Thursday 24 June, 2021

صحيفة الاستقلال

السيسي يلوح بالحرب.. لماذا استخدم لغة مرسي نفسها بشأن سد النهضة؟

منذ 2021/04/03 08:04:00 | تقارير
"لغة السيسي عنترية جوفاء لرجل تحدى حكام مصر السابقين"
حجم الخط

"من يريد أن يجرب فليتفضل" جملة أطلقها رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، معلنا عن وضع خط أحمر لإثيوبيا بملف مياه النيل، ومستخدما لأول مرة منذ 7 سنوات اللغة الحاسمة التي استخدمها الرئيس الراحل محمد مرسي قبل 9 سنوات فيما يخص ذات القضية.

السيسي لطالما دعا طوال السنوات الماضية للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي.

إلا أنه أطلق عدة تصريحات مغايرة وغير مسبوقة وتشبه إلى حد كبير تهديد مرسي، في 10 يونيو/ حزيران 2013، وقبل الانقلاب العسكري بأيام: "إذا نقصت قطرة واحدة من ماء النيل فإن دماءنا هي البديل".

بالقرب من قناة السويس المصرية حذر السيسي، في 30 مارس/ آذار 2021، من المساس بمياه مصر، وقال: "نحن لا نهدد أحدا ولكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر، وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد، ومن يريد أن يجرب فليتفضل".

وأضاف أن "المساس بحقنا في المياه خط أحمر"، مشيرا إلى أن "الأعمال العدائية تمتد تأثيراتها لسنوات طويلة"، ما قوبل بحملة إشادة واسعة من أنصار النظام.

حديث السيسي يأتي متزامنا مع إبلاغ إثيوبيا المبعوث الأميركي لمنطقة القرن الإفريقي دونالد بوث، بمضيها دون اتفاق مع مصر والسودان مطلع صيف 2021، في عملية الملء الثاني للعام الثاني على التوالي لحوض السد الإثيوبي الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق منذ العام 2012، والذي تعتبره القاهرة والخرطوم تهديدا وجوديا لهما.

القاهرة تريد وضع قواعد تحكم عملية ملء السد خلال سنوات الملء، وقواعد تتعامل مع كل الاحتمالات وأيضا خلال مراحل التشغيل، خاصة وأن مصر تستمد 90 بالمئة من مياهها العذبة من النيل.

وتتوقع الأمم المتحدة أن البلاد، التي يتعدى سكانها 100 مليون نسمة، ستبدأ في معاناة نقص المياه بحلول عام 2025.

مواقف متخاذلة

وبسبب مواقف السيسي التي وصفت بالمتخاذلة والمتواطئة في بعض الأحيان، لطالما قللت إثيوبيا من قدرة القاهرة على شن عملية عسكرية ضدها.

وقال وزير الخارجية الإثيوبي تيدروس أدهاتوم في 2015 ضمن تصريحات كررها في أكثر من مناسبة، إن مصر أضعف من أن تدخل فى حرب مع إثيوبيا.  

ومع فشل المفاوضات المصرية السودانية مع إثيوبيا على مدار السنوات السابقة في ترشيد الطموح الإثيوبي والاتفاق على نقاط الخلاف حول مدة ملء حوض السد والمشاركة في الإدارة الفنية له؛ طالب خبراء ومراقبون وسياسيون مصريون بعمل عسكري ضده.

كما دعوا السيسي لتغيير لغة خطابه اللين المتهاون إلى الشدة مع إثيوبيا، مؤكدين أن الحل الحقيقي هو إزالة السد أو توجيه ضربة مباغتة له الآن قبل الملء الثاني الذي تصر عليه أديس أبابا.

ذلك الحل الذي يطرح بشدة الآن، والمطالبات التي يوجهها أصحابها للسيسي وللجيش المصري، هي الفكرة التي كان قد تم عرضها من قبل مشاركين في حوار مجتمعي دعا له الرئيس مرسي إبان عام حكمه لمناقشة ملف السد الإثيوبي.

