خبير علاقات دولية: لا مكان للدعم السريع أو الإمارات في مستقبل السودان (خاص)

عمرو حبيب | 25 days ago

12

طباعة

مشاركة

قال الأكاديمي والخبير في العلاقات الدولية، الرشيد محمد إبراهيم، إن التقارب السوداني تجاه روسيا خلال الفترة الأخيرة "خطوة مبررة" في ظل تعامل الغرب مع الخرطوم “بشكل متأرجح ومتقلب”.

ورأى إبراهيم في حوار مع "الاستقلال" أن هذا التقارب “سيخدم السودان على مستويات عديدة”. 

ولفت إلى أنه “في حال انتهاء الحرب في السودان فالبلاد بحاجة إلى حكومة ذات كفاءة، لإدارة مرحلة صعبة يستتب فيها الأمن وتقود إلى انتخابات نزيهة”.

وشدد إبراهيم على أن "الأطراف التي كانت فاعلة في تأجيج الأزمة في السودان لن تكون حاضرة في المشهد بعد انتهاء الحرب، وسيكون للسودان توجهات جديدة تراعي المصلحة الوطنية قبل كل شيء". 

والدكتور الرشيد محمد إبراهيم، من مواليد 1971، وهو أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجامعات السودانية، ومدير مركز التحليل السياسي والعسكري في الخرطوم.

كيف ترى تعامل واشنطن مع الواقع السوداني الحالي وما مدى استفادتها منه؟

التعامل الأميركي مع الأوضاع في السودان عقب الحرب اتّسم بالحذر، إذ إنها تدرجت في هذا الموقف، فنلاحظ أن الولايات المتحدة كانت تراقب الأوضاع عقب تمرد "الدعم السريع" وكانت تنتظر إلى ما ستفضي التحركات هناك، ومن ثم تقرر موقفها. 

وهذه إشكالية تاريخية في تعامل أميركا مع السودان، إذ تراه نظاما وليس دولة، نظاما تتعامل معه بشكل منفرد بعيدا عن مصالح الدولة وهو ما لا يعود بأي إيجابية على السودان.

قطعا واشنطن مستفيدة من هذا الوضع، ولكن استفادتها هذه لم تصطدم بتوجّهات السودان الخارجية نحو الشرق وروسيا والصين وإيران وتركيا ودول منظمة “البريكس”.. وهذه تحولات كبيرة في سياسة السودان.

إلا أن واشنطن عملت بنظرية "أعطوا للحرب فرصة" وبالتالي عملت على "إدارة الصراع" وليس "إنهاء الصراع" بهدف أن يفضي هذا الصراع إلى وضع سياسي مميز لجماعات موالية لها، هي "قوى الحرية والتغيير"، وهذا هو النهج الذي استخدمته أميركا مع الحالة الليبية.

برأيك ماذا يحتاج السودان في هذه المرحلة؟ وكيف يمكن تفكيك المشهد الحالي إن كنت تراه معقدا؟

السودان في هذه المرحلة يحتاج إلى تشخيص دقيق، ما أراه أن ما حدث تمرد نفذته قوات كانت تتبع الجيش استخدمت البندقية لتحقيق أهداف سياسية ادعت أنها تهدف من ورائها إلى الديمقراطية والحرية ولكن الواقع يكذب ذلك.

الحرب في الوقت الحالي وصلت إلى مرحلة يصعب معها إجراء أي حوار لتفكيك المشهد السوداني..

تجاوزات وسلوك مليشيا الدعم السريع تجاه المواطنين جعلت فرصة التفاوض وفرصة المصالحة ضعيفة جدا، وذلك من واقع أن المليشيا دخلت في مواجهة مع المواطنين، حيث احتلت بيوتهم ونهبت ثرواتهم وقتلت نساءهم وانتهكت الأعراض..

لذا فالرأي العام حاليا لا يقبل أو لا يتوافق أن تكون "الدعم السريع" والقوى السياسية التي آزرتها مثل “قوى الحرية والتغيير” وحتى الدول التي ناصبت الشعب العداء مثل الإمارات وغيرها، أن تكون جزءا من أي ترتيبات سياسية أو ترتيبات عسكرية قادمة.

