السابق 200 وفاة فقط.

ومن الجدير بالذكر أن نحو 12 بالمئة من حالات الوفاة بكورونا في العراق كانت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، بينما كانت وفيات أكتوبر/ تشرين الأول 2020 نحو 10 بالمئة من مجمل الوفيات منذ ظهور الوباء، والشهر الذي سبقه بنسبة 25 بالمئة، ما كان يشير إلى حجم التصاعد الدراماتيكي في حدة الفيروس هناك، إلا أن هذه النسب انخفضت خلال شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط بشكل كبير، لكن يبدو أنها بدأت في الارتفاع مرة أخرى خلال مارس/ آذار.

تبلغ نسبة الوفيات نحو 10.5 بالمئة من إجمالي الحالات الإيجابية المكتشفة خلال هذا الشهر، وهي نسبة مرتفعة للغاية مقارنة بالنسبة العالمية خلال نفس الفترة الزمنية، والتي تقدر بنحو 1.8 بالمئة. 

بينما تبلغ نسبة الوفيات الإجمالية منذ بداية الأزمة نحو  1.7 بالمئة من إجمالي الحالات المكتشفة خلال نفس المدة، وهي نسبة معقولة.

أجرى العراق نحو 7 ملايين و991 ألف فحص منذ بداية الأزمة، كما زادت خلال هذا الشهر نسبة عدد المفحوصين من كل مليون نسمة إلى 135.435 فحصا، ومن الممكن القول إنها نسبة منخفضة نسبيا مقارنة بالنسب العالمية. 

ويوجد في العراق حاليا نحو 75 ألف إصابة نشطة، وهو رقم كبير إذا ما قورن بالمستوى الصحي والطبي المتدهور في العراق جراء استمرار الحروب والنزاعات المسلحة. ولم تسجل مواقع الإحصاء العالمية حتى اللحظة وصول أي لقاحات للعراق، أو تلقيح العراقيين بها.

  • الأردن: 

استمر التصاعد الدراماتيكي في حالات الإصابة بكورونا في الأردن خلال شهر مارس/ آذار، ليرتفع إلى المركز الثاني عربيا.

وبلغ عدد الإصابات في المملكة الأردنية منذ بداية الجائحة 605.937 إصابة، فيما بلغت الوفيات جراء الفيروس 14.286 وفاة، أي أن نسبة الوفيات تبلغ 2.4 بالمئة من إجمالي أعداد الإصابات، وهي نسبة مرتفعة نسبيا، لكنها معقولة إلى حد كبير إذا ما قورنت بالنسب العالمية.

وتبلغ الحالات النشطة في الأردن نحو 94.308 حالات، أي أن نحو 15.6 بالمئة من إصابات كورونا طيلة الـ 15 شهرا الماضية نشطة خلال هذا الشهر فقط، وهو ما يشير إلى مدى ضخامة التصاعد في أعداد الحالات في المملكة.

وأجرت وزارة الصحة الأردنية 7 ملايين و991 ألفا و293 فحصا متعلقا بكورونا منذ بداية الجائحة، أي بمعدل 571.587 فحصا لكل مليون نسمة، وهو معدل معقول نسبيا إذا ما قورن بالنسب العالمية.

ومن حيث اللقاحات الخاصة بالفيروس، فقد لقحت المملكة 393.066 شخصا منذ ظهور اللقاحات حتى الآن، أي أنها تعطي اللقاح لنحو 3 أشخاص من كل 100، وهي نسبة ضئيلة للغاية.

لا شك أن الأردن يحتاج إجراءات أكثر نجاعة في خطط الإغلاق العام والوقاية من الفيروس، وإجراءات أخرى تتعلق بالتلقيحات والحصول عليها وتوزيعها بنسبة أكبر.

  • المغرب: 

للشهر الرابع على التوالي يقع المغرب في المراكز الثلاثة الأولى عربيا من حيث عدد الإصابات المتعلقة بكورونا منذ ظهور الجائحة مطلع عام 2020.

بلغ عدد الإصابات منذ بداية الأزمة 495.421 إصابة، منهم نحو 25 ألفا خلال الشهرين الماضيين مجتمعين، بينما كانت الإصابات في يناير/ كانون الثاني 28.169 إصابة، وخلال شهر ديسمبر/ كانون الأول 2020 كانت الإصابات نحو 91.282 إصابة، بينما كانت النسبة في كل من الشهرين السابقين لديسمبر نحو 42 بالمئة، وهذه النسب والأرقام تشير بشكل واضح إلى انخفاض معدل انتشار المرض خلال شهر مارس/ آذار 2021 عن الشهور السابقة.

وما يدل على النتيجة السابقة كذلك أن عدد الحالات النشطة في المملكة المغربية يبلغ 3.443 حالة، وهي نسبة منخفضة للغاية، وتعد مؤشرا جيدا لأداء المنظومة الصحية.

وتبلغ وفيات كورونا منذ بداية الجائحة 8.813 وفاة، أي أن نسبة الوفيات تبلغ 1.8 بالمئة من إجمالي حالات الإصابة في المملكة، وهي نسبة جيدة للغاية كذلك، ومتقاربة مع النسب العالمية.

وأجرت المغرب 5 ملايين و955 ألفا و500 وسبعة فحوصات، أي أن معدل الفحوصات يبلغ 159.942 فحصا لكل مليون نسمة، وهي نسبة ضئيلة للغاية إذا ما قورنت بالنسب العربية، فضلا عن مقارنتها بالنسب العالمية.

ومن حيث اللقاحات الخاصة بالفيروس، فقد لقحت المملكة 7.956.712 شخصا منذ ظهور اللقاحات حتى الآن، أي أنها تعطي اللقاح لنحو 21 شخصا من كل 100، أي 20 بالمئة من المواطنين، وهي نسبة معقولة عربيا، ضئيلة بشكل كبير عالميا.


المحور الثاني: الحالة السياسية

يرصد تقرير الحالة العربية شهر مارس/ آذار 2021، عددا من الأحداث الهامة على المسرح السياسي العربي، والتي من الممكن أن يكون لها آثارها المستقبلية على شكل المنطقة وتحالفاتها وتوازنات القوى فيها.

ففي الحالة المصرية، نرصد الخطوات المتتابعة على مسار التقارب التركي المصري، ابتداء من التصريحات التركية المتتابعة، والصادرة من أعلى رأس في الدولة التركية ومستويات أخرى متعددة، وصولا إلى الطلب التركي من قنوات المعارضة المصرية التي تبث من إسطنبول تخفيف لهجتها تجاه النظام المصري. 

كما نرصد الفتور النسبي على مستوى التصريحات الرسمية المصرية العلنية، في الوقت الذي نشير فيه إلى الخطوات العملية الإيجابية التي تتخذها مصر تجاه تركيا. وننتهي في هذه الفقرة بمحاولة الإجابة عن سؤال: كيف يمكن فهم التأني المصري؟.

كذلك نطوف حول البيان المشترك الذي انتقدت فيه أوضاع حقوق الإنسان في مصر، ونبين كيف تعامل النظام مع هذا البيان، في محاولة لتوضيح إستراتيجية النظام في المقاومة والمناورة أمام الضغوط الخارجية المرتقبة في ملف حقوق الإنسان.

أما الحالة الليبية، فقد صادق البرلمان بإجماع نوابه الحاضرين على منح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية الجديدة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهو ما مثل خطوة هامة على طريق الوحدة والسلام في ليبيا، لكن التقرير ذكر أن هناك شرطين رئيسين لإكمال هذا الطريق.

كما استعرض التقرير التحركات الخارجية للسلطة الليبية الجديدة، وحاول منها استخلاص الخطوط العريضة للسياسة الخارجية لليبيا خلال الآونة القادمة.

وفي الحالة اللبنانية، يستعرض التقرير الفراغ السياسي المستمر منذ استقالة حكومة حسان دياب في أغسطس/ آب 2020، وأوردنا كيف يتصاعد الصراع والنزاع بين رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، حتى وصل إلى حد الكشف عن مراسلات سرية بينها، فضلا عن تراشق إعلامي مستمر.

وأخيرا الحالة التونسية، أوضح التقرير استمرار الأزمة السياسية بين رئيس الجمهورية قيس سعيد من جهة، وبين رئيس الحكومة هشام المشيشي والبرلمان من جهة أخرى، بل إنها تصاعدت وبدأت تأخذ طابعا شخصيا، فالرئيس سعيد بات يشترط استقالة المشيشي لبدء الحوار. 

وأخيرا، طوفنا سريعا حول السبل المتاحة لحل الأزمة السياسية التونسية، واستعرضنا موقفا مطابقا في عهد الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي.

الحالة المصرية: 

  • تصريحات تركية متتابعة

خلال شهر مارس/ آذار 2021، كان التقارب المصري التركي أحد أبرز الملفات على الساحة السياسية العربية، نظرا لكون هذا التقارب -إن حدث- مؤذنا بمشهد إقليمي مختلف كثيرا عن المشهد الذي يعيشه الإقليم منذ ما يقارب 8 سنوات.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، صدرت تصريحات عديدة من المسؤولين الأتراك، يتحدثون فيها عن تحسين العلاقات مع مصر، ويدعون فيها إلى التعاون معها في بعض القضايا المشتركة بينهما، لا سيما قضية الحدود البحرية المتنازع عليها في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وجاءت التصريحات التركية متعددة ومتتابعة، ومن أعلى مستوى في الدولة، بدءا من الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي صرح بأن "الشعب المصري لا يعارضنا، ولن نقدم تنازلات في منطقة شرقي المتوسط"، كما أشار إلى أن "الصداقة بين الشعبين المصري والتركي لن تكون مثل العلاقات بين الشعبين المصري واليوناني".

مرورا بوزير الدفاع خلوصي أكار، الذي ثمن احترام مصر للجرف القاري التركي خلال أنشطتها للتنقيب شرقي المتوسط، كما عبر عن اعتقاده إمكانية إبرام اتفاق مع مصر في الفترة المقبلة، بما يتماشى مع اتفاق ترسيم الحدود البحرية المبرم بين تركيا وليبيا. 

كذلك تصريحات وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، في نفس السياق، حيث صرح بأن "تركيا يمكن أن تتفاوض مع مصر وتوقع اتفاقا لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، بناء على سير العلاقات بين البلدين"، وكذلك تصريحه ببدء التواصلات مع مصر على الصعيد الدبلوماسي.

وجاء تصريح الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، واضحا في هذا الصدد، حيث قال: "يمكن فتح فصل جديد، ويمكن فتح صفحة جديدة في علاقاتنا مع مصر ودول الخليج الأخرى للمساعدة في السلام والاستقرار الإقليميين"، كما أشار إلى أن بلاده "مهتمة بالتحدث مع مصر حول القضايا البحرية في شرق المتوسط، بالإضافة إلى قضايا أخرى في ليبيا وعملية السلام والقضية الفلسطينية".

هذا فضلا عن تصريحات أخرى من مستويات أقل في الحكومة التركية أو الحزب الحاكم، فقد صدرت تصريحات عن المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر جليك، وكذلك المبعوث الشخصي للرئيس التركي إلى العراق فيصل إيروغلو، فضلا عن السفير التركي لدى الدوحة محمد مصطفى كوكصو.

