يهاجم المنتقدين.. كيف تسبب سعيد في تعقيد المشهد التونسي قبيل الانتخابات؟

12 days ago

12

طباعة

مشاركة

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، تزداد عزلة رئيس النظام التونسي قيس سعيد الذي وضع أخيرا جميع السلطات في يده وكشر عن أنيابه الديكتاتورية.

وفي هذا السياق، تتناول صحيفة "جون أفريك" الفرنسية الوضع السياسي الحالي في تونس تحت حكم سعيد، مؤكدة تصاعد التوترات مع اقتراب الانتخابات.

وتبرز فشل سعيد في تحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي، مع ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الفقر، متطرقة إلى التحديات التي تجعل الوضع السياسي في تونس معقدا للغاية قبل الانتخابات.

صمت تام

ورأت الصحيفة الفرنسية أن "قيس سعيد، البالغ من العمر 66 عاما، حظى بتأييد 72 بالمئة من الناخبين في عام 2019، ليس فقط لشخصيته النزيهة، ولكن أيضا بسبب رفضهم الطبقة السياسية الفاسدة". 

وبدأ سعيد ولايته الأولى دون أي خبرة في السلطة وبصلاحيات محدودة. ولكن في 25 يوليو/ تموز 2021، نفذ انقلابا مؤسسيا وبدأ في تفكيك النظام السياسي الذي نشأ في أعقاب ثورة 2011، والذي لم يخفِ معارضته له.

وتعلق الصحيفة على الوضع الحالي قائلة إن "سعيد بلا شك لا يزال أقوى رجل في البلاد، لكن حكمه غير المكتمل وسجله المحير جعلاه ضعيفا".

ورغم أنه لم يعلن ترشحه رسميا، إلا أن الصحيفة تؤكد أنه سيترشح لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية في أكتوبر وهو ما يشير إليه مؤيدوه على وسائل التواصل الاجتماعي. 

"وفي غضون ذلك، ومع الأخذ في الحسبان أن الرئيس التونسي لم يعلن عن نواياه بعد، إلا أنه يضايق جميع من قد ينافسه أو يجرؤ على التعبير عن معارضته لتجديد ولايته".

وعلى حد وصف الصحيفة، يسود الصمت أمام مشهد تحتدم فيه المنافسة السياسية وتتصاعد التوترات كذلك.

ومع بقاء أربعة أشهر على موعدها، يرى رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فاروق بوعسكر أنه "يجب أن تُجرى الانتخابات بشكل مثالي في أكتوبر على الرغم من كل التوترات".

رفض الحوار 

ومع توليه منصب الرئاسة، تسلط الصحيفة الفرنسية الضوء على أن الخطوة الأولى في مسيرة سعيد كانت "القضاء على كل من سبقه". 

وبعد انتخابه، لأنه بدا رجلا جديدا مستقلا عن الأحزاب التي تعاقبت على السلطة دون جدوى منذ سقوط الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تقول الصحيفة "إن سعيد سرعان ما تحول إلى مقاتل مهمته تعقب الأشرار الذين، وفقا له، يخربون البلاد".

وأدى هذا النهج إلى انقسام المواطنين وخلق جو من الريبة المريضة، خاصة وأن سعيد يتردد في الأخذ في الحسبان بالآراء المخالفة أو التسامح مع أي معارضة، رافضا بشكل منهجي أي فكرة للحوار الوطني.

ويعلق أحد مؤيديه السابقين على هذا التحول، قائلا: "كان يُتوقع منه أن يوحد التونسيين، لكنه قسمهم بإظهار اهتمام ضئيل بآرائهم وتنوعهم".

ولفت إلى أن "إدارة سعيد تتميز بالإقصاء"، مشيرا إلى أن "ضحاياه الأوائل كانوا الهيئات الوسيطة".

واليوم، مع اقتراب موعد انتهاء ولايته، تلفت الصحيفة إلى أن خبراء القانون الدستوري لن يتمكنوا من تجنب مواجهة سجله. 

ولكن بالحديث عن كيفية تقييمه، تشير إلى أن سعيد أعاد تنظيم الحياة المؤسسية.

وذلك من خلال اعتماد دستور جديد يتكون فيه البرلمان الآن من غرفتين -مقابل غرفة واحدة قبل عام 2022- لم تعودا تشكلان في الواقع سلطة تشريعية مستقلة، ولكن مجرد "وظيفة" تشريعية. 

إذ أصبحت الحكومة الآن تكتفي بتنفيذ تعليمات رئيس يمتلك جميع السلطات بمفرده.

معارك خاسرة

ولأن السجل لا يقتصر على هذه التعديلات المؤسسية، تلفت "جون أفريك" الأنظار إلى العديد من الملفات الملحة التي كانت تنتظر سعيد عندما انتخب رئيسا للدولة. فعلى سبيل المثال، كان من بين الملفات الأولى ملف التعيينات في الخدمة المدنية. 

وفي عام 2019، أكد سعيد على أن آلاف التعيينات جرت بطريقة احتيالية، مما سيبرر مراجعة شاملة لملفات الموظفين. 

