تشكيل سري.. ما هي مليشيا “أبناء مجاهدي سيناء” التابعة لمخابرات السيسي؟

داود علي | a month ago

12

طباعة

مشاركة

مسلحون يرتدون بزات عسكرية مهلهلة، أو ملابس بدوية على غرار قبائل شمال سيناء، يقودون مدرعات تابعة للجيش المصري، لكن عليها الشعار الخاص بهم.

يصولون ويجولون كما يريدون على مرأى ومسمع من أفراد القوات المسلحة، ووحدات الأمن المتمركزة في مدينتي العريش والشيخ زويد.

ظهر هؤلاء الرجال في مقطع مرئي حظي بانتشار واسع، على منصة "تيك توك"، في 15 مايو/ أيار 2024.

كان الظن أول الأمر أنهم تابعون لميليشيا "اتحاد قبائل سيناء" تحت قيادة رجل الأعمال المقرب من النظام، إبراهيم العرجاني. 

لكن شعار المجموعة وهيئة رجالها والسيارات العسكرية المدرعة التي يمتلكونها، لا تشي بأنهم تابعون للعرجاني.

وهو ما ترك تساؤلات لدى نشطاء وصحفيين شاهدوا المقطع، عن طبيعة وانتماء هؤلاء وماذا يفعلون في تلك المنطقة الصعبة الخاضعة تماما لسيطرة الجيش.

تشكيل سري

في 5 يونيو/ حزيران 2024، نشرت صفحة "صحيح مصر" الإخبارية المحلية، تقريرها التي قالت فيه إنها قامت ببحث عن "المقطع المنتشر" وتبين لها أن المركبات بالفعل آليات عسكرية مدرعة، وهي من نوع هامفي وتنتجها شركة أميركية.

وأكدت أن القوات المسلحة المصرية، كانت من أوائل الجيوش في المنطقة التي تحصل على هذه المدرعة، حيث حصلت على نحو 100 مركبة من نفس الطراز عام 2003. 

لكن اللافت فيما كشفته "صحيح مصر" أن الفيديو يظهر شعارين على كل المركبات، الشعار الأول والأكثر انتشار هو شعار تشكيل يدعى "أبناء مجاهدي سيناء".

ونقلت عن أحد مشايخ القبائل في سيناء، وصفته بـ"المطلع على ملف المتعاونين مع القوات المسلحة" أن مجموعة "أبناء مجاهدي سيناء" من أبناء عشيرة النقيزات، وهي إحدى عشائر قبيلة الترابين.

وذكر أنهم رفضوا في البداية الانضمام إلى مجموعة "اتحاد قبائل سيناء"، بسبب اعتراضهم على العرجاني. 

وأكمل الشيخ السيناوي أن أبناء النقيزات بالتعاون مع بعض أبناء العشائر الأخرى في الترابين والرميلات، شكّلوا مجموعة مسلحة تعمل مع قوات الجيش، تحت اسم "أبناء مجاهدي سيناء". 

وسبب التسمية نسبة إلى آبائهم الذين تعاونوا مع الجيش المصري خلال الحروب ضد إسرائيل في الستينيات والسبعينيات (العدوان الثلاثي 1956، نكسة 5 يونيو 1967، حرب الاستنزاف، 6 أكتوبر 1973).

وتلك المجموعة يديرها "مكتب 55" في المخابرات الحربية، المعروف بـ"مكتب شؤون القبائل في الحربية".

وهو ما يؤكده، ظهور شعار آخر على المركبات في الفيديوهات، وهو شعار جهاز "شؤون القبائل" التابع للمخابرات الحربية، كما يظهر في الفيديوهات مرافقة سيارات "شؤون القبائل" لـ"أبناء مجاهدي سيناء".

وكتب في تعريف صفحة “أبناء مجاهدي سيناء” على فيسبوك، أنه "تشكيل تابع لجهاز الخدمة السرية وشؤون القبائل بالقوات المسلحة". 

وبالبحث عن عشيرة النقيزات، الذين يمثلون الهيكل الأساسي لمليشيا "أبناء مجاهدي سيناء"، فهم إحدى العشائر العربية البارزة في شمال سيناء.

