Tuesday 20 April, 2021

صحيفة الاستقلال

“دموع السعادة” في زغرب.. هكذا تداوي تركيا جراح المسلمين وتعمقها أنظمة عربية

منذ 2021/03/05 16:03:00 | تقارير
دعم تركيا حقيقي حيث يعتمد على فن تحقيق المصلحة القومية باتساع رقعة السيطرة المعنوية والمادية مع تحقيق مبدأ الإسلام
حجم الخط

في الوقت الذي أدارت فيه الأنظمة العربية وبعض دول الخليج العربي الغنية، ظهورهم لشعوب العالم الإسلامي وأقلياته في ميانمار والصين ودول البلقان وإفريقيا وفلسطين وغيرها، تقوم تركيا بدور بديل تجاه الدول والجاليات الإسلامية. 

مقطع مؤثر نشره حساب تويتر لفضائية "TRT عربي"، لرئيس الاتحاد الإسلامي بكرواتيا الشيخ عزيز هاسوفيتش، وهو يبكي لدى استقباله وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو بالمركز الإسلامي بالعاصمة زغرب. 

الشيخ عزيز، قال: هذه "دموع السعادة"، مضيفا أن "هذا يوم عظيم لمسلمي كرواتيا"، مؤكدا أن "الزيارة تدل أن لنا إخوة وأخوات يمكننا مشاركة كل شيء معهم بالأيام الجيدة والسيئة"، متابعا: إن مجيء الرئيس رجب طيب أردوغان لنا عام 2016، علامة أننا جزء من الأمة". 

الدور التركي

منذ سنوات، تقوم أنقرة بأدوار إغاثية عبر مؤسساتها المختلفة، وسياسية بدعم الأقليات المسلمة المضطهدة ببلدانها عبر المحافل الدبلوماسية الدولية على لسان أردوغان ومسؤولي حكومته.

 ووفق حديث باحث سوري متخصص بشؤون الجاليات والأقليات الإسلامية –رفض ذكر اسمه، لـ"الاستقلال"، فإن "تركيا تقوم بدعم الجاليات والأقليات الإسلامية بمشروعات اقتصادية، ورعاية الأيتام، وكفالة الأسر، واستقبال أبناء تلك الأقليات لديها". 

دور تركيا بجنوب الفلبين، لمساندة الحكم الذاتي للمسلمين الذي بدأ 21 يناير/ كانون الثاني 2019، يؤكده الباحث السوري بقوله: "أنقرة تدعم رئيس حكومة بانجسامورو الحاج مراد إبراهيم بمختلف المجالات بينها الزراعية، وافتتحت مؤسسة (IHH) الإغاثية بإسطنبول، مقرها العاصمة (كوتاباتو)".

وجاهد مسلمو الفلبين عبر "جبهة مورو الوطنية" التي تأسست عام ( 1962)، ثم "جبهة تحرير مورو الإسلامية"، منذ عام (1978)، لمنع انتهاكات حكومات مانيلا ضد مسلمي مورو، حتى انتهت المواجهات بمفاوضات عام 1997، توجت باتفاق أكتوبر/تشرين الأول 2012، قاد لحكم ذاتي للمسلمين.

 

الباحث السوري، لفت أيضا للدور السياسي لتركيا بقضية الروهينغا، عبر زيارة وزير الخارجية (وقتها) أحمد داوود أوغلو، وزوجة رئيس الوزراء (وقتها) أمينة أردوغان، أغسطس/ آب 2012، مخيمات لاجئي الروهينغا وإقليم أراكان، وتقديم نحو 20 مليون دولار مساعدات وتبرعات. 

و"الروهينغا"، هم مسلمو إقليم أراكان بميانمار، "بورما" سابقا، فيما كانت أراكان دولة إسلامية لمدة 3 قرون ونصف بين عامي (1430 – 1784م)، حيث وصل المسلمون من العرب والفرس والأتراك دلتا نهر إيراوادي ببورما وولاية أراكان بالقرن 9 ميلاديا وتحديدا عام 860 م، وتولوا مناصب هامة وحكمها 3 ملوك هنود مسلمون بالقرن (13).

