Friday 26 February, 2021

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: يناير/ كانون الثاني 2021

منذ 2021/02/01 20:02:00 | الحالة العربية
بحلول الذكرى العاشرة لثورات الربيع العربي، لا تزال المنطقة غارقة في أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية
حجم الخط

المحتويات:

مقدمة

المحور الأول: جائحة كورونا في الوطن العربي

  • العراق
  • المغرب
  • السعودية

المحور الثاني: الحالة السياسية 

  • الحالة الخليجية.

مصالحة خليجية بعد أكثر من 3 سنوات.

أزمة ألقت بظلالها على معظم القضايا الإقليمية.

تباين نسبي بين مواقف دول الحصار.

حيثيات الموقف السعودي.

تباين في الظرفية السياسية.

ترتيبات أخرى؟

  • القضية الفلسطينية.

انتخابات عامة مرتقبة.

ترحيب دولي وإقليمي.

الداخل الفلسطيني.

غياب الثقة.

حماس تتراجع عن موقفها بعد ضمانات دولية.

  • الحالة المصرية.

إدانات دولية للوضع الحقوقي بمصر.

ملف سد النهضة وانسداد الأفق السياسي.

  • الحالة الليبية.

ملتقى الحوار الليبي يتوصل إلى آلية اختيار السلطة التنفيذية.

التوافق على إجراء استفتاء على مشروع الدستور.

  • الحالة السودانية.

تفاقم النزاع الحدودي مع إثيوبيا.

السودان يلوح بخيارات أخرى في مفاوضات سد النهضة.

السودان وإسرائيل.. نحو تطبيع كامل.

أحداث دارفور.

المحور الثالث: الاقتصاد العربي 

  • أسباب طرح المزيد من أسهم "أرامكو" السعودية.
  • تصفية شركة الحديد والصلب.

المحور الرابع: الحالة الفكرية 

  • التغيير الإصلاحي والثوري من منظور الفكر الإسلامي.
  • الأدب الثوري ودوره في التغيير السياسي.

مقدمة

بدأ العام الميلادي 2021 بعدد من الأحداث المهمة التي قد يكون لها تأثيرها المحوري على المشهد السياسي في المنطقة على المديين القريب والمتوسط.

فقد شهد الشهر الأول من العام مصالحة خليجية أو عربية بعد أزمة دامت أكثر من 3 سنوات، 42 شهرا مذ أعلن الرباعي العربي (الإمارات والسعودية والبحرين ومصر) مقاطعة دولة قطر وحصارها برا وبحرا وجوا، إلا أن "قمة العلا" قد وضعت حدا لهذه المقاطعة، حيث قادت السعودية حراكا دبلوماسيا أدى في نهايته إلى توقيع هذه الدول على إعادة العلاقات الدبلوماسية كاملة بين هذه البلدان.

ويرصد المحور السياسي الدوافع التي قادت هذه الدول إلى هذه النقطة، كما يشير إلى التباينات في الظرفيات السياسية التي تحيط بكل بلد من هذه البلدان، مما كان سببا رئيسا في التمايز النسبي بين مواقف هذه البلدان تجاه المصالحة.

كما يلقي المحور السياسي الضوء على مستجدات المشهد السياسي الفلسطيني، إثر المرسوم الرئاسي الذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بتحديد موعد لإجراء انتخابات عامة بعد مرور أكثر من 15 عاما على آخر انتخابات فلسطينية.

كذلك يرصد المحور السياسي الوضع في مصر، ويبرز استمرار تصاعد الإدانات الدولية للأوضاع الحقوقية في مصر، إضافة إلى ما يبدو أنه انسداد في الأفق السياسي في مسألة سد النهضة الإثيوبي.

ويختتم هذا المحور باستعراض مستجدات الحالة السياسية في كل من ليبيا والسودان، حيث تستمر التقدمات السياسية المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي، فتوصل خلال هذا الشهر إلى توافق حول آليات اختيار السلطة التنفيذية، إضافة إلى التوافق على إجراء استفتاء على مشروع الدستور.

أما السودان فكان الحدث الأبرز فيه هو الخلاف الحدودي مع إثيوبيا، علاوة على السير في مسار التطبيع مع إسرائيل على خلاف لمبادئ وقيم غالب الشعب السوداني.

وفي محور الاقتصاد، نناقش ما وراء طرح المزيد من أسهم شركة أرامكو السعودية للاكتتاب العام، كما يتضمن المحور نظرا بشأن القرار المصري بتصفية شركة الحديد والصلب.

أما المحور الفكري، فقد تناول التقرير موضوعين مهمين تفاعلا مع الذكرى العاشرة لثورات الربيع العربي؛ أولهما التغيير الإصلاحي والثوري من منظور الفكر الإسلامي، وآخرهما عن الأدب الثوري ودوره في التغيير السياسي.

كما يستمر تقرير الحالة العربية في يناير/كانون الثاني 2021 في رصد تطورات جائحة كورونا في المنطقة العربية من حيث حالات الإصابة والتعافي، وما تتخذه الدول العربية المختلفة تجاه مكافحة الجائحة، فتضمّن المحور الأول من التقرير، تطورات كورونا في كل من العراق والمغرب والسعودية.


المحور الأول: كورونا في الوطن العربي

بمرور نحو ما يزيد عن 13 شهرا منذ ظهور فيروس (COVID-19) المعروف باسم فيروس كورونا، ضربت الجائحة معظم دول العالم، وبلغ عدد الإصابات المكتشفة ما يربو على 102 مليون حالة حول العالم منذ بداية الأزمة في ديسمبر/كانون الأول 2019 حتى نهاية يناير/كانون الثاني 2021، توفي منهم ما يربو على مليونين و201 ألف و325 حالة، حتى كتابة هذه السطور.

كان نصيبُ العالم العربي من هذه الإصابات نحو 3 ملايين و753 ألف، بنسبة قدرها 3.68 بالمئة من مجمل الإصابات المكتشفة حول العالم، وبلغت الوفياتُ في الدول العربية نحو 64.933 وفاة، أي بنسبة بلغت 2.95 بالمئة من إجمالي وفيات العالم جراء هذا الفيروس (كل الأرقام التي وردت، وسترد، في هذه الورقة، مُستمدة من موقعي "Worldometer" الإحصائي العالمي، و"ESCWA" التابع للأمم المتحدة). 

وبما أن نسبة سكان الوطن العربي إلى سكان العالم تبلغ نحو 6.6 بالمئة، فإن هذه الأرقام تعني -نظريا- أن العالم العربيّ في حال أفضل من الأقطار الأخرى، أو أن منظومته الصحية قد استطاعت السيطرة على المرض بشكل كبير. 

بيد أنه من المعلوم في الإحصاء أن الأرقام والإحصاءات لا تعبر -بالضرورة- وحدها عن الواقع، بل قد تبدو الأرقام -أحيانا- مغايرة لما عليه الواقع، فلا بد من النظر وراء هذه الأرقام حتى نستطيع النظر ما إذا كانت دلائلها صحيحة أم لا.

ومن المعلوم أن عدد الإصابات -على وجه التحديد- لا يعبر عن نجاح أو فشل الدولة أوالمنظومة الصحية في مواجهة الفيروس، بل إنه العامل الأقل أهمية على الإطلاق في التقييم، تتعدد العوامل التي تمثل أهمية أكبر بالنسبة للتقييم، فنسبة الوفيات إلى المفحوصين، عدد الفحوصات اليومية، نسبة الفحوصات المُجراة إلى عدد السكان، الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة قبيل انتشار المرض، الإجراءات التي تتخذها الحكومة بعد انتشار المرض، كذلك نسبة المصابين إلى المفحوصين، كل هذه العوامل وغيرها لا بد أن توضع في الميزان حتى يكون التقييم أكثر انضباطا وواقعية.

تحاول هذه الورقة استكمال ما بُدِءَ في الأشهر الماضية من رصد وتحليل للأرقام المعلَنة من قبل الحكومات العربية حول فيروس كورونا ومدى انتشاره في بلدانهم.

