Sunday 25 February, 2024

صحيفة الاستقلال

قانون تجريم التطبيع نموذجا.. هكذا يتاجر قيس سعيد بالقضية الفلسطينية

منذ 2023/11/14 20:11:00 | تقارير
"كل ما نراه ونسمعه هو مجرد ظاهرة صوتية لغايات انتخابية لا غير"
حجم الخط

في الوقت الذي استعمل فيه الرئيس التونسي قيس سعيد كلمات واضحة في دعم قضية فلسطين والمقاومة خلال حملته الانتخابية الرئاسية، ظهر في امتحان الحقيقة القائم في غزة أنها كانت عبارات انتخابية لا أقل ولا أكثر.

حيث أعلن رئيس البرلمان التونسي إبراهيم بودربالة، في 2 نوفمبر/تشرين ثاني 2023، تأجيل جلسة التصويت على مقترح قانون لتجريم التطبيع مع إسرائيل، مُرجعا سبب التأجيل إلى رئيس الجمهورية.

قانون تجريم التطبيع

وقال بودربالة -خلال جلسة للبرلمان مخصصة للتصويت على القانون- إن الرئيس سعيّد قد "أوصاه بأن يبلغ النواب بتأجيل الجلسة، نظرا لما يمثله مقترح القانون من آثار سلبية على أمن تونس الخارجي وعلى مصالحها".

وذكر بودربالة -في افتتاح الجلسة- أن موقف تونس ثابت من القضية الفلسطينية المركزية للشعب التونسي، والمتمثل في أن فلسطين يجب أن تتحرر، مشددا على أنهم ضد التطبيع وضد الاعتراف بشرعية كيان الاحتلال.

وناقش البرلمان التونسي مشروع قانون يجرم التطبيع مع إسرائيل يعد الأول من نوعه في المنطقة، وسط تظاهر العشرات للمطالبة بالتصويت لصالح القانون.

وذلك تزامنا مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 في أعقاب معركة "طوفان الأقصى".

وعقد النواب المحتجون من كتل "الخط الوطني السيادي" و"الوطنية المستقلة" و"الأحرار'' و"لينتصر الشعب" وعدد من النواب غير المنتمين، في الثاني من نوفمبر، مؤتمرا إعلاميا أكدوا خلاله "وجود مناورة لإفشال تمرير قانون تجريم التطبيع وتعطيل المصادقة عليه تحاك في غرف مظلمة"، محذرين من "وجود مؤامرة ضد إرادة الشعب".

ويُعرف الفصل الثاني من مشروع القانون "التطبيع اعترافا وتعاملا جريمة يعدّ مرتكبا لها كل شخص تعمد القيام أو المشاركة أو محاولة القيام بالتواصل أو الاتصال أو الدعاية أو التعاقد أو التعاون بكل أشكاله بمقابل أو دونه بصفة عرضية أو متواترة بشكل مباشر أو بواسطة من قبل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين ينتمون إلى الكيان الصهيوني أفرادا ومؤسسات ومنظمات وجمعيات وهيئات حكومية أو غير حكومية عمومية أو خاصة باستثناء فلسطينيي الداخل".

كما يجرّم المشروع المشاركة بأيّ شكل من الأشكال في الأنشطة والفعاليات والتظاهرات والملتقيات والمعارض والمسابقات بأنواعها "التي تقام على الإقليم الذي تحتله أو تتحكم فيه سلطات الكيان الصهيوني".

وتوجه تهمة "الخيانة العظمى" إلى كل من "تخابر مع الكيان الصهيوني"، ويعاقب مرتكب "جريمة التطبيع" بالسجن مدى الحياة أو لمدة تتراوح بين ست سنوات و12 سنة وبغرامة مالية تصل إلى مئة ألف دينار (حوالي 30 ألف يورو).

وردا على تدخل الرئيس قيس سعيد لوقف التصويت على المشروع، قال "حزب العمال"، إن لم يتفاجأ من هذا التدخل، الدال على الشعبوية الحاكمة في البلاد،

وذكر الحزب في بلاغ، وفق موقع "أنباء تونس" المحلي، في 4 نوفمبر، أن مطلب تجريم التطبيع مرفوع منذ مدة طويلة، ولكنه اتخذ بعدا خاصا هذه الأيام ليحتل صدارة مطالب الجماهير المحتجة في تونس، إثر حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة.