كل هذا الكم من التصريحات جاء خلال شهر واحد فقط، ما يدل على مدى الرغبة التركية في المضي قدما بشكل جاد في ملف التقارب مع مصر.

  • تخفيف لهجة قنوات المعارضة

لكن من الناحية الأخرى، يبدو أن مصر محجمة نسبيا إذا ما قورنت بالإقدام التركي على الأقل ظاهريا على مستوى التصريحات الرسمية.

فلم يصرح أحد المسؤولين المصريين بشكل علني عن أنباء التقارب مع تركيا سوى تصريح محدود من وزير الخارجية المصري، سامح شكري، والذي قال فيه: "لو وجدنا أن هناك تغيرا في السياسة والمنهج والأهداف التركية لتتوافق مع السياسات المصرية ومع ما يعيد العلاقات الطبيعية لمصلحة المنطقة، من الممكن أن تكون هذه أرضية لاستعادة الأوضاع الطبيعية".

وهي إشارة إلى أن مصر لا تزال تنتظر أفعالا مختلفة من الجانب التركي تجاهها.

أما غير ذلك من التصريحات فقد جاءت عن طريق نقولات صحفية عن مسؤولين مجهولين، مما يدل كذلك على الإحجام المصري. وحتى تلك التصريحات المجهول قائلها كانت تشير إما تلميحا أو تصريحا إلى ضرورة تغير السياسات التركية فعليا تجاه مصر.

ويبدو أن الحكومة التركية استقبلت الرسالة المصرية بشكل إيجابي، بل واستجابت لها كذلك.

فقد طلبت الحكومة التركية، في 18 مارس/ آذار 2021، من مديري قنوات المعارضة المصرية التي تبث من مدينة إسطنبول، تخفيف لهجة انتقاد نظام عبد الفتاح السيسي في مصر، والالتزام بالمواثيق الإعلامية والصحفية.

  • فتور نسبي مصري

وهنا يظهر أن تركيا بالفعل قد قدمت شيئا ذا قيمة بشكل ما للنظام المصري، ومع ذلك، لم يرد النظام المصري بشكل علني على الخطوة التي اتخذتها تركيا، ولم يخرج أي تصريح رسمي معبر بشكل فعلي عن التيار المهيمن في النظام المصري، لا من الرئاسة ولا من الخارجية ولا من الأجهزة الاستخباراتية.

لكن الرد الرسمي الوحيد كان من طرف وزير الدولة للإعلام، أسامة هيكل، والذي وصف الخطوة التركية بأنها "بادرة طيبة". وكان رده في سياق تصريحات صحفية لقناة BBC، ولم يكن بيانا منفصلا مستقلا بحد ذاته. 

بيد أن هيكل نفسه لا يمكن اعتباره معبرا عن النظام بأي حال من الأحوال، فالإعلاميون والبرلمانيون التابعون للنظام ينالون من الوزير بين الفينة والأخرى، وهناك حملة شبه ممنهجة عليه في الآونة الأخيرة، وكان قاب قوسين أو أدنى من الإطاحة به. كما أن الرجل ينتقد بشكل علني أداء الإعلام المصري الموالي للنظام.

إضافة إلى ذلك، لم تنقل أحد الصفحات الرسمية للرئاسة أو رئاسة الوزراء أو وزارة الخارجية هذه التصريحات على صفحاتها ومواقعها الرسمية. 

وبالتالي، فمن الممكن اعتبار أنه لا رد علني مصري -حتى الآن- على الخطوات التركية المبادرة لتحسين العلاقات مع النظام المصري.

وحتى لو اعتبر رد هيكل ردا رسميا معبرا عن النظام، فإن موقع هيكل ونفوذه يوضحان انخفاض مستوى الرد الرسمي المصري العلني على توجهات الطرف الآخر، فبينما وصلت التصريحات من الطرف الآخر إلى حد رئاسة الدولة والجيش والاستخبارات والخارجية، كان مستوى الرد المصري من وزير الدولة للإعلام فقط، وهو مستوى منخفض للغاية إذا ما قورن بمستوى الجانب الآخر.

  • إشارات واقعية إيجابية

هذا على مستوى التصريحات الرسمية، لكن من ناحية الإشارات الإيجابية الواقعية، فمصر قدمت عددا من المواقف الإيجابية على أرض الواقع، لا سيما فيما يتعلق بقضية شرق المتوسط، والتي تعتبر هي أولى أولويات الحكومة التركية في التقارب مع مصر.

فقد راعت مصر المصالح التركية في اتفاقها لترسيم الحدود البحرية مع اليونان، حيث لم يتضمن الترسيم جزيرة ميس (باليونانية: كاستيلوريزو)، القريبة من الحدود التركية، وهذه الرؤية هي أقرب لتركيا منها إلى اليونان. 

كما أن القاهرة في 18 فبراير/ شباط 2021، وخلال طرحها لأول مزايدة عالمية للتنقيب عن البترول والغاز الطبيعي واستغلالهما لعام 2021، أخذت بعين الاعتبار الجرف القاري لتركيا من وجهة نظر أنقرة.

وعليه، من الممكن القول إنه رغم شح أو ندرة التصريحات الرسمية المصرية، إلا أن القاهرة لا تزال تقدم - على الصعيد العملي- ما يمكن أن يعتبر بوادر طيبة بالنسبة لتركيا في إطار التقارب بين البلدين.

باختصار، من الممكن القول إن العلاقات المصرية التركية أخذت مسارا نحو التقارب تدل غالب المؤشرات على أنه سيستمر حتى النهاية رغم العقبات والمعوقات التي لا تزال قائمة.

فتركيا أبدت استعدادا عمليا لتحسين العلاقات مع النظام المصري، وذلك عن طريق تقديم بادرة تشير إلى أن تركيا على استعداد أن تتفاهم مع النظام المصري في الملف الذي يمثل بالنسبة له أولوية أولى، وهو ملف إعلام المعارضة المصرية في الخارج، ومصر أبدت كذلك استعداداتها للتفاهم مع الدولة التركية عن طريق احترام جرفها القاري ورؤيتها لحدودها البحرية في شرق البحر المتوسط، وهي كذلك أولوية أولى بالنسبة لتركيا.

وبالتالي، يدرك كل طرف أولويات الآخر، ويعمل على أن يقدم من خلالها رسائل عملية إيجابية، وهو ما يفيد أن التقارب بينهما مسألة وقت لا أكثر.

  • كيف يمكن فهم التأني المصري؟

من الممكن فهم صمت القاهرة أو عدم اندفاعها أو تأنيها في إطار 3 أبعاد رئيسة، الأول أن النظام المصري يحاول مراعاة التحالف الإقليمي الذي يدعمه منذ نحو 8 سنوات، ممثلا في اليونان وإسرائيل  والإمارات والسعودية.

لذلك يحاول النظام عدم اتخاذ خطوات سريعة في ملف التقارب مع تركيا، في الوقت الذي لا تزال فيه علاقات الأخيرة متوترة مع اليونان، ولا تزال مشكلة الحدود البحرية قائمة بينهما، وفي الوقت الذي لا تزال فيه العلاقات التركية مع كل من السعودية والإمارات تغلب عليها الخلافات.

لذا يحاول النظام التأني في أن يخطو خطوات سريعة في هذا الملف، وقد يكون مترقبا أو منتظرا أن تسفر المحادثات الحالية بين تركيا وأي من السعودية أو الإمارات عن تقارب بينهما، ما يجعل التقارب بين مصر وتركيا أمرا متوقعا، ولا تكون مصر بذلك وترت علاقاتها مع حلفائها.

أما البعد الثاني، وهو الأهم، فهو أن تركيا متضررة بشكل كبير من الرؤية اليونانية للحدود البحرية شرقي المتوسط، ومصر كذلك متضررة، لكن الضرر على الجانب التركي أضعاف الضرر على الجانب المصري.

وهو ما قد يكون سببا قد يجعل النظام المصري يفكر في أن حاجة الدولة التركية إليه الآن أكثر من حاجة مصر إليها، وبالتالي وفقا لهذا التقدير، يحاول النظام المصري تأخير استجابته قليلا للخطوات التركية في سعي منه لتعظيم المصالح التي من الممكن أن يجنيها من الأتراك.

أما البعد الثالث والأخير، فهو المتعلق بالصورة الذهنية التي يحاول النظام تصويرها لشخص السيسي، ففي إطار تصور النظام لما ذكرناه في الفقرة السابقة، يحاول النظام تصدير صورة مفادها أن الدولة المصرية انتصرت على الآخر، وأن الآخر أتى إليها في النهاية معتذرا عما اقترفه من آثام.

وهذا بالفعل ما حاول الإعلاميون التابعون للأجهزة الأمنية المصرية تتبعه في تعاطيهم مع جميع الخطوات التركية تجاه مصر، بدءا من تصريحات المسؤولين الأتراك المتتابعة، وصولا إلى التوجهات المختلفة تجاه إعلام المعارضة المصرية في الخارج.

  • 31 دولة ينتقدون أوضاع حقوق الإنسان في مصر

من ناحية أخرى، يبدو أن ما ذكر في الأعداد السابقة من تقرير الحالة العربية بشأن الأوضاع الدولية والإقليمية الجديدة يتأكد يوما بعد يوم، فقد ذكر أن المرحلة القادمة ستكون مليئة بالضغوط على الديكتاتوريات العربية فيما يخص ملف حقوق الإنسان والديمقراطية.

وقد ذكر أن صعود بايدن على رأس السلطة بالولايات المتحدة سيقود بقية الدول الأوروبية والغربية إلى اتباع نهج مخالف لما كانت عليه في عهد إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب.

فبعد أن تلاشى الحديث عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات خلال الإدارة السابقة، فإن هذا النفس سيتصاعد خلال السنوات القادمة، ما سيمثل ضغطا على النظم الاستبدادية في المنطقة، ومن بينها بطبيعة الحال نظام السيسي في مصر.

وخلال شهر مارس/ آذار 2021، بدا جزء من هذه الضغوط المحتملة، فقد أصدرت 31 دولة - أعضاء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة- بيانا مشتركا أعربت فيه عن قلقها إزاء انتهاك الحريات في مصر، كما طالبت هذه الدول مصر بالكف عن ملاحقة الناشطين والصحفيين والمعارضين السياسيين، وفقا لقوانين مكافحة الإرهاب، كما حثت السلطات المصرية على الإفراج عن هؤلاء دون قيد أو شرط.

حيث سلط البيان الضوء على "القيود المفروضة على حرية التعبير والحق في التجمع السلمي، والتضييق على المجتمع المدني والمعارضة السياسية"، كذلك أدان "استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لمعاقبة المعارضين السلميين".

وكان من أبرز الدول التي وقعت على هذا البيان الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، وهي من أهم الدول التي يعتمد عليها النظام في علاقاته الخارجية مع المجتمع الدولي. 

ويعد هذا البيان المشترك الأول من نوعه منذ عام 2014، والذي دعت فيه الدول آنذاك الحكومة المصرية إلى رفع القيود التي تفرضها على التجمعات وعلى حرية التعبير.