بشكل عام، فإن عدد الإصابات المكتشفة في الدول العربية تصاعد خلال يناير/كانون الثاني 2021، بنحو 479,334 حالة مكتشفة، ففي ديسمبر/كانون الأول بلغ عدد الحالات المكتشفة نحو 3 ملايين و274 ألف مصاب، إلا أن الرقم تجاوز الـ3 ملايين و753 ألف مصاب هذا الشهر.

الوفيات خلال هذا الشهر تقلصت عن سابقه بنحو 7٫098 وفاة، حيث بلغت الوفيات خلال هذا الشهر فقط نحو 8٫230 حالة، في حين كانت الزيادة خلال الشهر الماضي تتجاوز الـ15 ألف حالة، وكانت زيادة ضخمة في عدد الوفيات آنذاك. 

وبلغت نسبة الوفيات إلى المصابين في العالم العربي نحو 1.7 بالمئة خلال يناير/كانون الثاني، بينما بلغت نفس النسبة خلال ديسمبر/كانون الأول 2020 نحو 1.8 بالمئة، وكانت النسبة خلال سابقه نحو 1.7 بالمئة. ويظهر أن نسبة الوفيات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة -على خلاف السائد في معظم الشهور منذ بداية الأزمة- في المنطقة العربية مساوية تقريبًا لنظيرتها العالمية، حيث بلغت هي الأخرى نحو 1.7 بالمئة.

وتبدو نسبة الوفيات العربية مقبولة نسبيا بالنسبة للمعدل العالمي، إلا أنه لا ينبغي إغفال أن عدد الوفيات أو الإصابات المكتشفة يتأثر بشكل كبير بعدد فحوصات الـ PCR التي تجريها كل دولة، حيث إن السبيل الوحيد لحساب الإصابات أو الوفيات من هذا الفيروس هو اكتشاف حامليه عن طريق هذا التحليل، ففي حالة عدم إجراء الفحوصات، قد يموت الكثيرون دون معرفة السبب الحقيقي وراء موتهم، سواء كان كورونا أو غيره.

لمحاولة رصد ما وراء هذه الأرقام، سواء كانت إيجابية أو سلبية، سيحاول التقرير البحث في الأرقام الصادرة عن كل دولة على حدة. وسيعتمد التقرير على الترتيب التنازلي من حيث عدد الإصابات. وسيكتفي برصد إحصائيات الدول أصحاب المراكز الثلاثة الأولى من حيث أعداد الإصابات.

العراق: 

استمر تصاعد الحالات في العراق، ليحافظ على المركز الأول في عدد الإصابات المكتشفة في المنطقة العربية للشهر الخامس على التوالي منذ ظهور الجائحة، بينما انخفض ترتيبه عالميا ليصل إلى المركز الـ28.

وبلغ عدد الحالات المكتشفة -حتى كتابة السطور- منذ بداية الأزمة 618,100 حالة، بزيادة قدرها نحو 21 ألف حالة عن الشهر السابق، وهي زيادة معقولة نسبيا مقارنة بمستويات التصاعد منذ ظهور الجائحة. 

كما بلغت حالات الوفاة نحو 13٫024 حالة، أي بزيادة قدرها 200 حالة عن سابقه، وهو العدد الذي يشير بشكل كبير إلى الانخفاض الإيجابي في أعداد الوفيات في العراق جراء كورونا، خلال الأشهر الأخيرة، بنسبة نحو 12 بالمئة من حالات الوفاة بكورونا في العراق في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

بينما كانت وفيات أكتوبر/تشرين الأول 2020 نحو 10 بالمئة من مجمل الوفيات منذ ظهور الوباء، والشهر الذي سبقه بنسبة 25 بالمئة، مما كان يشير إلى حجم التصاعد الدراماتيكي في حدة الفيروس هناك، إلا أن هذه النسب انخفضت خلال الشهرين الأخيرين بشكل كبير.

وتبلغ نسبة الوفيات نحو 1 بالمئة من إجمالي الحالات الإيجابية المكتشفة خلال هذا الشهر، وهي نسبة جيدة نسبيا مقارنة بالنسبة العالمية خلال نفس الفترة الزمنية، والتي تقدر بنحو 1.7 بالمئة، بينما تبلغ نسبة الوفيات الإجمالية منذ بداية الأزمة نحو 2.1 بالمئة من إجمالي الحالات المكتشفة خلال نفس المدة، وهي كذلك نسبة معقولة.

أجرى العراق نحو 5 ملايين و520 ألف فحص منذ بداية الأزمة (منهم 932٫000 فحص خلال هذا الشهر فقط)، وهو أكبر رقم بالنسبة للعراق منذ بداية الجائحة، كما زادت خلال هذا الشهر نسبة عدد المفحوصين من كل مليون نسمة إلى 135٫499 فحصا، ومن الممكن القول إنها نسبة معقولة نسبيا مقارنة بالنسب العالمية. 

جميع المؤشرات تشير إلى استمرار التحسن في أداء المنظومة الصحية في العراق مقارنة بالأشهر الماضية، بيد أن ذلك لا ينفي أنها لا زالت منظومة ضعيفة نسبيا مقارنة ببقية الدول، وذلك بفعل الحروب والفساد الذي يعاني منه العراق منذ عشرات السنين.

المغرب:

يبدو أن قطار الصعود في المملكة المغربية انطلق مسرعا ولم يتوقف، فبعد أن ظهرت المغرب في المراكز الثلاثة الأولى للمرة الأولى منذ ظهور الجائحة، حافظت المغرب للشهر الثاني على التوالي على مركزها الثاني من حيث عدد الحالات الإيجابية المكتشفة في المنطقة العربية، وبقيت كذلك في المركز 34 عالميا.

فقد بلغ عدد الإصابات المكتشفة منذ بداية الأزمة 469,139 مصابا، منهم نحو 28٫169 ألف مصاب خلال هذا الشهر فقط، وهو ما يشكل انخفاضا كبيرا عن الشهر السابق، حيث كانت الإصابات خلال الشهر السابق نحو 91٫282، ما يعني أن نحو 20٪ من حالات كورونا في المغرب خلال ذلك الشهر فقط، بينما كانت في الشهرين اللذين سبقاه نحو 42٪، وهو ما يعني أن التصاعد الدراماتيكي الذي كان حادثا في المغرب قد خفت بعض الشيء، إلا أن ذلك لا يعني أن هذه النسبة مقبولة أو منخفضة، فهي لا تزال نسبة مرتفعة للغاية مقارنة بالنسب العالمية، ولكنها أقل من سابقاتها.

استمرار هذا التصاعد -رغم خفوته- يفسره أحد احتمالين؛ أولهما أن المرض ينتشر بسرعة كبيرة للغاية في المغرب، والثاني أن عدد فحوصات الـ PCR تصاعدت بشكل كبير. 

وبالنظر إلى إجمالي الفحوصات التي أجرتها المملكة منذ مطلع الأزمة، نجدها بلغت 5,323,718 فحصًا، منهم نحو 850٫014 فحصًا خلال هذا الشهر فقط، وهو ما يعني أن نحو 15٪ من إجمالي الفحوصات أجريت خلال هذا الشهر فقط، وهي نسبة جيدة قد تساهم في تفسير النتيجة المرتفعة خلال هذا الشهر، إلا أن ذلك لا ينفي سرعة انتشار المرض بشكل كبير، طبقا لإحصائيات الأشهر الأخيرة.

بشكل عام، المنظومة الصحية تحسن من أدائها خلال الشهر الأخير، كذلك فإن المرض لا يزال ينتشر بسرعة كبيرة في الأشهر الأخيرة، ويتطلب ذلك من المنظومة الصحية والسياسية تدابير عالية المستوى، حتى لا تتفاقم الأوضاع الصحية، وتفقد منظومة الصحة قدرتها على التحمل.

السعودية:

بعد عدة أشهر من تراجع مركز السعودية في أعداد الحالات الإيجابية المكتشفة، تتصاعد الإصابات في المملكة مرة أخرى، لتدخل في المراكز الثلاثة الأولى من جديد، وتحتل المركز الثالث عربيا والمركز الـ38 عالميا.

