Thursday 09 April, 2020

صحيفة الاستقلال

تعديلات الدستور بين “إعمل الصح وقول باطل”

يبدو أن كل الأمور تسير على ما يرام، وفقا لما خطط السيسي لنفسه وأبنائه من بعده، ولكن مهلا فلم يعد الأمر هكذا.
حجم الخط

إذا سقطت الثورة في مصر تسقط معها ثورات الربيع العربي ويقتل الحلم قبل ميلاده.

مقولة تحولت لفكرة ترددها ألسنة وتكتبها أقلام وتعرضها فضائيات على مدار أعوام ستة عجاف، هي عمر الثورة المضادة في مصر منذ انقلاب السيسي في الثالث من يوليو/ تموز عام 2013 على أول تجربة ديموقراطية مصرية، مليارات الدولارات أنفقتها حكومات خليجية لدعم انقلاب الجيش المصري والاستعانة بحركة تمرد لقيادة التظاهرات المناوئة لحكم الإخوان المسلمين، نجحوا من خلالها في إسقاط مكتسبات ثورة يناير والعودة بمصر إلى خمسينيات القرن الماضي.

سقطت الثورة في مصر وسقطت معها الموجة الأولى من الربيع العربي في سوريا واليمن وليبيا، وجاء السيسي ليقضي فترته الرئاسية الأولى، مع زخم شعبي مناصر لتصريحاته متفائل بما سيقدمه الرجل الذي اعتبروه منقذا لمصر من عصور الظلام والحرب الأهلية. ولكن سرعان ما توقفت مليارات الخليج الداعمة لبقائه لأسباب كثيرة أبرزها التعداد السكاني الكبير لمصر، الذي لا تكفيه أموال دول الخليج مجتمعة وخيبة الأمل الكبيرة التي أصاب السيسي بها حلفائه من فشله المتزايد في تحقيق إنجازات اقتصادية حقيقية.

ومع قرب الانتخابات الرئاسية بداية العام الماضي شعر السيسي بالخطر، فقد انحسرت نسبة التأييد الشعبي له بشكل ملحوظ، وتغيرت الصورة من المنقذ إلى الرئيس الكاذب صاحب الوعود التي لا تتحقق أبدا.

رد السيسي كان عنيفا هذه المرة مع استشعاره للخطر القادم من الداخل، فرئيس أركان الجيش السابق سامي عنان ينتوي الترشح والمنافسة فيقسم السيسي أنه لن يرحم من سيقف أمامه، وأن من يريد أن يكون بديلا عنه فليتخلص منه أولا ومن ورائه الجيش.

تهديدات السيسي نفذها بالفعل فاعتقل سامي عنان وحاكمه عسكريا، وطلب ترحيل المرشح الرئاسي السابق الفريق أحمد شفيق من الإمارات إلى القاهرة حيث فرض عليه إقامة جبرية فور وصوله، واعتقل المرشح الرئاسي الآخر عبدالمنعم أبو الفتوح فور عودته من لندن بعد انتقاده له في لقاء متلفز، ثم اعتقل المستشار هشام جنينة لتخلو الساحة له تماما في انتخابات اختار هو منافسه فيها ليكون موسى مصطفى موسى، وهو أحد السياسيين الذين أيدوه بشكل علني قبل ذلك.

عام واحد فقط كان كافيا للسيسي مع بداية فترته الرئاسية الثانية ليدرك أن رصيده الشعبي أصبح بالسالب، وتحول مؤيدوه إلى أكثر الساخطين عليه، وتوحد معارضوه على هدف واحد وهو إسقاطه على الرغم من اختلافاتهم الجوهرية.

ارتفاع وتيرة الانتقادات للسيسي وأدائه والضغوطات المستمرة التي يتعرض لها والسخرية منه والمطالبة برحيله على مواقع التواصل الاجتماعي، دفعته للخروج عن البروتوكول والتحدث عن حزنه العميق من هاشتاج #ارحل_يا_سيسي، وهو الهاشتاج الذي تصدر الترند على موقع التغريدات "تويتر" لعدة أيام وتناولته عدة مواقع وصحف عالمية.

هذه المرة أدرك السيسي أن عليه أن يتعلم الدرس وأن يكشف للجميع عن وجهه الحقيقي، فلا ديمقراطية ولا انتخابات ولا صناديق، كفى هزلا.

