Friday 26 February, 2021

صحيفة الاستقلال

“اقتسام الكعكة”.. هكذا تبتز إيران نظام الأسد اقتصاديا رغم تحالفهما عسكريا

منذ 2021/02/23 10:02:00 | تقارير
إيران افتتحت في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2020 مركز "تجارة إيرانيان" في المنطقة الحرة بدمشق
حجم الخط

جذبت إيران الأنظار مرة أخرى، عبر توسيع نشاطها الاستثماري في القطاعات الاقتصادية غير السيادية في سوريا، بتسهيل مباشر من النظام السوري.

واستطاعت إيران مع مطلع يناير/كانون الثاني 2021، تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية المبرمة سابقا مع النظام السوري، عبر السير في اتجاهات استثمارية متعددة، لتنشيط حركة التبادل التجاري بشكل منتظم، وإنعاش اقتصاد دمشق، الذي بات عرضة للانهيار.

اعتمدت طهران في خطتها الجديدة، لمساندة اقتصاد النظام السوري، على تقييم أجراه فريق اقتصادي إيراني بين سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول 2020، لإعادة تفعيل الصناعات المختلفة بمناطق نفوذ النظام، وخاصة في المجال الصناعي والزراعي، وإعادة تأهيل البنى التحتية كالسدود والماء والكهرباء، وفق وكالة أنباء فارس الإيرانية.

إغراق الأسواق

لكن ما كان لافتا، هو سعي إيران لإغراق الأسواق السورية، بالبضائع الإيرانية، بعد إعلان ‏رئيس غرفة التجارة الإيرانية السورية المشتركة كيوان كاشفي، في 11 فبراير/ شباط 2021، عن إنشاء خط شحن بحري منتظم من ميناء ‎بندر عباس المطل على الخليج إلى ميناء ‎اللاذقية السوري، لتصدير البضائع بواقع مرة في الشهر.

ووفقا للمسؤول الإيراني، فإن أول سفينة شحن ستغادر ميناء بندر عباس ستكون في 10 مارس/آذار 2021، إلى ميناء اللاذقية على البحر الأبيض المتوسط.

وجاء ذلك ثمرة، لجهود إيرانية، لتسهيل انسياب الحركة التجارية إلى سوريا، بعد إطلاق مركز الأعمال الإيراني في المنطقة الحرة بالعاصمة دمشق، بتاريخ 4 فبراير/ شباط 2021.

وزعم أمين غرفة التجارة السورية الإيرانية المشتركة، مُصان النحاس، في كلمة له أمام الملتقى الاقتصادي السوري الإيراني، خلال إطلاق المركز رسميا، أن الهدف هو تحقيق التبادل الاقتصادي وفك الحصار، ونقل التجربة الإيرانية إلى سوريا بخصوص الصناعة والزراعة، وأن هذا ما يسهل تأمين حاجات المواطنين، وفق ما نقل موقع "بتوقيت دمشق" الموالي للنظام.

وكانت إيران افتتحت في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2020 مركز "تجارة إيرانيان" في المنطقة الحرة بدمشق، وتبلغ مساحته أربعة آلاف متر مربع، ويتكون من 12 طابقا، ويختص بالمعارض، إضافة إلى خدمات التأمين والنقل والشحن، والاستشارات القانونية والمصرفية.

واعتبر كيوان كاشفي، أن افتتاح هذا المركز التجاري سيوفر إمكانية التواصل مع غرف التجارة والصناعة والزراعة في المدن السورية المهمة مثل دمشق وحلب واللاذقية وحمص، بحسب وكالة فارس.

بدوره، اعتبر الكاتب والدبلوماسي السوري المنشق، بسام بربندي، في تصريح لـ "الاستقلال"، أن عودة إيران لتنشيط وجودها الاقتصادي في سوريا، تأتي ضمن ما سمّاها "إستراتيجية طهران القائمة على إضعاف نظام الأسد، والسيطرة عليه من الداخل مثل العراق".

ورأى أنها تسعى إلى الاستيلاء على حكومة النظام، ومصادر دخلها الرئيسة، مقابل المساعدات الاقتصادية بما فيها تزويده بالنفط.