وأوضح الباحث أن "تركيا اللاعب الأول بالبلقان، بإعادة بناء مساجد البوسنة إثر حرب البلقان تسعينيات القرن الماضي، واستقبال طلاب كوسوفو ومقدونيا وألبانيا، ودعم المسلمين سياسيا، ولوجود بعد عاطفي كون العثمانيون من أوصلوا الإسلام لهم، فينظر مسلمو البلقان لتركيا باعتبارها الأم". 

ومع القرن 8 الميلادي بدأ الإسلام يشق طريقه بجنوب شرق أوروبا إثر فتح العثمانيين مدينة (تساري غراد) ومرورهم بالجزر اليونانية وأدرنة، اعتنق عدد كبير منهم الإسلام، فيما تعتبرهم أوروبا شوكة إسلامية عثمانية في خاصرتها. 

ويرى الباحث السوري أن "فكرة تفاعل أردوغان السياسي مع قضايا المسلمين يعطي زخما لها، بجانب المساعدات والدعم وبناء المساجد بإفريقيا"، لافتا لعقد تركيا مؤتمر الأقليات المسلمة في أبريل/ نيسان 2018.

وفي 26 فبراير/ شباط 2021، اختارت مجلة "إسلام نيوز نيجيريا"، أردوغان، "الشخصية الإسلامية العالمية" لعام 2020، للعام الثالث على التوالي، لدوره بتقديم المساعدات للبلدان الإسلامية المتضررة من جائحة كورونا، ورفع صوته ضد ظاهرة الإسلاموفوبيا.

غياب عربي

تقرير لشبكة (BBC) الإنجليزية كشف قيام سلطات السعودية والإمارات ومصر بترحيل العشرات من مسلمي الإيغور إلى الصين التي تتبنى حملة ضد المسلمين بتركستان الشرقية وتحتجز نحو مليون منهم بمعسكرات اعتقال. 

وأكد التقرير المنشور في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، أن الرياض رحلت 67 من الإيغور للصين بالتعاون مع بكين، فيما وثقت ترحيل 762 من الأيغور من مصر، التي اعتقلت 500 طالب تركستاني بالأزهر الشريف في تموز/يوليو 2017. 

تقرير لموقع "Lobe Log" الأميركي أكد في يوليو/ تموز 2019، أن الأمير محمد بن سلمان، غير أهم ثوابت الرياض، بالدفاع عن الأقليات المسلمة، حيث أيد حملة الصين لتغيير عقيدة مسلمي الإيغور، وكذلك اضطهاد ميانمار للروهينغا، مشيرا إلى أن هذا يتناقض مع سياسة المملكة لعقود. 

وفي يوليو/ تموز 2019، أيضا أيدت السعودية والإمارات ومصر والبحرين والكويت وعمان وقطر والجزائر والسودان وسوريا، سياسات الصين ضد الإيغور أمام "مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة"، ورفضت قرارا يطالب الصين بدخول مفتشين دوليين لإقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية) حيث يتركز الإيغور.

وهو الموقف الذي تقدمت على إثره بكين بشكر تلك الدول العربية بسبب ما قالت إنه دعم للحملة الأمنية التي نفذتها السلطات، بإقليم شينجيانغ. 

ووصل الإسلام الصين في وقت مبكر عام 29ھ /651م، فيما يتراوح عدد المسلمين وفق السلطات الصينية 24 مليون نسمة، لكن إحصاءات أخرى تقول بوجود 100 مليون نسمة، فيما يتعرض المسلمون لانتهاكات وتضييق كبير من سلطات بكين. 

 

"عزوف إعلامي وسياسي من قبل دول الخليج ومصر عن تناول قضايا الأقليات والجاليات الإسلامية مع تراجع ملحوظ بالاهتمام بل والتعامل وفق الهوى السياسي، هكذا وصف الباحث السوري الموقف العربي بحديثه لـ"الاستقلال".

