دولة ودودة.. كيف استطاعت قطر أن تلعب دورا مؤثرا بين أوكرانيا وروسيا؟

a month ago

12

طباعة

مشاركة

تنظر أوكرانيا إلى قطر كوسيط مضمون في مفاوضات لم شمل الأسر المشتتة بسبب الحرب مع روسيا، وتتطلع لمزيد من الجهود مستقبلا.

وبدأ دور قطر في مفاوضات استعادة الأطفال بناء على طلب الحكومة الأوكرانية، في جهود تستغرق وقتا لإتمام مثل صفقات التبادل هذه أو الترتيب لاستعادة المزيد من الأطفال الأوكرانيين.

إذ تمثل عملية إعادة لم الشمل الأطفال بعوائلهم أحد أكثر القضايا المثيرة للجدل والحساسية لكييف، منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 22 فبراير/شباط 2022.

لم الشمل

وفي زيارة كان عنوانها الأبرز الأطفال الأوكران، وصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى قطر في 5 يونيو/حزيران 2024 لبحث إعادة هؤلاء الأطفال وغير ذلك من القضايا.

وقال زيلينسكي في إعلانه عن المحادثات مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إن "الدوحة تساعد كييف في إعادة الأطفال الذين خطفتهم موسكو. سنناقش هذه الجهود".

وأفاد بأن قطر لعبت دورا فاعلا في تنظيم قمة مقبلة مقررة في سويسرا حيث تأمل كييف أن تتصدر قضية إعادة الأطفال الأوكرانيين جدول الأعمال.

وتعتقد أوكرانيا أن روسيا أخذت بشكل “غير قانوني”، حوالي 30 ألف طفل وقاصر أوكراني منذ غزوها عام 2022، وقد أعيد منهم أقل من 400 طفل، بينما تنفي موسكو هذه التهمة، قائلة إنها نقلتهم بعيدا عن مناطق الحرب حرصا على سلامتهم.

وترى الحكومة الأوكرانية أن خطة روسيا تتلخص في محو الهوية الأوكرانية وجعلهم أيتاما.

وأمام ذلك، وجدت أوكرانيا، بأن قطر يمكنها "كوسيط ناجح" المساهمة في استعادة المزيد من الأطفال من يد روسيا، حيث تخشى عوائلهم من التأثير عليهم سواء المفصولون عن آبائهم في معسكرات تديرها موسكو أو أولئك الذين ما تزال عائلاتهم تنتظرهم في بلدهم الأم. 

ومنذ يوليو/تموز 2023، قادت قطر جهود لم شمل الأسر بعد محادثات مع كل من موسكو وكييف.

وأدى ذلك، إلى مساعدة قطر في إعادة عشرات الأطفال الأوكران الذين نقلوا إلى روسيا والمناطق المحتلة خلال الحرب المتواصلة.

وبدأت مهمة الوساطة القطرية الأكثر أهمية لأوكرانيا في خريف 2023 عندما انضمت الدوحة إلى الجهود المبذولة لحل المشكلة المعقدة للغاية المتمثلة في إعادة الأطفال الأوكرانيين المختطفين من الأراضي الروسية.

وبعد أشهر قليلة من زيارة رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى كييف في يوليو 2023، عادت المجموعة الأولى من الأطفال إلى أوكرانيا من روسيا بوساطة قطرية. 

وعقب الزيارة المذكورة قال آل ثاني لوسائل الإعلام القطرية إن "إعادة الأطفال الأوكرانيين هي مساهمتنا في الأمن الدولي"، وإن قطر سألت أوكرانيا عن كيفية المساعدة في هذا الوضع الصعب وتلقت طلبا بشأن الأطفال.

 وبحسب آل ثاني، فإن قطر استخدمت قنوات الاتصال والعلاقات التي تربطها بروسيا من أجل حماية الأطفال، مبينا أن هذه الجهود ستستمر. 

وبعد كل عملية ناجحة لإعادة الأطفال، تنشر قطر بيانا رسميا تشكر فيه كلا من روسيا وأوكرانيا "على التعاون وحسن النية طوال عملية إعادة لم الشمل". 

وعادة ما يجرى تسليم الأطفال إلى منطقة محايدة قبل نقلهم عبر موسكو، وتضمن الدوحة أمنهم وأمن مقدمي الرعاية الذين يأتون لاصطحابهم على الأراضي الروسية. 

وتوفر طائراتها لنقلهم من موسكو إلى مينسك، وترافقهم إلى بيلاروسيا حيث يتم تسليمهم إلى ممثلي الصليب الأحمر.

ومن اللافت هنا كذلك أن الأطفال الأوكران يمرون عبر سفارة قطر في موسكو ثم يتخذون طرقا مختلفة إلى وطنهم أوكرانيا.

ويسافر البعض من روسيا إلى أوكرانيا عبر إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا بينما يمر آخرون عبر بيلاروسيا. 