  • إستراتيجية النظام في المقاومة والمناورة

من جهته، انزعج النظام المصري من البيان المشترك، وعبرت وزارة الخارجية المصرية -في بيان- عن "رفضها التام لما تضمنه ذلك البيان من أحاديث مرسلة تستند إلى معلومات غير دقيقة"، كما أكدت على "شديد الاستغراب والاستهجان لعدم الاستعانة بما يتم توضيحه لهذه الدول من حقائق ومعلومات حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر".

كما طالبت الدول الموقعة على البيان "بالتوقف عن توجيه اتهامات تعبر فقط عن توجه سياسي غير محمود يتضمن مغالطات دون أسانيد".

وحاولت الخارجية في بيانها أن تركز على المفهوم الذي يردده السيسي بشكل متكرر عن حقوق الإنسان، وهو أن حقوق الإنسان تشمل جوانب متعددة غير تلك التي تتحدث عنها الدول والمنظمات الحقوقية والناشطون وغيرهم، في محاولة من النظام للمراوغة بعيدا عن المفهوم الأساسي لحقوق الإنسان. 

حيث ذكر بيان الخارجية أن البيان المشترك "لا يراعي الجهود المصرية الشاملة في مجال حقوق الإنسان في كافة جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية".

ودلالة على مدى انزعاج النظام، أفاد بيان الخارجية أن البعثة المصرية في جنيف سترد ببيان "يسلط الضوء على أوجه القصور داخل تلك الدول صاحبة البيان المشترك، بما في ذلك الممارسات التي تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان"، كما أضافت أنه "لا توجد دولة بإمكانها تنصيب نفسها مقيما أو حكما في هذا الشأن".

فيما بدا أنه محاولة للنظام للرد بالمثل على الانتقادات الموجهة إليه، دون أن يركز على صلب القضايا التي طرحها البيان فيما يخص قمع المعارضين السياسيين وتلفيق التهم للنشطاء والحقوقيين.

من ناحيتها، عبرت البعثة المصرية في جنيف "عن أسفها لحالة التسييس الفج والتصعيد غير المبرر لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وإساءة استخدامه كغطاء من قبل بعض الدول التي تعتقد أن لها حقا في تقييم الآخرين للتعتيم على انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان"، حسب بيان.

وأضاف: "دول فنلندا والسويد والدنمارك وأيسلندا والنرويج، تدعي أنها الأكثر احتراما لحقوق الإنسان، لكن بوصول اللاجئين إلى أراضيهم صادروا ممتلكاتهم، ويتبارى السياسيون في تغريداتهم العنصرية ضد الأفارقة والمسلمين، ويدنس مواطنوها مقدسات المسلمين دون حساب".

 وأكمل: "حقوق الإنسان لديهم نسبية، وأنه رغم القضاء على العبودية، فإنها متجذرة في أعماق المجتمعات الأميركية، والبريطانية، والكندية، وغيرها، ويتم التعامل مع غير ذوي البشرة البيضاء كمواطنين درجة ثانية".

كما ذكر أن "دولا مثل ألمانيا، وأيرلندا، والنمسا، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا، ينادون دائما بحرية التعبير والتظاهر السلمي، خارج أراضيهم، وحينما تحدث مظاهرات لديهم فلا مجال إلا القوة والعنف غير المبرر، كما أنهم لا يسمحون بتواصل منظمي المظاهرات بأي شخص من الخارج".

وبذلك، لم يحاول نظام السيسي أن يثبت أنه يحترم حقوق الإنسان ويصون الحريات ويحفظ حق الممارسة السياسية لشعبه، بدلا من ذلك، سعى لإثبات أن الجميع ينتهك حقوق الإنسان، وبالتالي ليس من حق أي أحد أن يقيم الآخرين.

تبدو هذه الطريقة هي إحدى أساليب المقاومة التي سيتبعها النظام أمام الضغوط الخارجية المرتقبة في ملف حقوق الإنسان. إضافة إلى فكرة تعميم وتمييع مفهوم حقوق الإنسان لإبعاده عن معناه الحقيقي، في محاولة للمناورة.

ومن هنا، لا بد من التأكيد على الفكرة التي ذكرت آنفا من أن النظام المصري سيتعرض لضغوط دولية قد تكون كبيرة في مجال حقوق الإنسان والحريات خلال السنوات القادمة، لكن في المقابل سيحاول النظام أن يقاوم ويناور بكل ما أوتي من قوة، حيث إنه يرى أن الاستجابة لمثل هذه الضغوط قد يفتح عليه بابا لا يمكن إغلاقه بعد ذلك، أو أن فتحه سيفتح عليه أبوابا هو لا يريد فتحها.

وهذا لا يمنع أن يقوم السيسي ببعض الخطوات الشكلية - لكن دون توسع- التي يرى أنها من الممكن أن تخفف الضغط الدولي عنه، مثل الإفراج عن صحفي الجزيرة محمود حسين، في فبراير/ شباط 2021، وكذلك الإفراج عن 3 صحفيين خلال شهر مارس/ آذار من نفس العام، وهم إسلام الكلحي وحسن القباني ومصطفى صقر.

الحالة الليبية:

  • منح الثقة للحكومة الجديدة

أخيرا، وبعد ما يزيد عن 6 سنوات من الحرب والتشرذم المجتمعي والسياسي الذي سببه انقلاب الجنرال المتمرد خليفة حفتر، على حكومة الوفاق الوطنية المعترف بها دوليا، تم منح الثقة لحكومة وحدة وطنية، في 10 مارس/ آذار 2021، تحكم الشرق والغرب والجنوب، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وقد منحت الحكومة الثقة بإجماع كل أعضاء البرلمان الليبي الحاضرين في جلسة منح الثقة، وحضر الجلسة 133 نائبا من أصل 188، في حين امتنع عضو واحد عن التصويت.

وتضم التشكيلة الوزارية 27 حقيبة، إضافة إلى 6 وزراء دولة، ليكون المجموع الكلي 33 وزيرا.

ومن المقرر أن تنتهي ولاية الحكومة الجديدة في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021، حسب ما أعلنه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وهو الموعد الذي قرر ملتقى الحوار السياسي برعاية الأمم المتحدة أن تجرى فيه الانتخابات الليبية العامة.

لا شك أن خطوتي انتخاب مجلس رئاسي جديد وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة يمثلان أحد أهم الخطوات على طريق تحقيق الوحدة والسلام للشعب الليبي.

  • شرطان رئيسان لإتمام المسار السياسي

لكن هاتين الخطوتين لن تكتملا إلا بتحقيق شرطين رئيسين، الأول توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية تحت قيادة وطنية واحدة، والثاني إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية.

وحين الحديث عن الشرط الأول المتعلق بتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، فمن المهم إدراك أن رئيس المجلس الليبي الجديد، محمد المنفي (شرق)، ونائبيه عبد الله اللافي (غرب) وموسى الكوني (جنوب)، الممثلين للأقاليم الليبية الثلاثة (برقة وفزان وطرابلس)، يمثلون مجتمعين منصب "القائد الأعلى للجيش"، لكن قرارات المجلس لا تتخذ إلا بالإجماع، وفقا لنص الاتفاق السياسي الذي أشرفت عليه البعثة الأممية.

لكن ذلك يبدو صحيحا من الناحية النظرية فقط، فالقيادة العامة للجيش هي المجلس الرئاسي الجديد. بيد أن الأمر ليس كذلك على المستوى العملي حتى الآن.

فبسبب النزاع بين الشرق والغرب على أن يحظى كل منهما بحقيبة وزارة الدفاع لتكون له اليد العليا على الجيش، اضطر رئيس الحكومة إلى الاحتفاظ بها لنفسه مؤقتا.

  • ما العقبة الحقيقية؟

وهنا من المنطقي والبديهي أن يطرح سؤال: ما العقبة الحقيقية أمام الحكومة لتوحيد الجيش واقعيا ونظريا؟

لو نظرنا إلى القوات العسكرية في الغرب الليبي، سنجد أنه منذ تشكيل حكومة الوفاق الوطني المدنية عام 2016، مر على الجيش الليبي في الغرب وزيرا دفاع، الأول كان المهدي البرغثي بين عامي 2016 و2017 ، وصلاح الدين النمروش منذ عام 2020 .

هذا فضلا عن تغيير 4 قادة للأركان، وهم: عبد السلام جاب الله العبيدي (2014-2016)، وعبد الرحمن الطويل (2017-2019)، ومحمد الشريف (2019-2020)، وأخيرا محمد الحداد (منذ 2020 إلى اليوم).

وكل هذه التغييرات في قيادات الجيش الليبي تمت عن طريق سلطة مدنية خالصة، ممثلة في رئيس حكومة الوفاق الوطنية فائز السراج. 

وعليه، من الممكن القول إنه لا إشكال أمام قوات الغرب أن تتبع سلطة مدنية وتأتمر بأمرها، كما كانت خلال السنوات الخمس الخالية.

لكن الوضع مختلف بعض الشيء عند القوات العسكرية في الشرق، فخليفة حفتر لم يتزحزح من منصب "القائد العام للجيش" منذ عام 2014، وكذا الحال بالنسبة لقائد أركانه عبد الرازق الناظوري، ولم تعرف المنطقة الشرقية قادة عسكريين غير هؤلاء طيلة نحو 8 سنوات.

كما أنه كان معلوما أن الحاكم الفعلي للشرق هو حفتر وليس رئيس الحكومة -غير المعترف بها- عبدالله الثني الذي عينه، ولا رئيس مجلس نواب طبرق الداعم له عقيلة صالح.

ومن هنا تأتي صعوبة دمج المليشيات العسكرية التابعة لحفتر في جيش ليبي موحد تحت قيادة مدنية موحدة، إذا ما قورنت بالقوات الغربية التي عملت تحت حكم مدني منذ سنوات عديدة.

وحتى هذه اللحظة، غير معلوم ما مصير خليفة حفتر وقادة مليشياته، كما لا يطفو على السطح أي حديث عن تخليه عن موقعه وتسليمه قواته للمجلس الرئاسي والحكومة الجديدة.

وبالتالي، من الممكن القول إن العقبة الحقيقة أمام الحكومة الجديدة في توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية كامنة في مدى قدرتها -أي الحكومة- على إدماج قوات الشرق تحت حكمها، مع ضمان عدم تمردها مستقبلا على الحكم المدني.

وبدون هذه الخطوة، فإن نجاح كل الجهود السابقة في مسار الحل السياسي السلمي سيكون محل شك ونظر عند الكثيرين، وقد يتسبب عدم تحقيقها في أن تذهب كل الجهود السابقة سدى.

ومن ناحية شرط إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية، فلا تزال القدرة على تحقيق هذا البند محل شك، لا سيما في ظل الإنكار الروسي المستمر لأي دور لها في الأراضي الليبية، رغم انتشار مرتزقة "فاغنر" الروسية على الأراضي الليبية، بل إنهم كانوا أحد أهم الداعمين لحفتر خلال السنوات السابقة.

وبالتالي، يظل إنفاذ هذا الشرط عقبة كذلك أمام الحكومة الجديدة، ومن الممكن القول إن هذا الملف على وجه التحديد معتمد بشكل كبير على الضغوط والتفاهمات والتفاعلات الدولية أكثر منه على التفاهمات الداخلية.

