صحيفة إسبانية تكشف أسباب "فيتو" ماكرون على مسجد ستراسبورغ

12

طباعة

مشاركة

قالت صحيفة إسبانية إن مسجد "أيوب سلطان" في مدينة ستراسبورغ الفرنسية يطمح إلى أن يكون أحد أكبر المساجد في أوروبا، لكن دون اكتمال بنائه، أصبح المسجد الذي من المتوقع أن تصل سعته إلى ما يصل إلى 2500 مصل، "أحد أكثر الأماكن إثارة للجدل في فرنسا".

واعتبرت "الباييس" أن "المسجد، الذي تدعم بناءه منظمتان تركيتان، أضحى مركزا للمعركة السياسية لعملية الموافقة في فرنسا على قانون مكافحة الانفصالية، والتي تسعى، من بين أمور أخرى، إلى الحد من التمويل الأجنبي للمباني الدينية". 

في الآن ذاته، اتخذ الجدل بعدا آخر بالتزامن مع تبادل الاتهامات بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان، الذي يتهم باريس بالإسلاموفوبيا بموجب هذا القانون، والفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي انتقد أنقرة بمحاولات مزعومة من "أجل التدخل في العمليات الانتخابية الفرنسية".

استثناء خاص

وأشارت الصحيفة إلى أن "وراء الجدل حول مسجد ستراسبورغ، تختفي انجرافات ومشاكل سياسية داخلية في فرنسا".

وأوضحت أن "وزير الداخلية جيرالد دارمانين، المعادي للمسلمين، وجد في مسألة بناء المسجد ذريعة من أجل مهاجمة عمدة ستراسبورغ، جين بارسيغيان، من حزب الخضر، والتي وافق فريقها على تمويل جزء من المسجد". 

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن "حزب الخضر أظهر قوته في الانتخابات الأخيرة في فرنسا -الانتخابات الأوروبية عام 2019، والانتخابات البلدية في العام الماضي- حيث فازت بارسيغيان- وينظر إليه على أنه أحد العقبات أمام اتجاه ماكرون (ماكرونيزم) للتقدم في الانتخابات الإقليمية هذا العام وفي رئاسيات 2022".

وأوردت الصحيفة أن "الجدل بدأ في 22 مارس/آذار الجاري، عندما أعطى مجلس بلدية ستراسبورغ موافقة مبدئية على منحة قدرها 2.5 مليون يورو لبناء المسجد، والتي تبلغ ميزانيته النهائية 32 مليون يورو، لكن في فرنسا العلمانية، التي تفصل بشكل صارم بين الكنيسة والدولة، تشكل منطقة الألزاس-موسيل، حيث تقع ستراسبورغ، استثناء". 

وعلى وجه الخصوص، عندما تم تمرير "قانون 1905" الذي يفصل بشكل صارم بين الكنيسة والدولة، كانت هذه المنطقة ألمانية، وبعد انضمامها إلى فرنسا، استمرت تحت نظام الكونكوردات لسنة 1801، الذي لا يفصل بين هذين الجانبين، لهذا السبب، يمكن للمنطقة المساعدة في تمويل دور العبادة، على عكس بقية البلاد.

وأشارت الصحيفة إلى أنه "بعد إصدار قرار البلدية، اتهم دارمانين، الذي يمثل رمز التحول المحافظ لحكومة ماكرون -وجازف في إحدى المناسبات بلوم الزعيمة اليمينية المتطرفة مارين لوبان كونها ناعمة في مواجهة الإسلام الراديكالي-، رئيسة بلدية ستراسبورغ بتمويل مسجد يدعمه اتحاد يرفض التوقيع على ميثاق فرنسا لمبادئ الإسلام ويدافع عن الإسلام السياسي".

وأضاف دارمانين "إنني أتطلع إلى أن يفتح الجميع أعينهم وأن يتم التصويت على قانون مناهضة الانفصالية وإصداره قريبا".

من جهته، أيد ماكرون وزيره، في 25 مارس/آذار الجاري، قائلا إنها "تنبيهات مشروعة"، كما كرر الرئيس الاتهامات التي وجهها هذا الأسبوع في مقابلة تلفزيونية حذر فيها من خطر "تدخل" أنقرة في السياسة الفرنسية.