ويقطنون مناطق واسعة من المحافظة خاصة في منطقة رفح والشيخ زويد بالعريش، وتنتسب هذه العشيرة إلى قبيلة الترابين، إحدى كبريات القبائل العربية في سيناء، حيث يقدر عدد أفرادها بالآلاف.

هذه العشيرة تحديدا تتمتع بنفوذ كبير وقوة ضاربة، وهم من العشائر المسلحة التي تجيد قواعد الحرب والاشتباك.

أكثر من ذلك أن لديهم دراية واسعة بجغرافيا سيناء ومناطقها الوعرة، ولهم كلمة مسموعة عند بقية القبائل والعشائر. 

أبرز أفرادهم الشيخ سالم أبو انقيز ابن الشيخ غيث أبو انقيز، أحد المجاهدين البدو مع الجيش في فترة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء بين أعوام 1967 و1973. 

ويعد الشيخ سالم من المتحكمين الرئيسين في مليشيا "أبناء مجاهدي سيناء"، وتدين له عناصرهم بالولاء الكامل، بل وذكر أنه بمثابة القائد الحقيقي للمليشيا.

مكتب 55 

وبالبحث عن "مكتب 55" التابع لجهاز المخابرات الحربية، ورغم شح المعلومات لكونه جهة أمنية استخباراتية حساسة، يحيط بها سياج شديد من السرية، خاصة فيما يتعلق بقادة المكتب والضباط العاملين به.

لكنه مكتب مختص بشؤون القبائل في المخابرات الحربية، وهو جزء أساسي من المنظومة الأمنية للسلطة، مهمته الأساسية ترتكز على التعامل مع سائر القبائل والعشائر الموجودة على أرض مصر.

خاصة في المناطق الحدودية الإستراتيجية مثل سيناء تحديدا المنطقة الحدودية مع غزة والأراضي المحتلة، والصحراء الغربية والشرقية.

ومن الوظائف التي يقوم بها "مكتب 55" جمع المعلومات التفصيلية عن نشاط القبائل، والعمل مع زعماء القبائل والعشائر لعقد اتفاقيات، أو الحصول على آخر المستجدات حول التحركات والنشاطات التي قد تؤثر على الأمن الوطني.

ويقوم الجهاز ببناء علاقات قوية مع زعماء القبائل، لتعزيز العلاقات بين الدولة والقبائل لضمان تعاونهم ودعمهم في القضايا الأمنية، أو ضمان عدم اتصالهم بجهات خارجية، خاصة أن معظم القبائل لها امتدادات خارج مصر. 

كذلك يتوسط المكتب في النزاعات التي قد تنشأ بين القبائل أو بين القبائل والدولة، مخافة أن يتطور الأمر إلى صراع كبير تراق فيه الدماء، لا سيما أن معظم هذه القبائل يحمل السلاح. 

أما ضباط "مكتب 55" فيتم تعيينهم من قبل كبار ضباط المخابرات الحربية، ويجب أن يتمتع قائد الجهاز بخبرة ميدانية واسعة، وقدرة على إقامة علاقات خاصة مع زعماء القبائل والعشائر.

ويعتقد أن العديد من قادة "مكتب 55" شاركوا في عمليات عسكرية سرية ونشاطات استخباراتية مهمة في سيناء على مدار السنوات الماضية.

ورغم أن الحديث عن "أبناء مجاهدي سيناء" عاد للواجهة وكأنهم تنظيم جديد، لكن نشاطهم الحقيقي بدأ مطلع العام 2022.

ففي 21 فبراير من ذلك العام، نشر موقع "مدى مصر" المحلي، تقريرا عن نشاط الجيش في شمال سيناء، وما وصل إليه في معاركه المستعرة ضد "تنظيم الدولة-ولاية سيناء". 

وقال الموقع إن "هناك تشكيلا قبليا جديدا تحت مسمى (أبناء مجاهدي سيناء)، نسبة للبدو الذين ساعدوا الجيش المصري في مواجهة إسرائيل".

وأضاف أن "هذا التشكيل يقوده اثنان من أبرز مشايخ سيناء، الأول هو الشيخ سالم أبو انقيز، أما الثاني فهو الشيخ موسى المنيعي من عشيرة المنايعة المتفرعة من قبيلة السواركة، إحدى أبرز القبائل في سيناء".