  • محاولة للتوازن في السياسة الخارجية للسلطة الجديدة

وبذكر الحديث عن التفاعلات الدولية، فقد شهد شهر مارس/ آذار 2021 تحركات خارجية نشطة من قبل رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، من الممكن من خلالها محاولة فهم مبدئي للخطوط العريضة للسياسة الخارجية للإدارة الليبية الجديدة، لا سيما كيفية تعاملها مع الأطراف الدولية والإقليمية المشتبكة مع المشهد الليبي بشكل فعال.

ففي أول زيارة خارجية للمنفي عقب توليه السلطة، ذهب إلى فرنسا، بما تحمله تلك الزيارة من دلالات، كونها الأولى، وكون أن فرنسا تعد أحد أبرز الداعمين للانقلابي حفتر.

ثم تبعها بزيارة إلى العاصمة المصرية، القاهرة، وهناك قابل السيسي، الذي أكد -خلال اللقاء- على "دعم مصر الكامل والمطلق للسلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا في كافة المجالات، وجميع المحافل الثنائية والإقليمية والدولية، من أجل نجاحها في إدارة المرحلة التاريخية الحالية، والوصول إلى إجراء الانتخابات الوطنية في نهاية 2021".

جدير بالذكر أن هذه الزيارة من المنفي سبقتها زيارة أخرى قام بها رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، في 18 فبراير/ شباط 2021، لتكون أول زيارة خارجية لقائد السلطة التنفيذية الجديد، وفيها أكد السيسي استعداد بلاده "لتقديم كافة خبراتها وتجربتها، بما يساهم في وضع ليبيا على المسار الصحيح وتهيئة الدولة للانطلاق نحو آفاق البناء والتنمية والاستقرار".

ومعلوم أن القاهرة هي الأخرى كانت على الطرف النقيض من حكومة الوفاق، وكانت أحد الداعمين الرئيسين لانقلاب خليفة حفتر.

ثم أعقب الزيارة أخرى إلى إسطنبول التركية، في 26 مارس/ آذار 2021، ليلتقي المنفي هناك بالرئيس أردوغان، ليتباحثا حول سبل تعزيز علاقات التعاون بين البلدين، إلى جانب تبادل وجهات النظر حيال العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية.

ومفهوم أن تركيا تعد أحد أكبر الداعمين للحكومة الشرعية في ليبيا، كما أنها أحد الأسباب الرئيسة التي منعت قوات المتمرد حفتر من السيطرة على العاصمة، وقد لا يكون مبالغة لو قيل إنه لولا التدخل التركي لكان حفتر الآن حاكما لطرابلس بقوة السلاح.

وقبل هذه الزيارات الخارجية، التقى رئيس الحكومة بوزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، في العاصمة الليبية، طرابلس، في 21 مارس/ آذار 2021، وفيه بحث الطرفان إعادة تفعيل "اتفاقية الصداقة" بين البلدين

واتفاقية الصداقة تعني معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون التي وقعت عليها ليبيا وإيطاليا عام 2008، ويشمل التعاون المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها، كما يشمل كذلك استثمارات إيطالية قيمتها 5 مليارات دولار سنويا، ولمدة 25 سنة تبدأ منذ تاريخ التوقيع. ومعلوم أن إيطاليا كانت في الصف الداعم لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا. 

وعليه، يبدو أن السلطة الجديدة -بشقيها، المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية- تحاول التموضع في سياستها الخارجية في منطقة وسط بين الفاعلين المتصارعين في المشهد السياسي، حيث إنها تحاول التوازن في علاقاتها مع داعمي حفتر وخصومه، وتتجنب قدر الإمكان أن تحسب على طرف دون آخر، أو محور إقليمي أو دولي دون آخر، في محاولة لاستجلاب دعم الأطراف الدولية والإقليمية المختلفة للحكومة الجديدة، أو على الأقل عدم اجترار خصومة أو عداء مع أي منها.

الحالة اللبنانية:

  • فراغ سياسي مستمر

رغم ضيق الحياة التي يعيشها اللبنانيون على مدار سنوات، لا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت مطلع أغسطس/ آب 2020 ، وما خلفه من آثار اقتصادية وصحية واجتماعية بالغة السوء على اللبنانيين، ويبدو ذلك جليا -كأحد الآثار الظاهرية- في انهيار سعر العملة اللبنانية بشكل كبير أمام الدولار، حيث وصل سعرها أمام الدولار نحو 13 ألف ليرة لبنانية، وكذلك رغم الفراغ السياسي الذي تعيشه لبنان منذ استقالة حكومة حسان دياب في 10 أغسطس/ آب 2020، على خلفية غضب شعبي أعقب انفجار مرفأ بيروت.

لكن يبدو أن ذلك كله لم يكن كافيا بالنسبة للطبقة السياسية الحاكمة لأن تتخلى عن تحاصصها السياسي وانتمائها المذهبي وولائها الحزبي، فلا تزال النخبة الحاكمة غير قادرة على التوافق وتشكيل حكومة وطنية تنهي حالة الفراغ السياسي الذي تعيشه البلاد منذ نحو 8 أشهر.

فبعد استقالة دياب، كلف مصطفى أديب بتشكيل الحكومة، لكنه اعتذر في 26 سبتمبر/ أيلول 2020 بسبب أن "التوافق لم يعد قائما"، حسب كلمة دياب التي أعلن فيها الاعتذار عن المهمة.

ومن ثم أعقب ذلك تكليف الرئيس ميشال عون لسعد الحريري بتشكيل الحكومة في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 ، ومنذ ذلك الحين يتنازع الرجلان حول تشكيل الحكومة وحول نفوذ كل منهما فيها، ولم يتمكن أي منهما في حسم هذا النزاع حتى الآن.

  • تراشق وكشف مراسلات بين عون والحريري

وخلال شهر مارس/ آذار 2021، برز هذا النزاع جليا بين الرجلين، حتى أن الأمر وصل بينهما إلى درجة التشهير وكشف مراسلات سرية بينهما حول تشكيل الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي 17 مارس/ آذار 2021، صرح عون في لقاء تلفزيوني بأنه "بعدما تقدم الحريري بعناوين مسودة حكومية لا تلبي الحد الأدنى من التوازن الوطني والميثاقية، ما أدخل البلاد في نفق التعطيل، أدعوه إلى قصر بعبدا من أجل التأليف الفوري للحكومة بالاتفاق معي، وفق الآلية والمعايير الدستورية المعتمدة في تأليف الحكومات من دون تحجج أو تأخير".

وهو ما يعني بشكل واضح أن عون يضع أمام الحريري خيارين، إما الحضور للقصر الرئاسي للتوافق معه حول تشكيل الحكومة، أو التنحي عن المهمة.

من ناحيته، لم يسكت الحريري وقام بالرد على عون بوضعه هو الآخر أمام خيارين، إما تمرير التشكيلة الوزارية التي يقترحها، أو الانسحاب والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة.

حيث قال الحريري في بيان: "في حال وجد فخامة الرئيس نفسه في عجز عن توقيع مراسيم تشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين قادرة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، لوقف الانهيار الذي تعاني منه البلاد والعباد، فسيكون على فخامته أن يصارح اللبنانيين بالسبب الحقيقي الذي يدفعه لمحاولة تعطيل إرادة المجلس النيابي الذي اختاره الرئيس المكلف، والذي يمنعه منذ شهور طويلة من إفساح مجال الخلاص أمام المواطنين".

كما تابع الحريري: "على الرئيس عون أن يختصر آلام اللبنانيين ومعاناتهم عبر إتاحة المجال أمام انتخابات رئاسية مبكرة، وهي الوسيلة الدستورية الوحيدة القادرة على إلغاء مفاعيل اختياره من قبل النواب لرئاسة الجمهورية قبل 5 أعوام، تماما كما اختاروني رئيسا مكلفا لتشكيل الحكومة قبل 5 أشهر".

وبعد هذا التراشق الإعلامي، ذهب الحريري للقاء عون في القصر الجمهوري "للتخفيف من الاصطدام وتهدئة الأمور"، حسب تصريحات الحريري، واتفق الطرفان على أن يلتقيا لاحقا لبحث تشكيل الحكومة.

وبالفعل، عقد اللقاء الثامن عشر بين الرجلين -منذ تكليف الحريري- في 22 مارس/ آذار 2021، لكنه لم يسفر عن أي جديد، سوى تجدد الخلافات مرة أخرى.

صرح الحريري عقب اللقاء أن عون أرسل له رسالة قبل لقائهما بيوم، تحوي تشكيلة وزارية يقترحها عون، وفيها يصر الأخير على أن يحظى فريقه بالثلث المعطل في الحكومة (أي أن يحصل على 7 وزارات من أصل 18 وزارة)، حسب تصريحات الحريري، لكن الأخير رفض قائلا: "هذا غير مقبول، لأن عمل الرئيس المكلف ليس تعبئة أوراق، ولا عمل رئيس الجمهورية أن يشكل حكومة".

من الناحية الأخرى، رد رئيس الجمهورية على دعاوى الحريري في بيان، قائلا: "رئاسة الجمهورية فوجئت بكلام وأسلوب رئيس الحكومة المكلف شكلا ومضمونا"، كما نفى أنه أرسل تشكيلا حكوميا يتضمن الثلث المعطل، وأشار إلى أنه أرسل "ورقة تنص فقط على منهجية الحكومة".

وهو ما دفع الحريري إلى أن يكشف عن الرسالة التي يقول إنها وصلته من الرئاسة وتحوي التشكيلة التي يقترحها الرئيس، فقام بنشر صورة منها على حسابه الموثق على موقع تويتر.

يبدو أن الفراغ السياسي في لبنان سيستمر خلال الفترة القادمة، والأهم أن الأوضاع الاقتصادية الطاحنة التي يحيا فيها اللبنانيون ستظل رهينة لتوافق هذه النخبة السياسية على أن تعلي المصلحة اللبنانية على المصالح الحزبية والشخصية الضيقة، وتأخذ من القرارات ما يساهم في تحسين الأحوال الاقتصادية والمعيشية للشعب.

  • الطائفية السياسية هي الأزمة

وبالعودة إلى أسباب هذا المشهد المعقد، فمن الممكن تفسيره على أنه نتاج عن طبيعة النظام السياسي في لبنان، والذي من الممكن وصفه بأنه طائفي من الدرجة الأولى، حيث إن المناصب فيه قائمة على المحاصصة بين الطوائف والمذاهب الدينية والحزبية مختلفة.

ومرد هذا النظام إلى اتفاق الطائف الذي رعاه المجتمع الدولي عام 1990 ، وهو الاتفاق الذي وصل إليه الحال بعد حرب أهلية بين الطوائف استمرت 15 عاما، وراح ضحيتها مئات الآلاف من اللبنانيين.

ووفقا للاتفاق، فإن رئيس الجمهورية يأتي انتخابا من مجلس النواب لمدة 6 سنوات قابلة للتجديد، على أن يكون الرئيس من الطائفة المسيحية المارونية، وبالتوافق بين القوى السياسية والطوائف الممثلة في البرلمان.

كما يتم تقاسم مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 128 مقعدا، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، شرط أن يكون رئيس المجلس أحد أبناء الطائفة الشيعية المسلمة، بينما يذهب منصب رئيس الوزراء إلى مسلم من الطائفة السنية. 

ولا يقتصر التقاسم الطائفي على مناصب الرئاسات الثلاث فقط، بل يمتد كذلك إلى جميع المناصب الهامة في الدولة.