وهي الجلسة التي نقلت وقائعها مباشرة في يونيو/حزيران 2013، دون علم الرئيس والمشاركين، ما استغله الإعلام المناهض لمرسي وأحدث ردود فعل ساخرة من الدعوة لعمل عسكري ضد السد في مهده.

ومقابل الإشادات بحديثه، اعتبر مراقبون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات السيسي الجديدة مجرد فقاعة يغطي بها على جريمة توقيعه على اتفاق المبادئ عام 2015، والذي دعم الموقف التفاوضي الإثيوبي، وتنازل بسببه عن حصة مصر التاريخية بماء النيل، وفق خبراء.

الكاتب الصحفي عبدالناصر سلامة، علق بقوله: "اللي شبكنا يخلصنا"، في إشارة إلى توريط السيسي لمصر بتوقيعه اتفاق المبادئ.

المحامي الدولي المعارض محمود رفعت، أكد أن "كلام السيسي عن خط أحمر، مجرد فقاعة إعلامية لتخدير الشعب وتبريد حالة الغليان بين صفوفه".

وأضاف أن "السيسي ومن معه يدركون أنهم حطموا جيش مصر فلا يقدر إلا على مدنيين كما فعل بسيناء وليبيا؛ كإدراكهم أن سد النهضة تم بناؤه بتوقيع من السيسي شرعن استيلاء إثيوبيا على مياه النيل".

ووسط المقارنات التي عقدها ناشطون ووسائل إعلام معارضة من الملف الأخطر على حياة المصريين، قال أحمد عبد العزيز المستشار الإعلامي السابق للرئيس الراحل: "من التضليل، القول بأن السيسي على خطى مرسي".

وأضاف: "مرسي كان جادا، أما هذا الخائن، فتهديده (فشنك) يضحك به على البلهاء، ويحاول الظهور بمظهر الوطني حامي الحمى"، خاتما تغريدته بالقول: "أما الحقيقة، فإن إثيوبيا تنفذ ما اتفقت عليه معه في 2015"، في إشارة لاتفاق المبادئ.

وعام 2013، أقر البرلمان الإثيوبي معاهدة تستبدل اتفاقات تاريخية تمنح مصر (55  مليار متر مكعب) والسودان (18 مليارا) من نهر النيل، وحينها قال مرسي إنه لا يرغب في الحرب لكنه لن يسمح بأن يهدد السد إمدادات مصر من المياه.

لكن السيسي الذي انقلب على مرسي، وقع إعلان المبادئ 23 مارس/ آذار 2015، بالخرطوم مع رئيس وزراء إثيوبيا هايلي مريام والرئيس السوداني وقتها عمر البشير.

وهو الأمر الذي أثار الكثير من الغضب خاصة مع بنود الاتفاق المجحفة بمصر والتي يصر السيسي على عدم الخروج منها رغم المطالبات الدائمة له.

ومنذ ذلك التاريخ تستند أديس أبابا بالحديث عن أحقيتها القانونية ببناء السد وتبريراتها الدائمة لمواقفها إلى توقيع السيسي اتفاقية المبادئ. وتعلن دائما التمسك ببنودها.

إذ أعلن وزير المياه الإثيوبي سلشي بقلي، 6 فبراير/ شباط 2021، رفض بلاده أي اتفاق يحيد عن إعلان المبادئ بشأن السد الإثيوبي.

وفي حديثه لـ"الاستقلال"، قال البرلماني المصري السابق الدكتور محمد عماد: "مرسي أدرك مبكرا خطورة بناء السد على أمن مصر، وحذر قائلا إن (كل الخيارات متاحة) للتعامل مع إثيوبيا"، لافتا لتصريحه في لقاء شعبي بقاعة المؤتمرات بالقاهرة: "لن تقر عيوننا ولا يرتاح لنا بال لو أن قطرة ماء واحدة نقصت".

