لماذا تحتج الحراكات النقابية في الضفة على إصدار عباس "قرارات بقانون"؟

12

طباعة

مشاركة

يوما بعد آخر، تزداد حالة الغضب الشعبي تجاه السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقيادتها التي تهيمن على الحكم منذ أكثر من 16 عاما، وتعطل إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

ويترجم هذا الغضب من خلال احتجاجات النقابات بالضفة الغربية، والإضرابات التي تخوضها ردا على تردي الحكم، والتعدي على حالة الحقوق والحريات، بعد إصدار الرئيس محمود عباس جملة من القرارات بقانون (لها قوة القانون).

ووفق المادة 43 من القانون الأساسي الفلسطيني؛ فإن "لرئيس السلطة في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون".

أما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون، بحسب المادة. 

ويتخذ عباس القرارات منفردا في ظل عدم وجود مجلس تشريعي بالضفة الغربية، بعد أن حله في ديسمبر/كانون الأول 2018، ودعا لإجراء انتخابات تشريعية خلال ستة شهور، وهو ما لم يحدث.

نقابة المحامين

أبرز الحراكات النقابية التي تشهدها الضفة الغربية، تقودها نقابة المحامين النظاميين الفلسطينيين وهي أحد أركان العدالة، احتجاجا على فرض السلطة رسوما باهظة على التقاضي، وإقرار عدد من القرارات تمس الحقوق والحريات العامة.

وتؤكد النقابة التي تخوض إضرابا وخطوات احتجاجية منذ مايو/أيار 2022، أن حراكها جاء اعتراضا على تعديل جدول رسوم المحاكم وتكبيد المواطنين رسوما مضاعفة عشرات المرات تحول دون وصول الفئات الهشة للعدالة.

وقالت في بيان لها، 25 فبراير/شباط 2023 إن الحراك جاء اعتراضا على الإجراءات العقابية التي فرضها مجلس القضاء ورئيسه على النقابة بسلبها صلاحياتها القانونية التي فوضها بها المشرع الفلسطيني من خلال إيقاف العمل بلائحة السندات العدلية وحرمان مئات المحامين الشباب من مصدر رزقهم.

وتؤكد النقابة أن حراكها النقابي هدفه استعادة كرامة الناس والمحامين على حد سواء، رافضة أي تسويات أو إملاءات أو تهديد للقبول والخضوع فيما يخص العبث بسيادة القانون واستقلال القضاء.

وأعلنت في 25 فبراير 2023 تعليق العمل أمام جميع المحاكم من اليوم التالي حتى 2 مارس/آذار رفضا لتعديل رسوم المحاكم ووقف العمل بلائحة السندات العدلية.

وقالت النقابة في بيانها إنها ستعلق العمل أمام المحاكم النظامية والعسكرية والإدارية والأحداث والجمارك والتسوية كافة على اختلاف مسمياتها ودرجاتها وأمام النيابات العامة والعسكرية طيلة الأسبوع.

بدوره، أكد نقيب المحامين الفلسطينيين، سهيل عاشور، أن النقابة تخوض حراكا مستمرا بسبب الإجراءات العقابية والانتقامية التي فرضتها عليها الحكومة ومجلس القضاء الأعلى بعد نجاح النقابة في وقف عدد من القرارات بقانون المتعلقة بالحريات.

ويقول عاشور في حديث لـ"الاستقلال": "الحكومة الفلسطينية تشن حربا على النقابة من خلال وقفها العمل بالسندات العدلية (رسوم عقود تنظم من قبل المحامين المزاولين) التي تعد شريان حياة لنقابة المحامين، كونها تشكل مصدر دخل لها".

ويضيف: "الحراك النقابي سيبقى مستمرا بالضفة الغربية إلى حين الاستجابة لمطالب نقابة المحامين ومن أبرزها وقف إضافة رسوم التقاضي على المواطنين، ووقف الضغط على النقابة ومساومتها حول إعادة السندات العدلية مقابل موافقتها على قرارات بقانون تتعلق بحالة الحريات العامة".