فمثلا، لا بد أن يكون قائد الجيش مسيحيا مارونيا، ومدير المخابرات العسكرية شيعيا، في حين يكون وزير الداخلية سنيا. هذا علاوة على أن هناك حصصا أخرى توزع للطوائف والأقليات الأصغر عددا وحجما، مثل الدروز والمسيحيين الأرثوذكس والأرمن.

وكما يتضح من تركيبة النظام السياسي المذكورة سابقا، فإن اختيار المناصب يكون على أساس طائفي، لا على أساس الوطنية والكفاءة والمقدرة فقط.

وبالتالي، يكون من شبه المستحيل اتخاذ أي قرارات كبرى في المشهد السياسي دون أن تتوافق الطبقة السياسية الحاكمة، المختارة ابتداء على أساس طائفي، ولكل طائفة أجندتها الخاصة، ما يجعل الوصول إلى قرار خالص لحق الشعب اللبناني أمرا صعب المنال.

ورغم أن اتفاق الطائف نص نظريا على إلغاء الطائفية السياسية، إلا أنه -حتى اللحظة- لم يتم تطبيقه عمليا، حيث إن الأجواء الطائفية بلغت مستوى بالغا من التعقيد يجعل من القضاء عليها أمرا عسير التحقق.

وعليه، من الممكن القول إنه من العسير الوصول إلى تشكيل حكومي مجمع عليه خلال الفترة القصيرة القادمة، إلا إذا مورست ضغوط داخلية أو خارجية على النخبة اللبنانية الحاكمة تجبرها على التركيز على مصالح الشعب وتحسين حالته المعيشية.

وحتى في حال تشكيل الحكومة، يكون استقرارها محل شك، حيث إن النظام الذي يعتمد على الطائفية والمحاصصة هو نظام هش إلى حد كبير.

الحالة التونسية

  • أزمة مستمرة

لا جديد يذكر في شهر مارس/ آذار 2021 فيما يتعلق بالأزمة السياسية الداخلية التي تعيشها تونس، فالأزمة لا تزال على حالها بين رئيس الجمهورية قيس سعيد، من جهة، وأغلبية البرلمان ورئيس الحكومة هشام المشيشي، من جهة أخرى.

فالرئيس لا يزال مصرا على موقفه الرافض للتعديل الوزاري الذي قام به المشيشي منتصف يناير/ كانون الثاني 2021، وأقره مجلس نواب الشعب نهاية الشهر ذاته.

وحتى اللحظة، لم يستلم الوزراء المعينون مهامهم بسبب عدم استقبال الرئيس لهم لتأدية اليمين الدستورية أمامه، بدعوى أن "التعديل الوزاري تشوبه خروقات عديدة".

إلا أنه من الممكن القول إن الأزمة -بطول أمدها- تزداد تعقدا يوما بعد يوم، ويبدو أن الأمر بدأ يأخذ شكلا من أشكال التحدي بين النخبة السياسية التونسية.

  • قيس سعيد يشترط استقالة المشيشي

فبعد أن كان اعتراض سعيد قاصرا على عدد من الوزراء الذين تمت إضافتهم للتشكيل الوزاري بسبب أنه يرى أن شبهات فساد تحوم حول بعضهم، يبدو أن اعتراض الرئيس تخطى ذلك بكثير، ووصل إلى درجة أن يكون اعتراض الرئيس على شخص رئيس الحكومة بحد ذاته.

خلال شهر مارس/ آذار 2021، أعلن نور الدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، أن الرئيس سعيد يشترط استقالة المشيشي، من منصبه لبدء الحوار الوطني الذي كان اتحاد الشغل قد دعا إليه لإخراج البلاد من أزمتها.

وصرح الطبوبي لصحيفة الصباح التونسية، في 6 مارس/ آذار 2021، بأن "انطلاق الحوار الوطني بات مرتبطا، حسب ما يصلني من إشارات، باستقالة رئيس الحكومة من منصبه".

لكنه استدرك قائلا: "لكن نحن كاتحاد شغل، وانطلاقا من قناعاتنا ودورنا في إحداث التوازن بين مختلف الفرقاء، لا يمكن أن نطلب من طرف أن يستقيل. لا نستطيع أن نطلب اليوم من رئيس الحكومة أن يستقيل".

وفي رد سريع على التصريحات المنقولة عن الرئيس، أكد رئيس الحكومة -في ذات اليوم- أنه "لن يقدم استقالته من منصبه"، مضيفا أن "ربط رئيس الجمهورية انطلاق الحوار الوطني بتقديم استقالته هو، كلام لا معنى له"، كما أكد أن "استقالته غير مطروحة".

كما أكد المشيشي أنه قال مرات عديد "بأن تونس في حاجة للاستقرار ولحكومة تستجيب لتطلعات الشعب، وأنه لن يتخلى عن مسؤوليته تجاه البلاد ومؤسساتها الديمقراطية واستحقاقات الشعب".

وفي دعم لموقف المشيشي، صرح راشد الغنوشي رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) ورئيس حركة النهضة التونسية، أن حركته "ضد استقالة المشيشي".

إذن، سعيد يشترط استقالة المشيشي للحوار، والمشيشي يعلن أنه لن يستقيل، والنهضة تدعم الأخير في موقفه، وهو ما يزيد الأزمة تعمقا.

  • هل الانتخابات البرلمانية المبكرة هي الحل؟

في ظل كل هذه المعطيات، بدأت أصوات تعلو بأن الحل كامن في إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، لكن على الناحية الأخرى، ما الذي يضمن ألا تنتج الانتخابات البرلمانية نفس التشكيلة مرة أخرى؟ وهو ما يجعل البلاد تعيد كرتها من البداية مرة أخرى.

وبذلك يتضح أن رئيس الحكومة لن يستقيل، وأن الانتخابات البرلمانية المبكرة قد لا تكون الحل الأكثر نجاعة في ظل قانون الانتخابات الحالي.

تثبت الأحداث في تونس يوما بعد يوم أنه لا حل سياسي ممكن للأزمة إلا بأن يعلي كل فصيل مصلحة الوطن والشعب على مصلحته الحزبية الضيقة، وأن يقتنع كل تيار بأن تونس لكل التونسيين، وأنه ليس بإمكان أحد إقصاء الآخرين، وأن حل أي أزمة في جلوس كل الفرقاء على طاولة الحوار السياسي الهادئ الذي تكون فيه مصلحة الدولة والشعب هي الغاية الكبرى والهدف الأسمى.

  • أزمة مطابقة في عهد الباجي قايد السبسي

وفي التاريخ التونسي القريب خير شاهد، فقد حدثت أزمة مطابقة بين الرئيس التونسي السابق الباجي قايد السبسي، ورئيس الحكومة في عهده يوسف الشاهد، ففي مطلع نوفمبر/ تشرين الأول 2018، أعلن الشاهد تعديلا وزاريا شمل 10 حقائب وزارية، من بينها حقيبة سيادية هي وزارة العدل.

ومن ثم أعلن الرئيس السبسي رفضه للتعديل الوزاري الذي أجراه الشاهد، وأعلنت المتحدثة باسم الرئاسة آنذاك أن الشاهد لم يتشاور مع الرئيس، وإنما أعلمه فقط، في ساعة متأخرة، بالتعديل الذي أجراه.

وبعدها بـ 8 أيام فقط، صادق مجلس نواب الشعب على التحوير الوزاري الذي اقترحه يوسف الشاهد، ولم يلتفت إلى اعتراض السبسي.

كل ما سبق ذكره هو تماما ما حدث خلال الشهرين الماضيين بين الرئيس سعيد ورئيس الحكومة المشيشي والبرلمان، لكن المختلف بين الموقفين هو تصرف الرئيس بعد تصديق البرلمان.

حيث لما رأى الرئيس السبسي أن الأزمة متعمقة بينه وبين الشاهد، ترك مصير الحكومة في مجلس النواب، وقال: "مصير الحكومة اليوم في يد المجلس، ونتصرف حسب ما يقتضيه الدستور وما يقتضيه شرف المهنة والدولة التي نحن فيها".

ولما صادق البرلمان على التعديل الوزاري، أدى الوزراء الجدد يمينهم الدستورية أمام رئيس الجمهورية بكل سلاسة في اليوم التالي مباشرة.

لا شك أن الدولة التونسية اليوم بحاجة إلى موقف وطني جامع مماثل للموقف المذكور، تعلى فيه مصلحة الوطن على أي مصالح أو رؤى أخرى، ويتنازل فيه لتحقيق المصالح العليا للشعب التونسي.


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

تكشف الأزمات الاقتصادية بشقيها الداخلي والخارجي، عن ضعف البنى الهيكلية للاقتصاديات العربية، فهي إما اقتصاديات ريعية، تتأثر بشكل كبير بالتقلبات الاقتصادية العربية، أو لديها مرافق ومؤسسات تحتاج إلى تأهيل مستمر لتؤدي وظائفها على الوجه الأكمل.

وخلال هذا الشهر عاشت الاقتصاديات العربية، استمرار التداعيات السلبية لأزمة كورونا، حيث لا يزال الاقتصاد العالمي، يعاني من حالة عدم التعافي، وثمة سيناريوهات مجهولة للسيطرة على الفيروس، أو الوقوف على طرق علاجه.

كل ذلك في ظل غياب عمل عربي مؤسسي، لمواجهة هذه الأزمة، أو التوجه لمجموعة عمل لتقوية سبل التعاون بين الاقتصاديات العربية، فكل قطر يواجه الأزمة بشكل منفرد، في حين تتطلب الأزمة الحالية لكورونا وغيرها من التحديات أن يكون هناك تكتل عربي، أو على الأقل وجود مجموعات أزمة للمواجهة وتخفيف الأعباء عن اقتصاديات الدول العربية.

لازالت الأزمة الاقتصادية على أشدها في كل من لبنان وسورية واليمن، بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية، كما أن الخليج ليس أحسن حالا من الناحية الاقتصادية، فالأزمة التمويلية تكشف كل يوم عن توجه دول الخليج للاقتراض والبحث عن حلول تمويلية لسد العجز المالي، كما أن ضعف العوائد النفطية، في ظل عدم تعافي أسعار النفط، عمق من الأزمة الاقتصادية بشكل كبير في الدول النفطية، وكان المظهر الأكبر في الجزائر هو استمرار انخفاض عملته المحلية، وثمة مخاوف من لجوء الجزائر في نهاية المطاف للتعويم، كما لا يزال العراق يعاني تراجع عملته، وزيادة معدلات الفساد.

وقد ركز التقرير هذا الشهر على قضيتين مهمتين، وهما تداعيات أزمة تعطل الملاحة بقناة السويس، وكذلك انخفاض قيمة العملة في الجزائر.

تداعيات أزمة تعطل الملاحة بقناة السويس 

تعطلت حركة الملاحة بقناة السويس يوم الثلاثاء الموافق 23 مارس/آذار 2021، واستمرت حتى صباح الإثنين 29 من نفس الشهر، حيث أعلن عن نجاح الجهود المبذولة في تعويم السفينة الهولندية "Ever Given" التي جنحت في ممر القناة وتسببت في تعطيل الملاحة، على مدار أيام الأزمة، حيث تكدست السفن في القناة، على أمل حل الأزمة، وقد زاد عدد السفن التي كانت تتنظر المرور في ظل هذه الأزمة إلى ما يزيد عن 400 سفينة.