السياسي المصري يعتقد أن "ذلك كان أحد أسباب التعجيل بالانقلاب على مرسي، الذي استخدم اللغة المناسبة حينها، فالسد لم يكن قد أنشئ بعد، وكان القرار السليم عدم إقامته كونه يهدد دول المصب".

ويرى أن "تهديدات السيسي الآن وإن كانت حقا -أشك في ذلك- هي شهادة للرئيس مرسي، إلا أنها هراء، لأنه نظام فشل بكل الملفات فكيف ينجح بملف السد، كما أنه لن يجرؤ على عمل عسكري".

وبين أن "ضرب السد إن تم قبل الملء الثاني سيصيب دولتي المصب بفيضان، وبعد الملء سيكون كاسحا؛ ولهذا يستعجل الإثيوبيون الملء".

البرلماني السابق طارق مرسي، قال إن "الرئيس مرسي، انطلق من وطنية حقيقية تتحرى مصالح الأمن القومي وغيرة جادة على حقوق الشعب والوطن، أما المنقلب لا يشغله إلا مصالحه والحفاظ على كرسيه ولا بأس أن يبيع الوطن وأمنه".

وفي حديثه لـ"الاستقلال"، أكد أن "مرسي مثل إرادة المصريين، بينما يمثل السيسي إرادة رعاة الانقلاب، الكيان الصهيوني والإمارات ومن خلفهما كارهي أن تكون مصر حرة".

وتابع: "مرسي، انطلق من كونه عالما شهدت له أستاذيته بأرقى جامعات مصر وأميركا وتحرك من منظور علمي واع، أما السيسي ينطلق من خلفية عسكرية بائسة، ومن غبائه يمارس الجهل ويعلن ذلك ويباهي به".

السياسي المصري لفت إلى أن "مرسيا استدعى النخبة وطلب مشاركته الرأي والقرار؛ لكن كثيرا من قطعانها تآمرت عليه، وسخر منه أعوان الاستبداد وخونة الوطن؛ وكان السيسي أحد هؤلاء الخونة المثبطين حينها".

ورأى أن "رسالة مرسي رغم خيانة كثير من المؤسسات منها الإعلام، وصلت قوية واضحة للجانب الإثيوبي، الذي علق عليها بعد الانقلاب منتصف 2013".

وقال: "يحسب للرئيس مرسي صراحته وقوته ووضوحه منذ اللحظة الأولى حفاظا على الشريان الوجودي للمصريين، أما السيسي فقد ساهم بتوقيع اتفاق المبادئ المشؤوم بإهدار الحقوق التاريخية لمصر بالنيل، وربما لم تتعرض القاهرة لنكبة وخسارة وخيانة بمثل هذا التنازل بالتاريخ المعاصر".

وختم حديثه بالقول: "ومع كل ما سبق نؤكد على أن مهمة المؤسسة العسكرية القيام بواجبها، وإلا فما هو دورها إذا لم تتدخل لحل ملف يهدد الوطن؟".

جهود الخراب

مسؤول لجنة العلاقات الخارجية لحزب "الحرية والعدالة" محمد سودان، قال إن "لغة السيسي عنترية جوفاء لرجل تحدى حكام مصر السابقين، عسكر وإنجليز وأتراك وغيرهم في منح صك تعطيش وتجويع الشعب عندما وقع على إعلان المبادئ وبالتالي الموافقة على بناء السد".

وحول أسباب تغير لهجة السيسي، أشار في حديثه لـ"الاستقلال"، إلى "تحول ميزان القوى بحوض النيل وشرق إفريقيا".

 ففي حين بدت واشنطن منحازة ظاهريا لموقف القاهرة، اتضح لاحقا أنها خذلتها ولم تفعل ما يكفي لإجبار أديس أبابا على تقديم تنازلات، ورفضت استخدام ثقلها الاقتصادي للضغط عليها لاستكمال المفاوضات، وأن الصين -صديق السيسي- رفضت أيضا طلبا مماثلا من القاهرة.