كيف ترى تأثير العوامل والتدخلات الخارجية بشكل عام على مسار الحرب في السودان؟

للأسف كان واضحا جدا تأثير التدخلات والعوامل الخارجية في الأوضاع في السودان منذ ثورة 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018. 

وهذه التدخلات هي سبب الأزمات التي يعيشها السودان، وبالتالي يصعب أن تكون عناصر الأزمة جزءا من الحل، تأثير هذه التدخلات كان سلبيا جدا ولم يعد بالفائدة إلا على المتدخلين وليس على السودان سواء نظاما أو شعبا. 

نحن نبحث عن حلول بعيدة عن أصحاب الأزمة والمتسببين فيها الذين تدخلوا خارجيا وجلبوا إلى السودان الحروب والمرتزقة وغيرهم. 

لذلك يجب علينا أن ندرك جيدا أن المتدخلين خارجيا في شؤون السودان يجب أن يكونوا خارج إطار أي حل منتظر لأنهم من أسباب الأزمة.

ما السيناريوهات المتوقعة في حال استمرار الحرب لعامها الثاني؟

في حال استمرار الحرب (التي بدأت منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023)، أتوقع أن إستراتيجية الجيش التي امتصت الأزمة وأفشلت المخطط وانتقلت من الدفاع إلى الهجوم ستكون لها الغلبة.

حتى تجارب التاريخ الإفريقي والتجارب العالمية تقول إن الرابح دائما في الحروب طويلة الأمد يكون الجيش النظامي بسبب التراتبية والشكل المنظم الذي تقوم عليه الجيوش وليس المليشيات التي تعتمد على التحشيد القبلي الذي يكون أمده قصيرا لعوامل كثيرة جدا. 

أتوقع أن مستقبل السودان السياسي سيقرره الجيش بعد الانتصار على مليشيات الدعم السريع، لكن شكل هذا المستقبل يحتاج إلى بعض الوقت حتى يتضح تماما.

وطبعا المرجح في السيناريو القريب أن الجيش سيعمل على تحقيق أكبر انتصار، والمؤشرات تدل على ذلك على الأرض فيما يخص المحاور الرئيسة مثل الخرطوم العاصمة والمحاور الأخرى في ولاية الجزيرة حيث يحكم الجيش حصاره على الدعم السريع، كذلك يبلي بلاء حسنا في محور إقليم دارفور وتحديدا في مدينة الفاشر.

في حال انتهاء الحرب.. ما رؤيتك لما قد يؤول إليه الوضع سياسيا وعسكريا وهل يمكن إطلاق حالة إصلاح سياسي وعسكري؟

رئيس المجلس السيادي الانتقالي عبد الفتاح البرهان قال إنه لا يمكن الحديث عن أي عملية سياسية قبل الحسم العسكري فشتان ما بين الوضع العسكري والوضع السياسي، لا يمكن الحديث عن أي عملية سياسية والبلاد مهددة في استمرارها وبقائها، وبالتالي الأولوية للعمل العسكري ومن ثم الانتقال إلى عملية سياسية. 

لكن الطبيعي بعد انتهاء الحرب أن توجد حكومة تأسيسية تبسط الأمن وتحافظ على الاستمرار الاقتصادي وتُحسّن خدمات الناس نسميها "حكومة مهام" تنجز ملفات الانتخابات والتحول الديمقراطي وليس فيها مكان للمحاصصة الحزبية أو الجهوية على غرار ما حصل في الفترة الانتقالية.. 

ومن ثم يقبل السودان على انتخابات حرة نزيهة تفصل في قضايا الحكم وقضايا الهوية والسياسية الخارجية وتضع السودان في الوجهة الأخيرة التي تؤدي إلى استقرار.

طبعا هذا التصور يقترب شيئا ما من المثالية لكن هذا أقل ما يجب أن يجده السودان بعد فترة عصيبة من العناء والحروب والصراعات.

كيف ترى سعي السودان أخيرا إلى تقوية وتعزيز التعاون العسكري والسياسي مع روسيا؟

هذا إجراء سليم وملحوظ لدى الجميع، وهو أمر طبيعي.. 

النظام في السودان يرى أنه يتعرض لمؤامرة كبرى ويحتاج إلى داعمين وحلفاء على مستويات عدة، وهذا أمر غير مستنكر ما دام مقيدا بالمواثيق والقوانين الدولية.