منذ اللحظات الأولى، ألقت الأزمة بظلالها على الاقتصاد العالمي، فكانت أولى مظاهر التأثير السلبي ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية، ثم انتابت حركة التجارة الدولية مخاوف كثيرة، بسبب عدم وضوح الرؤية الخاصة بمدى انتهاء الأزمة، فزادت أسعار الشحن وباقي الخدمات المتعلقة بالتجارة والنقل الدوليين.

والمعلوم أن قناة السويس تستوعب نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية، من حيث مرور السفن الخاصة بنقل البضائع بين الشرق والغرب، والعكس، وبخاصة حركة نقل النفط من منطقة الشرق الأوسط إلى آسيا وأوروبا.. وكانت مخاوف عدم انتظام تسليم البضائع في مواعيدها تخيم على أصحاب التجارات الموجودة على ظهر السفن العالقة بقناة السويس.

قدرت أحد المجلات المتخصصة في الشحن حركة المرور اليومية من التجارة العالمية بقناة السويس بنحو 9.6 مليارات دولار، منها 5.1 مليارات دولار لبضائع متجهة للغرب، ونحو 4.5 مليارات دولار لبضائع متجه للشرق، وهو ما يعني أن تعطيل الملاحة بقناة السويس لمدة 7 أيام، عطل حركة بضائع على مستوى العالم بنحو 67.2 مليار دولار.

وتعد قناة السويس، واحدة من أهم موارد النقد الأجنبي بمصر، على مدار العقود الماضية، حيث تظهر البيانات الخاصة بالحكومة المصرية، أن إيرادات القناة حققت في عام 2020 نحو 5.6 مليارات دولار، مقارنة بنحو 5.8 مليارات دولار في 2019.

ويمثل عائد المرور بقناة السويس نسبة 1.5 بالمئة من الناتج المحلي، وكانت القناة قد شهدت عمليات توسعة في عام 2015، وكان المستهدف من هذه التوسعة أن تزيد إيرادات قناة السويس إلى 13 مليار دولار، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع، فأفضل عائد تحقق لقناة السويس كان في عام 2019 عند قيمة 5.8 مليارات دولار، وتراجع في 2020 إلى 5.6 مليارات دولار.

وبلا شك أن حادثة جنوح السفينة الهولندية في قناة السويس، سوف يلقي بظلاله السلبية على إيرادات قناة السويس، على الأقل فيما يتعلق بتوقف إيرادات القناة خلال الأيام السبعة التي تعطلت فيها. فضلا عن تكاليف أخرى تخص عمليات تحريك السفينة، وكذلك جهود تعويمها، وقد حرصت الحكومة المصرية على تقليل خسائرها تجاه البضائع الموجودة على ظهر السفن، مثل تقديم الرعاية البيطرية للأغنام الموجودة على ظهر أحد السفن، وكذلك تقديم الأعلاف، حتى لا تتعرض هذه الأغنام للنفوق، ولكي لا تزيد فاتورة التعويضات.

وقد يكون من السابق لأوانه الآن الحديث عن التعويضات الناجمة عن حادثة جنوح السفينة الهولندية بقناة السويس، أو من يتحمل هذه التعويضات، لحين صدور التقارير الفنية الخاصة بتحديد المسؤول على وجه الدقة عن عملية جنوح السفينة، وبالتالي تكون التعويضات لازمة في حق من ألحق الضرر بحادثة جنوح السفينة. 

كما أن أصحاب المشاريع المنافسة لقناة السويس، بدأوا يتحدثون عن طرح مشاريعهم لتشجيع التجارة الدولية للمرور من خلالهم، كبديل لقناة السويس، وهو ما حدث من قبل مصدر من قبل وزارة الطاقة الروسية، حيث صرح بـ"وجود إمكانيات كبيرة لزيادة حجم الشحن والنقل عبر الطريق البحري الشمالي، بعد تعطل الملاحة في قناة السويس، والتي يمر عبرها  12 بالمئة من الشحن العالمي".

  • تهديدات مستقبلية

رغم أن الأنباء الواردة يوم الإثنين 29 مارس/آذار 2021، تشير إلى نجاح شبه كامل في تعويم السفينة الجانحة في قناة السويس، وأن حركة مرور السفن الأخرى التي تنتظر في طابور طويل، ويزيد عددها عن 400 سفينة، تنتظر أن تعود الملاحة إلى طبيعتها بالقناة، إلا أن الأمر لن يمر مرور الكرام على صعيد المؤسسات المعنية بالتجارة الدولية، فسيكون هناك إعادة تقويم فيما يتعلق بالمرور من قناة السويس، رغم أنها لاتزال البديل الأفضل لمرور التجارة الدولية من وإلى أوروبا وآسيا.

لكن قد تحظى عمليات التقويم فيما بعد لإدارة مرفق قناة السويس بتقديرات سلبية، وبالتالي تزداد رسوم التأمين والشحن على السفن العابرة بالقناة، وقد يتطلب الأمر كذلك استغلال المنشآت المعنية بالتجارة الدولية هذا الحديث، بالمطالبة بتخفيضات في رسوم المرور بالقناة، ما سيعود بالآثار السلبية على العوائد السنوية للقناة.

كما يتطلب الأمر سعي مصر لاستعادة الثقة في مرفق قناة السويس على الصعيد العالمي، حتى تظل القناة محافظة على نسبة المرور بها للتجارة العالمية، وذلك من خلال تصدير صورة إيجابية عن الشروط الفنية لمرفق القناة وصلاحياتها لمرور الحاويات الكبيرة.. وكذلك التأكيد على كفاءة فريق إدارة قناة السويس، وجاهزيته للتعامل مع أي مشكلات لدى السفن العابرة. 

لقد كشفت أزمة السفينة الجانحة بقناة السويس عن عدة أوجه للقصور في إدارة المرفق، سواء فيما يتعلق بعدم توافر معدات مهمة لطبيعة عمل القناة، أو على مستوى تعامل إدارة المرفق مع الأزمة، فحسب تصريحات مهاب مميش الرئيس السابق لمرفق قناة السويس، "الأزمة أوضحت أننا نحتاج إلى أوناش كبرى، تستطيع أن ترفع الحاويات الكبرى، على السفن الضخمة وهي أوناش لا تمتلكها القناة حاليا".

وأضاف مميش في حديثه "نحتاج أيضا لقاطرات أقوى من التي نمتلكها حاليا، لأن أحجام السفن أصبحت عملاقة، وهناك تحديث دائم في بناء السفن، يجب أن تقوم الهيئة بتحديث أسطول الإنقاذ لديها". 

كما كشفت الأزمة على مستوى الإدارة ضرورة التعامل بشفافية مع الأزمات، إذ ظلت إدارة القناة والحكومة المصرية لا تنشر شيئا عن الأزمة، في حين كان الإعلام الأجنبي يتابع الأزمة لحظة بلحظة. 

انخفاض قيمة العملة في الجزائر وتوقعات بتعويم قريب

على ما يبدو أن حالة الضعف العام التي تنتاب الاقتصاديات العربية، لم تستثن أحدا، وبخاصة الدول النفطية، وكان من أبرز مظاهر ضعف تلك الاقتصاديات العربية، تراجع قيمة عملات الدول العربية أمام العملات الأجنبية، كما حدث في مصر، والعراق ولبنان وسوريا، ومؤخرا في الجزائر.

بلغ سعر الدولار 132 دينارا جزائريا في فبراير/شباط 2021، مقارنة بـ 127 دينارا في أبريل/نيسان 2020، ومع بداية أزمة انهيار أسعار النفط في السوق الدولية، منتصف عام 2014، كان سعر الدولار 83 دينارا فقط. أي أن العملة المحلية في الجزائر تراجعت خلال الفترة من 2014 وحتى فبراير/شباط 2021 بنسبة 59 بالمئة.

وثمة مخاوف في ظل استمرار انخفاض قيمة العملة المحلية في الجزائر، بسبب السياسات الاقتصادية المتبعة، حيث يتوقع البعض بأن تستمر الحكومة في تخفيض قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، تمهيدا لتطبيق نظام التعويم.

ووفق بيانات قانون الموازنة في الجزائر لعام 2021، فإن سعر صرف الدولار سيكون بحدود 142 دينارا، وقد يصل في عام 2022 إلى 149 دينارا.

لكن الأمر لا يتعلق فقط بانخفاض العملة المحلية بقدر ما يتعلق بالأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، منذ وقوع أزمة انهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية، حيث فقدت الجزائر قدرا كبيرا من احتياطيات النقد الأجنبي.

ففي نهاية 2013 بلغ احتياطي النقد الأجنبي 201.3 مليار دولار، وذلك حسب أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي، ولكن البيانات الخاصة في فبراير/شباط 2021 تشير إلى انخفاض هذا الاحتياطي إلى 42 مليار دولار فقط لا غير، وهو ما يعبر بوضوح عن أزمة العملة المحلية بالجزائر، وبخاصة إذا ما علمنا أن الواردات السلعية للبلاد تبلغ سنويا حوالي 32 مليار دولار.

وإذا ما استمرت أوضاع احتياطي النقد الأجنبي على ما هي عليه، من حيث حالة التراجع، فقد تفقد الجزائر احتياطياتها خلال عامين، ففي نهاية الربع الأول من 2020 كان رصيد الاحتياطي عند 60 مليار دولار، وخلال عام تقريبا فقد الاحتياطي 20 مليار دولار.

ولا تشير الأوضاع الاقتصادية في الجزائر إلى حدوث تحسن يؤدي إلى تماسك العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية في الأجل القصير أو المتوسط، بسبب استمرار انخفاض أسعار النفط، إذ لا يزال الاقتصاد الجزائري يعتمد بشكل كبير على العوائد النفطية. 

وهو الأمر الذي قد يمهد الطريق لاتجاه الجزائر لتوقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قروض خارجية، وإن كان الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون قد قلل من تلك المخاوف المتعلق بشأن تراجع احتياطي النقد الأجنبي، وأنه لن يدفعهم انخفاض قيمة الاحتياطيات النقدية للجوء للاقتراض من الخارج.

وإذا ما أقدمت الجزائر على اتفاق مع صندوق النقد الدولي، فستجد نفسها مضطرة لتطبيق مجموعة من الإجراءات الاقتصادية التقشفية، فضلا عن إجراء تغييرات كبيرة في بنية الاقتصاد الجزائري، وعلى رأس هذه الإجراءات تنفيذ برنامج للخصخصة، وتقليص الدعم، وتحرير سعر الصرف، وهو ما سيمهد بقوة لتعويم العملة المحلية.

ورغم الحديث عن وجود خطط اقتصادية، أو العمل على إيجاد اقتصاد متنوع لا يعتمد على النفط، إلا أن هذه الحلول، سرعان ما تتبخر مع تحسن أسعار النفط في السوق الدولية، وهو أمر عاشته الجزائر غير مرة على مدار العقود الماضية. 

ويكمن الحل للأزمة الاقتصادية في الجزائر، في تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد إنتاجي، والتخلي عن الحالة الريعية التي يعيشها الاقتصاد منذ عقود. 