فقد بلغ عدد الإصابات المكتشفة في المملكة منذ ظهور الجائحة مطلع عام 2020 نحو 367٫813، كما بلغ عدد الوفيات نحو 6٫372 أي أن نسبة الوفيات تقدر بنحو 1.7٪ من إجمالي عدد الإصابات المكتشفة، وهي مساوية تقريبا للنسبة العالمية.

ومن حيث فحوصات الـ PCR الخاصة بكورونا، أجرت المملكة نحو 12٫258٫723 فحصا منذ ظهور الجائحة فيها، بمقدار 348٫985 فحصا لكل مليون نسمة، وهي نسبة معقولة ومقبولة عالميا.

كما كان أداء المنظومة الصحية في بداية الأزمة، لا يزال الأداء الصحي في المملكة جيدا على المستوى العربي والإقليمي، وهو ما يظهر في مؤشراتها الرقمية والكيفية بشأن الحالة الصحية في مستشفيات المملكة.


المحور الثاني: الحالة السياسية

شهدت الحالة السياسية العربية في يناير/كانون الثاني 2021 عددا من الأحداث الهامة التي من الممكن أن تلقي بآثارها على عدد من الملفات الحيوية في المنطقة.

ولا مبالغة حين القول إن إعلان المصالحة الخليجية أو العربية بعد أكثر من 3 سنوات من الحصار والمقاطعة هي التغير الأبرز الذي شهده الشهر الأول من عام 2021، وقد رصد تقرير الحالة العربية تباينا نسبيا بين مواقف كل من الإمارات والسعودية ومصر تجاه هذه المصالحة، محاولا النظر في حيثيات الموقف السعودي الذي كان المساهم الأبرز في خروج هذا المشهد، وكذلك بحث أوجه التباين في الظرفية السياسية التي أحاطت بهذه المصالحة.

وفي القضية الفلسطينية.. نحت المصالحة الوطنية منحى مختلفا بعد إعلان رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مرسوما رئاسيا يحدد فيه مواعيد إجراء الانتخابات العامة بأقسامها الثلاثة؛ التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، بالتتابع والترابط.

وقد رصد التقرير الترحيب الدولي والإقليمي بهذه الخطوة، في ذات الوقت الذي تشهد فيه الحالة السياسية الفلسطينية الداخلية تباينا في الموقف تجاه هذه التطورات، رغم رجحان كفة المرحبين بالخطوة، مع تبيان كيف أن حركة حماس تراجعت عن شرطها بشأن الانتخابات بعد حصولها على ضمانات دولية.

وفي الحالة المصرية.. يرصد التقرير استمرار الصعود اللافت خلال الأشهر الماضية في الإدانات الدولية بشأن الأوضاع الحقوقية في مصر، كما يلتفت التقرير إلى الانسداد السياسي الحاصل في ملف سد النهضة.

وفي الحالة الليبية.. تستمر مسارات الحوار الليبي في المضي قدما نحو التوصل إلى حل سياسي للأزمة المستمرة منذ أكثر من 10 سنوات، حيث توصل أعضاء ملتقى الحوار السياسي إلى آلية لاختيار السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية المقبلة.

كما أعلن أعضاء اللجنة الدستورية المشاركون في اجتماع المسار الدستوري اتفاقهم -بإجماع الآراء- على إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المقدم من الهيئة التأسيسية، إلا أن عددا من المعوقات لا تزال تقف حائلا دون القدرة على الجزم بالمآلات النهائية للمشهد الحالي.

وأخيرا في الحالة السودانية.. يتفاقم النزاع الحدودي بين أديس أبابا والخرطوم، وهو ما قد يساهم في التأثير على عدد من الملفات العالقة؛ وأبرزها كيفية التعامل السوداني مع أزمة سد النهضة الإثيوبي، وبالفعل لوح السودان بـ"خيارات مختلفة" في مفاوضات سد النهضة. 

كما يرصد التقرير مستجدات مسار التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بالمخالفة لما عليه غالب الشعب السوداني من مبادئ وتوجهات.

الحالة الخليجية

  • مصالحة خليجية بعد أكثر من 3 سنوات

بعد أكثر من 42 شهرا من الحصار والمقاطعة المفروضين على دولة قطر من قبل الثلاثي الخليجي، السعودية والإمارات والبحرين، وبجانبهم مصر، أعلن أخيرا رفع هذا الحصار وعودة الأمور -نسبيا- إلى مجاريها بين هذه الدول الخمس.

بدأت قصة العودة فعليا على أرض الواقع بتصريح من وزير الخارجية الكويتي، الشيخ أحمد ناصر الصباح، في 4 يناير/كانون الثاني 2021، حيث أعلن الوزير أن السعودية ستعيد فتح أجوائها وحدودها البرية والبحرية مع قطر بعد أكثر من 3 سنوات على الأزمة الخليجية.

وكان ذلك بمثابة تمهيد لتوقيع البيان الرسمي لإنهاء الأزمة الخليجية في قمة مجلس التعاون الخليجي في اليوم التالي، حيث كان مقررا سلفا عقد قمة خليجية -والتي سميت باسم الزعيمين الراحلين السلطان قابوس والشيخ صباح الأحمد- في مدينة العلا شمال غرب المملكة.

وفي ختام الجلسة الأولى، وقع قادة دول مجلس التعاون الخليجي مع وزير الخارجية المصري سامح شكري، الذي كان حاضرا في القمة، "بيانَ العلا"، حيث أكدوا فيه عودة العمل المشترك إلى مساره الطبيعي.

وعقب توقيع البيان، أكد وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، أن ما تم في قمة العلا يعد طيا كاملا للخلاف مع قطر وعودة كاملة للعلاقات الدبلوماسية، مضيفا أن الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) وافقت جميعا على استعادة العلاقات مع قطر، بما في ذلك الرحلات الجوية.

  • أزمة ألقت بظلالها على معظم القضايا الإقليمية

بعد هذه الخطوة المهمة، تساءل كثير من المراقبين للمشهد السياسي في المنطقة حول الآثار التي من المتوقع أن تنتج إثرها. خصوصا أن الأزمة بين الطرفين كانت مؤثرة على معظم الملفات الإقليمية، ابتداء من حرب اليمن، مرورا بالصراع الليبي، والصراع في شرق المتوسط، والمشهد السوداني، علاوة على المشهد في المغرب العربي، وانتهاء بالملف المصري.

كل هذه الملفات وغيرها كانت -ولا تزال- ساحة تتقاطع فيها إستراتيجيات ومصالح الحلفين الإقليميين، مصر والسعودية والإمارات من جهة، وقطر وتركيا من الجهة الأخرى، ويتصاعد الاستقطاب والتوتر في المنطقة جراء تعاكس وتباين مواقف الطرفين في كل منها.

فلو نظرنا إلى الملف المصري على سبيل المثال لا الحصر، سنجد بوضوح أنه كان -ولا يزال- خاضعا في كثير من ملفاته إلى التباينات الإقليمية، وتحديدا التباين في الموقف الخليجي، فمن رعى الانقلاب ومهد له وموله ماديا وسوق له دوليا وقاريا وإقليميا كان الحلف الإقليمي الخليجي المتمثل في السعودية والإمارات، وهو كذلك من دفع الكثير من فواتير صفقات السلاح التي استخدمها النظام العسكري في تثبيت أركان حكمه، إما عن طريق إسكات الأوروبيين أو المساهمة في قمع المصريين. 

على الناحية الأخرى، كان الإعلام القطري المتمثل في قناة الجزيرة هو من غطى ثورة الشعب المصري في 2011 وأحدث لها زخما إعلاميا ساهم في إنجاح الثورة فيما بعد.

كذلك كان الحضور القطري فاعلا عقب الانقلاب العسكري عام 2013، حيث مثلت قطر حاضنة سياسية لكثير من قيادات المعارضة المطاردين من قبل النظام المصري، كما أنها -بجانب تركيا- كانت ولا تزال رافدا للكثير من المنصات الإعلامية والسياسية التي تزعج النظام وتقدم رواية بديلة عن رواية السلطة الرسمية. 