وأضاف الحزب: "لقد تدخّل سعيد بكل فظاظة وفرض ما يريد على مجلس الدمى، فاقد الصلاحيات، بما يقيم الدليل مرة أخرى على أن سعيّد هو من جهة الحاكم بأمره الذي يسير المؤسسات حسب أهوائه وهو من جهة ثانية لا تتجاوز مناصرته للقضية الفلسطينية حدّ الشعارات الفضفاضة".

وشدد البلاغ على أن "موقفه الذي نقله رئيس البرلمان "حرفيا" للنواب، أسقط ورقة التوت التي ظل سعيد يتخفّى بها ويعتمدها لمغالطة الشعب التونسي، سواء للظهور بمظهر المدافع الكبير عن القضية الفلسطينية، أو للظهور بمظهر "المتمسّك المتشدّد بالسيادة الوطنية".

وشدد حزب العمال على أن ما وقع "يكشف الطابع الديماغوجي لخطاب سلطة الانقلاب حول مناصرة القضية الفلسطينية من جهة، وانصياعها العملي، الفعلي لإرادة القوى الاستعمارية ولوبيات العمالة المحلية الرافضة لكل إجراء عملي ضدّ الكيان الغاصب، النازي من جهة ثانية".

وقفات شعبية

في المقابل، نُظمت وقفة أمام البرلمان، والتي عرفت مشاركة عشرات التونسيين للمطالبة بالتصويت لصالح تمرير القانون الذي يجرّم التطبيع مع إسرائيل.

وبالمناسبة، قال غسان بن خليفة، عضو الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع إسرائيل -خلال الوقفة- إنهم سيرابطون أمام البرلمان إلى أن يتم سنّ هذا القانون بوصفه انتصارا للقضية الفلسطينية.

وأضاف بن خليفة: "نحن أمام مجلس نواب الشعب لنقول إننا صف واحد وراء كل الأحرار، ووراء كل نفس وطني شريف، يريد أن يقدم لنا دعمًا ملموسًا لأهلنا في فلسطين، لشهدائنا ولمقاومينا الصامدين على أرض غزة".

وأضاف: "نحن هنا لنقول للنواب المدافعين عن تمرير قانون تجريم التطبيع نحن معكم ما دمتم مع الحق، ونحن إلى جانبكم ما دمتم متمسكين بهذا المطلب الوطني ومتمسكين بتجريم كل أشكال التطبيع".

وخلال الوقفة، رفع المحتجون شعارات منها: "الشعب يريد تجريم التطبيع"، و"مقاومة مقاومة لا صلح لا مساومة"، و "لا مناب لا خطب الشوارع والغضب".

وكانت وقفة الخميس هي الثانية بعد تظاهرة سابقة في 30 أكتوبر، احتجاجا على تأجيل مناقشة مشروع هذا القانون في الجلسة العامة، وهو المشروع الذي شرعت لجنة الحقوق والحريات في مناقشته خلال شهر أغسطس/آب 2023، وأشادت بمضمونه، كما دعت إلى تجويده.

من ناحيته، قال أسامة عويدات، عضو المكتب السياسي لحركة الشعب (ناصرية 15 نائبا/ 153) إن "المقاومة الباسلة في فلسطين تحتاج الدعم في كل الشوارع بالضغط على الأنظمة".

وأضاف عويدات لوكالة "الأناضول"، في 2 نوفمبر، أنه ينبغي "أولا الضغط على الأنظمة المطبّعة مع العدو الصهيوني، وثانيًا على الأنظمة الرافضة للتطبيع مثل تونس بأن تجرّم التطبيع".

وتابع: "النواب اليوم أمام ضمائرهم وأمام الشعب وعليهم التصويت على هذا القانون انتصارًا منا لهذه القضية وانتصارًا لمعركة حلمت بها أجيال وسقط من أجلها شهداء آخرهم محمد الزواري (المهندس التونسي الذي طور المسيرات لحركة حماس)".

ضغوط خارجية

فيما كشفت سيرين مرابط، مساعدة رئيس البرلمان التونسي، عن "ضغوط أميركية" لسحب مشروع قانون تجريم التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وأشارت، في تصريح إذاعي، إلى "رسالة تلقتها وزارة الخارجية من سفارة الولايات المتحدة الأميركية بتونس بعد رفض رئيس البرلمان إبراهيم بودربالة استقبال السفير الأميركي بسبب مواقف بلاده من العدوان على غزة".

ولم تعلن مرابط عن فحوى الرسالة الأميركية، لكنها أكدت أنها تتعلق بمشروع قانون تجريم التطبيع، وتأتي بعد رفض الطلبات الأربعة التي تقدم بها السفير الأميركي، جوي هود، لمقابلة بودربالة.

