Monday 16 May, 2022

صحيفة الاستقلال

“النتيجة محسومة”.. لماذا تدير هيئة استخباراتية حوار السيسي المزعوم؟

منذ 2022/05/14 08:05:00 | تقارير
"توقع نشطاء ألا يختلف الحوار الوطني عن مؤتمرات الشباب"
حجم الخط

بعد ترويج رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي لحوار شكلي ينتقي البعض ويستثني الأغلبية عبر لجنة عفو "تمييزية"، اتخذ ثلاث خطوات شكلت ثلاث مفاجآت، لتعزز توقعات المعارضة بأن "الحوار وهم".

ومع هذه الخطوات، أكد النظام أن الهدف هو "تلميع صورة النظام في العالم الخارجي"، حسبما أكدت صحيفة "واشنطن بوست" في 3 مايو/أيار 2022.

ذراع استخباراتي

المفاجأة الأولى، اختيار "الأكاديمية الوطنية للتدريب"، لإدارة الحوار السياسي المعلن عنه في 26 أبريل/نيسان 2022، وهي ذراع استخباراتي على غرار "التنظيم الطليعي" في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، وتديرها عناصر مخابرات السيسي، ما يشير إلى أن "النتيجة باتت معروفة"، وفق مراقبين.

ويرأس الأكاديمية، المتخصصة في التسويق والمالية، الحاصلة على دكتوراه في التسويق من جامعة نيويورك، رشا راغب، ما يثير الاستغراب لأن "الحوار سياسي لا اقتصادي".

ويُعرف عن "راغب" أنها بلا خبرة سياسية ولم يسبق لها خوض معترك السياسة، لذا رأى الصحفي جمال سلطان، في تغريدة نشرها في 10 مايو، أن "تكليف السيسي لخبيرة في التسويق لمحاورة المعارضين الحالمين بحوار سياسي يورطهم في مهانة وإذلال بلا أي نتيجة لو شاركوا". 

وانبثقت الأكاديمية عن مؤتمرات الشباب التي اخترعها السيسي ليلقي من منصتها خطبه، لذا توقع نشطاء ألا يختلف الحوار الوطني عن مؤتمرات الشباب، مؤكدين أن السيسي سيحاور نفسه، طالما المعارضة الحقيقية وأولها الاخوان المسلمون غائبة.

وكانت المفاجأة الثانية، هي دعوة الأكاديمية رموز النظام، مثل الإعلامي مصطفى بكري وبعض السياسيين الموالين للحوار، ما يشير إلى أن الهدف "ليس سياسيا، وإنما إلقاء خطب وتفريغ الحوار من مضمونه".

أما المفاجأة الثالثة، فكانت غياب الدعوات الموجهة للمعارضين الحقيقيين، وإعلان عدد من الأحزاب التابعة مباشرة للمخابرات أو الموالية، تلقيها في 10 مايو/أيار 2022، دعوات لإجراء الحوار السياسي.

وبخلاف أحزاب السلطة (المستقل، وحماة وطن، والمصريين الأحرار، وغيرهم) لم يعلن عن دعوة أي قوة معارضة، سوى التيارات التي تسمي نفسها "مدنية"، مثل حزب الدستور والأحزاب اليسارية والناصرية.

وحزب الوفد الليبرالي الموالي للسلطة، والتجمع اليساري "المستأنس"، وحزب النور السلفي "المستأنس"، الذين رحبوا بدعوتهم، وأعلنوا المشاركة في الحوار.

وأعلنت جهات حكومية أو موالية تلقيها دعوات للحوار، منها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، ونقابة الصحفيين التي يسيطر عليها موالون للسلطة.

وجمعيات خيرية، مثل "رسالة"، و"مؤسسة شارعنا للرعاية والتنمية"، و"الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية"، وغيرها من الهيئات غير المعروفة ولا علاقة لها بالحوار السياسي، لكن تمت دعوتها.

لذا أبدى رئيس حزب "الدستور" السابق، خالد داود، مخاوف تتعلق بالجهات التي تتم دعوتها وكيفية تنظيمها والموضوعات التي ستتم مناقشتها، مؤكدا أنها "ستكشف جدية الحوار".

