Sunday 25 February, 2024

صحيفة الاستقلال

فزاعة الفشل.. هكذا يصر السيسي على تخويف المصريين من مصير دول أخرى

منذ 2024/02/08 09:02:00 | تقارير
"فزاعات السيسي مجرد شماعات يعلق عليها فشله"
حجم الخط

منذ بدايات حكمه عام 2014 بعد انقلابه الشهير، دأب رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي على استحضار نماذج الدول والشعوب المأزومة في مفردات خطاباته العامة.

ووصل الأمر في كثير من الأحيان إلى تجاوز الأعراف الرسمية والبروتوكولات الرئاسية، وزيادة على ذلك تم عدّ الأمر إهانة لتلك الشعوب الشقيقة والقريبة من الشعب المصري.

وكان آخر تلك الوقائع، عندما ألقى السيسي خطابا خلال احتفالات عيد الشرطة في 24 يناير/ كانون الثاني 2024، وتطرق فيه إلى الأزمات والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وبدلا من أن يتحدث عن الحلول والخطط المستقبلية، ضرب مثلا بما يحدث في قطاع غزة الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي غاشم منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ارتقى على أثره آلاف من الشعب الفلسطيني المحاصر.

معايرة غزة

وقال السيسي: "كل حاجة تهون إلا بلدنا.. إحنا بناكل وبنشرب وكل حاجة ماشية.. طاب غالية أو بعضها مش متوفر.. إيه يعني؟ ربنا مدينا مثال حي لناس مش عارفين ندخلها أكل في غزة".

وأضاف: "شوية قمح أو شوية زيت علشان يعملوا لقمة عيش ياكلوها بقالنا 4 شهور".

وأكمل: "أنا أقدر هذه الظروف، وأقدر أكثر صلابة المصريين، وده كلام مش معنوي.. أنا عارف إن الظروف صعبة والأسعار غالية، لكن يمكن ربنا أراد إننا نشوف مشاهد قاسية جدا في غزة، ونشوف أكثر من 25 ألف شهيد، ثلثهم من النساء والأطفال وتدمير كامل للقطاع".

حديث السيسي أغضب الفلسطينيين، الذين عبروا عن امتعاضهم في تغريدات على منصة "إكس" فكتب الناشط بلال نزار ريان، قائلا: "أكبر رئيس دولة عربية بيعاير فينا أمام شعبه بسبب الجوع والحصار.. يا للعار والشنار". 

وكتب الباحث الفلسطيني أدهم أبو سلمية: "كم هو مُعيب هذا التوظيف السياسي لآلامنا وأوجاعنا، كم هو مُعيب أن توظف مجاعة غزة التي تُشاركون فيها لأغراض سياسية".

وأضاف: "فعلا؛ كلنا حنروح من ربنا فين؟! الحمد لله أنه رب عادل وعنده سيلتقي الخصوم". 

 

معايرة الصومال

لم يكتف السيسي بغزة في ذلك الأسبوع، حيث استضاف في 21 يناير 2024 الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في القاهرة، لبحث الاتفاق المهدد للصومال.

ومطلع يناير/ كانون الثاني 2024، شاب العلاقات بين مقديشو وأديس أبابا حالة من التوتر، بعد توقيع الأخيرة مذكرة تفاهم مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي، تمهّد الطريق لبناء قاعدة عسكرية إثيوبية وتأجير ميناء بربرة على البحر الأحمر لـ50 سنة.

وتتصرف "أرض الصومال"، التي لا تتمتع باعتراف رسمي منذ إعلانها الانفصال عن الصومال عام 1991، بصفتها كيانا مستقلا إداريا وسياسيا وأمنيا، مع عجز الحكومة المركزية عن بسط سيطرتها على الإقليم، أو تمكن قيادته من انتزاع الاستقلال.

ورغم أن السيسي أعلن دعمه للصومال ورفض التحركات الإثيوبية حولها، لكنه خلال المؤتمر الصحفي كسر كل القواعد والبروتوكولات أمام الرئيس الصومالي، حين بدأ يتحدث سلبيا عن الأوضاع الاقتصادية في البلد العربي الإفريقي. 

وقال رئيس النظام: "الصومال دخل في مشكلة مع بداية التسعينيات، ومنذ ذلك الوقت استمرت مشاكل وتحديات عصفت بقدرات الدولة لأكثر من 30 سنة".

ووجه حديثه للمصريين ضاربا المثل بما يحدث في الصومال: "حافظوا على استقراركم وبلدكم، وأي تحديات يمكن مواجهتها طالما الدولة مستقرة وآمنة، والدول لو دخلت مرحلة عدم استقرار مبترجعش بسهولة، ممكن تظل في أزمات على مدار عقود". 

وتابع في ظل استماع رئيس الصومال لما يقال عن بلده: "حجم الاقتصاد الصومالي 7 مليون دولار على عدد سكان 25 مليون نسمة، ولو وجد هناك لكان الوضع الاقتصادي أفضل". 

وتسبب خطاب السيسي في استياء لدى الشعب الصومالي وعلق على تصريحاته سياسيون وصحفيون.

وغرد الصحفي يوسف غابوبى، عبر حسابه على "إكس" قائلا: "يذهب الرئيس الصومالي إلى مصر ليتعرض للإذلال من قبل مضيفه السيسي، لإخافة المصريين، في حال قيام ثورة ضد نظامه، استشهد بالصومال كمثال على الفظائع التي يعيشها الناس في دولة فاشلة".

سوريا والعراق

استخدام السيسي للدول كفزاعة، ووصول الأمر إلى حد المعايرة بعدم الاستقرار والفوضى، إستراتيجية اتبعها على مدار سنوات حكمه.