ومن الممكن القول أن المحور القطري-التركي كانا من الأسباب الرئيسة التي حالت دون الاستقرار السياسي الكامل للنظام المصري حتى اللحظة.

ولم يختلف الحال كثيرا بالنسبة للوضع في ليبيا، ففي الوقت الذي يدعم فيه المحور القطري-التركي حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، يبرز المحور السعودي الإماراتي المصري في دعم الطرف النقيض، من خلال دعمهم للجنرال المتمرد خليفة حفتر ومليشياته.

وفي الوقت الذي يحاول فيه المحور التركي-القطري التقارب مع القوى السياسية والحكومات المنتخبة ديمقراطيا في تونس وبلاد المغرب العربي، يبدو إعلام المحور الآخر داعما أو محتفيا بأركان الأنظمة السابقة التي قامت عليها ثورات الربيع العربي مطلع العقد الماضي.

كل ما سبق وغيره يعطي صورة عن حجم تأثير السياسات الخليجية المتباينة فيما بينها على معظم القضايا المطروحة على الساحة الإقليمية في العقد الماضي. 

وكما أن الأزمات والتباينات لها أثرها، فلا شك أن المصالحة لها آثارها أيضا، إلا أن هذه الآثار -إيجابا أو سلبا أو ثباتا- ستكون معتمدة بشكل كبير على المدى الذي ستستطيع أن تصل إليه هذه الدول من خلال تطوير علاقاتها البينية الفعلية على أرض الواقع، فمجرد توقيع بيان المصالحة لا يعني طي صفحة الخلاف أو التباين بين هذه الدول.

هذه النقطة -أي الخلاف والتباين في وجهات النظر- على وجه التحديد تقودنا مباشرة إلى محاولة النظر في الدوافع التي قادت الدول إلى هذه المصالحة، رغم عدم تغير وجهات نظر أي منهم -فيما يبدو- في غالب القضايا الإقليمية.

إلا أنه وقبل النظر في الدوافع، سنحاول التعرف على مواقف الدول تجاه المصالحة، وتحديدا موقف كل من الإمارات ومصر والسعودية وقطر، نظرا لكونها الدول الرئيسة في هذا المشهد.

  • تباين نسبي بين مواقف دول الحصار

بالنظر إلى ردود الفعل الرسمية على المصالحة، فقد حضر القمةَ وزير الخارجية المصري، سامح شكري، مع أن أنباء تحدثت قبل الاجتماع باحتمالية حضور رئيس النظام عبد الفتاح السيسي. 

كما لم يخرج أي تصريح رسمي قبل المصالحة ولا بعدها إلا بيان سامح شكري، عقب التوقيع على بيان العلا، وأتى في البيان أن التوقيع أتى في إطار حرص مصر الدائم على التضامن بين دول الرباعي العربي، مؤكدين على حتمية البناء على هذه الخطوة "من أجل تعزيز مسيرة العمل العربي ودعم العلاقات بين الدول العربية الشقيقة انطلاقا من علاقات قائمة على حسن النوايا وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية".

وباستقراء الباحث لردود فعل الإعلام المصري -المقرب من السلطة- قبيل المصالحة وبعدها، برز بما لا يدع مجالا للشك التباين الواضح في تعاطي الإعلام المصري والإماراتي والسعودي لهذا الملف.

وتوقف الإعلام السعودي قبل نحو شهر من المصالحة عن مهاجمة قطر، وبرزت لهجة أكثر ودية وتصالحية تجاهها، وتصاعد هذا النفَس عقب التوقيع. وعليه، كانت السعودية أكثر تحفيزا ودفعا في اتجاه المصالحة قبل حدوثها، وأكثر ترحابا وابتهاجا بها بعد حدوثها.

 بينما بدا الإعلام المصري والإماراتي أكثر تململا من هذه الأخبار، حيث استمر كلاهما في مهاجمة قطر بشكل مباشر وغير مباشر قبل التوقيع، بل وصل الأمر إلى أن عددا من الإعلاميين والصحفيين كانوا ينفون أنباء المصالحة جملة وتفصيلا، بدعوى أن قطر لم تغير أيًّا من سياساتها، وآخرين كانوا يتحدثون أنه لا مصالحة مع قطر إلا بعد إرغامها على التخلي عن عدد من سياساتها في المنطقة.

لم يتغير الوضع كثيرا عقب المصالحة، ومع أن اللهجة هدأت نسبيا تجاه قطر، إلا أن الإعلام المقرب من الأنظمة لا يزال يكرر أن هذه المصالحة ليست كاملة، وأنها مجرد خطوة مبدئية، وأن الفترة القادمة سيتم فيها ترقب وتتبع السياسات القطرية في المنطقة.

وبمرور الوقت، يبدو أن كلا من الإعلام المصري والإماراتي يصعد شيئا فشيئا ضد قطر.

ومن الممكن القول أن الخط التحريري الغالب في كل من الإعلام المصري والإماراتي هو استمرار الهجوم قبل المصالحة، والترصد بعدها.

وكان ذلك متسقا مع ردود الفعل الرسمية من هذه الدول، والتي برزت بشكل واضح في التمثيل الرسمي خلال القمة، حيث كان تمثيل كل من مصر والإمارات منخفضا نسبيا، إذا ما قورن بتمثيل كل من السعودية وقطر والكويت. 

ففي مقابل حضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والأمير القطري تميم بن حمد ونظيره الكويتي نواف الأحمد الجابر الصباح، حضر وزير الخارجية المصري بدلا من السيسي، وحاكم إمارة دبي محمد بن راشد، بدلا من محمد بن زايد، ولي العهد الإماراتي والحاكم الفعلي في الدولة.

إذن، التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية يشيران بشكل واضح إلى أن هذه المصالحة لم يكن مرحبا بها بشكل كبير في الأوساط المصرية والإماراتية.

وهو ما يرجح فكرة أن قرار المصالحة كان سعوديا خالصا، على غير رغبة أو ترحيب من الإمارات ومصر، وأن الأخيرين قد اضطرا لاتخاذ هذا الموقف رغبة في عدم خسارة السعودية بشكل كامل، حيث تبين لمتخذي القرار في البلدين أن السعودية مصرة على موقفها في إتمام المصالحة، بغض النظر عن موقفيهما. 

ولتفسير الموقف السعودي، سنحاول خلال السطور التالية البحث في حيثيات موقف المملكة.

  • حيثيات الموقف السعودي

من الممكن فهم حيثيات الموقف السعودي من خلال النظر إلى السياقات الظرفية التي سعت فيها السعودية نحو إتمام المصالحة.

السياق الظرفي الأبرز الذي تأتي فيه المصالحة هو المتغير الدولي، المتمثل في خسارة دونالد ترامب للانتخابات الأميركية، وصعود الرئيس الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض، الذي تعهد سابقا بأنه -حال وصوله للرئاسة- سيعيد النظر في العلاقات مع الرياض.

كما دأب الرئيس الديمقراطي على انتقاد سياسات سلفه تجاه السعودية، حيث انتقد ما وصفه بأنه "شيك خطير على بياض" من ترامب للمملكة. 

وعلى وجه التحديد، انتقد بايدن تعامل الإدارة الأميركية مع قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية الرياض باسطنبول، حيث وصف تعامل ترامب مع القضية بأنه "مخجل وخطير"، كما أنه يقوض السمعة الأخلاقية للولايات المتحدة، متهما ابن سلمان بأنه يختلق الأعذار. 

هذا بالإضافة إلى موقف بايدن من الحرب في اليمن، حيث يُنظر إليه على أنه مناهض لسياسات ابن سلمان، خصوصا فيما يتصل بقرار الحرب في اليمن، حيث صرحت حملة بايدن، ضمن برنامجه الانتخابي، أنه سينهي الدعم الأميركي  لحرب المملكة في اليمن.