لكنه تحدث عن "دور الإمارات في التواصل مع جهات بعينها من مسلمي الغرب، وتدشين المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة وعقد مؤتمره في مايو/ أيار 2018"، ملمحا لتراجع لافت بالدور السعودي القديم باستضافة الجالية البورماوية (الروهينغا) ودعم المساجد والأئمة والبعثات والمؤسسات الإسلامية بأميركا الجنوبية". 

وبين أن مصر "لها دور باستقبال طلاب المسلمين بمدينة البعوث، وإرسال بعثات الأزهر والأوقاف لدول العالم، خاصة في شهر رمضان، كعرف متبع وليس وفق توجه سياسي من الدولة"، ملمحا لدور "تصريحات شيخ الأزهر المتواصلة والداعمة للمسلمين". 

وأكد أن "ما يجعل الفكرة التركية مختلفة عن العرب أنه مشروع دولة مبني على إرث وحضارة، لكن الدول الأخرى يقوم دعمها على المشروع السياسي". 

دور جيوإستراتيجي

وفي رؤيته، قال الباحث المصري الدكتور ممدوح المنير، إن "تركيا لم تنس يوما أنها حكمت العالم من شرقه إلى غربه وقت الخلافة العثمانية، ومع قدوم حزب (العدالة والتنمية) لسدة الحكم بقيادة أردوغان زاد التعلق بماضيها العريق". 

مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية بإسطنبول، أكد لـ"الاستقلال"، أن "الموضوع ليس تعلقا بالماضي وحسب، لكنه كذلك إدراك لأهمية الدور الجيوإستراتيجي لتركيا".

وأضاف: "فموقعها كنقطة التقاء بين آسيا وأوروبا، وقربها من العالم العربي والكيان الصهيوني، وإطلالتها على البحر المتوسط ومن ثم الشمال الإفريقي، كلها امتيازات جغرافية جعلتها تلعب دورا حيويا، فإن لم تكن لاعبا سيكون ملعوبا بها ومطمعا للمتربصين" .

"وبالتالي اهتمامها بالأقليات الإسلامية يرجع للبعد الديني والأخلاقي الذي يتبناه أردوغان، منذ وصول حزبه للسلطة، فهو يعتبر نفسه وريث الخلافة العثمانية حتى وإن لم يصرح بذلك، لكن أفعاله كلها توحي بهذا".

المنير، أضاف: "أردوغان في نفس الوقت يمدّ نفوذ تركيا خارج إطار حدودها الجغرافية، ومعروف بنظريات الأمن القومي أنّه لا ينتهي عند حدود الدولة بل يشرق ويغرّب حسبما تقتضي مصلحة البلاد، وهو ما تفعله الدول التي تعي مصالحها القومية". 

ويعتقد الباحث المصري، أن "الانسحاب السعودي والعربي من خدمة الأقليات المسلمة قد ساعد الأتراك للتمدد بأماكن الفراغ، لكني أعتقد أنه أفضل لهذه الأقليات، فتركيا تحرص على مصلحة الأقليات وليس سعودتها كما كانت تفعل الرياض بهم على سبيل المثال".

وضرب المنير مثلا بأدوار تركية في "جهود المفاوضات بالفلبين، وعقد اتفاق سلام بين (جبهة تحرير مورو)، والحكومة الفلبينية، يقضي بإقامة حكم ذاتي للمسلمين"، مشيرا أيضا لنجاح "ضغوط أردوغان على الحكومة اليونانية عام 2018، ومصادقة برلمان أثينا على منح الأقلية المسلمة بتراقيا الغربية، حق انتخاب المفتي والاختيار بين الشريعة الإسلامية والقانون المدني اليوناني، بمسائل الميراث والأسرة". 

وأكد أن "هذه أمثلة من عشرات الأمثلة التي لا يمكن اعتبارها مجرد مصلحة لتركيا أو للعرق التركي خارج الدولة التركية، لكنها مواقف لخدمة المسلمين من منطق أخلاقي عقائدي". 

وختم المنير حديثه بالقول: "حكام العرب الذين يقمعون شعوبهم وينتهكون آدميتهم ويستحلون أموالهم ودمائهم، هل يتوقع أن يهتموا بالأقليات المسلمة؟، بل إنهم يشنون حربا عليها، وما تفعله أبوظبي ضد الأقليات المسلمة بأوروبا وأمريكا الشمالية لا يخفى على أحد".