فوضع الاقتصاد الريعي، يجعل البلاد عرضة للتقلبات الاقتصادية الدولية بشكل كبير، ولا تفيد أرصدة احتياطي النقد الأجنبي، التي تتهاوى في ظل اختلال الميزان التجاري للبلاد، بسبب تراجع عوائد الصادرات النفطية.

وليس هذا فحسب، فلابد من إصلاح اقتصادي حقيقي في الجزائر، لا يعتمد على أجندة صندوق النقد الدولي، التي تركز فقط على النواحي النقدية والمالية، ولكن لابد من الأخذ في الاعتبار بمزيد من الأهمية التركيز على الجانب الإنتاجي، وإعطاء مساحات معتبرة للقطاع الخاص، دون إهمال القطاع العام، بل يجب إدارة مؤسسات القطاع العام وفق معايير اقتصادية، والتخلص من مظاهر الفساد داخل هذا القطاع.

وثمة أمر مهم وهو ضرورة وجود أجندة وطنية لتوظيف الاستثمارات الأجنبية في ضوء احتياجات التنمية، وبخاصة القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية، إذ الملاحظ أن الجزائر استقدمت بعض الاستثمارات في مجال تجميع السيارات، وهو نشاط قيمته المضافة شديدة الضعف، لأن هذه الاستثمارات لا تستجلب تكنولوجيا، وتركز على السوق المحلي، ولا تساهم في توسعة المساهمات المحلية في تكوين السيارات. 

ولابد أن تكون هذه الاستثمارات في ضوء مشاركات محلية، ليس على صعيد رؤوس الأموال فقط، ولكن على صعيد مراكز البحوث والجامعات، من أجل توطين التكنولوجيا.

ومن الضروري الإشارة إلى زيادة جهود مكافحة الفساد في الجزائر، فمؤشرات مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، تبين أن الجزائر لا يزال يحتل مرتبة متأخرة في مكافحة الفساد، رغم تحسن وضعها في عام 2020، حيث حصلت على 36 درجة من 100 درجة هي إجمالي درجات المؤشر، وحلت في المرتبة 104 من بين 180 دولة. 

وقد يكون وراء هذا التحسن في وضع الجزائر على مؤشر مدركات الفساد، الحراك الذي شهدته البلاد على مدار الشهور الأخيرة من 2019، والذي أدى إلى تغيرات سياسية وإجراء انتخابات، ووضع مجموعة من المسؤولين السابقين قيد التحقيق بتهم ارتكاب جرائم تتعلق بممارسة الفساد. 

وسوف تظهر الفترة القادمة، إن كانت جهود مكافحة الفساد، مجرد إجراء لتسكين الحراك، أم هي إستراتيجية للوصول بالجزائر إلى وضع أفضل في مجال الشفافية.


المحور الرابع: الحالة الفكرية 

يتناول المحور الفكري لشهر مارس موضوعين، الأول: "في اليوم العالمي للشعر.. مفهوم الشعر ودوره في حياة الفرد والمجتمع" يوافق 21 آذار/ مارس من كل عام اليوم العالمي للشعر، وهذا يدعونا إلى معرفة مفهوم الشعر باعتباره من أهم الفنون الأدبية، وكذلك دوره في حياة الفرد والمجتمع، وإذا كان هناك من يرى أن الشعر له غرض فني بحت، فإنه على الجانب الآخر هناك من يرى أن للشعر رسالة يضطلع بها في الحياة.

فمن أهم أدواره في المجتمع تعزيز القيم الإنسانية والجمالية، ودفع النفس البشرية إلى الصمود في وجه العقبات والتحديات التي يمر بها الإنسان في هذه الحياة. 

والثاني: "في اليوم العالمي للمرأة..  النسوية: مفهومها وأثرها" يخصص يوم الثامن من مارس كل عام للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، ولاشك أن ذلك انتصار للمرأة، وقد كان أول ظهور لمصطلح "النسوية" في الغرب، وكان في بدايته يسعى إلى تحرير المرأة من الظلم الواقع عليها، لكنه بمرور الوقت تحول هذا المصطلح إلى مفاهيم جديدة، باختلاف الاتجاهات، إلى أن وصل إلى حد" الشذوذ الفكري" الذي تنادي فيه هذه "النسوية" بالتمركز حول الأنثى، وأنها كيان منفصل عن الذكر، متمركزة حول ذاتها، وفي صراع كوني تاريخي معه.

ثم انتقل هذا المصطلح إلى الوطن العربي، فوجدنا الحركات النسوية المتأثرة بالفكر الغربي، ثم ظهر مصطلح "النسوية الإسلامية" المختلف بشأنه. ولا شك أن الاتجاه العلماني في الغرب يريد أن يفرض ثقافته ورؤيته "العولمية" على المجتمعات العربية والإسلامية، والهدف النهائي هو التفكك الأسري، ونشر الإباحية والشذوذ الذي هو ضد القيم والأديان، والفطرة السوية، وكل ذلك يتم الترويج له - كذبا- تحت مظلة "الحرية".

أولا: بمناسبة اليوم العالمي للشعر.. مفهوم الشعر ودوره في حياة الفرد والمجتمع

تحتفل اليونسكو سنويا باليوم العالمي للشعر، حيث اعتمد في أثناء الدورة الثلاثين لليونسكو - التي عقدت في عام 1999 بباريس – إعلان يوم 21 آذار/مارس من كل عام يوما عالميا للشعر.

فللشعر أثر كبير في تعزيز إنسانيتنا المشتركة، بدعوى أن جميع الأفراد - في كافة أرجاء العالم - يتشاطرون ذات التساؤلات والمشاعر.

كما أثبت الشعر الذي يعد حجر الأساس في الحفاظ على الهوية والتقاليد الثقافية الشفهية - على مر العصور - قدرته الفائقة على التواصل الأكثر عمقا للثقافات المتنوعة.

ووفقا لمقرر اليونسكو، فإن الهدف الرئيس من ذلك هو دعم التنوع اللغوي من خلال التعبير الشعري، ولإتاحة الفرصة للغات المهددة بالاندثار بأن يستمع لها في مجتمعاتها المحلية. 

وعلاوة على ذلك، فإن الغرض من هذا اليوم هو دعم الشعر، والعودة إلى التقاليد الشفوية للأمسيات الشعرية، وتعزيز تدريس الشعر، وإحياء الحوار بين الشعر والفنون الأخرى كالمسرح والرسم وغيرهما، كما أن الهدف منه أيضا رسم صورة جذابة للشعر في وسائل الإعلام، بحيث لاينظر إلى الشعر بعد ذلك كونه شكلا قديما من أشكال الفن

لقد ظل الشعر على امتداد الأزمنة والأمكنة واختلاف المجتمعات وتعددها، حاجة إنسانية أساسية لا يمكن إنكارها أو التهوين من شأنها. فهو فن لا يمتاز بالعراقة والريادة والفرادة فحسب، بل إنه يشكل مصدر معارف ومستودع قيم، وهو ما بوأه مكانة الذاكرة في ثقافتنا العربية

وإذا ما قلبنا مليا التراث الشعري الإنساني في مختلف الثقافات، وجدنا أنه كان على مر العصور يضطلع بمهمة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو تعليمية أو دينية.

وقد اختلف الشعراء والنقاد حول وظيفة الشعر، وأكد بيرس بيش شيلي (1792 - 1822م) أن الشعر: "آلية للتغيير الثقافي وللتأثير في القيم والمعايير الاجتماعية". كما ذهب الشاعر الإنجليزي تي إس إليوت (1888 - 1965م) إلى أن: "وظيفة الشعر تختلف باختلاف العصر". 

وفي الشعر العربي، منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الراهن لم يتخل الشاعر العربي عن البعد الوظيفي للقصيدة . فالشعر كما يقول أحد أشهر النقاد العرب قديما، وهو ابن طباطبا (ت 322 هـ / 934 م): "يصور حياة العرب والحالات المتصفة في خلقها من حال الطفولة إلى حال الهرم، وفي حال الحياة إلى حال الموت". والشعر عنده: "كلام موزون مقفى يدل على معنى". 

أما في العصر الحديث، فقد اتفقت نظرة بعض الأدباء مع ما ذهب إليه المتقدمون، فالرافعي (1880-1937)، وطه حسين (1889-1973) - مثلا- يذهبان إلى أن الشعر، هو: "الكلام المقيد بالوزن والقافية، والذي يقصد به إلى الجمال الفني". وهذه النظرة متفقة مع نظرة المتقدمين.

لكن الرافعي يضيف في تعريف الشعر أنه: "معنى لما تشعر به النفس، فهو من خواطر القلب إذا أفاض عليه الحس من نوره انعكس على الخيال، فانطبعت فيه معاني الأشياء، كما تطبع الصورة في المرآة" . وجعل للشعر غاية هي "التأثير"، الذي يعني تغييرا في الاتجاه، وتحولا في السلوك. وهذه وظيفته.

فالأدب من هذه الناحية – كما يقول الرافعي – يشبه الدين، كلاهما يعين الإنسان على الاستمرار في عمله. وكلاهما قريب من قريب، غير أن الدين يعرض للحالات النفسية ليأمر وينهى، والأدب يعرض لها ليجمع ويقابل، وذلك وحي الله إلى الملك إلى نبي مختار، وهذا وحي الله إلى البصيرة إلى إنسان مختار.

لقد ظل للشعر دوره الرائد في حياة الفرد والمجتمع العربي، وإن لم يعد يحتل هذه المكانة كما كان من قبل لأسباب عديدة، أهمها انشغال الأفراد في هذا العصر بالعلوم في كافة المجالات، كما أن الشعر لم يعد الفن الوحيد الذي يستمتع به الناس، فهناك المسرحيات والقصص والروايات، والمسلسلات، وأنواع الفنون الأخرى

فالشعر أصبح له منافس في الحياة، فلم يعد للمواطن العربي الوقت الكافي للاستمتاع بالشعر كما كان سابقا، إلا لدى بعض المتخصصين والهواة وقلة من الناس.

كذلك فإن الشعر الآن لم تعد مشكلته في قلة من يستمع إليه فقط، بل في نوع الشعر، فهناك الشعر العمودي، والشعر الحر أو ما يسمى شعر التفعيلة. ولا شك أن أذواق الناس وثقافتهم في العالم العربي ، لم تعد كما كانت من قبل، فقد قل الاهتمام بالآداب عموما والشعر خصوصا. فالصحافة الأدبية لم تعد موجودة إلا نادرا، وكذلك المسابقات الشعرية والروائية، والفنية بشكل عام. فالإبداع – عموما – لا يثمر إلا في تربة الحرية.

لقد انشغل الناس اليوم بإيقاع الحياة السريع، الذي يعني الإنترنت والمحمول ووسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها، بالإضافة إلى أنواع الفنون المرئية ، كل ذلك أدى إلى ضعف اهتمام الناس بالشعر والشعراء.

ورغم ذلك يبقى الشعر هو اللسان الذي يعبر عن ضمير الشاعر، ومن ثم عن ضمير الشعب الذي ينتمي إليه هذا الشاعر، وأنه وسيلة من وسائل المقاومة والصمود في وجه أي تحد، أو أي عائق يصادف الإنسان مهما كان، وأنه الطريقة التي تظهر ثقافة وحضارة الشعب إلى جانب باقي أنواع الفنون والآداب. 

