“بوراسي تركيا”.. الوجه الآخر لجنة الأرض

منذ 2019/10/08 08:10:00| 2590 مشاهدة| Link | يوسف الدموكي | آراء
هناك شيء تحمله الأراضي أكبر من الأسماء والجنسيات، هناك دفء يستطيع أن يمزق جوازات السفر كلها
حجم الخط

البحر الأسود بالأعلى، ممتد بعرض البلاد الشمالي، من الشرق إلى الغرب وعلى جانبه تنام الحقول، ويستيقظ اللون الأخضر في أبهى درجة من نفسه. البحر الأبيض من الأسفل، وعنده تجد رمال الشواطئ حبات من الماء لكن كمادة بين الصلابة والسيولة، تغوص فيها قدمك قبل أن تطأ البحر، لتؤهلك من إحساس إلى آخر بالتدريج.

بحر آخر، مرمرة إسطنبول، يفيدك بسهولة الوصول إليه كلما أردت مصافحة الجمال، وبحر إيجه بالغرب، حيث الهدوء والجرأة، كلهم يقولون لك: لو كنت شاعرا تريد كتابة ديوانك، أو رساما تريد رسم لوحتك، أو كاتبا تريد إنجاز روايتك - فإنك في أنسب بقعة على وجه الأرض.

عرفنا واعترفنا بالماء والخضرة؛ فماذا عن الوجه الحسن؟ دعنا نرى، فصفاء الوجه وخضرة العينين لا يعطون بالضرورة صكوك الخيرية في قلب صاحبهم، فالجنود الألمان الذين اغتصبوا قاصرات يهوديات، كانوا زرق العيون، والنازيات اللواتي وضعن الأطفال في الأفران كن شقراوات، والضابط الذي صفعني أول صفعة وأقسى صفعة في حياتي، كانت له عيون ملونة جميلة.

"بوراسي تركيا" ستواجهك الكلمة التي تبدو بديهية في كل مكان، لا تستدعي تأكيدا، ومعناها أن "هنا تركيا"، وهل أنكر أحد؟ هل وقفت في نصف شارع من شوارعكم لأعلنها دولة مستقلة بي، وزعمت بالتاريخ عدم انتمائه إلى هذه البلاد؟ هل أتيتك سائلا أين أنا لتخبرني أن هنا تركيا؟ لا أعلم، لكنك ستقابل في اليوم الواحد ألف من يخبرك دون أن تطلب منه، وسيتبعها بكلمات أخرى لن تفهمها إن كنت لا تجيد التركية، لكن ستخمن من نظراته أنه يريد أن يوصل إليك شيئا ما، وسيكون من حسن حظك أنك لا تجيد اللغة، أما إن حدث وتعلمتها، فستتمنى حذف الكلمات كلها من عقلك، لتعود جاهلا بلغتهم، لا تعرف معنى الكلام الثقيل، فكل حرف فيه سيحملك على الانكماش في مقعدك، والنظر أسفل قدمك، وحمل ثأر مزعج لكرامتك، لن تستطيع التعبير عنه، ولو استطعت فستكتفي بترديده في نفسك.

"يابانجي" هي الكلمة الثانية، التي تؤكد لك أنك غريب، أنك أجنبي، رغم أنك أيضا لم تسأل أحدا عن صفتك، لم تدعي أنك واحد من مواطني هذا البلد، لم تحمل الجنسية وتخبرهم أن الأمر أكبر من جنسية، أن لك أبا وجدا حاربا في الجيش العظيم ضد العدو، لم تحك لهم عن بطولات مزيفة، ولم تؤلف كتابا غبيا في التاريخ يسرد الكذب كأنه حقيقة، لم تغير اسمك وتتبع لقبك بـ"أوغلو"، لم تفعل شيئا يستدعي ترديدهم للكلمة على مسامعك كأنهم يغتصبون أذنك بالتناوب.

"كل مكان فيه الحلو والوحش" سيكون التعليق الدائم من أبناء جلدتنا، سيضربون أمثلة لمواقف عنصرية حدثت هنا أو هناك، سيحكي لك موقفا من مصر حتى، حاضنة الغرباء ووطنهم، سيحلفون لك أنك متحامل وأن البلاد كلها فيها من هذا ومن ذاك، لكنه أبدا لن ينتظر ليفهمك، ليعرف ما تتحدث عنه. أطلب منه أن ينزل إلى مصر في أي حين، إن كان أجنبيا، ويطلب أي شيء في أي وقت، قد يشعر بالاختلاف، لكنه حتما لن يشعر بالغربة.