وهذا الأمر دفع الرئيس قيس سعيد إلى التوجه بخطاب للتونسيين، نفى فيه تدخله في عمل البرلمان، كما دعا إلى إدراج "جريمة خيانة الشعب الفلسطيني" في القانون التونسي، والنظر إليها على أنها "خيانة عظمى".

كما أكد سعيد أن الدستور الجديد "نصّ في توطئته على الانتصار للحقوق المشروعة للشعوب التي من حقها وفق الشرعية الدولية أن تقرر مصيرها بنفسها، وأولها حق الشعب الفلسطيني في أرضه السليبة وإقامة دولته عليها بعد تحريرها وعاصمتها القدس الشريف".

وقال سعيد في مناظرة انتخابية في 2019 إنه لن يكون مسموحا، إذا ما وصل إلى الرئاسة، دخول سياح إسرائيليين إلى تونس بجوازات سفر إسرائيلية، وإن "التطبيع خيانة عظمى، ويجب أن يحاكم من يطبع مع كيان شرّد شعبا كاملا ونكّل به".

في المقابل، قال وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام، بأن ما صدر عن الرئيس سعيد بخصوص فلسطين هي مجرد مزايدات انتخابية، وكذلك الشأن بخصوص خطبه النارية حول القضية.

وذكر عبد السلام في تدوينة على فيسبوك، في 3 نوفمبر، أن بودربالة أظهر أن موقف رئيسه من مشروع "تجريم التطبيع" مجرد موقف انتخابي.

وتابع عبد السلام: "وكان ذلك برواية مباشرة عن سعيد وبسند متصل، أي الموضوع كله دعاية انتخابية مبكرة لكسب الأصوات، ولكن حينما تبين أن الموضوع جد والقوى الوكيلة "حمرت عينيها" أطلق ساقيه للريح، وقال لهم هذه المصلحة العليا للدولة وكل ما في الأمر دعاية انتخابية، أي كاميرا خفية".

وشدد المسؤول التونسي السابق، على أن "دستور الثورة 2014 تضمن في ديباجته موقفا واضحا وصريحا في الانحياز للقضية الفلسطينية والقدس وحركات التحرر بصورة واضحة وصريحة".

وأضاف: "وهذا لا يوجد في دستور سعيد الذي كتبه بنفسه، وقانون تجريم التطبيع بالأمر الواقع تبخر ولا وجود له، والحصيلة هنا أن موقف حكومات الترويكا كان متقدما على مواقف سعيد وكانت أكثر جدية وإخلاصا في التعبير".

وبالنتيجة، يتابع عبد السلام: "أن كل ما نراه ونسمعه هو مجرد ظاهرة صوتية لغايات انتخابية لا غير، ولكن الشعب بحسه البسيط وذكائه العفوي يعرف كيف يزن الرجال ويقيس المواقف".

تناقض واضح

فيما ذكر موقع "العرب" الإلكتروني في 4 نوفمبر 2023، أن الرئيس التونسي يعمل على منع تمرير القانون، وسط جدل برلماني بخصوصه.

وذكر المصدر ذاته، أن الرئيس سعيد يفرّق بين الموقف السياسي المناهض للتطبيع، وبين إرساء قانون قد يجلب مشاكل إضافية لتونس في الوقت الذي تعاني فيه من أزمة اقتصادية ومالية حادة.

وقال الموقع إن هناك مخاطر قد تمسّ العلاقات الاقتصادية للبلاد بسبب هذا القانون، موضحا أن الكثير من الشركات والمستثمرين في أوروبا ممن تتعامل معهم تونس يحملون جنسية مزدوجة، أوروبية وإسرائيلية، ولديهم مصالح في إسرائيل أو مع شركات لديها علاقات مع إسرائيل.

ولذلك، يردف المصدر ذاته، "لا يمكن بأيّ حال وقف علاقات تونس الخارجية لأجل قانون يتم الدفع لتمريره في البرلمان لاعتبارات شعبوية ومزايدات سياسية".

ويرى المراقبون، وفق الموقع، أن تونس ليست في وضع يسمح لها بأن تملي شروطها، أو أن تختار مع من تتعامل. ولهذا يتحرك الرئيس سعيد لقطع الطريق على القانون حتى وإن كان يتماشى مع مواقفه السياسية وتصريحاته. لكن الموقف السياسي شيء والقانون شيء آخر مختلف.

