لماذا يخاف نتنياهو من دعوات طلاب أميركا قطع دعم "الأوقاف" عن إسرائيل؟

إسماعيل يوسف | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

بجانب انزعاج الاحتلال الإسرائيلي من احتجاج طلاب وأستاذة الجامعات الأميركية على إبادة قطاع غزة، يُقلقه أكثر دعوة الطلاب لسحب "استثمارات" تضعها جامعاتهم في شركات تدعم أو تمول إسرائيل.

ورفع طلاب أغلب الجامعات الأميركية عرائض ولافتات، وأصدروا بيانات تطالب بوقف استثمارات خاصة بجامعاتهم أو حكومتهم تذهب بعض عوائدها لحكومة الاحتلال وجيشها، وبما يدعم العدوان على غزة وإبادة أهلها.

هذه المطالب أرعبت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأركان حكومته، ودفعتهم إلى مهاجمة الطلاب ودعوة واشنطن لقمعهم، ليس فقط لوقوفهم ضد عدوانه على غزة، بل لمطالبتهم بحرمان إسرائيل من عوائد هذه الاستثمارات الجامعية.

مطالب إنسانية

ويدعو طلاب الجامعات الأميركية الذين يتظاهرون ويعتصمون في الحرم الجامعي لقرابة 75 جامعة تشارك في الاحتجاجات حاليا، إلى وقف إطلاق النار في غزة، والمقاطعة الأكاديمية للجامعات الإسرائيلية.

أما الأهم، فهو دعوة الطلاب جامعاتهم لسحب "كل الموارد المالية للجامعة، بما في ذلك أموال الوقف (الاستثمار)، من الشركات والمؤسسات التي تستفيد من الفصل العنصري الإسرائيلي والإبادة الجماعية والاحتلال في فلسطين"، وفق بيان طلاب جامعة كولومبيا.

وطالبوا بسحب استثمارات جامعاتهم المباشرة أو حصصها في الشركات الأميركية التي تقوم بأعمال تجارية في إسرائيل أو معها، بما في ذلك شركتا "أمازون" و"جوجل"، واللتان أبرمتا عقدا بقيمة 1.2 مليار دولار مع حكومة نتنياهو، لتزويدها بقدرات متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يستخدم في إبادة جماعية للفلسطينيين.

الطلاب المحتجون طالبوا أيضا بسحب الاستثمارات من شركة "مايكروسوفت"، التي تقدم خدماتها لوزارة الدفاع والإدارة المدنية الإسرائيليتين. 

ومن شركات الصناعات الدفاعية التي تستفيد من إبادة غزة مثل "لوكهيد مارتن"، التي ارتفعت أرباحها بنسبة 14 بالمئة، وفقا لصحيفة "الغارديان" البريطانية في 25 أبريل/نيسان 2024.

واستهدفت الاحتجاجات أيضا استثمارات الجامعة في شركة تأجير واستئجار أماكن للسكن عبر الإنترنت "إير بي إن بي" وذلك بسبب تقديم خدماتها في المستوطنات بالضفة الغربية.

كما يطالب المحتجون جامعتهم بقطع صلاتها مع شركة "كاتربيلر" منذ عام 2003، عندما دهست جرافة مدرعة صنعتها الشركة للجيش الإسرائيلي الناشطة الأميركية المؤيدة للفلسطينيين، راشيل كوري، وقتلتها، وهي تحتج على هدم الاحتلال منازل فلسطينيين.

أيضا دعا طلاب في جامعة كاليفورنيا بيركلي، والمجموعات الطلابية في جامعة نيويورك، إلى سحب الاستثمارات من إسرائيل في جميع المجالات، بحسب صحيفة "الغارديان".

ودفعت مجموعات أخرى، مثل "تحالف العدالة" التابع لجامعة "ييل" والمجموعات الطلابية في جامعة كورنيل، المسؤولين الأميركيين إلى وقف وإلغاء استثمارات الجامعة في شركات تصنيع الأسلحة على وجه التحديد.

وأصدرت رابطة طلاب الجامعة الأميركية قرارا في 21 أبريل 2024 يدعو جامعة "ييل" إلى سحب الدعم من إسرائيل، لكن رئيسة الجامعة، سيلفيا بورويل، قالت إن "الجامعة لن تمتثل لمطلبهم".