وأكد داوود لموقع "المونيتور" الأميركي في 10 مايو 2022 أن "قلقنا هو أن يتحول إلى مؤتمر يحضره مئات الشخصيات، بما في ذلك العشرات من المؤيدين للنظام، مما سيضعف فرص أولئك الذين لديهم رأي مخالف للتعبير عن آرائهم".

ولتخفيف حالة الاحتقان إزاء تكليف جهة استخبارية بإدارة الحوار ودعوة رموز حكومية للتحاور معها، أصدرت "لجنة العفو الرئاسي" بيانا عن "قرب إصدار قائمة بالعفو تتضمن العشرات من الحالات التي تلقتها اللجنة خلال الفترة الماضية".

إدارة مخابراتية 

على غرار إدارة مخابرات نظام الرئيس الأسبق، حسني مبارك، الحوار مع رموز المعارضة عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 عبر اللواء الراحل عمر سليمان، اختار السيسي إجراء الحوار مع المعارضة العلمانية، بعد استبعاد الإسلامية والوطنية، عبر مخابراته.

وأعلنت الأكاديمية الوطنية للتدريب، في بيان 10 مايو 2022 أنها ستدير الحوار الوطني، "بكل تجرد وحيادية تامة"، و"يتمثل دورها في التنسيق بين الفئات المختلفة المشاركة دون التدخل في مضمون أو محتوى ما يتم مناقشته".

وأكدت أن هدف الحوار الوطني "يتماشى مع طموحات وتطلعات القيادة السياسية وكذا القوى السياسية المختلفة".

وأشارت إلى دعوة "جميع ممثلي المجتمع المصري بفئاته ومؤسساته كافة لضمان تمثيل جميع الفئات في الحوار المجتمعي"، مفسرة ما تعنيه بـ"جميع الفئات" بدعوة ممثلين من "محافظات مصر المختلفة"، لا القوى السياسية المعارضة. 

ويتشكل مجلس أمناء الأكاديمية برئاسة السيسي، من ممثلين عن رئاسة الجمهورية ورئيس جهاز المخابرات العامة ورئيس مجلس الوزراء، بحسب عضو البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، ومجلس النواب، خالد بدوي، في تدوينة عبر صفحته على فيسبوك في 10 مايو 2022.

وضمن عضويتها، وزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والتخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، والمالية، والمجلس الأعلى للجامعات، وعدد من الشباب والمسؤولين ذوي الخبرة.

وتستهدف هذه "الأكاديمية" إنتاج جيل جديد من العناصر الموالية للسيسي للدفع بها في الجهاز الإداري للدولة، والأجهزة السيادية والرقابية، وتحت إشراف مدير مكتب رئيس المخابرات العامة، اللواء عباس كامل.

ماهية الأكاديمية

توصف الأكاديمية الوطنية للتدريب بأنها "هيئة عامة اقتصادية تتبع رئيس الجمهورية"، وتهدف إلى تحقيق متطلبات التنمية البشرية بقطاعات الدولة كافة والارتقاء بهم.

وقد أنشئت في 28 أغسطس/آب 2017 بالقرار الجمهوري رقم 434 لسنة 2017 كأحد توصيات "المؤتمر الوطني الأول للشباب" بمدينة شرم الشيخ الذي انعقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

وضمن تكليفاتها المعلنة من جانب رئاسة الجمهورية، "إدارة وتنظيم مؤتمرات الشباب ومنتديات شباب العالم"، و"إجراء حوار مجتمعي مع ممثلين عن أطياف المجتمع المدني كافة".

ويقع مقر الأكاديمية في مدينة "6 أكتوبر" بمحافظة الجيزة، ويتكون من ست مباني على مساحة 10 آلاف متر، وتم تصميم نظام التعليم بالأكاديمية على غرار المدرسة الوطنية للإدارة الفرنسية بالتعاون مع عدد من الهيئات والمعاهد والمؤسسات الدولية.

وتُعَرف الهيئة نفسها وفق موقعها باللغة الإنجليزية بأنها "مؤسسة مستقلة تركز على إعداد وتجهيز المتدربين ليصبحوا قادة"، لكن في موقعها العربي تقول إنها "مؤسسة تجمع قادة المستقبل من مصر والمنطقة.. لقيادة عملية التنمية في المجتمع".