وبشكل عام، الرئيس الديمقراطي متوقع انحيازه لملفات حقوق الإنسان، حيث أصدر بايدن بيانا حين كان مرشحا للرئاسة يؤكد فيه أن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان سيكونا أولوية في سياسته، حتى مع أقرب شركاء الولايات المتحدة على الصعيد الأمني.

ومضى بايدن قائلا: "سأدافع عن حقوق الناشطين، والمنشقين السياسيين، والصحفيين حول العالم، ليقولوا ما يفكرون به دون خوف من المحاسبة والعنف"، وهي ملفات لا تملك السعودية فيها سجلا جيدا، فسجونها لا تزال تحوي العديد من النشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان.

ولا ينبغي بأي حال من الأحوال تجاهل التغير الأميركي المرتقب في السياسات تجاه إيران، الخصم الإقليمي الأبرز للسعودية، حيث من المتوقع أن يذهب بايدن إلى العودة للاتفاق النووي الذي عقده الرئيس الأسبق باراك أوباما مع إيران، أو إعادة صياغته بشكل أو بآخر، فقد أخبر بايدن مجلسَ العلاقات الخارجية الأميركي أنه "إذا عادت إيران للامتثال بالتزاماتها النووية، فإنني سأعود مجددا لخطة العمل الشاملة المشتركة". 

عقْد اتفاق مع إيران يعني تراجع الولايات المتحدة عن اتباع سياسة "الضغط القصوى" التي انتهجها ترامب خلال فترة حكمه، والتي كانت تسبب ضغطا كبيرا على إيران، بعقد الاتفاق، قد تتنفس إيران الصعداء نسبيا وتصبح أكثر حرية في الحركة بالمنطقة، وهو ما قد تتوجس منه السعودية.

لا شك أن العلاقة مع الولايات المتحدة من أهم العلاقات الإستراتيجية للنظام الحاكم في السعودية، نظرا لأن العلاقة معها تعد من أبرز أوراق القوة التي تملكها السعودية في مواجهة إيران.

علاوة على أنه ليس من المتصور أن يُمرَّر متغير سياسي كبير داخل المملكة دون تعاون أو تواصل سياسي فعال مع الولايات المتحدة، نظرا لأدوات الهيمنة الكبيرة التي تملكها واشنطن داخل المملكة. 

ففي ظل التفكير في مرحلة الحكم بعد الملك سلمان، وفي ضوء طموح ابن سلمان لاعتلاء العرش، يكون من الضروري، بل والضروري جدا، أن يكون التواصل قويا -أو على الأقل ليس متوترا- مع الولايات المتحدة.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال عن علاقة هذا المتغير الدولي البارز بقرار السعودية بإتمام المصالحة مع قطر.

فبالنظر إلى معظم هذه القضايا والملفات الشائكة المذكورة أعلاه، نجد أن الإعلام المدعوم قطريا واللوبيات السياسية المتواجدة في الغرب والمقربة من قطر كانوا أبرز الضالعين بشكل أو آخر في تصديرها وجعلها طافية على السطح. 

فقناة "الجزيرة" القطرية والمنافذ المقربة منها كان لها دور رئيس في تسويق قضية الصحفي خاشقجي على المستوى الدولي، ونجحت الآلة الإعلامية القطرية -مع عوامل أخرى- في المساهمة بربط القضية بولي العهد السعودي شخصيا.

كما أن المنافذ الإعلامية والحقوقية والسياسية القطرية كانت المنفذ الرئيس الذي يبرز انتهاكات حقوق الإنسان تحت حكم ابن سلمان، وهو ما ساهم بشكل كبير في تشويه الصورة الذهنية للمملكة لدى المراقبين الغربيين والمجتمع الدولي بشكل عام.

هذا إضافة إلى وقوف قطر في غير الصف -ولكن ليس في الطرف المقابل بأي حال من الأحوال- الذي تصطف فيه السعودية في الحرب على اليمن، مما ساهم كذلك في إبراز انتهاكات التحالف العسكري بقيادة السعودية بحق الشعب اليمني. 

أضف إلى ذلك القضايا التي رفعتها قطر على دول الحصار في المنظمات والمحاكم الدولية، مما يساهم في زيادة الضغط الدولي عليها.

بدراسة هذه الملفات إجمالا، نجد أن خيوطها جميعا تخرج من الآلة القطرية الإعلامية والسياسية والحقوقية النافذة، وتقود في نهايتها إلى الضغط على شخص ابن سلمان تحديدا. 

وفي ظل السياقات والمعطيات المذكورة أعلاه، يمكن القول أن الضغوطات المرتقبة على السعودية يمكن تخفيفها عن طريق تسوية عدد من الملفات التي تتداخل فيها المملكة، وأن كثيرا من هذه الضغوط يمكن أن تتراجع بشكل كبير إذا ما خف الضغط الإعلامي والدولي الذي تقوده الآلة الإعلامية والحقوقية، إضافة إلى اللوبيات السياسية التي تديرها قطر بشكل أو آخر.

 ومن هنا نستطيع أن نتفهم السياسات السعودية التي انتهجتها مؤخرا، فهي تحاول تهدئة الأوضاع في اليمن، خصوصا بعد تخلي الإمارات عنها وتبنيها سياسات مغايرة لسياسات المملكة في المشهد اليمني، وهو ما برز مؤخرا في الضغط السعودي لتنفيذ اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي. 

وهذه التهدئة تأتي في إطار محاولة استباق الضغط الأميركي المرتقب بخصوص حرب اليمن.

أما المصالحة مع قطر، فتهدف من خلالها إلى تخفيف العبء الذي تتسبب فيه قطر، سواء على المستوى الإعلامي أو الحقوقي أو السياسي.

باختصار، من الممكن القول أن النظام السعودي -متمثلا في ابن سلمان- وجد نفسه متأثرا بالسلب في صلب أهدافه الإستراتيجية جراء الخصومة مع قطر.

وبالتالي، كانت المصالحة مع قطر ضرورة لتفادي جزء كبير من الضغوط المرتقبة، وهذه الضرورة مؤثرة في بنية النظام السياسي الذي يريده ابن سلمان، مما دفع النظام السعودي إلى العودة لطاولة التفاوض وتحسين العلاقات، دون توافق كامل مع الحليفين، مصر والإمارات.

  • تباين في الظرفية السياسية

بالنظر إلى دوافع السعودية، يبرز أن التأثير السلبي على أهداف النظام الإستراتيجية مَثّل ضرورة جعلته يفكر جديا في المصالحة مع قطر، بينما الوضع ليس بهذه الصورة بالنسبة لأي من النظامين المصري أو الإماراتي. 

فرغم أن المتغير الدولي المتمثل في نجاح بايدن سيؤثر أيضا على الوضع السياسي المصري، خصوصا فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وكذلك رغم الضغط الإعلامي الكبير الذي تمارسه قطر بآلتها الإعلامية على النظام المصري، إلا أن ذلك لا يصل في تأثيره إلى درجة الاضطرار التي تجبر النظام المصري على الجلوس مع قطر كما حدث مع السعودية.

وباستبعاد حالة الاضطرار لكونها غير متحققة لدى النظام المصري، نجد أنه لم يتحقق للنظام -حتى اللحظة- شيء من مطالبه جراء هذه المصالحة.

فبالنظر إلى قائمة المطالب التي أعلنتها دول المقاطعة، وتحديدا تلك التي على تماس مع المصالح المصرية، نجد أن هذه المطالب ممثلة في عدة أمور؛ منها أن تغلق قطر القاعدة العسكرية التركية التي كان يجري بناؤها آنذاك.

إضافة إلى قطع الدوحة لعلاقاتها مع "المنظمات الإرهابية والطائفية والإيديولوجية"، وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين وعدد من التنظيمات الأخرى، مع تصنيف تلك الكيانات أجمع على أنها كيانات إرهابية، علاوة على تسليم الأفراد المطلوبين من السلطات المصرية.