هناك شيء تحمله الأراضي أكبر من الأسماء والجنسيات، هناك دفء يستطيع أن يمزق جوازات السفر كلها، ويمحو أذون الإقامة، ويقول للجميع: هلم إلينا، فدارنا دارك، وأقدارنا أقدارك، ومتى حللت فأنت المضيف وأنا الضيف، وما الفرق بيني وبينك إلا جواز سفر، الوطن أقدم منه، والإنسان -أنا وأنت- أقدم منه، ومقياس الانتماء إلى البلاد حبها، ومقياس حب البلاد لنا مقدار الدفء الذي نشعر به فيها، وأجل، "كل مكان فيه الحلو والوحش" لكن مع فارق النسبة بين النوعين سيدي.

قبل أيام أراد أحدهم ارتكاب جريمة كراهية، فسرتها هكذا ولم أقبل تفسيرها بأي شيء آخر، استفزني دون أن أنطق، استفسرت فسبني، ولا يضيرني أن أمسك بعنقه فأخلعه، وإنما أن تخلع الكلمات المكتومة عنقي أنا، سبني، وأردت الرد، لكنه كان يحمل في عينيه شيئا لم أحمله في عيني أي يوم، كنت أحمل غضبا، ويحمل بُغضا، وقال لي "بوراسي تركيا"، وبين كل جملتين ردد "يابانجي".

في إحدى المدن القريبة من جنة الأرض ونار الأجانب، كان هناك طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، يبحث عن حبل متين، ومكان فارغ، ليعلن من خلالهما سخطه على الحياة، على هذه العيون الجميلة الوقحة، على هذا الشعور الناعم والشعور الخشن، على أستاذ اضطهده لا لشيء إلا لأنه سوري، على أطفال منحدرين من أسر ورثتهم الحرب بدلا من الحب، وأعلنت لهم أنهم شعب الله المختار وكل الأجانب كلاب الأرض، فسخروا منه وتنمروا عليه، وجعلوا منه أضحوكة يومهم، والولد يريد أن يبكي، ويريد أن يضحك، يريد أن يرد، ويريد أن يبلع لسانه، وكل هذه المتضادات لا تجدها إلا في حبل المشنقة، فذهب على بوابة المقابر القريبة، في وضح النهار، لكن في خفية عن عيون الناس، وشنق نفسه، فمات.

طفل في التاسعة من عمره يا –طال عمرك- كيف مات! كيف عرف أن الحبال تستعمل لشيء غير تعليق الغسيل، كيف دنا من المقابر إلى هذا الحد ليقول لأهله لا تحملوا هم التكلفة، ولا تنقلوني بسيارات البلدية، أنا هنا اخترت مقبرتي. أي ذنب ذاك الذي يحمله طفل بسبب جنسيته المختلفة، بسبب لهجته، بسبب أنه مطرود من رحمة الله في نظرهم لأنه ليس من مواطني هذه الأرض! أي أرض تلك يا رب السماء! أي جنسية تلك التي تضمن للناس صكوك الغفران! أي شيء يمكنه أن يحمل طفلا على الانتحار!

الولد عمره بعمر غربته، ميلاده مع ميلاد الحرب في بلاده، نهايته مع نهاية تصريح إقامته، وعمره كله عبارة عن سؤال واحد: لماذا ولدت سوريا؟ لماذا قامت الثورة؟ لماذا بدأت الحرب؟ لماذا يا أبي جئت بهوية لاجئ؟ وبإقامة مؤقتة؟ وبلسان يختلف عن جميع من حولي؟ أنحن من صنع الحرب؟ لماذا ينظرون إلي هكذا؟ لماذا يركلون بعضنا في المواصلات؟ لأننا متسولون؟ لا أعتقد، فمنهم من يتسول. لأننا لسنا من شعبهم؟ هذا هو الجواب الأكيد، يفرقون حتى بين المتسول المواطن والمتسول الأجنبي!