ويضم موقعها عدة برامج أو "مدارس"، أبرزها "المدرسة الرئاسية للقيادة" للتأهيل للقيادة وضخ الكوادر المتخصصة في شرايين القطاع الحكومي، وأيضا "مدرسة القيادة للعاملين بالدولة المصرية"، و"مدرسة القيادة للشركات"، و"مبادرات الأكاديمية الوطنية للتدريب" لتدريب موظفي الخطوط الأمامية التي تتعامل مباشرة مع الجمهور.

تحذير للنظام

ولأن معالم الحوار الوطني وما يسمى "العفو الرئاسي" كانت واضحة من قبل تكليف الأكاديمية الوطنية للتدريب بإدارة الحوار، حرصت أحزاب ومنظمات وسياسيون على تحذير النظام من تضييع الفرصة.

وفي 5 مايو 2022، قدمت ثماني منظمات حقوقية، مبكرا، مقترحات "بمعايير وضوابط للإفراج عن جميع السجناء السياسيين في مصر".

وركزت في بيان، على أن "فتح ملف السجناء السياسيين خطوة ضرورية وعاجلة تأخرت كثيرا، حتى أصبحت مصر من أوائل دول العالم من حيث ضخامة عدد المحبوسين بتهم سياسية".

ونوهت المنظمات بأنها تهدف إلى "تفادي أخطاء الماضي في التعامل مع هذا الملف أو الاستمرار في نهج ثبت فشله في تصفية مواقف الآلاف من السجناء السياسيين منذ إنشاء لجنة العفو الرئاسي عام 2016".

أيضا أصدر عشرات من السياسيين والحقوقيين بيانا في 9 مايو 2022 يطالبون السيسي بـ"تدابير جادة" لبناء الثقة بين النظام الحاكم والمجتمع المدني.

وأكدوا تلقيهم دعوة الحوار "بمزيج من الترقب والحذر"، بسبب "دأب النظام الحاكم على مدار ثماني سنوات على تخوين وقمع المعارضين ومنتقدي توجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتنكيل بكل من مارس حقه في التعبير السلمي". 

وعبروا عن "تخوفهم من الانحراف بالحوار المرتقب إلى شخصنة القضايا والإفراجات المتعلقة بها بدلا من الاتفاق على إجراءات بجدول زمني محدد لمواجهة الأزمة الأكبر التي تعيش مصر في ظلالها، بسبب تفضيل النظام الحاكم لاعتماد القمع كوسيلة حكم بديلا عن النقاش والحوار".

من جهته، أعلن تحالف الأحزاب المصرية (حكومية وعلمانية)، الذي يضم نحو 40 حزبا، في 11 مايو، ورقة تحت عنوان "الطريق إلى الحوار الوطني"، لتوضيح مطالبهم وآليات المشاركة في الحوار والملفات.

وكان ملفتا حديثهم أن الورقة "بهدف تقديم الدعم والمساندة للقيادة السياسية ومن منطلق المسؤولية الوطنية المُلقاة على عاتقنا جميعا".

ورغم عدم دعوتها، طالبت "حركة شباب 6 أبريل"، المعارضة، في 10 مايو، بـ"إطلاق سراح المزيد من المسجونين، قائلة إنها "تنتظر خارطة الطريق المقترحة لعملية الحوار الوطني.

ويرى الصحفي المعارض، سمير درويش، أن السيسي "بحاجة إلى خلق صورة جديدة من شأنها أن تساعد في التغلب على الأزمة الاقتصادية الحادة التي تنطوي على ديون داخلية وخارجية ضخمة".

وقال درويش، لـ"المونيتور" في 26 أبريل/نيسان 2022، إن "السيسي يحتاج إلى صورة تمحو صورته القديمة عن حكمه الفردي، لأنها ستجعله وحده يتحمل أعباء الفشل".

شروط الإخوان 

كانت المفاجأة هي إصدار جماعة الإخوان المسلمين (اللجنة القائمة بعمل المرشد) بيانا يرهن نجاح الحوار الوطني بـ"إطلاق المعتقلين ومشاركة الجميع وإطلاق الحريات وإلغاء الأحكام المسيسة والوقف الفوري لأحكام الإعدام السياسية"، رغم استبعادها.

وأكدت الجماعة في بيان 10 مايو/أيار 2022 أنها "منفتحة دائما على كل حوار من شأنه تحقيق الخير للمجتمع ولأبنائه جميعا".