وطالب الطلاب المحتجون في جامعة برينستون في بيان بـ"سحب استثماراتها والانفصال عن إسرائيل"، و"الكشف عن أبحاث الجامعة الممولة من وزارة الدفاع الأميركية والمتعلقة بـ"أسلحة الحرب وإنهائها".

وتشمل هذه الأبحاث "برمجيات آلية وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تمكين الإبادة الجماعية"، وفقا للطلاب.

أيضا حدد طلاب جامعة جنوب كاليفورنيا 6 مطالب، أبرزها الكشف عن استثماراتها في الشركات الإسرائيلية، وسحبها، وإنهاء برامج الدراسة في إسرائيل، وقطع الروابط الأكاديمية والبحثية مع الجامعات الإسرائيلية.

ورغم أنهم يواجهون معركة صعبة مع اللوبي الصهيوني، إلا أن مؤيدي سحب الاستثمارات يقولون إن حملاتهم "أدت إلى زيادة الوعي بالقضايا التي يسلطون الضوء عليها".

ويقولون إن فكرة سحب الاستثمارات، هدفها أيضا "إلحاق الضرر بالشركات التي تسيء إلى المتظاهرين بطرق مختلفة".

ومن ضمن مطالب طلاب الجامعات الأميركية المزيد من الشفافية حول استثمارات الجامعة وقطع علاقاتها مع المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، بما في ذلك المركز العالمي لجامعة كولومبيا في تل أبيب وبرنامجها للحصول على شهادات مشتركة مع جامعة المدينة ذاتها.

وتم رفع شعار "سحب الاستثمارات" من إسرائيل، أو مع الشركات ذات الصلة معها في لافتات المحتجين وافتتاحيات صحف الطلاب وخلال التجمعات العامة التي اجتاحت الجامعات، وسط محاولات لتحويلها إلى حركة مقاطعة شاملة لإسرائيل.

"أوقاف" الجامعة

تتشابه فكرة "الوقف" أو "الأوقاف الجامعية" في أميركا مع الفكرة الإسلامية المتعلقة بالوقف، مع الفارق، ويرى خبراء تاريخ أنها مقتبسة من تاريخ الوقف الإسلامي.

وكان أثرياء المسلمين والتجار وغيرهم يتبرعون بممتلكات أو أموال للإنفاق على أمور خيرية منها رعاية العلم والفقراء.

وهناك قصص كثيرة عن هذا الوقف الإسلامي من أجل التعليم في صورة التبرع بأراضٍ لبناء جامعة أو مدرسة، أو تخصيص أموال للإنفاق على أعمال خيرية من بينها التعليم.

وعلى هذا المنوال الإسلامي، تعتمد أغلب الجامعات الأميركية على ما يسمى "أوقاف الجامعة" أي استثمارات أو تبرعات قدمت للجامعات كي تنفق منها على الطلاب، وتقوم الجامعات باستثمارها في شركات أميركية بعضها يدعم الاحتلال.

وتعتمد على "أوقاف" مخصصة لأغراض تعليمية، تبرع بها أفراد ولكنها توضع في "صناديق استثمار" ربوية، ومن عوائد تلك الاستثمارات يتم تمويل الأنشطة التعليمية، ويعترض الطلاب على استثمارها في شركات تمول إسرائيل.

ووفقا لكاتبة العمود في صحيفة "واشنطن بوست"، ميغان مكاردل، تبلغ قيمة هذه الأوقاف الجامعية الأميركية التي تمثل تراكما هائلا لرأس المال، "ما لا يقل عن 839 مليار دولار بحسب آخر إحصاء".

وأكدت في مقال نشرته في 25 أبريل، أنه "لا يتم استثمار كل أموال الجامعات في الأسهم أو سندات الشركات، فوفقا لتقرير الوصي السنوي لشركة كولومبيا، كان ربع استثمارات الجامعة، أي حوالي 3.7 مليارات دولار، في الأسهم العالمية بنهاية عام 2023".

وهناك 3,6 مليارات دولار أخرى في هيئة أسهم خاصة، والباقي في هيئة نقد، ودخل ثابت، وأصول بديلة متنوعة، وهذا مبلغ ضئيل مقارنة بسوق الأوراق المالية العالمية التي تبلغ قيمتها المجمعة نحو 100 تريليون دولار.

ويعد وقف جامعة هارفارد، هو الأكبر حيث يصل إلى 50 مليار دولار تقريبا، كأكبر جامعة أميركية، تليها جامعة "ييل" بـ27.2 مليار دولار، كثاني أكبر وقف جامعي في الولايات المتحدة.