وكانت نقابة المحامين قد نجحت في أغسطس/ آب 2022 بإجبار رئيس السلطة على إلغاء 4 قرارات بقانون تتعلق بالحريات العامة بعد 40 يومًا من الاحتجاجات النقابية. 

احتجاجات مختلفة

إلى جانب المحامين، يخوض المعلمون في الضفة الغربية وضواحي مدينة القدس، إضرابا عن العمل منذ بداية فبراير 2023، لمطالبة الحكومة الفلسطينية بتنفيذ اتفاق سابق وقعته معهم في مايو/أيار 2022، يتعلق بتنفيذ عدد من مطالبهم.

وتتمثل مطالب المعلمين الذين يخوضون إضرابا بدون قيادة نقابية لهم، في إضافة علاوة طبيعة العمل بنسبة 15 بالمئة لهم، وإجراء انتخابات لنقابة تمثلهم أمام الحكومة، وصرف رواتبهم كاملة مع المتأخرات.

ومنذ أكثر من عام تصرف الحكومة الفلسطينية لموظفيها ما نسبته 85 بالمئة من رواتبهم بسبب أزمة مالية ترجع إلى اقتطاعات الاحتلال من أموال الضرائب التي تجبيها في المعابر نيابة عن السلطة.

ووفق معطيات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية للعام الدراسي 2022 – 2023 يبلغ عدد طلبة مدارس فلسطين مليونا و358 ألفا، منهم قرابة مليون في المدارس الحكومية، وأغلبهم من الضفة الغربية، بينما يبلغ عدد المعلمين الإجمالي قرابة 74 ألف معلم ومعلمة، منهم 52 ألفًا في المدارس الحكومية.

وأمام مطالب المعلمين، اكتفى رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية في كلمته بمستهل الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء، 20 فبراير 2023 بالقول "أجدد التأكيد على التزام الحكومة بما جرى التوقيع عليه مع جميع النقابات والاتحادات حال توفر الإمكانيات المالية وانتظام الرواتب"، دون أن يتطرق للإضراب بشكل مباشر.

كما يخوض المهندسون بالضفة الغربية احتجاجا بسبب عدم تنفيذ حكومة اشتية عددا من مطالبهم النقابية المتمثلة في صرف علاوات جرى الاتفاق عليها مع نقابتهم خلال عام 2021.

وذهب المهندسون العاملون في الحكومة الفلسطينية، منذ 21 فبراير إلى أماكن عملهم مع الامتناع عن العمل.

وأكدت النقابة في بيان لها، 21 فبراير أن الحكومة الفلسطينية مستمرة في تعنتها وترفض المطالب العادلة والمعلنة في نزاع العمل الذي أرسل إلى اشتية في 22 يناير 2023، والمتعلقة بتطبيق قرار سابق لمجلس الوزراء يتعلق بصرف العلاوة.

كما خاضت نقابة الإسعاف والطوارئ، إضرابا داخل مقر الجمعية في أغسطس/آب 2022، للمطالبة بتطبيق الاتفاقيات الموقعة بين النقابة والهلال الأحمر الفلسطيني، منذ أربع سنوات، وهو ما حصلت عليه بعد خطوتها النقابية.

وخاض قطاع النقل العام بالضفة في يوليو/تموز 2022، إضراباً شاملاً، احتجاجاً على ارتفاع الأسعار والضرائب، والتي كان أبرزها تثبيت سعر لتر السولار لقطاع النقل العام على 5 شواقل (1.37 دولار) دون غيره.

وأيضا السماح لقطاع النقل باستيراد مركبات من الداخل المحتل، ومنع المركبات الخصوصية من نقل المواطنين على حساب النقل العام.

كما وثق التجمع الإسلامي النقابي الفلسطيني (تآلف) إجراء الانتخابات النقابية في 51 نقابة ومؤسسة مهنية ونقابية في الضفة الغربية خلال عام 2022.