قبل أشهر، في صباح بارد، ذهبت إلى بيت صديق لي، عرفته في الجامعة، كنا العربيين الوحيدين في الصف، ذهبت برفقة آخرين بقصد العزاء في وفاة أخته الصغيرة، التي لم تكمل الثلاثة أعوام، لم تعان من مرض خبيث، ولا سكته مفاجئة، وإنما نزلة شعبية كتلك التي يصاب بها أطفالنا وإخوتنا الصغار عشرين مرة في العام، ذهبوا بها إلى المستشفى، لكنه رفض استقبالها، قالوا إنها لاجئة مسجلة على مدينة أخرى، لا هذه المدينة، رفضوها بسبب الأوراق، مريض يأتيك بين الحياة والموت فتقول له أين الـ"كيمليك"؟ أين الباسبور؟ تضاعف سوء حالتها، حاول أهلها استدراك الوضع، لكن الموت كان أرحم من أحياء كثيرين، سيسألها الملائكة فيم أتيت يا صغيرة؟ ستقول ببطاقة لجوء مختلفة.

كان اسم الصغيرة ذات الشعر الأصفر والعيون الواسعة "ندى"، وكان أخوها السوري متطوعا لدى الهلال الأحمر التركي. أرأيت سخرية الزمان؟

وهل هذه البلاد كلها هذا "الوحش"؟ أليس فيها "الحلو"؟ فيها بالتأكيد، فيها من لم تفسد فطرته، ولم تعكر الحدود والجنسية والتصاريح صفاء طبيعته، منهم من شبعوا من النظر إلى الطبيعة الحسنة فانتقل أثرها إلى قلوبهم، منهم من عرف وجه الله فلم يكشر في وجوه الأطفال، لكن للأسف، وياللأسف، يعطيك عطف هؤلاء بعضا من الصبر على شر أولئك، لكن ألف نظرة حنون ليست كفيلة أبدا بمحو نظرة واحدة تلعنك.

هنا يا أبتي عرفنا كيف يكون المكان الواحد بشحمه ولحمه مكانين متضادين لأن شعور أحدنا مختلفا فيه عن شعور الآخر، أن "جنة الأرض" قد تكون "نار البعض"، أن الخضرة والماء لا يأتون بالضرورة مع الوجه الحسن، وأن الوجه الحسن لا يعني بالضرورة القلب الحسن، وأن القلب الحسن لا يطيب بالضرورة السواد الذي رسبته في دواخلنا كل هذه القلوب القاسية.

يا أبتي، ما أراه هنا تجاهنا يبدو كأنه ثأر قديم متجدد، مع أنه لا علاقة لنا به، ونحن أبناء هذا الزمان الذي لفظنا من بيوتنا إلى شقق شاقة تشق رؤوسنا، نقلنا من مساكن نحفظها إلا بيوت لا تحفظنا، من وطن حنون إلى غربة قاسية، من شعور رضيع يشبع من ثدي أمه، إلى شعور محروم لا يشبع على موائد المطاعم.

ما أراه تجاه الأطفال كل يومٍ في الطرق والمواصلات والمطاعم والمدارس، نموذج مثالي لتدريسه في الأمم المتحدة ومجالس حقوق الإنسان، عن كيفية قتل الطفولة وصناعة الأشباح.

يذكرني بأن حرقهم أحياء في أفران هتلر كان أهون، كان يرحمهم من هذه النظرات التي تفحمهم في الثانية ألف مرة، الفرق أن هتلر سلَق الأطفال في النار دفعة واحدة، فصرخوا صرخة ثم ماتوا، أما هنا، فيسلقون الأطفال بألسنتهم وعيونهم، وحرام على أي طفل الصراخ، هنا فرن كبير من العنصرية الحمقاء، يحاول بعضهم أن يطفئه وهم في نظر الكثيرين منهم خونة، ويحاول الكثيرون أن يشعلوه وهم في نظر أنفسهم يتصالحون مع أنفسهم بتقديمنا قربانا للقومية وللوطن، هنا يا أبتي قوم يأكلون لحمنا، ثم يشكون مرارته.


تحميل

كلمات مفتاحية :

أطفال تركيا عنصرية لاجئين سوريين

تعليقات ونقاش

موضوعات متعلقة