ونقلت وسائل إعلام حكومية، في 3 نوفمبر، عن النائب عبد الرزاق عويدات المنتمي إلى مجموعة النواب الذين تقدموا بمشروع القانون قوله "نحن نتمسك بمبادئ هذا القانون وبتمريره".

وأكد عويدات أن المشروع "لا يتعارض مع مصالح تونس المعلنة، ولا يؤثر على السير العادي لدواليب الدولة ولعلاقاتها وممارساتها، طالما أنه ليست لنا علاقات مع الكيان الصهيوني".

وخلال جلسة الخميس، دعا رئيس "الكتلة الوطنية المستقلة"، عماد أولاد جبريل إلى "الكف عن المزايدات ومحاولات الالتفاف على مشروع القانون".

ورأى أولاد جبريل أن "أي محاولة لتعطيل مناقشته خيانة عظمى، وأن الكتلة التي ينتمي إليها لا تقبل أي نقاش حول الموضوع في الغرف المظلمة وفي الكواليس، ومن يريد أن يدلي برأيه ففي الجلسة العامة".

أما الصحفية شهرزاد عكاشة، فقالت إن بودربالة فضح كذب قيس سعيد، وأن الأخير يعترف عمليا أنه استعمل شعار التطبيع خيانة عظمى لغايات انتخابية.

وشددت الصحفية عكاشة في تدوينة على فيسبوك، في 2 نوفمبر، أن ما وقع هو أقوى ضربة وقعت لتونس في البرلمان من وراء جلسة مناقشة قانون التطبيع.

وتابعت، الصورة التي خرجت عن تونس والتونسيين، إلى الصحف العالمية والرأي العام الدولي، هي أنهم منقسمون إلى شطرين، شطر مع التطبيع وآخر ضده.

وأرجعت عكاشة سبب هذا الوضع إلى الرئيس قيس سعيد، محملة إياه المسؤولية، قائلة إنه كان دائما ما يزمجر ويهدد ويتوعد، ويعلن الانتصار للقضية الفلسطينية، غير أن كل شيء ظهر أنه مجرد كذب.

والأنكى من ذلك، تضيف الصحفية، أنه استعمل شعار "الاعتداء على أمن الدولة الخارجي" لتبرير رفض تمرير القانون، مشددة أن هذه هي كذبة أخرى تضاف إلى باقي الأكاذيب التي أطلقها منذ أن وصل إلى الحكم إلى اليوم، وفق تعبيرها.

من جانبه، قال الكاتب والسياسي التونسي علي الجلولي، إن ما قام به الرئيس سعيد "كشف الأزمة وأسقط الأقنعة بأن النظام لا سلاح لديه في قضية فلسطين سوى الجمل ولا شيء غير الجمل".

وشدد الجلولي في مقال رأي نشر موقع "صوت الشعب" المحلي، في 5 نوفمبر، أن "الحد الأدنى المطلوب من قوى الحرية في العالم بأكمله هو مساندة الشعب الفلسطيني ومناهضة الاحتلال الاستيطاني الاستئصالي، والنضال دون كللٍ وعلى طول الوطن العربي وعرضه من أجل تجريم التطبيع".

وأضاف الجلولي: "الجميع يعلم حجم الضغط الذي يسلط على الدولة التونسية إقليميا ودوليا من أجل الانخراط في التطبيع الرسمي الذي تتواصل مؤشراته الاقتصادية والتجارية، ويتم العمل على فرض التطبيع السياسي الذي تدافع عنه بعض الأوساط بكل الوسائل".

ونبه الكاتب والسياسي التونسي إلى أن "إصدار قانون واضحٍ لتجريم التطبيع من شأنه المساهمة في محاصرة الأنشطة التطبيعية، ومن شأنه دعم القضية الفلسطينية والمقاومة الوطنية الباسلة، خاصة في مثل هذا الظرف الدقيق الذي يتنادى فيه مصاصو الدماء لمزيد من التدمير والتقتيل".


تحميل

المصادر:

1

مساعدة رئيس البرلمان التونسي تتحدث عن ضغوط أمريكية لسحب قانون تجريم التطبيع

2

تونس.. تأجيل التصويت على قانون يجرّم التطبيع مع إسرائيل

3

قيس سعيد يسعى لقطع الطريق على مزايدات تجريم التطبيع

كلمات مفتاحية :

إسرائيل البرلمان التونسي التطبيع مع إسرائيل تونس حركة حماس طوفان الأقصى فلسطين قيس سعيد