Sunday 25 February, 2024

صحيفة الاستقلال

مصنع “54” الحربي في مصر.. كيف حوله العسكر إلى منطقة استثمارية سعودية؟ 

منذ 2024/02/09 13:02:00 | تقارير
استحوذت الشركة السعودية على أصول بالمصنع العسكري المصري لإنشاء منطقة استثمارية
حجم الخط

في عام 1954، افتتح محمد نجيب، أول رئيس لجمهورية مصر العربية، مصنع "54 الحربي" في منطقة المعادي جنوبي القاهرة، ليكون أول شواهد الجمهورية الجديدة آنذاك.

تخصص المصنع في صناعة الأسلحة بمختلف أنواعها، من المسدسات والبنادق والرشاشات والأسلحة الخفيفة، وصولا إلى النسخة المصرية من البندقية الآلية طراز (AK-47) والتي تعرف بـ "الكلاشنكوف المعدل".

واعتمد الجيش المصري لفترة طويلة على "الكلاشنكوف المعدل" واستُخدم في العديد من الحروب بداية من العدوان الثلاثي عام 1956 وكذلك حرب الاستنزاف والسادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1973.

وخلال سنوات حكم العسكر، تدهورت الصناعات العسكرية في مصر، التي باتت تعتمد على صفقات السلاح بشكل أكبر. 

ومطلع يناير/ كانون الثاني 2024، نشر العدد الأخير من الجريدة الرسمية المصرية، قرارا بتصفية شركة المعادي للصناعات الهندسية المعروفة باسم "مصنع 54 الحربي" التابع لوزارة الإنتاج الحربى.

وذلك بعد نحو 4 أعوام من اتخاذ الجمعية العمومية للشركة قرارها بتصفية المصنع نهائيا، في مارس/ آذار 2020.

وكان القرار بمثابة الفصل الأخير لواحد من أعرق المصانع العسكرية في مصر، والذي كان شاهدا على أحلام وطموحات الدولة الجديدة، واضمحل باضمحلالها وأفل بأفولها. 

قصة المصنع 

يعد مصنع 54 الحربي ضمن 16 شركة مملوكة للهيئة القومية للإنتاج الحربي، ويخضع لقانون رقم 97 لسنة 1983 الخاص بهيئات القطاع العام وشركاته، ويتبع مباشرة وزارة الإنتاج الحربي. 

ومنذ تأسيسه تخصص المصنع في إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية فقط، خاصة أن الجيش خلال عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر كان يخوض المعارك ويتأهب للقتال في كثير من بؤر الصراع في المنطقة. 

وكانت الدولة لتوّها متجاوزة للاحتلال البريطاني وفي حالة استنفار متواصلة ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي المتاخم لها. 

لكن جاءت مرحلة الستينيات التي شهدت بداية نهاية المرحلة الناصرية وانكساراتها، وفيها اتجه المصنع إلى الصناعات المدنية.

وفتح خطوطا لإنتاج السكاكين المنزلية، وأدوات المطبخ، والأثاث المكتبي، وتوريد أجهزة الرياضة واللياقة البدنية والعلاج الطبيعي، وتصميم وتنفيذ الشبكات الكهربائية للجهد المنخفض والخراطة.

في السبعينيات سعى المصنع لامتلاك قطاع متخصص في صناعة معدات لورش الحدادة والمكابس وصناعة العدد اليدوية مثل "الشاكوش، الذنبة، السنبك، المبارد، المقصات اليدوية، المشارط".

فضلا عن بعض المعاملات السطحية والحرارية لبعض المعادن، مثل الطلاء بالنحاس والكروم والكادميوم والزنك والرصاص.

واتجهت إستراتيجية التشغيل في "مصنع 54" الحربي على الاعتماد على عدد كبير من المدنيين إضافة إلى مجندي الخدمة العسكرية. وفي عام 1985 بلغ عدد العاملين في المصنع أكثر من 8 آلاف عامل.

وكان متوسط مرتبات العمال آنذاك 35 جنيها شهريا (كان سعر الدولار مقابل الجنيه المصري عام 1985 = 93 قرشا).

لم يستمر الحال طويلا وظل عدد العمال يتقلص حتى وصل عام 2011 وقت اندلاع ثورة 25 يناير  إلى أقل من 4 آلاف عامل، وبلغ متوسط الرواتب نحو ألف جنيه (الدولار مقابل الجنيه عام 2011 = 5.88 جنيهات).

لكن مرحلة الانحدار الحقيقي للمصنع بدأت عام 1993، خلال حقبة الرئيس الأسبق حسني مبارك، وقتها قرر مجلس الوزراء برئاسة عاطف صدقي، تحمل الحكومة أعباء الإنتاج الحربي لمصانع الهيئة القومية للإنتاج الحربي.

إذ كانت لا تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، وكان مصنع "54 الحربي" ضمن تلك المصانع التي أصبحت تحصل على إعانات وتمويلات حكومية من وزارة المالية، مقابل عملها في صناعة البنادق (البدائية) وغيرها من المنتجات المدنية، وفقا لتقرير صادر عن الجهاز المركزي للمحاسبات. 

 

بداية النهاية

لكن في عام 2014، مع بداية حكم عبد الفتاح السيسي، ودخول مصر خضم الأزمة الاقتصادية ودوامة القروض، رفضت وزارة المالية تحمل جزء من تلك الأعباء، وقلصت التمويلات المقدمة لمصانع الإنتاج الحربي.

خاصة الجزء الخاص بـ "الإهلاك الحربي" أو هوالك الإنتاج، ونتيجة خصم قيمة الهوالك من الواردات الحكومية للشركات على مدار الفترة ما بين 1994 وحتى 2010، تآكل جزء من رأس مال تلك الشركات وعلى رأسها "مصنع 54". 