إذ إن ترتيبات السفر تشمل أنواعا عدة من وسائل النقل، بما في ذلك قافلة دبلوماسية وقطار وطائرة مستأجرة خاصة عبر قطر.

وفي أبريل 2024 قال زيلينسكي إن 16 طفلا أوكرانيا "تم ترحيلهم قسرا في السابق" إلى روسيا يتعافون في قطر.

وجاء بيانه بعد أيام من إعلان قطر أن 20 عائلة أوكرانية وروسية وصلت إلى العاصمة القطرية لتلقي الرعاية الصحية والدعم في جهود الوساطة المستمرة للم شمل العائلات.

وكان برفقتهم مسؤولون روس وأوكرانيون التقوا أيضًا بوسطاء قطريين.

وأعلنت مفوضة حقوق الأطفال الروسية ماريا لفوفا بيلوفا، حينها عن اتفاق مع أوكرانيا “لتبادل ما يقرب من 50 طفلا نزحوا” بسبب الغزو.

وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وافقت روسيا على إطلاق سراح أربعة أطفال أوكرانيين -تتراوح أعمارهم بين عامين و17 عاما- والسماح بإعادتهم إلى أسرهم في أوكرانيا بعد تدخل قطر كوسيط.

شريك واعد 

لم تكن تلك الجهود لتنجح لولا الاتصالات المكثفة بين قادة أوكرانيا وقطر عقب اندلاع الحرب. إذ تحدث زيلينسكي مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عبر الهاتف عدة مرات.

وفي الفترة من 4 إلى 5 أبريل 2021، ذهب زيلينسكي إلى قطر في زيارة رسمية، عندما كان كانت أوكرانيا تبحث بنشاط عن مستثمرين لمشاريع مختلفة.

وفي ذلك الوقت كانت قطر تستثمر في الخدمات اللوجستية، والبنية التحتية، وغيرها من المشاريع في جميع أنحاء العالم. وبعد تلك الاتصالات، دخل المستثمرون القطريون إلى ميناء أولفيا الأوكراني. 

كما كانت خطط إشراك ضباط الشرطة الأوكرانية في حماية النظام العام خلال كأس العالم بقطر 2022 فكرة غير متوقعة، إضافة إلى أن كثافة الاتصالات الاقتصادية ساعدت على توسيع التعاون في مجال الثقافة والفنون بين البلدين.

وبعد أن شنت روسيا غزوها واسع النطاق عام 2022، لعبت الاتصالات بين زيلينسكي وتميم دورها في إرساء الأساس لتعاون مثمر.

علاوة على أن قطر عرضت مرارا وتكرارا على الولايات المتحدة خدماتها بصفتها مفاوضا موثوقا في أعقاب الغزو الروسي، حيث أصبحت كييف شريكا مهما للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في قطاع الطاقة. 

وبالنسبة للولايات المتحدة، أصبحت قطر الحليف الأكثر أهمية وموثوقية بمنطقة الخليج في وقت كان جيرانها يوسعون اتصالاتهم مع روسيا والصين. 

وفي السنوات الأخيرة، كان هناك حوار سياسي مكثف بين قطر وأوكرانيا، حيث تعد الدوحة شريكا واعدا لكييف في مجالات الطاقة والدبلوماسية، وفي بعض جوانب الحرب الأوكرانية الروسية.

ولهذا فإن وساطة الدوحة لإعادة الأطفال الأوكرانيين الذين اختطفوا بشكل غير قانوني إلى روسيا لا تقدر بثمن لكييف. 

ويرى مراقبون أنه من الأكثر أمانا لقطر أن تظل وسيطا بدلا من كونها جهة فاعلة متدخلة في الصراع، خاصة أنه في أوكرانيا، ينظر إلى قطر على أنها واحدة من أكثر الدول ودية في الشرق الأوسط.

كما أنه فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، كانت قطر أكثر استجابة لموقف الولايات المتحدة مقارنة بالإمارات العربية المتحدة، التي اتخذت موقفا أكثر ليونة تجاه روسيا، بعد وقت قصير من إعلان الرئيس فلاديمير بوتين عن "العملية العسكرية الخاصة" ضد أوكرانيا. 

إذ إنه بعد أربعة أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا، أكد وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني على "احترام قطر لسيادة أوكرانيا واستقلالها وسلامة أراضيها داخل حدودها المعترف بها دوليا".

وبالتالي فإن موقف قطر لا ينبع كثيرا أو فقط من تطلعها إلى العمل في انسجام مع الولايات المتحدة وحلفائها بل هناك تفسيرات أخرى.

 وضمن هذه الجزئية يرى علي باكير، الباحث المساعد والأستاذ في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، أن "سبب وقوف قطر إلى جانب أوكرانيا لا ينبغي أن يكون لغزا، فهي بصرف النظر عن كونها شريكة للولايات المتحدة، فقد تعرضت لحصار بقيادة السعودية عام 2017".