وأشار "مدى مصر" إلى أن "التنظيم الجديد، يحظى بدعم لوجيستي واستخباري مباشر من مسؤولين أمنيين موجودين في مدينة الشيخ زويد".

أما عن نشاطهم العملياتي في تلك الفترة فقامت تلك المليشيا بالسيطرة على مناطق كانت تعد معاقل لـ"تنظيم الدولة" منذ عام 2014.

وهي الجورة والعجراء والكيلو 17 ونجع شيبانة والمهدية، وهي مجموعة قرى متسلسلة بجوار بعضها، وفشل الجيش و"اتحاد قبائل سيناء" بقيادة العرجاني في السيطرة عليها، حتى نجح "أبناء مجاهدي سيناء" في ذلك.

وهو ما أعطى فكرة جيدة عن تطور وقوة تلك المليشيا ومعرفته الجيدة بجغرافيا القرى وكيفية مداهمتها واحتلالها.

ونقلت "مدى مصر" عن مصادر خاصة أنه كان لافتا أن "أبناء مجاهدي سيناء"، يعملون ميدانيا بشكل مباشر، دون مشاركة من قوات الجيش كما جرت العادة في المداهمات التي كان يقوم بها نظراؤهم من اتحاد قبائل سيناء.

لماذا تأسست؟ 

وعن أسباب تأسيس "أبناء مجاهدي سيناء" يجيب الباحث في الشأن السيناوي عادل رضوان، أن “هناك أكثر من سبب جوهري دفع لتشكيل ذلك الكيان، على رأسها تحقيق توازن داخلي وعدم وضع الأمور كلها في بوتقة واحدة”.

وأوضح رضوان لـ"الاستقلال" أن "الجيش وجهاز المخابرات الحربية يرى أن تحكم إبراهيم العرجاني بالقبائل وتأسيس مليشيا خاصة به خطر داهم على الأمن القومي المصري، والدليل أنهم طالبوا من قبل بتفكيك تلك المجموعة". 

وأشار إلى أن “العرجاني له سابقة تمرد عام 2008 ضد جهاز الشرطة واعتقل ضباطا وعذبهم، قبل أن يعتقل ويعذب هو الآخر، ثم أطلق سراحه عام 2010”.

واستطرد رضوان: "الأمر الآخر من القبائل والعشائر نفسها، وبعضهم مثل عشيرة النقيزات وشيخها سالم أبو انقيز يرون أنفسهم أكبر وأهم من العرجاني ومجموعته، وبالتالي لا يمكن أن يأتمروا بأمره أو يدينوا له بالطاعة، ونحن نعلم مدى العصبيات القبلية وحساباتها". 

ولفت  إلى أن “هناك مسألة أعقد من مجرد تأسيس مجموعة أو مليشيا مقابل مليشيا، وهي أن نظام السيسي لم يتعلم الدرس مما يحدث في السودان من قتل ومذابح على يد الكيانات والمليشيات المسلحة سواء من حميدتي (محمد حمدان دقلو، قائد مليشيا الدعم السريع في السودان) أو قبائل دارفور أو جنوب كردفان”.

وشدد رضوان على أنه "في أي لحظة معينة يمكن أن تقاتل هذه المليشيات المتعددة في سيناء بعضها بعضا ويتحول الأمر إلى حرب أهلية حقيقية".

وبالحديث عن خريطة الجماعات المسلحة التي باتت اللاعب الأول في سيناء، فقد أصبح هناك أبناء مجاهدي سيناء، وهي أحدث المجموعات، وإلى جانبها هناك (فرسان الهيثم) التي تضم أبناء الرميلات، وهم من أذرع (اتحاد قبائل سيناء) الذي يضم أبناء الترابين.

وآخران مثل مجموعتي (وسيم العرجاني) و(بدر) وكلاهما يعمل تحت مظلة اتحاد القبائل، وكذلك مجموعة (حماد أبو غرقد الترباني) التي تعمل في مناطق وسط سيناء.

وهناك (السواركة) وهي مجموعة تعمل في نطاق قرى جنوب الشيخ زويد بين الجورة وأبو العراج والظهير، كما توجد مجموعة مسلحة صغيرة تنشط في تلك المناطق تسمى (المناديب).