ملء الفراغ

وفي إجابته على التساؤل: هل استطاعت تركيا ملء فراغ غياب السعودية والخليج والعرب عن قضايا الأقليات والدول المسلمة؟ قال الكاتب والمدون المصري المهتم بهذا الملف محمود عبد العزيز: "لم يكن هناك حضور حقيقي للخليج والعرب كحكومات مركزية لدعم الأقليات المسلمة". 

وفي حديثه لـ"الاستقلال"، جزم بأن "الفراغ كان شبه كامل إلا بعض الدعم المالي الذي كان يفسد رؤساء وناشطي الأقليات للابتزاز، بحيث يكونون كدواء مسكن لمجموع الأقلية فتستفيد حكومات العرب بعلاقات مع الدول العظمى والإبقاء على عروشهم"، مضيفا: "من نعم الله على الأقليات غياب دعم الحكومات المركزية".

 ويعتقد الكاتب المصري، أن "دعم تركيا حقيقي حيث يعتمد على فن تحقيق المصلحة القومية باتساع رقعة السيطرة المعنوية والمادية مع تحقيق مبدأ الإسلام (المسلم للمسلم)، ولا تعارض بين المبدأين، لكنه تعارض مع حكومات العرب المركزية لأنهم لا سيادة لأنفسهم والسيادة عليهم من الحكومات الأجنبية".

وأكد أنه "ليس هناك تعارض بين الحفاظ على العرق والقومية والامتداد التاريخي وبين دعم المسلمين بشكل عام، فالإسلام من رحمته جمع كل الخير في بوتقة واحد، لكن بمبدأ المسلم للمسلم كالبنيان لايظلمه ولايسلمه". 

وبشأن غياب العرب والخليج عن أدوارهم تجاه الأقليات الإسلامية يرى عبد العزيز بضرورة "إصلاح الداخل العربي والإسلامي قبل التوجه للخارج نحو الأقليات، وهذا ما فعله أردوغان، بعكس الدول العربية التي توجهت للخارج لتجميل صورتها أمام الداخل، فبدت رائحة النفاق تزكم الأنوف".

السنة العملية

وفي رؤية شرعية، قال أستاذ الفقه المقارن بالجامعة الإسلامية بماليزيا الدكتور رجب أبومليح: "نصرة المسلمين المستضعفين واجبة، بالسنة القولية والعملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أما السنة العملية فقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وقوله صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)".

وفي حديثه لـ"الاستقلال"، أوضح أبو مليح أن "السنة العملية تتمثل بمحاربة النبي فئة من اليهود وأجلاهم عن المدينة لأنهم كشفوا عورة امرأة واحدة"، مؤكدا أنها "من فروض الكفايات، لا تسقط عن المسلمين إلا إذا قام بها بعضهم قياما كافيا". 

وأضاف الداعية والأكاديمي المصري، أن "الناظر لحال المسلمين بشرق البلاد وغربها يجد الظلم الواضح والبين لهم ومحاولة فتنتهم عن دينهم، ومهما قامت بعض الدول بجهد مشكور، فما زال الواجب على الجميع ما لم يرفع عنهم الظلم كاملا، ويأثم كل فرد وكل أمة بحاكمها ومحكومها إذا كانوا قادرين على رفع هذا الظلم ولم يبذلوا فيه جهدهم".


تحميل

المصادر:

1

مسلمو “أراكان” فى ميانمار يناشدون زعماء العالم الإسلامي زيارتهم

2

الأقليات المسلمة في البلقان الواقع والتحديات

3

للعام الثالث.. مجلة نيجيرية تمنح أردوغان لقب “الشخصية الإسلامية العالمية”

4

Muslim Causes Versus National Interest: Muslim Nations Make Risky Bets

5

الدول العربية تسمح للصين بالإفلات بفعلتها في قمع الإيغور

كلمات مفتاحية :

إفريقيا الخليج الصين تركيا دول الخليج فلسطين