لكنها ربطت مشاركتها – حال دعوتها – بأن يدير الحوار من طرفها "مجلس الشورى العام للجماعة ومكتب الإرشاد وعلى رأسهم المرشد العام، محمد بديع، ومؤسساتها المعنية صاحبة الحق الأصيل في التعبير عنها"، ما يعني الإفراج عنهم أولا.

وكان المفوض السابق للعلاقات الدولية بجماعة "الإخوان المسلمون"، يوسف ندا، أصدر بيانا مشابها في 30 أبريل/نيسان 2022 عبارة عن رسالة مفتوحة للنظام أن "باب جماعة مفتوح للحوار والصفح بعد رد المظالم".

وطالب بـ"إنهاء معاناة المعتقلين وأسرهم، وتفعيل نص المادة 241 من الدستور الخاصة بإصدار قانون العدالة الانتقالية".

ورغم أن بيان الإخوان وبيان "ندا" يعبران عن توافق القيادتين المعبرتين عن جماعة الإخوان المسلمين في لندن وإسطنبول، فقد استقبلت أوساط الناصريين هذه الرسالة بغضب وانتقدوها بشدة مطالبين السيسي بعدم الحوار مع الإخوان.

ورد الصحفي الناصري، عبد الله السناوي، الداعم للسيسي في مقال بجريدة الشروق 8 مايو/أيار 2022 على دعوة "ندا" قائلا: "لا يتوقع أحد أي رد على رسالة يوسف، ولا أن توجه أية دعوة لممثلين عن الجماعة للانخراط في الحوار الوطني المزمع".

وزعم أن "الجماعة لا تحاور، ولا تلتزم وعودها، بل تعقد الصفقات على حساب أية قيمة، كالتي أعقبت عودتها مطلع سبعينيات القرن الماضي لضرب القوى الناصرية واليسارية في الجامعات المصرية، التي كانت تمثل صداعا سياسيا للرئيس محمد أنور السادات".

كما رأى محسوبون على نظام السيسي أيضا أن دعوات الإخوان للحوار "وقبولهم مرة أخرى "انتهى من قاموس المجتمع والدولة المصرية".

وضمن مؤشرات هذا الحوار العنصري القاصر على مؤيدي انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، أعلن وزير العدل، عمر مروان، في حوار مع الإعلامي أحمد موسى، بقناة "صدى البلد"، أنه "تم فصل كل الخلايا الإخوانية في القضاء وعددهم لا يتجاوز العشرات"، وفق تعبيره.

كما ردت السلطة على شروط الإخوان لنجاح الحوار، عبر المذيع نشأت الديهي الذي ذكر أنه لم يتم توجيه دعوة أصلا للإخوان، قائلا: "هو حد بعت لكم دعوة؟ أنتوا لا معارضة ولا فصيل وطني ولا ليكم وطن ولا دين انتوا تنظيم إرهابي!".

وفسر الصحفي المصري المعارض، وائل قنديل، مبادرة السيسي بإجراء حوار وطني بأنه "تحضير لامتحان الرئيس الأميركي جو بايدن".

ويزور بايدن إسرائيل في يونيو/حزيران 2022، وأشارت صحيفة "أكسيوس" في 3 مايو/أيار 2022 إلى "تحضيرات لقمة عربية إسرائيلية أميركية، قد يحضرها السيسي في إسرائيل".

وأوضح في مقال نشرته صحيفة "العربي الجديد" في 11 مايو 2022 أن "ما يدور الآن في عواصم عربية من تفاعلات سياسية يأتي استباقا وتحضيرا لاستقبال بايدن".


تحميل

المصادر:

1

Egyptian political opposition prepares for national dialogue with government

2

أكاديمية السيسي تدير “الحوار الوطني” وترقب قائمة عفو رئاسي

3

الإخوان المسلمون: نجاح الحوار الوطني مرهون بإطلاق المعتقلين ومشاركة الجميع

4

أحزاب ترحب بالمشاركة في الحوار الوطني: سيضع خارطة طريق لمجابهة التحديات الراهنة

5

حوار وطني تحضيرًا لامتحان بايدن

كلمات مفتاحية :

الأكاديمية الوطنية للتدريب الحوار الوطني جماعة الإخوان المسلمون مصر نظام السيسي