ونتيجة لهذه الحملة الواسعة، من بين مئات الآلاف من الحالات التي جرى فحصها، أُبلغ عن 2700 ملف قد يحتوي على "شذوذ" محتمل لا يزال بحاجة إلى تحديد دقيق، وفق الصحيفة.

وبخلاف هذا الملف، كان ينتظر سعيد الأمر الأكثر حساسية في نظر السكان، وهو التضخم الجامح الذي وعد الرئيس بمكافحته بلا هوادة من خلال ملاحقة "المضاربين" وتنفيذ نموذج جديد لـ "الشركات المجتمعية".

وهنا، تقول الصحيفة إن "أيا من الإجراءات المتخذة لم تمنع أسعار السلع وخاصة الأساسية من الارتفاع، كما واجهت الشركات التي من المفترض أن تقدم حلا للمشكلة صعوبة في النشأة والتأسيس". 

ومع ذلك، اعتقد سعيد أنه يمكنه تسريع العملية من خلال الاعتماد على "الصلح الجزائي"، وهي طريقة لإجبار الأشخاص الذين اكتسبوا مزايا أو أموالا تعود إلى الدولة على إعادتها، مع غرامة إضافية. ومن ثم تحويل الأموال التي جُمعت بهذه الطريقة إلى المساحات الأكثر حاجة إليها. 

ولكن على حد قول الصحيفة الفرنسية: "علقت هذه الآلية، في متاهات قضائية، واستمرت الأزمة، التي كانت موجودة بالفعل قبل وصول سعيد إلى قصر قرطاج، مما أدى إلى تحول المؤشرات إلى اللون الأحمر". 

وتعتقد أنه "كان يمكن تخفيف آثارها لو أُخذت الحقائق الاقتصادية والقيود الدولية في الحسبان، ولكن يبدو أن الرئيس لم يهتم بآراء مستشاريه". 

ومن وجهة نظره، "تُعزى جميع إخفاقات البلاد إلى نوايا الإضرار بتونس من قبل مكاتب سرية بأوامر من قوى أجنبية". 

وفي هذا الصدد، تقول الصحيفة إن "وجهة النظر ذات الطبيعة المؤامراتية هذه انتهى بها الأمر إلى إضعاف موقف البلاد، على الرغم من أنها من الموقعين على معظم المواثيق والمعاهدات الدولية".

الاستثناء الوحيد

وبناء على ما سبق، تلفت الأنظار إلى أن "تهمة التدخل تطول جميع الآراء التي تنتقد، إلى حد ما، حالة حقوق الإنسان أو حرية الصحافة في تونس، سواء صدرت عن المنظمات غير الحكومية أو البرلمان الأوروبي أو لجنة البندقية". 

ولجنة البندقية هي اختصار لـ "اللجنة الأوروبية للديمقراطية عن طريق القانون" والتي أوقف سعيد منتصف عام 2022 عضوية بلاده فيها وطرد مبعوثيها بعد تقرير لها ينتقد الاستفتاء الأخير على الدستور.

بالإضافة إلى ذلك، تشمل تهمة التدخل أيضا التحليلات المتشائمة لوكالات التصنيف الائتماني. 

وهنا، يبدو أن الشريك الوحيد الذي يبدو أنه يفلت من هذا الاتهام؛ إيطاليا ورئيسة وزرائها من اليمين المتطرف، جورجيا ميلوني، والتي يبدو أن سعيد يقبل اقتراحاتها بشأن الإدارة المشتركة أو التعاون بشأن مسألة السيطرة على تدفقات الهجرة، بحسب ما ذكرته الصحيفة.

وبالحديث عن هذه المسألة، توضح أن "الكثير من الساعين للهجرة إلى أوروبا يمرون عبر تونس، وأحيانا يقيمون فيها في انتظار وسيلة لعبور البحر المتوسط، مما أدى في النهاية إلى تفاقم التوتر في بعض مناطق البلاد". 

وفي هذا السياق، تقول: "لم يقدم الرئيس أي حل لمشكلة الهجرة، باستثناء عدّ تصريحاته المعادية بشدة للمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء في فبراير/ شباط 2023 -والتي كان لها تأثير رئيس في تعميق الفجوة بين تونس والعديد من عواصم القارة الإفريقية- مبادرة سياسية مدروسة".

وفي النهاية، تختتم بتأكيدها على أن "التوتر وصل إلى ذروته اليوم، بينما يقترب موعد الانتخابات الرئاسية التي لم يُعلن عن تاريخها الرسمي بعد، ولم يتقدم أي مرشح لها حتى الآن".

وتنوه الصحيفة أنه "بجانب رجال الأعمال والمعارضين السياسيين الذين سبق سجنهم، انضم صحفيون ومحامون وناشطون وحتى رؤساء الاتحادات الرياضية".

وبينما تتواصل التظاهرات بين حين وآخر في شوارع تونس، عُلم أن المحامي مهدي زغربا يتعرض للعنف في السجن أثناء احتجازه، وذلك بعد أن تجرأ على الدفاع عن زميلته المحامية سونيا الدهماني التي أُوقفت عن العمل خلال مايو/أيار 2024.

وهذا العنف ضد المعارضين يُعد علامة أخرى لما يراه عدد متزايد من المراقبين على أنه "انزلاق استبدادي طويل لا مفر منه للنظام".

الكلمات المفتاحية