وأضاف باكير للمركز التحليلي الأوكراني غير الحكومي "مجلس السياسة الخارجية" المتخصص في قضايا السياسة الخارجية والأمن الدولي في 21 أبريل 2024:"إن رد الدوحة على الغزو الروسي لأوكرانيا كان مرتبطا بتصور قطر بأن معايير القانون الدولي التي تحدد استخدام القوة (أو الحصار كشكل من أشكال العدوان) وضم أراضي الدول المجاورة الأصغر حجما على أنها غير قانونية يجب الالتزام بها".

ولهذا كثيرا ما ركز أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في المحافل الدولية على استعداد بلاده للمساعدة في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

فعندما تحدث في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مايو/أيار 2022، قال أمير قطر: "نحن مستعدون للمساهمة في كل جهد دولي وإقليمي لإيجاد حل سلمي فوري للصراع في أوكرانيا".

وأضاف: "يجب ألا نتخلى أبدا عن محاولة الجمع بين الأطراف، وطالما أننا نعتقد أن جهودنا يمكن أن تنقذ حياة شخص واحد، فإن محاولاتنا للوساطة ستكون تستحق العناء".

كما أعرب أمير قطر عن تعاطفه مع ملايين الأشخاص الذين أجبروا على ترك منازلهم نتيجة الصراع، بغض النظر عن عرقهم أو دينهم.

وراح يقول: "نحن نعد أن قيمة حياة كل أوروبي لا تقل أهمية عن حياة أي شخص من منطقتنا. نحن نتضامن مع ملايين اللاجئين الأبرياء الذين وقعوا ضحايا هذه الحرب الأوروبية وضحايا جميع الحروب الأخرى الدائرة الآن".

"مركز للوساطة"

وكونها اتبعت سياسة خارجية داعمة لثورات الربيع العربي منذ عام 2011، فقد كانت الدوحة في المعسكر المعارض لروسيا في معظم الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط خلال السنوات الـ 12 الماضية.

ولهذا يضاف الجهد الدبلوماسي الوسيط لقطر في ملف الأطفال الأوكران، لرصيدها كمفاوض رئيس في الأزمات العالمية.

وذلك سواء في الملف النووي الإيراني أو بين حركة طالبان والولايات المتحدة، وراهنا بين حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس وإسرائيل بشأن إبرام هدنة دائمة في قطاع غزة.

وتقدم قطر نفسها كمركز جيوسياسي للوساطة والحوار، حيث يرتكز دورها على تقديم المساعدة من خلال الاعتماد المتبادل.

وهو ما يجعلها شريكا لا يمكن الاستغناء عنه، يجمع بين الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، والدول الكبيرة والصغيرة، والشركاء غير المحتملين، والخصوم الأيديولوجيين.

ومن هنا تعول أوكرانيا على استمرار دور وساطة الدوحة لاسترجاع آلاف الأطفال المتبقين في معسكرات روسيا، وإن كان على دفعات بأعداد قليلة.

ولا سيما أن سلطات كييف تركز على جهود الوساطة مع قطر واستمرارها، لعدم ترك هؤلاء الأطفال لسياط الأيديولوجيا الروسية المعادية لها.

وخاصة أن الحكومة الأوكرانية تحث هؤلاء الأطفال الذين جرى استعادتهم من روسيا على مشاركة ما حدث لهم مع الجمهور.

 فقد قتل بعض آباء القاصرين، بينما انفصل آخرون عن القائمين على رعايتهم بسبب الخطوط الأمامية سريعة الحركة في بداية الحرب.

وكان عدد منهم يعيش في دور الأيتام الأوكرانية في المناطق التي احتلتها روسيا آنذاك.

فعلى سبيل المثال كان الطفل إيليا يبلغ من العمر 9 سنوات فقط عندما أصبح يتيما وهو يشاهد والدته تموت متأثرة بجراحها بعد أن أصيبت بشظية في الرأس في ماريوبل.

ونقله الجنود الروس إلى المستشفى حيث خضع لعملية جراحية دون تخدير. لكن وسط الصدمة، دربه أطباؤه على الإشادة بروسيا. 

وقال إيليا إن أطباءه أخبروه: "يجب أن تقول، المجد لروسيا وليس لأوكرانيا". 

وبالمحصلة، فإن سرقة الأطفال في أوقات الحرب أو "الترحيل القسري" كما تسميه المحكمة الجنائية الدولية، هي جريمة حرب.

وتوضح المحكمة أنه “يمكن أن يشكل الترحيل والنقل، في بعض الحالات، جريمة ضد الإنسانية وأحد أعمال الإبادة الجماعية”.

ولهذا فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مطلوب حاليا بمذكرة اعتقال من قبل المحكمة الجنائية الدولية صدرت عام 2023 بسبب "ترحيل الأطفال بشكل غير قانوني" من أوكرانيا إلى روسيا، وهي تهمة ينفيها الكرملين.