وبعد انقلابه العسكري على الرئيس المنتخب ديمقراطيا الراحل محمد مرسي، في 3 يوليو/ تموز 2013، وسحقه لكل الاستحقاقات الانتخابية والدستورية، بدأ الترويج لفكرة ضرورة تحمل الأوضاع الصعبة، والصبر على أزمات انقطاع المياه والكهرباء وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق في تاريخ مصر، "حتى لا تلقى البلاد المصير السوري والعراقي".

وأصبحت جملة "كي لا نصبح مثل سوريا أو العراق" بمثابة ترند لدى المصريين، خاصة أنها استخدمت بكثافة خلال الحملات الانتخابية للسيسي.

وروج مؤيدوه من الإعلاميين والسياسيين أن عدم انتخابه يعني مواجهة عنف واضطراب على غرار الدولتين العربيتين الشقيقتين.

ومن المفارقات أنه خلال حضور السيسي  القمة العالمية للحكومات بدبي في 13 فبراير 2023، وكان وقتها يلمح لاحتياج مصر للاستثمارات الخليجية لتجاوز الوضع الاقتصادي المتدهور، فاجأ الجميع عندما تحول بالحديث إلى سوريا ضاربا بها المثل في دول المنطقة التي تعاني وتحتاج إلى مساعدات.

وقال: "أمس كنت قاعد مع أخويا محمد بن زايد رئيس الإمارات، وقولتله هطلب منك طلب.. قولتله سوريا عشان خاطر ربنا، ساعدوا سوريا".

لكن تلك الأمثلة التي يضربها دائما السيسي عن الدول لا تعبر عن تدهور الأوضاع في مصر بشكل متسارع، يجعلها في حد ذاتها مضربا للأمثال.

ففي مطلع فبراير 2024، نشرت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، تقريرها تحت عنوان: "مصر لا تستحق صفقة إنقاذ مالية جديدة".

وذكرت أن "مصر كانت على حافة الهاوية لبعض الوقت، لقد تضررت بشدة من الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية بسبب الحرب في أوكرانيا، وتعدّ عملتها واحدة من أسوأ العملات أداء في العالم".

وأضافت المجلة أنه "من المتوقع أن تصل مدفوعات ديونها الخارجية إلى 29 مليار دولار (8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي) هذا العام".

وذكرت أنه "للبقاء على قيد الحياة، اعتمدت مصر على الودائع من الخليج، والدفعات المتكررة من صندوق النقد الدولي".

وعقبت: "هي حاليا ثاني أكبر مدينة للصندوق، وكما هو متوقع، عاد مسؤولو صندوق النقد الدولي إلى القاهرة لتفادي التخلف عن السداد".

ووصفت المجلة البريطانية السيسي الذي قد قاد انقلابا عام 2013 وتولى الرئاسة في العام التالي، بأنه "مدير سيئ" للاقتصاد.

وقالت عن الشعب المصري إنه "محبط ومن المحتمل أن يخرج في احتجاجات حاشدة غير مسبوقة".

سابقة "سيساوية"

ووصف الباحث السياسي بجامعة "آيدن" التركية، أحمد راضي، استخدام السيسي الشعوب والدول كأمثلة يجب تجنبها بـ"السابقة السيساوية" وأنه "يمتهن الأعراف الدبلوماسية على نحو خطير ومضر لعلاقة مصر وشعبها بالدول الأخرى خاصة الشقيقة مثل فلسطين وسوريا والعراق".

وقال راضي لـ"الاستقلال": "لو تخيلنا الأمر بالعكس ووجدنا أن أحد حكام المنطقة يدخل (مصر) في جملة مفيدة، كنموذج للفقر والفشل والاستبداد السياسي والاجتماعي، هل سيكون مقبولا؟".

وأكمل: "مع الأسف الشعب المصري في وضع يجعل غيره أن يعايره بسهولة، وبالفعل نحن نعير بحكم (السيسي) وبأن رجلا مثله يقود دولة كمصر، قام بتقزيمها وتفريغ دورها وجعلها أضحوكة بين الأمم". 

واستطرد الباحث المصري: "ومع ذلك فإن حديث السيسي وإعلامه يحمل كما كبيرا من المغالطات تجاه بعض الشعوب والدول، فالاقتصاد العراقي مثلا أحسن حالا بكثير من اقتصاد مصر، والشعب العراقي دخله أكبر من الشعب المصري".

وأتبع: "حتى إنه لما منعت السعودية تصدير البترول لمصر عام 2016، تدخلت الحكومة العراقية وأمدت القاهرة بالمواد البترولية، وبالمثل ليبيا التي يروج السيسي أنها دولة فاشلة، فهناك حتى الآن مئات الآلاف من العمالة المصرية تعمل بها". 

واختتم راضي حديثه: "الشعب المصري أكثر نضوجا الآن من أخذ مفردات خطاب السيسي بجدية، وهم يعلمون تماما أن الفزاعات مجرد شماعات يعلق عليها فشله وإدراكه أن الأزمة ليس لها حل، فيلجأ إلى التخويف حتى يركن الناس عن المعارضة والاحتجاج وربما الثورة التي إن حدثت لن تبقي ولن تذر". 


تحميل

المصادر:

1

السيسي عن الغلاء في مصر: ربنا مدينا مثال حي لناس مش عارفين ندخلها أكل في غزة

2

بعد المعايرة بسوريا والعراق .. السيسي يقارن تجويع مصر بما يحدث في غزة!!

3

حافظوا على بلدكم.. السيسي يوجه رسالة قوية للمصريين.. تفاصيل

4

الحرب فاقمت مصاعب مصر الاقتصادية.. والسيسي: محظوظون أنكم لستم في غزة

كلمات مفتاحية :

الاقتصاد الصومال العراق سوريا عبد الفتاح السيسي غزة مصر