وتأسست هارفارد عام 1636 على يد الثري البريطاني جون هارفارد، الذي أسهم في بنائها بأمواله، واستثمرت هذه الأموال حتى بلغت أكثر من 50 مليار دولار حاليا، بحسب "الرابطة الوطنية للكليات والجامعات في أميركا" في 17 فبراير 2023.

وتقدر استثمارات (أوقاف) جامعة كولومبيا في نيويورك، بما يقرب من 14 مليار دولار، حسب تقارير 2023.

وتقول صحيفة "نيويورك تايمز" في 24 أبريل 2024 أن هذه الأموال المستهدفة بمطالبات سحب الاستثمارات، والتي يعدها المحتجون إشكالية "لا تمثل حصة كبيرة".

وتؤكد أنها "أقل من عشرة بالمئة، من وقف جامعة كولومبيا البالغ 13.6 مليار دولار" على سبيل المثال.

وتضيف الصحيفة، أن المحتجين يطالبون بشفافية أكبر من الجامعة بشأن ممتلكاتها الخاصة للحصول على فهم أفضل لحجم استثماراتها الإجمالية في إسرائيل.

ويرى خبراء اقتصاد أن أحد عوائق سحب أو تعديل الاستثمارات هو أن من يدير أموال الأوقاف في الجامعات الأميركية، هم مديرو استثمار خارجيون، مثل البنوك الاستثمارية أو صناديق الاستثمار والشركات المتخصصة، ونظرتهم للأمر مادية بحتة. 

كما يشيرون لتعدد صناديق الاستثمار لهذه الأوقاف للجامعة الواحدة ما يُصعب من مهمة تحديد أيها مع إسرائيل، فأوقاف جامعة هارفارد، الأكبر على الإطلاق، موزعة على 12 ألف صندوق استثماري.

وثلثها تقريبا تديره شركة تابعة للجامعة هي شركة إدارة أعمال هارفارد، أما النسبة المتبقية فتتم إدارتها من جانب شركات متخصصة، بحسب الصحف الأميركية.

رفض قاطع 

ورفضت عدة جامعات أميركية بشكل قاطع سحب أو تعديل استثماراتها التي يقول الطلاب إنها تخدم الاحتلال الإسرائيلي وشركات السلاح، واكتفت بعقد لقاءات لإقناع الطلاب بأهميتها وأنها ليست كلها مستثمرة في شركات تدعم إسرائيل، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

ويشير تقرير لشبكة "سي إن إن" في 26 أبريل 2024 إلى أنه "لم تعلن أي من الجامعات عن خطط لسحب الاستثمارات المرتبطة بإسرائيل"، ونقلت عن "خبراء" أنهم يعارضون قبول هذا الطلب.

وزعم الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة ييل، جوناثان ماسي، للشبكة أن "العقبة الكبيرة أمام سحب الاستثمارات هي أن أي جامعة تدعم سحب الاستثمارات سترسل إشارة واضحة مفادها أنها إما تذعن لمطالب الطلاب المؤيدين للفلسطينيين أو تُدعم تدمير دولة إسرائيل ومواطنيها".

وأوضحت جامعة هارفارد، التي يصل إجمالي وقفها إلى 50 مليار دولار تقريبا، كأكبر جامعة أميركية، أنها "تعارض الدعوات لسياسة مقاطعة إسرائيل ومؤسساتها الأكاديمية".

ويقول المدير التنفيذي وأحد مؤسسي شبكة الأوقاف ذات الأهداف المحددة، جورج داير، لوكالة "أسوشيتد برس" الأميركية في 26 أبريل 2024 إن "مسألة سحب أو تعديل الاستثمارات ليست بالسهولة التي يعتقدها البعض".

وأشار إلى جانب مادي تسعى له إدارات أوقاف استثمارات الجامعات بعيدا عن الجانب الأخلاقي، مضيفا أن هذا الجانب المادي يسهم في الحصول على دعم القائمين على إدارة الوقف ومجالس الإدارات التي تدير الاستثمارات الجامعية بشكل مباشر.

وتقول الوكالة الأميركية إن الساسة ورجال الأعمال في الولايات المتحدة يرون أن أحد أسباب تردد إدارات أوقاف الجامعات في الإقدام على خطوة فك الارتباط الاستثماري مع إسرائيل يتمثل في "الانقسام" داخل الحرم الجامعي بين المنددين بإبادة غزة وبين الداعمين لإسرائيل.