ورصد التجمع وهو مؤسسة غير حكومية تهتم برصد أخبار وأنشطة النقابات في تقرير له نشره في يناير/كانون الثاني 2023، نحو 168 حراكا احتجاجيا ومطلبيا و715 اعتداء وانتهاكا تعرضت لها شخصيات ومؤسسات مهنية خلال ذات الفترة.

وأوضح التقرير أن أهم الحراكات شملت مسيرات ووقفات احتجاجية في مختلف مدن الضفة الغربية احتجاجا على غلاء الأسعار.

غضب شعبي 

يؤكد الناشط السياسي، جهاد عبدو، أن الاحتجاجات النقابية التي تشهدها مدن الضفة الغربية، تعكس حالة الغضب الشعبي تجاه قيادة السلطة الفلسطينية التي تسيطر على الحكم منذ سنوات.

ويقول عبدو في حديثه لـ"الاستقلال": "هذه الاحتجاجات تعد تعبيرا واضحا عن الرفض الشعبي للحالة السياسية الموجودة، حيث لا تتوقف الفعاليات والحراكات النقابية بالضفة منذ العام الماضي (2022)".

ويوضح عبدو، أن السلطة الفلسطينية تتجنب الاستجابة لمطالب النقابات بالضفة، بهدف الاستمرار بإلهاء الفلسطينيين عن قضيتهم الأساسية وهي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي تزداد جرائمه بشكل يومي.

ويبين أن الحراكات النقابية تشهد مشاركة واسعة من الفلسطينيين مع التزام كامل في فعاليات قيادات الإضراب، وذلك بسبب حالة الاستياء الشديد لدى المواطنين من السلطة الحاكمة.

وحول دلالات الحراكات النقابية في الضفة الغربية، أكد صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" أنها ناجمة عن فوز أطراف مختلفة (بالانتخابات) تحاول العمل على إنعاش أجسام النقابات التي بقيت صامتة خلال الفترات السابقة، من خلال تجديد دماء النخبة القيادية لهذه الأطر.

وقال عبد العاطي في يوليو/ تموز 2022 إن من الأسباب التي أدت لمثل هذه الحراكات النقابية واستجابة المواطنين معها هو انسداد الأفق السياسي، وتراجع تمتع الحركة النقابية بالحقوق والحريات الممنوحة لهم كباقي المواطنين، وفق "المركز الفلسطيني للإعلام".

وذكر أيضا أن من الأسباب استمرار حالة الاحتقان في الضفة بفعل تأجيل الانتخابات العامة، والاستمرار بحالة التفرد في إدارة المشهد السياسي.

وكذلك تغوّل السلطة التنفيذية على القضائية وإلغاء المجلس التشريعي، وتراجع الأوضاع الإنسانية والاقتصادية خاصة في إطار كورونا والأزمة الأوكرانية وتزايد حالة الفساد الإداري.

وأكد عبد العاطي أنه في سياق هذه المعطيات، بات الوضع أمام حراك نقابي حقيقي يطالب بوقف التغول على سيادة القانون والحقوق والحريات، ووقف القوانين بمراسيم.

وعن الرد الرسمي، قال رئيس الحكومة الفلسطينية، محمد اشتية، إن مضاعفة سلطات الاحتلال الاقتطاعات الجائرة من أموال المقاصة، والتي ارتفعت خلال شهر فبراير من 51 مليون شيقل إلى 102 مليون شيقل، ستفاقم الأزمة المالية التي تمر بها السلطة.

وبين في بيان صدر عنه، في 3 فبراير أن "تلك القرصنة وصلت قيمتها إلى ملياري شيقل منذ عام 2019 من مخصصات الأسرى والشهداء فقط، وتسببت بعجز شهري في الموازنة".

وأكد التزام مجلس الوزراء بتنفيذ جميع الاتفاقيات الموقعة مع النقابات المهنية، والاتحادات، في حال توفر الأموال اللازمة، وانتظام الرواتب.