وألمح بربندي، الذي شغل سابقا منصب السكرتير الأول بالسفارة السورية في واشنطن، إلى أن "إيران تفصل بين تمويل العمل العسكري للحرس الثوري الإيراني ومجموعاته، وبين العلاقة الاقتصادية مع النظام، فهي لا تعطيه أي مساعدات أو منح مالية بل فقط قروض وتسهيلات بنكية مقابل ضمانات سيادية (استثمار - مرافئ - وغيرها من مصادر الدخل السيادية)".

مسارات وعقبات

ولطالما اعترفت إيران، بأن أبرز المشاكل الأساسية في التجارة مع سوريا، هي موضوع الشحن والنقل، لعدم وجود حدود برية مشتركة بينهما.

 لكن ثمة ثلاثة طرق فقط لنقل البضائع من إيران إلى دمشق أولها عبر العراق برا إلى الحدود المشتركة مع سوريا، وهذا أكدت طهران مرارا أنها لا تعوّل عليه. 

وفي هذا السياق، أكدت صحيفة "الوطن" السورية الموالية، ضعف النقل البري، في تقرير لها صدر بتاريخ 17 يناير/كانون الثاني 2021، أوضحت فيه أن متوسط عدد الشاحنات التي تعبر يوميا الحدود باتجاه العراق لا يتجاوز 15 شاحنة، عبر معبر البوكمال الحدودي، الرابط بين البلدين، منذ إعادة افتتاحه في 30 سبتمبر/ أيلول 2019.

والمسار الثاني هو عبر نقل البضائع من إيران عبر العبارة من ميناء "مرسين" التركي إلى سوريا، غير أن المسؤولين الإيرانيين تذرعوا بـ "ضخامة التكاليف ومشاكل أخرى تعقد الموضوع"، في إشارة واضحة للعقوبات الأميركية التي تمنع طهران من تزويد النظام السوري بأي شيء عبر ناقلاتها البحرية.

أما الثالث، فهو الخط البحري الجديد الذي أعلن عنه لنقل البضائع من بندر عباس إلى اللاذقية، إذ أن هذا الخط كان فاعلا إلا أنه غير منتظم، وكانت بضائع التجار تتعطل في الميناء في ظل غياب الجدوى الاقتصادية وبُعد المسافة.

وعلّق الباحث السياسي في مركز "جسور للدراسات"، عبد الوهاب عاصي، على موقف واشنطن من نية إيران البدء بتسيير خط بندر عباس – اللاذقية لمساندة نظام الأسد، بأنه "يُمكن الاعتقاد أنّ طهران تعوّل على غياب موقف متشدد من قبل إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن".

وهي بذلك ترغب بضمان استمرار الخط الائتماني مع النظام السوري، وتفعيل الاتفاق الجديد لتبادل البضائع.

وأضاف الباحث في تصريح لـ "الاستقلال" أنه "يُفترض أن قانون قيصر يضع حظرا على الدول والشركات والأفراد حتى في المعاملات التجارية، لكن قانون العقوبات الأوروبي الذي بدأ عام 2011 لم يضع مثل هذه القيود بعد".

وطفت على السطح، تحركات لزيادة النفوذ الإيراني الاقتصادي، في محافظة حلب العريقة صناعيا، تمثلت بزيارة وفد اقتصادي إيراني يضم رجال أعمال، إلى "غرفة صناعة حلب" التابعة لحكومة النظام، بتاريخ 6 فبراير/شباط/2021.

ونقلت صحيفة "الوطن" الموالية، عن عضو مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة والمعادن الإيرانية، كيوان كاشفي، أن بلاده تدرك أهمية محافظة حلب وعراقتها الاقتصادية، لافتا إلى أهمية التعاون في مجال تحديث خطوط الإنتاج أو إقامة خطوط جديدة بين البلدين، وتأمين المواد الأولية التي تحتاجها الصناعة السورية والمتوفرة في إيران.

وأشار المسؤول الإيراني إلى أن الطرفين اتفقا خلال لقاءات سابقة على إمكانية التبادل المالي بين البنوك والصيرفة لدى البلدين.