وأرى أن السلوك الغربي تجاه السودان دفعه إلى إعادة التفكير في توجهاته على مستوى السياسة الخارجية، وبالتالي الخرطوم في حاجة إلى فعل ذلك للتعامل مع التباينات والمستجدات من حولها. 

وزيارة نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار إلى روسيا أخيرا (في 7 يونيو 2024) كانت ذات محتوى سياسي وعسكري واقتصادي، وخاصة على المستوى العسكري من حيث حصول السودان على دبابات وطائرات روسية من نوعيات مختلفة وكلاشينكوف وديكتريوف وغير ذلك من الأسلحة. 

وهناك مجالات أخرى يمكن للسودان أن يتحالف على أساسها مع روسيا منها أنها تمتلك تقنية الاستشعار عن بُعد بما يمكن أن يحقق تقدما في استخراج الذهب واليورانيوم والنفط.

كذلك يمكن للسودان أن يستفيد من إنتاج روسيا من القمح. 

إذن ما نتوصل إليه في هذا الإطار أنه تعاون وتحالف منطقي في هذه المرحلة خصوصا في ظل تحركات الغرب غير المفيدة للسودان أخيرا. 

وكيف ترى موافقة السودان على إنشاء مركز لوجستي على البحر الأحمر لصالح روسيا؟

هذا أمر قد يُحدث تحولات في المعادلة الحربية لأن روسيا دولة مهمة في السياسة الدولية، والسودان قد يستفيد من هذه الاتفاقية في البعد الأمني العسكري والتسليح والحماية وتطوير قدرات الجيش السوداني بما يمكنه من إدارة الأزمة بأريحية. 

كما أن التحالف مع روسيا أيضا على هذا النحو قد يُشكّل أهمية كبيرة بالنسبة إلى الصراع في مجلس الأمن، إذ إن روسيا دولة تمتلك خاصية “الفيتو” بجانب الصين ما قد يصب في صالح الجيش والحكومة السودانية على مستوى إدارة الأزمة الحالية التي تدخل مرحلة جديدة من مراحل النزاع والصراع سيحتاج فيها الخرطوم إلى الدبلوماسية إلى جانب العسكرية.

هل ترى بعد كل هذه النزاعات والحروب المرتبطة بالعسكريين أنه قد آن الأوان أن يخرج العسكريون من المشهد السياسي وأن يتولى زمام البلد مدنيون متخصصون سياسيا لإنقاذ الموقف؟

حكم العسكريين عادة يكون لفترة انتقالية ثم تكون انتخابات مدنية تأتي بمدنيين وهذه طبيعة الأشياء.. 

أنا أرى أن معظم الانقلابات التي تعرض لها السودان كانت من خلال عسكريين هم في الأصل مدنيون تلاحموا مع المؤسسة العسكرية للوصول إلى الحكم مثلا انقلاب جعفر النميري كان وراءه حزب مدني، انقلاب إبراهيم عبود كان وراءه حزب الأمة والاتحاد الديمقراطي، أيضا انقلاب الجبهة الإسلامية كان وراءه مدنيون.. 

فالأحزاب هي التي استخدمت الوسيلة العسكرية لتحقيق أجنداتها السياسية، والآن “قوى الحرية والتغيير”، هي التي استعانت بالبندقية لتحقيق الوصول إلى الحكم. 

المقصود هنا الفترة الأخيرة من بعد سقوط البشير حيث وضع الجيش يده على الحكم وربما تسبب ذلك في تأخير الحكم المدني ودخول البلاد في دوامة من العنف.. كيف ترى ذلك؟

عادة تكون المشكلات الموجودة في البلاد من البداية هي مشكلات أمنية، فمن الطبيعي أن تكون هناك فترة انتقالية يتشارك فيها العسكريون مع المدنيين لحكم البلاد وتمهيد الطريق لانتخابات وحكم مدني مستمر، وكانت هذه هي الخطة في السودان. 

لكن الآن صارت الأولوية هي إنهاء الحرب أولا لأن الدولة مهددة، ومن الطبيعي أن تسير الأمور فيما بعد إلى حكم مدني يختار فيه الشعب من يحكمه بنفسه. هذه طبيعة الأمور.