وكذلك وقف جميع وسائل التمويل للأفراد والجماعات والكيانات التي صنفتها الدولة "إرهابية"، هذا بالإضافة إلى إغلاق شبكة الجزيرة والقنوات التابعة لها، وإغلاق قطر جميع المنصات الإخبارية التي تمولها، بشكل مباشر وغير مباشر.. كانت هذه هي المطالب المصرية على وجه التحديد.

وعليه، لم يكن هناك استفادة كبيرة عائدة على النظام المصري جراء هذه المصالحة، التي دفعت في اتجاهها السعودية أكثر من الدفع القطري في اتجاهها.

وبالتالي، لا اضطرار، ولا مكاسب كبيرة، فما الذي يجعل النظام المصري مرحبا بإتمام هذه المصالحة؟! وكذا الحال بالنسبة للإمارات.

إلا أن النظامين، الإماراتي والمصري، اضطرا إلى اللحاق بركب السعودية لما رأياه من إصرار الرياض على إتمامها، وكذلك رغبة في عدم فقدان السعودية بشكل كبير، مما سيسبب صدعا كبيرا في حلفهم الإقليمي، وكان هذا -في تقدير الباحث- هو السبب الرئيس الذي دفع مصر والإمارات إلى توقيع المصالحة مع قطر.

باختصار، من الممكن عزو التباين في مواقف دول الحصار إلى تباين الظرفية السياسية لدى كل من الإمارات ومصر من جهة، والسعودية من الجهة الأخرى.

  • ترتيبات أخرى؟

من ناحية أخرى.. يحاجج البعض بأن وراء الكواليس ترتيبات أخرى ستجبر قطر على تغيير سياساتها جذريا تجاه المنطقة. 

ومع عدم الاستبعاد المطلق لهذه الفرضية، إلا أن من يحاجج بذلك سيكون مطالبا بتفسير الهجوم المصري والإماراتي على قطر، قبل المصالحة وبعدها، مع العلم أنه لو تعهدت قطر بالالتزام ببند واحد فقط، وهو تغيير سياساتها الإعلامية وقطع الدعم عن المنصات الإعلامية التابعة لها، فإن ذلك سيكون مرضيا للغاية بالنسبة للنظام المصري المنزعج بشدة من الإعلام المناهض له، والذي دائما ما تروج الأنظمة الحاكمة في دول الحصار بأنه مدعوم قطريا. 

وبالتالي، فإن استمرار الإعلام المصري والإماراتي في الهجوم على قطر -حتى اللحظة- يشير بشكل واضح إلى أن الاتفاق ليس مرضيا لكليهما حتى الآن.

ومما يعضد ما وصل التقرير إليه من أنه لا تغييرات جذرية في السياسات القطرية، وبأن الإرادة السياسية لدى السعودية ليست كتلك التي لدى الإمارات أو مصر، ما جاء من تصريحات متعاقبة لمسؤولين قطريين عقب توقيع المصالحة.

فقد صرح وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بشكل واضح أنه لم يتم طرح موضوع قناة الجزيرة للتفاوض من الأساس، مضيفا أنها "مؤسسة نفخر بها وبوجودها في قطر، وأنه يجب التعامل مع موضوع قناة الجزيرة بإيجابية وبشكل بناء".

وفي لقاء آخر مع صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، صرح ابن عبد الرحمن بأن العلاقات القطرية مع إيران وتركيا لن تتغير عقب المصالحة الخليجية، معربا عن أمله في أن تحظى الدول الأخرى من أطراف الأزمة الخليجية بـ"الإرادة السياسية نفسها التي يتمتع بها السعوديون".

خلاصة القول.. النظام السعودي حكمته الضرورة في إتمام هذه المصالحة، بينما يبدو أن النظامين الإماراتي والمصري اضطرا إلى القبول بالقرار السعودي "خوفا من أن يخسروا المملكة"، مما قد يحدث تصدعا في حلفهم الإقليمي (مصر والسعودية والإمارات).

ولا أدَلَّ على ذلك من التباين -حتى لحظة كتابة هذه السطور- بين الإعلام السعودي من جهة، والإعلام المصري والإماراتي من جهة أخرى.

وباستقراء ما سبق، فإنه من الواضح أن المصالحة لا تعني -حتى الآن- الاستحالة إلى تحالف إقليمي أو حتى تعاون واضح في كافة القضايا الإقليمية، بل يمكن القول أن المصالحة تعني -حتى الآن- العودة إلى ما قبل لحظة 5 يونيو/حزيران 2017، أي إلى ما قبل الحصار، وهو ما يعني أن الخلافات الأساسية في وجهات النظر ستظل حاضرة، ولكن دون حصار أو مقاطعة أو هجوم إعلامي كبير من قبل طرف على الآخر، ومن المرجح أن تكون السعودية وقطر هما الأقرب لبعضهما بعضا من بقية الدول.

القضية الفلسطينية

  • انتخابات عامة مرتقبة

أخيرا، وبعد نحو 15 عاما على آخر انتخابات فلسطينية، أصدر الرئيس محمود عباس، في 15 يناير/ كانون الثاني 2021، مرسوما رئاسيا يعلن فيه مواعيد إجراء انتخابات عامة خلال الأشهر المقبلة.

ووفقا للمرسوم، تُجرى الانتخابات العامة على 3 مراحل بالتوالي، تبدأ بالانتخابات التشريعية (البرلمان) في 22 مايو/أيار 2021، ثم تعقبها الانتخابات الرئاسية في 31 يوليو/تموز من نفس العام، وأخيرا تُتْبع هذه الإجراءات بانتخابات المجلس الوطني في 31 أغسطس/آب من ذات السنة.

  • ترحيب دولي وإقليمي

وقد حظي إعلان عباس بترحيب دولي وإقليمي، لكن تباينت الآراء نسبيا على المستوى الداخلي.

ورحب الاتحاد الأوروبي بقرار الرئيس الفلسطيني بإجراء الانتخابات، فقد أعلن المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، بيتر ستانو، في بيان أن هذا التطور مرحب به، معتبرا أن المؤسسات الديمقراطية التشاركية والتمثيلية الخاضعة للمساءلة هي مفتاح لتقرير المصير وبناء الدولة للفلسطينيين.

كما أعرب عن استعداد الاتحاد للمشاركة في دعم العملية الانتخابية، داعيا سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى تسهيل إجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية.

من جانبه، صرح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، بأن إجراء انتخابات في قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، سيكون "خطوة حاسمة نحو الوحدة الفلسطينية"، حيث اعتبر أن هذه الانتخابات ستمنح "شرعية متجددة للمؤسسات الوطنية".

كذلك صرح المبعوث الأممي الجديد إلى المنطقة، تور وينيسلاند، في 26 يناير/كانون الثاني 2021، بأن الأمم المتحدة مستعدة لدعم جهود الشعب الفلسطيني في ممارسة حقوقه الديمقراطية، مضيفا أن "الانتخابات جزء أساسي من بناء دولة فلسطينية ديمقراطية مبنية على سيادة القانون، مع حقوق متساوية للجميع". 

وعلى المستوى الإقليمي.. رحبت جامعة الدول العربية، عبر أمينها العام أحمد أبو الغيط، بهذه الخطوة، معتبرا إياها مهمة للموقف الفلسطيني، ومؤكدا أن إجراء الانتخابات سيمثل "خطوة على طريق المصالحة الفلسطينية التي طال انتظارها"، ومشيرا إلى أن الاحتلال طالما سعى إلى استغلال الانقسام لإضعاف موقف الفلسطينيين، وأن إنهاء الانقسام يُعزز من قوة الموقف الفلسطيني.

كذلك اعتبرت منظمة التعاون الإسلامي أن القرار "يشكل خطوة مهمة نحو تجديد الشرعية للمؤسسات الوطنية الفلسطينية"، معلنة دعمها لأي خطوات من شأنها تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، داعية المجتمع الدولي إلى مساندة إجراء الانتخابات الفلسطينية وتوفير سبل نجاحها. 

كذلك تلقى هذه الخطوات دعما من دول إقليمية وازنة في المنطقة وذات الشأن بالقضية الفلسطينية، حيث تدعم كل من تركيا ومصر والأردن وقطر هذه الخطوات.