طهرنة دمشق

وهنا يرى الخبير الاقتصادي ورئيس "مجموعة عمل اقتصاد سوريا"، أسامة القاضي، أن توسّع التحركات الاقتصادية الإيرانية في دمشق ما هو إلّا "امتداد للقاءات المستمرة بين الطرفين الإيراني، والسوري، والتي أفرزت توقيع 23 اتفاقية في يناير/كانون الثاني 2019، دفعة واحدة".

وأوضح في حديث لـ "الاستقلال" أن هدفها: "طهرنة دمشق، وجعلها محافظة إيرانية، وتحويل سوريا، التي هي تحت النفوذ الروسي إلى مشروع يشبه نموذج الضاحية الجنوبية بلبنان، بمعنى وجود بؤر إيرانية فيها".

ويؤكد القاضي، أن "التعاون الإيراني مع نظام بشار الأسد، تم تأطيره ضمن اللجنة العليا الإيرانية السورية، التي عقدت 14 لقاء، وكل مرة تعطى إيران مزايا اقتصادية جديدة، بهدف إرسال رسالة إلى روسيا، بأنها تريد توسيع نفوذها هناك وأنها غير آبهة بالعملية السياسية التي ترعاها موسكو".

وما من شك أن طهران استغلت كل قدراتها المالية والعسكرية لحماية نظام بشار الأسد، من السقوط، معوضة ذلك بعقد اتفاقيات معه، تضمن مصالحها لعقود قادمة، في سوريا، ذات الأهمية الإستراتيجية، كونها تشكل ممرا بريا يصل إيران بلبنان، وتطل من بيروت على مياه المتوسط.

وتتراوح نفقات إيران في سوريا بين 30 – 40 مليار دولار أميركي وذلك بحسب تقرير معمّق نشره موقع "إيران وير"، في 9 أغسطس/آب 2020، بعنوان: "غنائم" إيران في سوريا.. اتفاقيات اقتصادية لضمان الهيمنة بعد الأسد.

وتتوزّع هذه النفقات بحسب التقرير، على الدعم المالي المباشر عبر الخط الائتماني، وتوريد النفط، ونفقات التسليح والمقاتلين.

كما تشمل هذه الاستثمارات، قطاعات سيادية في سوريا مثل النفط والغاز والفوسفات، وأخرى غير سيادية كالبناء والزراعة والمواد الغذائية، وقد حصلت عليها إيران بموجب عشرات الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم مع حكومة النظام السوري، وفقا للتقرير.

وفي هذا الصدد يُشير الخبير الاقتصادي، أسامة قاضي، إلى أن "إيران تستغل الوضع الاقتصادي المنهار بسوريا، ووصول الليرة السورية، إلى عتبة 3300 ليرة للدولار الأميركي الواحد، لكي تتمدد، وتبتز النظام أكثر لتحصيل أكبر قدر مما تبقى من الكعكة الاقتصادية السورية واقتسامها بصراعها مع روسيا لتقاسم النفوذ".

يشار إلى أن تحركات إيران الاقتصادية، تتزامن مع تفاقم المشاكل المعيشية في مناطق نفوذ النظام السوري، لدرجة أنها أصبحت على حافة الانفجار، كون الأزمة الاقتصادية وصلت إلى جيوب السوريين، ولقمة عيشهم. 


تحميل

المصادر:

1

لتصدير البضائع الايرانية.. إطلاق خط ملاحي بحري بين بندرعباس واللاذقية

2

800 مليون إيرادات معبر البوكمال … 15 شاحنة محملة بالفواكه والحمضيات السورية إلى العراق يومياً

3

وفد اقتصادي إيراني يزور مدينة حلب

4

إيران ترسل فريقا اقتصاديا إلى سوريا لدراسة حاجتها في إعادة الإعمار

5

رسميا.. انطلاق فعاليات مركز الأعمال الإيراني في المنطقة الحرة بدمشق

6

“غنائم” إيران في سوريا.. اتفاقيات اقتصادية لضمان الهيمنة بعد الأسد؟

7

“4 آلاف متر”.. طهران تدشن مركزا تجاريا ضخما في العاصمة السورية

كلمات مفتاحية :

أزمة اقتصادية إيران استثمار اقتصاد النظام السوري روسيا سوريا