وتصف إدارة جو بايدن وأعضاء في الكونغرس تلك الاحتجاجات الداعمة لوقف العدوان والمنددة بإسرائيل بأنها "معاداة للطلاب اليهود والسامية"، وهذا هو التوجه العام في الإعلام الأميركي.

ومن ناحية سياسية، سيكون من الصعب “ترجمة التأثير الضئيل لسحب الاستثمارات على الشركات إلى تغيير في سياسات البلدان التي تقع فيها المقرات الرئيسة لتلك الشركات”.

وأعلنت جامعة "ييل" عبر بيان في 21 أبريل 2024 أنها “لن تسحب استثماراتها من شركات تصنيع الأسلحة العسكرية”، بزعم أن لجنتها الاستشارية المعنية بالاستثمار "لا تعد هذا النشاط يستوفي معايير سحب الاستثمارات".

وقالت إن التصنيع العسكري "يدعم الاستخدامات الضرورية اجتماعيا، مثل إنفاذ القانون والأمن القومي".

ومن بين الجامعات الأخرى التي رفضت سحب استثماراتها من إسرائيل، خلال موجة الاحتجاجات الأخيرة، جامعة ميشيغان، التي قال مجلس أمنائها إنه لن ينظر في سحب الاستثمارات "من أي نوع".

ومطالبات سحب الاستثمارات من إسرائيل ليست جديدة ولا ترتبط بالعدوان على غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بل سبق أن رفعها طلاب بالجامعات الأميركية خلال السنوات الأخيرة، في إطار عمل "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات".

وسبق للجنة طلابية في جامعة براون، أن أوصت عام 2020، بأن تسحب الجامعة استثماراتها من بعض الشركات التي "تجني أرباحا من انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين"، لكن رئيسة الجامعة كريستينا باكسون، رفضت المضي قدما في هذا الاقتراح، وفق ما ذكرته "نيويورك تايمز".

وفي عام 2009، سحبت كلية “هامبشاير” استثماراتها من صندوق استثماري متبادل يمتلك حصصا إسرائيلية بعد مواجهة ضغوط من نشطاء هذه الحركة، غير أن إدارة المؤسسة نفت رسميا أن القرار جاء بسبب دعوات المقاطعة.

أشبه بالجرب

ما أزعج الاحتلال الاسرائيلي أن حملة المقاطعة هذه بدأت تؤتي ثمارها، فقد قررت جامعة يورك البريطانية إنهاء علاقاتها المالية مع الشركات المصنعة للسلاح التي تقدم ذخيرتها لجيش الاحتلال.

واستبقت جامعة بورتلاند الاحتجاجات المؤيدة لسحب الاستثمارات من الحرم الجامعي وقررت في رسالة بعثت بها إلى أعضاء هيئة التدريس والطلاب وقف قبول أي تبرعات للجامعة من شركة "بوينج" لأنها مشاركة في آلة الحرب الإسرائيلية.

وجاء هذا النجاح لحملة المقاطعة بعدما وصل عدد الجامعات المعتصمة من أجل فلسطين والمطالبة بوقف أي استثمارات أميركية في إسرائيل أو دخول جامعاتهم في استثمارات مع شركات تدعم إسرائيل إلى قرابة 75 جامعة.

ودفع هذا كُتاب صحيفة "هآرتس" الليبرالية العبرية لكتابة مقال لافت في 25 أبريل 2024 يقولون فيه إن "إسرائيل أصبحت أشبه بالجرب الذي يهرب منه الجميع بسبب غزة".

وقالوا: “نحن (الإسرائيليين) أشخاص غير مرغوب فيه، بتنا مثل الشيطان تقريبا، والعالم كله يقاطعنا”.

وأضاف الكتاب: "جميع صانعي الأفلام والناشرين والمنتجين والفنانين والموسيقيين الإسرائيليين لديهم نفس الرسالة: نحن وعملنا الإبداعي غير مرغوب فيهم على المستوى الدولي".

وما يقلق إسرائيل أكثر هو تركيز طلاب الجامعات الأميركية على سحب استثماراتها من شركات السلاح وصناديق "بلاك روك" وهي أكبر شركة لإدارة الأصول عبر العالم، والتي تمتلك أسهما في كل الشركات المتداولة في البورصة.