وبعد تسوية بين وزارتي المالية والإنتاج الحربي، خصمت الحكومة من دعمها المالي لشركات الإنتاج الحربي ما قيمته 1.14 مليار جنيه.

وبحسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات في يونيو/ حزيران 2016 بلغت نسبة خسائر "مصنع 54" بعد تلك التسوية نحو 104 بالمئة من قيمة رأس مالها، أي أنها خسرت كامل قيمة رأس المال.

لم يكن ذلك هو العمل الوحيد في نهاية المصنع، فرغم خسائر الشركة المستمرة، وتآكل رأس مالها، اشترت الحكومة المصرية عام 2018، للمصنع معدات وآلات حديثة لتطوير عملية الإنتاج بقيمة 251 مليون جنيه.

 لكن تلك المعدات لم تعمل حتى انتهت فترة الضمان المالي والفني لمعظم تلك الآلات.

وقتها عاد الجهاز المركزي للمحاسبات، ليصدر تقريره عام 2019 والذي قال فيه: "إن قرار تحمل الحكومة أعباء الإنتاج الحربي، كان له الأثر في زيادة الطاقات العاطلة في تلك المصانع والشركات، وبلغت تلك الأعباء منذ تطبيق القرار وحتى عام 2011 نحو 3.6 مليارات جنيه".

بعدها دأبت شركات الإنتاج الحربي كلها بلا استثناء على إدراج قيمة أعباء نشاطاتها سواء مدنية أو حربية على وزارة المالية، حتى زادت تلك الأعباء إلى حوالي 4.7 مليارات جنيه خلال الفترة بين 1994 وحتى 2015.

 

السعودية بالخلفية

وفي مطلع يونيو/ حزيران 2019، كشفت الميزانية الأخيرة لـ "مصنع 54 الحربي" عن خسائر خلال ذلك العام المالي بقيمة 6.7 ملايين جنيه نتيجة زيادة تكلفة نفقات الإنتاج عن حجم الإيرادات المحصلة "المبيعات". 

فيما بلغت نفقات الإنتاج 551.4 مليون جنيه، وكان حاصل المبيعات 543.4 مليون جنيه، وبلغ حجم المنح والإعانات التي حصلت عليها الشركة 65.5 مليون جنيه، وبلغت المصروفات الإدارية والعمومية 31.9 مليون جنيه. 

الأزمة الأكبر أنه قبل عام واحد من قرار تصفيته (2020) بلغت قيمة رأسمال الشركة المدفوع 5 ملايين جنيه مع عدم وجود احتياطي قانوني أو نظامي أو رأسمال للمصنع نظرا لخسارة كل رأسماله تقريبا.

وذلك وفقا للحساب الختامي للهيئات الاقتصادية والخدمية المنشور على موقع وزارة المالية. 

وقد بلغ صافي خسائر المصنع بنهاية يونيو 2019، نحو 44.3 مليون جنيه، فيما بلغت قيمة القروض طويلة الأجل التي حصل عليها المصنع حوالي 324.6 مليون جنيه.

توزعت بين 219.4 مليون جنيه حصل عليها من بنك الاستثمار القومي المملوك للحكومة، و105.2 مليون جنيه من الهيئة القومية للإنتاج الحربي. 

وبلغ صافي قيمة الأموال المستحقة على المصنع لصالح الموردين 129.4 مليون جنيه، و75.8 مليونا لصالح الشركات الشقيقة، و845.1 ألف جنيه مصروفات مستحقة السداد.

و333.8 مليون جنيه حسابات دائنة على المصنع، وحسابات موردين وحسابات دائنة أخرى بقيمة 540.9 مليون جنيه، وقروض قصيرة الأجل بقيمة 7.4 ملايين. 

وعندما صدر قرار التصفية عام 2020 بلغ حجم الأصول الثابتة 36.5 مليون جنيه تنقسم إلى 23.4 مليون جنيه آلات ومعدات، ونحو 1.7 مليون أراضٍ ومبانٍ وإنشاءات، و4.2 ملايين وسائل نقل وانتقالات، و7.3 ملايين عدد وأدوات وأثاث وتجهيزات مكاتب.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه أين ذهبت أصول وممتلكات المصنع الذي كان ملء السمع والبصر. 

أجاب عن ذلك خبر نشرته الشركة "السعودية المصرية للتعمير" المملوكة لصندوق الاستثمار السعودي ويترأسها الدكتور عبدالرحمن بن حمد بن صالح الحركان، الذي يشغل منصب محافظ الهيئة العامة لعقارات الدولة. 

ففي 13 مايو/ آيار 2023، نشرت الشركة عبر موقعها خبرا يفيد بأنها بصدد إنشاء المنطقة الاستثمارية "نايل بيرل" على ضفاف كورنيش النيل بحي المعادي بالقاهرة.

وذلك على أرض "مصنع 54 الحربي" أمام محطة مترو ثكنات المعادي.

وبذلك فقد استحوذت الشركة السعودية على أصول بالمصنع العسكري المصري، حتى قبل إعلان قرار تصفيته رسميا من خلال الجريدة الرسمية للدولة، دون توضيح نشاط تلك المنطقة المزعومة.


تحميل

المصادر:

1

القصة الكاملة لتسوية وإفلاس مصنع 54 الحربي

2

أبراج النايل بيرل

3

ممدوح حمزة: أين شركة المعادي للصناعات الهندسية مصنع 45 وآلاف من العمال والفنيين المهرة؟

4

استثمارات الجيش المصري: إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف

كلمات مفتاحية :

الجيش المصري السعودية السيسي الفساد في مصر مصر مصنع 54 الحربي