  • الداخل الفلسطيني

كان هذا هو الموقف على كل من المستويين الدولي والإقليمي، أما على مستوى الداخل الفلسطيني، فقد كان الموقف مختلفا بعض الشيء، حيث تباينت آراء الفصائل الفلسطينية نسبيا، رغم رجحان كفة المرحبين بالخطوة.

حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أعلنت ترحيبها بصدور المراسيم الرئاسية بشأن الانتخابات العامة، كما أكدت حرصها الشديد على إنجاح هذا الاستحقاق بما يحقق مصلحة الشعب صاحب الحق المطلق في اختيار قيادته وممثليه.

وأشارت "حماس" إلى دورها ومرونتها لتذليل كل العقبات للوصول إلى هذه اللحظة -أي قرار إجراء الانتخابات-، داعية إلى "ضرورة تهيئة المناخ لانتخابات حرة نزيهة، وتحقق ذلك من خلال الإسراع  في عقد حوار وطني شامل يشارك فيه الكل الوطني الفلسطيني (جميع الفصائل والأطراف) دون استثناء".

في المقابل، اعتبرت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" أن إصدار مرسوم الانتخابات قبل الحوار الوطني لا يُشكّل ضمانة لإنهاء الانقسام، وعزت ذلك إلى أن أسباب الانقسام وما ترتّب عليه من وقائع لم يجرِ معالجتها وطنيا، كما شددت على أن المصلحة الوطنية كانت ولا تزال تقتضي إعطاء الحوار الوطني الأولوية لمعالجة مختلف القضايا السياسية والتنظيمية وقواعد الشراكة الوطنية.

بدورها، رحبت "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" بالمرسوم الرئاسي، معتبرة أنه جاء تعبيرا عن الإجماع الوطني بضرورة العودة إلى المسار الديمقراطي والتأسيس لشراكة وطنية شاملة، إضافة إلى صوغ ميثاق شرف لجميع القوى السياسية يكفل سلامة العملية الانتخابية واحترام الجميع لنتائجها.

كذلك أبدى عدد من القوى الأخرى ترحيبه بالمراسيم، مثل حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، والمجلس الوطني، وكذلك رئيس المجلس التشريعي المنحل عزيز دويك.

  • غياب الثقة

من الممكن القول إن هذه التباينات في الموقف الداخلي الفلسطيني ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج عقود من الفرقة والانقسام، والتي أدت إلى فقدان ثقة مكونات المشهد الوطني الفلسطيني في بعضهم البعض.

ولو نظرنا بشكل أكثر تفصيلا وتدقيقا، لوجدنا أنه حتى الذين أيدوا المرسوم الرئاسي ليسوا على ثقة تامة كاملة في المسار، حيث إن بعضهم كان على خلاف مع بعض تفاصيل هذا المسار قبل أقل من شهر واحد فقط.

من المفيد في هذا الصدد استعراض نتيجة استطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية الشهر الماضي، حيث يعتقد 52 بالمئة من الفلسطينيين أن الانتخابات في ظل الظروف الحالية "لن تكون حرة ولا نزيهة".

وكشف الاستطلاع أنه في حال فوز "حماس"، فإن 76 بالمئة يعتقدون أن حركة "فتح" التي يرأسها عباس لن تقبل النتيجة، في حين قال 58 بالمئة إن حماس سترفض فوز فتح.

هذه النتيجة تأخذنا إلى النظر في تفاصيل المشهد الفلسطيني، حتى نستطيع الوصول إلى صورة أكثر دقة وتفصيلية بخصوص الواقع الفعلي للحالة السياسية الفلسطينية.

فبالنظر إلى الموقف بين حركتي فتح وحماس -القطبين الأبرز في المشهد الفلسطيني- سنجد أنه كان بينهما خلافات جوهرية مع هذا المسار حتى الثالث من يناير/ كانون الثاني 2021.

وانقطعت الحوارات الوطنية بين "حماس" و"فتح" إثر قيام الأخيرة بإعادة التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال بشكل مفاجئ في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، دون العودة إلى أي من الفصائل الفلسطينية الأخرى، وهو ما سبب انقطاعا في جلسات الحوار الوطني بين الحركتين وغيرهما من الفصائل الوطنية المشاركة في الحوار.

  • حماس تتراجع عن موقفها بعد ضمانات دولية

لكن الأهم ذكره هنا الموقف من الانتخابات العامة، فحركة حماس كانت تصر -قبل 3 يناير/ كانون الثاني 2021- على أن إجراء الانتخابات العامة لا بد أن يكون بالتزامن والترابط، لا بالتتالي (التتابع) والترابط كما أُعلن في المرسوم الرئاسي.

وكانت تشترط حماس في السابق إجراء الجولات الانتخابية الثلاث بشكل متزامن، في حين كانت فتح تطالب بإجراء الانتخابات التشريعية أولا، تليها الرئاسية ثم المجلس الوطني، وهو ما تم بالفعل في المرسوم الرئاسي.

يبدو أن موقف حماس من عدم إجراء الانتخابات التشريعية أولا كان مدفوعا بتخوفها بشأن موقف "فتح" التي تسيطر على السلطة التنفيذية من نتيجة هذه الانتخابات، ففي حال فوز حماس، فما الذي يضمن لها عدم تكرار ما فعلته فتح عقب نتائج الانتخابات التشريعية عام 2006 حين رفضت الاعتراف بنتيجة الانتخابات؟.

وفي حال خسارة حماس، فما الذي يضمن لها أن تستكمل فتح إجراء انتخابات الرئاسة والمجلس الوطني؟ وبالتالي تكون حماس خسرت الشرعية التي تملكها منذ فوزها ديمقراطيا في الانتخابات التشريعية عام 2006.

ومما يدعم هذا التفسير هو ما جاء في بيان رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، في 3 يناير/كانون الثاني 2021، الذي أعلن فيه تخلي الحركة عن شرط التزامن وقبولها بشرط التتالي، حيث أكد غير مرة في رسالته أن مصر وقطر وتركيا وروسيا أكدوا أنهم جزء من هذه العملية وضامنون لها.

كما أكد مرة أخرى على أنه توصل مع هذه الدول إلى أن تضمن وترعى وتتابع هذه العملية الانتخابية، بحيث تنتهي الانتخابات في غضون 6 أشهر بأقصى تقدير، ثم أكد للمرة الثالثة أنهم تلقوا من "الإخوة الكرام في مصر وقطر وتركيا تأكيدات على هذا الموقف وفي هذا الاتجاه". 

إضافة إلى رسالة هنية، أكد القيادي في "حماس" بالضفة الغربية، وصفي قبها، أنه قد تدخلت "دول عربية وإسلامية وصديقة معروفة بمواقفها الإيجابية من القضية الفلسطينية، مثل تركيا وروسيا وقطر والأردن ومصر"، وقد عزا "قبها"، في تصريحات لـموقع "العربي الجديد"، تراجع حماس عن شرط التزامن إلى تدخلات هذه الدول وضماناتها.

وعليه، فلا تزال الثقة غائبة بشكل ما بين مكونات المشهد السياسي الفلسطيني، مما يعني أن مباحثات الحوار الوطني التي ستنطلق في الأسبوع الأول من فبراير/شباط 2021 ستحتاج إلى جهود ضخمة من القوى الوطنية الفلسطينية لتحقيق حد أدنى من الثقة يضمن بيئة انتخابية سليمة، ومناخا صحيا تمضي فيه العملية الديمقراطية إلى الأمام.

ورغم رجحان كفة المرحبين بخطوة مرسوم الانتخابات، إلا أن مباحثات الحوار الوطني هي الخطوة الأهم في هذا المضمار، وعليها سيكون مآل المشهد السياسي الفلسطيني في الشهور المقبلة.

وحتى النظر في نتائج مباحثات الحوار الوطني خلال الأسابيع القابلة، يبقى من العسير الجزم بمآلات المشهد السياسي الفلسطيني.