ونقلت الصحيفة الإسبانية أن "وراء مشروع المسجد في ستراسبورغ تقف لجنة تنسيق المسلمين الأتراك في فرنسا، والتي تعتبر، وفقا للصحافة الفرنسية، مسؤولة أمام رئاسة الشؤون الدينية التركية، والاتحاد الإسلامي مللي غوروش (Milli Görüş) بفرنسا، وتتهم باريس المنظمة الثانية بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين والاعتماد على أوامر أردوغان".

وقال محافظ منطقة الشرق الكبير التي تضم ستراسبورغ، جوزيان شوفالييه، إن "هذا المشروع بيد حركة أصولية مقربة من جماعة الإخوان المسلمين (...) ويتمثل هدفها في ترسيخ نفوذها في الجاليات التركية في فرنسا، وتسعى للسيطرة على أماكن العبادة التي يرتادها أفراد هذه المجتمعات".

تحت المجهر

وتجدر الإشارة إلى أن دارمانين كلف شوفالييه بالتأكد من شرعية الإعانة البلدية التي قدمتها بلدية ستراسبورغ لبناء المسجد، في المحكمة.

ونقلت الصحيفة أن مدير قسم الدراسات التركية في جامعة ستراسبورغ، صميم أكغونول، يدحض هذه الفكرة عبر البريد الإلكتروني؛ الذي أورد فيه أن "مللي غوروش ليست فرعا من جماعة الإخوان المسلمين، رغم أن بعض الأساليب والآراء متشابهة".

من جهته، أكد رئيس الاتحاد الإسلامي "مللي غوروش" بفرنسا، فاتح ساريكير، أنه يدير "جمعية فرنسية عملت دائما بشفافية تامة (...) وتلتزم تماما باحترام الدستور وقوانين الجمهورية".

وفي جميع الأحوال، بالنسبة إلى أكغونول، "لا تملك هذه الجمعية الوسائل للتأثير على الانتخابات في فرنسا".

ووفقا لصحيفة "الباريزيان" الفرنسية، تفيد "مللي غوروش" بأن لديها 150 ألف عضو في جميع أنحاء فرنسا التي يبلغ عدد سكانها 67 مليون نسمة ويقدر عدد السكان المسلمين فيها بـ6 ملايين.

وأشارت "الباييس" إلى أن "فرنسا تضع هذه المنظمات التركية تحت المجهر لسبب آخر؛ حيث تعتبرها مسؤولة عن خطر انقسام المجلس الفرنسي للعبادة الإسلامية، المحاور الرئيس للحكومة في القضايا المتعلقة بتنظيم العبادة الإسلامية ولاعب رئيس في خطط ماكرون ضد الانفصالية". 

وأفادت الصحيفة بأن "خمسة من أعضاء المجلس الفرنسي للعبادة الإسلامية أعلنوا قبل يوم واحد من اندلاع جدل ستراسبورغ، عن إنشاء هيئة موازية تجسد القيم الأساسية للإسلام الأصيل والمنفتح (...)، في تعايش تام مع القيم ومبادئ الجمهورية".

وأوردت أن "الاتحادات الفيدرالية الأربع الأخرى التي يتألف منها المجلس الفرنسي للعبادة الإسلامية رفضت التوقيع على ميثاق المبادئ الذي يجب على الأئمة الذين يرغبون في النشاط بفرنسا أن يلتزموا به في المستقبل، وقد قدمت الوثيقة، التي روج لها ماكرون، في منتصف يناير/ كانون الثاني 2021، بعد أسابيع من المفاوضات والجدل". 

وأشارت الصحيفة إلى أن "اثنتان من المنظمات التي ترفض الآن التوقيع على الميثاق، رغم مشاركتهما في المشاورات، هما المروجان لبناء مسجد ستراسبورغ، ومن أسباب معارضتهما للميثاق، تبرز المادة السادسة، التي ترفض كل أشكال التدخل واستغلال الإسلام لأغراض سياسية".