وإن دل تأثير الشعر على شيء، فإنما يأتي ليؤكد أن الشعر الأصيل المميز ببلاغته ورقة لفظه وحسن سبكه واشتماله على الخصائص البديعة يؤثر في النفس، ويثير العواطف ويمضي بالسامع إلى حيث يقصد الشاعر.  

فالشاعر الصادق المؤمن بما يقول يمتلك من القدرة استطاعة تمكنه من توجيه المجتمع والتأثير فيه، وهو يعكس ما في أصغريه قلبه ولسانه، وربما كان في هذا من التأثير ما هو أقوى وأمضى من كل سلاح

ثانيا: بمناسبة اليوم العالمي للمرأة ..  "النسوية: مفهومها وأثرها"

النسوية الغربية:

كانت الحركة النسوية التي قامت للدفاع عن قضايا المرأة في التيار الأول حركة إيجابية، رغم وجود الملاحظات على بعض أفكارها ومنطلقاتها، فإنها قدمت للمرأة والفكر الإنساني دفعة جيدة ومهمة في سبيل مراجعة الاعوجاج والحيف والإجحاف الذي كان يلف حقوق النساء ويحول دون تمتعهن بالعدالة والإنصاف ومشاركتهن مشاركة إيجابية وفاعلة في بناء المجتمعات البشرية، وخروجهن إلى الحياة العامة لأداء الرسالة وحمل الأمانة بجانب الرجال دون تقليل من دورهن ولا إجحاف لحقوقهن، ودون تمردهن على أدوارهن الطبيعية الخاصة والتي لها الدور الأعظم في سعادة البشرية، ورقي المجتمعات وتمتعها بالرفاهية والاستقرار والأمن

لكن في فترة الستينيات من القرن الماضي حدث ما سمي بـ"الثورة الجنسية"، وتغيرت المجتمعات الغربية تماما، فسادت الحريات الجنسية، وتفككت الأسرة، وكانت نهايات القرن التاسع عشر بدايات لظهور حركات نسوية منظمة في العالم الغربي، وخصوصا في فرنسا وبريطانيا وأميركا،  وظهر مصطلح " فيمينيزم Feminism" الذي يترجم إلى "النسوية" أو "النسوانية" أو "الأنثوية". 

ومع تصاعد درجات العلمنة والإباحية والأنانية والتخبط الفكري، سرعان ما تحولت الكثير من فصائلها إلى حركات هدامة وشمولية وراديكالية متطرفة، تجاوزت حدود اختصاصها وقضاياها إلى الحديث عن أيديولوجيا خاصة بالمرأة. بل حتى مجتمعات خاصة بالمرأة، وبدأت تتبنى مطالبات تتعارض مع العدالة والأخلاق والقيم والأديان، وتؤدي إلى الفوضى والعبث وتهدد الأمن الاجتماعي، وتستهدف الأسرة وحقوق الأطفال، وتدخل المرأة في متاهات وظلمات لها أول ، ولا آخر لها

وأصبح مصطلح" النسوية" عنوان مدرسة فلسفية خاصة بقضية المرأة وعلاقات الجنسين، وقد توسعت وتشعبت هذه الحركة، وأصبحت مدارس متعددة وتيارات ليبرالية ودينية وشيوعية ووجودية ودنيوية وراديكالية متطرفة. 

ويرى الدكتور محمد عمارة - رحمه الله - أن الذي يفرض علينا الاهتمام بذلك الشذوذ الفكري، هو أن الغرب، كحضارة مهيمنة، يفرض علينا نحن – المسلمين والشرقيين – وعلى كل العالم جنون تلك الأفكار والفلسفات، وذلك عندما يعولمها، ويضع عليها أختاما وشعارات وأعلام الأمم المتحدة التي يسيطر عليها، حيث استولت الحركة الأنثوية الغربية المتطرفة على لجنة المرأة فيها، ونجحت في صياغة الشذوذ ضمن مواثيق دولية، وأصبح هذا الشذوذ السلوكي والفكري جزءا من المنظومة الغربية التي يراد فرضها بالعولمة على العالمين.

لقد ظهر مصطلح "فيمينيزم Feminism" "النسوية"، ليحل محل مصطلح "حركة تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها" كأنهما مترادفان. وهناك فرق بين "حركة تحرير المرأة"، و"حركة التمركز حول الأنثى"، فالمصطلح الأول هو حركة اجتماعية، بمعنى أنها تدرك المرأة باعتبارها جزءا من المجتمع، ومن ثم تحاول أن تدافع عن حقوقها داخل المجتمع. أما المصطلح الثاني، فيتعامل مع الأنثى خارج الإطار الاجتماعي، كأنها كائن قائم بذاته. أو "حركة التمركز حول الأنثى". فلسنا هنا أمام قضية حقوق المرأة الاجتماعية والاقتصادية أو حتى الثقافية، وإنما أمام رؤية معرفية متكاملة نابعة من الإيمان بأن الأنثى كيان منفصل عن الذكر، متمركزة حول ذاتها، وفي صراع كوني تاريخي معه.

ويقول د. عمارة في هذا الشأن: "لقد ثبتت هذه النزعة الأنثوية مبدأ الصراع بين الجنسين الإناث والذكور، انطلاقا من دعوى العداء والصراع هما أصل العلاقة بينهما، ودعت إلى ثورة على الدين، وعلى الله، وعلى اللغة، وعلى الثقافة، والتاريخ، والعادات والتقاليد والأعراف، بتعميم وإطلاق! وسعت إلى عالم تتمحور فيه الأنثى حول ذاتها مستقلة استقلالا كاملا عن عالم الرجال، وفي سبيل تحقيق ذلك، دعت إلى الشذوذ السافر بين النساء، وإلى التحرر والانحلال، وبلغت في الإغراب مبلغا لا يعرف الحدود! الأمر الذي جعل هذه النزعة الأنثوية المتطرفة كارثة على الأنوثة، ووبالا على المرأة، وعلى الاجتماع الإنساني بوجه عام، بل وجعلها – إذا انتصرت وعمت – مهددة للوجود الإنساني ذاته.

النسوية العربية

وإذا كانت الدعوة التحررية للمرأة ظهرت بداية في الغرب وفق سياق تاريخي واجتماعي وثقافي معين، فإنه مع التوسع الغربي الاستعماري امتدت هذه الحركة لتشمل باقي الدول في الوطن العربي. 

ومما لوحظ على خطاب الحركات النسوية في الوطن العربي أنها تخرج بمصطلحات ومفاهيم "عولمية" فيما يخص قضايا المرأة والأسرة كذلك، وكانت هذه المفاهيم متجاوزة الخصوصيات الثقافية والحضارية مثيرة لجدالات أخرى خصوصا مع الأطر المرجعية التي ستستند إليها برامج وسياسات العمل المدني والرسمي في مجال تطوير وتحديث وضع المرأة. 

وذلك يعني أن المرجعية والأجندة الغربية تربط التنمية والتحديث بالاقتراب من الثقافة والنموذج المادي العلماني الحداثي الغربي والمنظومة المعرفية السائلة للنظام العولمي.

النسوية الإسلامية

ظهر هذا المصطلح في أوساط نسوية متدينة، ضد أشكال الظلم الواقع على المرأة، مع السعي إلى إيجاد حلول تنبثق من الشريعة الإسلامية نفسها، بعيدا عن استنساخ حلول خارجية لا تصلح للبيئة الشرقية. لكن ذلك التوجه لاقى اعتراضات شديدة، بوصفه تقليدا أعمى للثقافة الغربية.

واختلف الناس بشأنه ما بين مؤيد ومعارض. ففي حين نجد من بين النساء المسلمات من تدافع عن هذا التوجه، نجد على الصعيد الآخر من ترفض هذا التوجه وتهاجم هذا الاتجاه، ولا تعترف بشيء اسمه" النسوية الإسلامية". ولا يوجد من وجهة نظرهن إلا نسوية واحدة هي النسوية الغربية وربيبتها العلمانية.

وفي سياق متقارب يرى الدكتور عبدالوهاب المسيري أن التعامل الأمثل مع قضية "التحرير النسوي" يجب أن يكون بدراسة الأمر "وفق نموذجنا المعرفي ومنظومتنا القيمية"  التي يسبق فيها المجتمع والأسرة، الفرد والمادة.

فالطريقة الأنسب لمحاربة (الطغيان/الإهمال) الذكوري ضد الأنثى يتجلى -حسب كلامه- في سحب الرجل نحو الأسرة وواجبه المجتمعي، وليس بإخراج الأنثى من سياقها ووضعها في مقابلة تنافسية معه، لأن في هذه الحال ستتفكك الأسرة، وهي محورية بالنسبة للأمة و سيؤثر ذلك في الدور المنوط بالأمة، كما أن الأسرة هي الحلقة الوسيطة بين الفرد والمجتمع التي يتحول بدونها لمجموعة من العناصر المتنافرة.

يقول العلامة محمد الطاهر بن عاشور إن "الإسلام دين الفطرة، فكل ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين المسلمين فالتشريع يفرض فيه التساوي بينهم، وكل ما شهدت الفطرة بتفاوت البشرية فيه، فالتشريع بمعزل عن فرض أحكام متساوية فيه". 

ثم يقول: "فالمساواة في التشريع أصل لا يتخلف إلا عند وجود مانع، فلا يحتاج إثبات التساوي في التشريع بين الأفراد أو الأصناف إلى البحث عن موجب المساواة، بل يكتفى بعدم وجود مانع من اعتبار التساوي".

وإذا كان المسلمون وغير المسلمين قد بالغوا -عبر العصور- في توسيع دائرة التفريق والتمييز وعدم التسوية بين الرجل والمرأة، على غير أساس من الدين أو الفطرة، فليس من الإنصاف ولا من الإصلاح الذهاب إلى الطرف المضاد، وفرض التسوية الإجبارية المطلقة ضد الفطرة البشرية، وضد مصلحة الحياة البشرية، بل ضد مصلحة المرأة ذاتها وضد كرامتها وسعادتها.


خاتمة

لا يزال وطننا العربي يتحرك وفقا لما تمليه عليه المتغيرات الدولية في الولايات المتحدة وأوروبا، فالحديث لا يتجدد عن حقوق الإنسان والحريات إلا حين تتحدث أميركا ابتداء عن هذه القيم.

والتسويات والتهدئات لا تتم إلا حين يأتي رئيس أميركي يفرض بشكل ما السير في هذا المسار، رغم أن التسويات والتهدئات تصب في مصلحة الشعوب والدول، سواء بسواء.

كذلك لا تزال الطبقات والنخب السياسية الحاكمة في وطننا العربي تضع أولوياتها ومصالحها الحزبية الضيقة فوق مصلحة شعوبها ودولها.

ومن الضروري القول إن المنطقة لن ينصلح حالها إلا حين تتحرر من تبعيتها ابتداء للقوى الخارجية وتتحرك من تلقاء نفسها لما يحقق مصلحتها ومصلحة شعوبها، وكذلك حين تتحرر من النخب السياسية التي تضع مصلحتها فوق أي اعتبار. 

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

أميركا أوروبا إسرائيل الإمارات الجزائر السعودية السودان العراق الولايات المتحدة اليمن