سودان قال إن "الأنكى هو تجاهل الرياض وأبوظبي، مناشدات القاهرة لتعليق استثماراتهما بإثيوبيا البالغة 7 مليارات دولار، لتحسين موقف مصر التفاوضي، بل فعلا العكس برعاية اتفاق مصالحة تاريخي بين أديس أبابا وإريتريا، وقدمت الإمارات 3 مليارات دولار ودائع واستثمارات لها، والسعودية 140 مليون دولار كقروض".

وبشأن ما يثار حول نية السيسي توجيه ضربة عسكرية للسد أكد أنه "فات الأوان، لأنه بعد الملء الأول أصبح تفجير السد كارثة تغرق مساحة كبيرة من السودان وجنوب مصر، بل وتؤثر على خزان أسوان والسد العالي".

ويعتقد أنه "لن تسمح الدول التي استثمرت مليارات الدولارات بالسد بأن يحطم السيسي مشروعهم ويفجر ثرواتهم"، جازما بأن "الحل الوحيد لإنقاذ مصر والسودان من الجفاف والعطش هو مد مدة ملء السد لـ6 سنوات، وإلا فالعاقبة كارثية".

وأضاف أنه "يجب أن نعرف ممولي السد، ولمصلحة من وقع السيسي والبشير وفرطا بمصالح شعبيهما، والثمن إزاء ذلك، ولنعرف لماذا أعلن مرسي أن كل قطرة من مياه النيل تساوي قطرة من دمائنا، ولن نفرط أبدا في حقنا الأزلي مهما كان الثمن".

وأوضح أن "هذا السد السادس الذي تبنيه إثيوبيا، من العام 2002 بسد تكيزي، بنهر عطبرة، ولاحقا وقعت عقود لبناء 5 سدود منها سد (جايب 3) بنهر أومو، لكن ظل سد النهضة حلم حكام إثيوبيا، الذي أعاقته صعوبات التكلفة المقدرة بـ 5 مليارات دولار".

ولفت أيضا إلى عائق "الأبعاد السياسية والأمنية المرتبطة ببناء السد، وتأثيره المؤكد على أمن مصر المائي، ومركزية منطقة حوض النيل لكثير من القوى الغربية، وهو ما يعني شحذ القاهرة نفوذها السياسي والاقتصادي، وعلاقتها المتميزة مع الغرب لمنع السد".

 وبالفعل عرقلت القاهرة التمويل بالضغط على الدائنين والمستثمرين الدوليين بدعوى عدم استدامة السد من الناحيتين السياسية والقانونية، وفق قوله.

السياسي المصري قال إن "إثيوبيا وجدت الفرصة بانشغال القاهرة بعملية الانتقال السياسي عقب الإطاحة بحسني مبارك عام 2011، وتفرغ الجيش لحماية هيمنته على السلطة على حساب قضايا الأمن القومي ومنها الأمن المائي، لتضع حجر الأساس للسد الأضخم بإفريقيا".

ولفت إلى حصول "إثيوبيا عام 2013 على 1.2 مليار دولار من الصين، و1.8 مليار دولار عام 2019، بجانب تولي عملاق الإنشاءات الإيطالي "وي بيلد"، تنفيذ أعمال الإنشاءات الرئيسة لسد النهضة، موضحا أن "السعودية والإمارات والكيان الصهيوني يمولون المشروع أيضا".


تحميل

المصادر:

1

السيسي : مصر متمسكة بحقوقها المائية عبر اتفاق ملزم بشأن سد النهضة

2

إثيوبيا تؤكد عزمها على الملء الثاني لسد النهضة

3

اتفاق مصر والسودان وإثيوبيا على “مبادئ” بشأن سد النهضة

كلمات مفتاحية :

إثيوبيا سد النهضة عبدالفتاح السيسي محمد مرسي مصر