سيعدل السيسي الدستور الذي سخر منه ذات مرة متهما إياه بدستور النوايا الحسنة ليبقى على رأس السلطة حتى إشعار آخر، طالما امتلك برلمان يرأسه علي عبدالعال، ويشرف عليه مدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل ويمثل ضباط الجيش والشرطة السابقين فيه أغلبية أعضائه، فلا خوف عليه إذا من تعديلات دستورية كهذه. تعديلات فيها مادة يقرها البرلمان المصري لأول مرة في التاريخ، وهي تمديد الفترة الرئاسية الحالية بأثر رجعي فلا يريد السيسي خوض تجربة انتخابات أخرى ولو شكلية في 2022، وإنما أطال أمد بقائه على رأس السلطة حتى 2024 وعندها يمكنه الترشح لفترة رئاسية واحدة حتى 2013.

ولكن هل يترك السيسي نفسه فريسة للمصادفة التي ربما تأتيه فجأة بعد عشرة أعوام؟ بالتأكيد لا. فقد أعلن رئيس البرلمان المصري علي عبدالعال أن دستورا جديدا للبلاد سيتم صياغته بعد عشرة سنوات فإذا كنا الآن في 2019، فهذا يعني عزيزي القارئ أننا على موعد مع دستور جديد قبل نهاية فترة السيسي الرئاسية الأخيرة في 2030، وفقا للتعديلات الدستورية الحالية.

صحيفة "تايمز" البرطانية نشرت في تقرير لها الأسبوع الماضي، أن عبدالفتاح السيسي يسعى للتمكن من السلطة لنفسه ثم توريث الحكم لنجله محمود وأبنائه من بعده، ولماذا لا والجنرال يعدل ويغير ويضيف ويحذف في دستور البلاد، وكأنه يكتب موضوعا للتعبير في الصف الأول الإبتدائي بلا ضوابط ولا رقيب.

يبدو أن كل الأمور تسير على ما يرام، وفقا لما خطط السيسي لنفسه وأبنائه من بعده، ولكن مهلا فلم يعد الأمر هكذا.

هناك في الخرطوم، ارتفعت عشرات الأصوات فجمعت حولها المئات تحولوا للآلاف فانطلق مئات الآلاف من السودانيين في الشوارع فأصبحت مدن السودان كلها تنتفض مطالبة برحيل البشير وعدم انتخابه مرة أخرى كرئيس للبلاد، فيما بدا أنه موجة أخرى من ثورات الربيع العربي التي ظن السيسي ومن دعموه أنهم قضوا عليها إلى غير رجعة. ولكن الشعب الجزائري كان له رأي آخر حيث ظهرت لافتة تنادي بـ"لا للعهدة الخامسة" تطورت لـ"تتنحوا كاع" فتحولت ميادين الجزائر إلى مليونيات حاشدة أجبرت بوتفليقة على الرحيل. 

الأمل كالعدوى ينتقل مع الهواء والثورة روح تسري في أوصال الشعوب المقهورة وما أكثرها في عالمنا العربي، انتقل الأمل إلى المصريين مرة أخرى وسرت روح الثورة في أوصالهم من جديد فاختاروا مواقع التواصل الاجتماعي ميدانا بديلا لهم عن ميدان التحرير، حملة "باطل" وما أحدثته من حالة رفض شعبية عامة لتعديات السيسي الدستورية، ووصول الأصوات إلى أكثر من 300 ألف صوت مع تغطية واسعة الانتشار من الإعلام والصحف الغربية للحملة ومحاولات النظام المصري لحجبها أحدث حالة من الاتحاد لقوى المعارضة المصرية مرة أخرى في وجه السيسي.

"باطل" سبقتها حملة أخرى وهي "اطمن انت مش لوحدك"، التي شهدت مشاركة شعبية واسعة في الشوارع والميادين وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما دفعني لمتابعة حملات النظام لدعم التعديلات الدستورية فلم أجد إلا فيديو مجمع لعدد من الفنانين ولاعبي الكرة في مشهد يبدو أنه لم يتم إخراجه بشكل جيد يطلبون من الشعب المصري أن شارك في التعديلات الدستورية تحت عنوان "إعمل الصح". 

ضعف التفاعل الشعبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع حملة النظام "إعمل الصح" في مقابل الانتشار والزخم الكبير لحملة رفض التعديلات الدستورية، مع تصاعد وتيرة الاستفتاءات التي أجرتها عدد من المواقع الإخبارية العالمية كشبكة "سي إن إن" الأمريكية، واكتساح نسبة رفض التعديلات الدستورية جعلت السيسي ونظامه في حرج شديد، فإن كانت الميادين قد أغلقت في وجه المتظاهرين وفشلت كل الطرق في حجب المواقع والسيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي. فكيف سيواجه السيسي هذا الغضب الشعبي الذي يتزايد يوما بعد آخر؟ وهل تكون هذه التعديلات الدستورية بداية النهاية لهذا النظام كسابقيه؟  


تحميل

كلمات مفتاحية :

التعديلات الدستورية الثورة الربيع العربي حملة باطل عبدالفتاح السيسي مصر