الحالة المصرية

  • إدانات دولية للوضع الحقوقي بمصر

مع حلول الذكرى العاشرة لثورة 25 يناير، يتعرض رموز وأبناء هذه الثورة إلى ظروف حبس تعسفية كما أشارت منظمة العفو الدولية، ومع بداية العام 2021 شهدت الساحة العالمية بعضا من التغيرات الدولية التي قد تكون مؤثرة في المشهد السياسي المصري، فقد وصل الرئيس الأميركي بايدن إلى سدة الحكم، والذي توعد بفتح الملف الحقوقي في مصر وعدم تقديم "شيك على بياض" للنظام كما فعل ترامب. كما شهد الاتحاد الأوربي مناقشات تخص الوضع الحقوقي كذلك، وخاصة بعد ظهور قضية الطالب الإيطالي جوليو ريجيني على السطح مرة أخرى وتورط النظام فيها. 

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، صرح عضو الكونغرس الديمقراطي، رو خانا، أنه في حال تغير إدارة ترامب سيكون هناك نهج مختلف في السياسة الخارجية مع دول الشرق الأوسط، مشددا على قضية حقوق الإنسان، وكان ذلك في إطار رسالة أرسلها 50 نائبا في الكونغرس لمطالبة السيسي بتحسين أوضاع حقوق الإنسان والإفراج عن المعتقلين. 

بدا ذلك صحيحا، فمع وصول بايدن للحكم، أعلن نائبان بالكونغرس، توم مالينوسكي ودون بيير، عن إنشاء لجنة لمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في مصر. إضافة إلى تعيين بايدن، وليام بيرنز الذي زار مصر أكثر من عشر مرات ومتقن للعربية ومطلع على أوضاع الشرق الأوسط، مديرا للمخابرات الأميركية، ما أثار غضب واهتمام الوسط الإعلامي في مصر، والنظام بلا شك يحرص على تحسين صورته أكثر من حرصه على حفظ حياة وكرامة المواطنين الذين يعانون في سجونه منذ سنوات.

ربما من الإجراءات ذات الدلالة كذلك، تعليق إدارة بايدن طلب حصانة قدمته القاهرة لمنع محاكمة أول رئيس وزراء بعد الانقلاب حازم الببلاوي، على خلفية دعوى قدمها الناشط المصري الحامل للجنسية الأميركية محمد صلاح سلطان، إثر جرائم الاعتقال والتعذيب في تلك الفترة التي شغلها الببلاوي رئيسا للوزراء والتي طالت محمدا وعائلته، وبعدما بدا التباين في التعامل مع الببلاوي بين إدارتي بايدن وترامب، ثارت تساؤلات عن إمكانية فتح الباب لمحاكمة قادة الانقلاب وملاحقتهم بالخارج.

وانتقد مجلس النواب المصري ما أعلنه الكونغرس عن تشكيل كتلة برلمانية بداخله للدفاع عن حقوق الإنسان في مصر، وفق ما جاء على لسان إبراهيم المصري وكيل لجنة الأمن القومي بمجلس النواب، كما عبر محمد أبو العنين وكيل المجلس عن رفضه تصريحات الكونغرس قائلا: إن "ملف حقوق الإنسان لا يجب أن يكون ذريعة للتدخل في شأننا الداخلي".

في سياق متصل، أرسلت عدة منظمات حقوقية دولية، من بينها الأورومتوسطية للحقوق، المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، خطابا مفتوحا للاتحاد الأوروبي بتاريخ 21 يناير/كانون الثاني 2021، لحثهم على اتخاذ موقف حاسم بشأن الملف الحقوقي في مصر، مؤكدين على أن الذكرى العاشرة لثورة يناير تأتي في ظل حالة من "القمع الوحشي" ضد كافة أشكال المعارضة، مشيرين إلى أن عام 2020 شهد أكبر عدد لأحكام الإعدام في مصر.

وطالبت تلك المنظمات الاتحاد الأوروبي بعدة خطوات؛ من بينها وضع معايير واضحة للتفاوض بشأن الشراكة مع مصر، مطالبة مصر بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين، إلغاء حظر السفر التعسفي، إلغاء مصادرات وَقرارات تجميد الأموال، إلى غير ذلك من الإجراءات.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها انتقاد الملف الحقوقي في مصر، إذ تمت إدانات متعددة من جانب الاتحاد الأوروبي والكونغرس، حيث يمثل الملف تعديا صارخا تجاوز فيه النظام المصري حد العقل.

إلا أن التفاهمات السياسية والصفقات التجارية والعسكرية ربما تجبر الغرب على الوقوف في منطقة رمادية تدعم النظام من جانب، وتحفظ ماء وجهها من جانب آخر، لكن تظل حالة الانتقاد كبرت أم صغرت تمثل إزعاجا شديدا للنظام وإحراجا له كذلك. 

وربما تكون ظروف انتخاب بايدن وتطورات بعض القضايا الإقليمية مؤخرا عاملا يحد من قبضة النظام على المعارضة، وهو ما سيتبين خلال الأيام القادمة. 

  • ملف سد نهضة وانسداد في الأفق السياسي

كانت مفاوضات سد النهضة متوقفة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بعد انسحاب السودان من المفاوضات بدعوى أنه "يسير في طريق ما لا نهاية"، مطالبا بإعطاء دور أكبر للاتحاد الإفريقي للتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن السد.

ورغم مطالبات مصر والسودان إِثيوبيا بعدم الملء قبل التوصل لاتفاق شامل، فقد أعلنت أديس أبابا في 21 يوليو/تموز 2020، أنها أنجزت المرحلة الأولى من ملء الخزان البالغ 4.9 مليارات متر مكعب، والتي تسمح باختبار أول مضختين في السد. 

استأنفت الدول الثلاث في 3 يناير/كانون الثاني 2021، جولة جديدة من المفاوضات عبر اجتماع وزاري سداسي يضم ممثلي كلٍّ منها، مع مراقبين وخبراء من الخارج، تحت رعاية الاتحاد الإفريقي، إلا أنها باءت بالفشل مجددا وفقا لتصريحات الدول الثلاث، فقد تمسك السودان بمطالبه في وجود خبراء تحت رعاية الاتحاد الإفريقي لطرح حلول للقضايا الخلافية. 

بينما تسابق إثيوبيا الزمن لافتتاح المشروع الذي ترى فيه "صرحا عظيما" للتنمية الداخلية، فإن التخوف الأكبر لدى مصر أن يؤثر تخزين المياه على حصتها من مياه النيل، والذي تعتمد عليه بنسبة 95  بالمئة في الري ومياه الشرب.

إلا أن الآثار الخطيرة تتمثل في استمرار مشروع السد بنفس الخطوات التي يتبعها الجانب الإثيوبي، حيث تمثل "بحيرة ناصر" التي توفر لمصر كمّاً من المخزون الاحتياطي ربما يحد من آثار التشغيل الأولي، مما ينبه إلى احتمال الخطر في المستقبل القريب.

وأعلن وزير خارجية مصر سامح شكري أمام مجلس النواب خلال جلسته المنعقدة 26 يناير/كانون الثاني، أن القاهرة "لن تقبل سياسة الأمر الواقع في سد النهضة.. وقادرون على حماية مصالحنا"، وأن حقوق مصر المائية على رأس الأولويات، بيد أن هذا الكلام صرحت به الدولة كثيرا ولا ينعكس على الأرض سوى تقدم إثيوبي في ملء خزانات السد وعجز واضح في رد الفعل المقابل.

بعد وصول مصر إلى مرحلة استنزاف دبلوماسي، خرجت مطالبات استخدام القوة في التصدي لقضية السد مرة أخرى، وجاء تصريح للصحفي البارز عماد الدين حسين مؤكدا أنه "ينبغي التوقف عن العبث واللعبة الإثيوبية بمصر طوال عشرة سنوات، وأن الوقت حان لتدخل عسكري يهدد إثيوبيا بشكل مباشر وإلا فليس أمامنا إلا الندب والتنديد دون جدوى".

غير أن ذلك لا يبدو موافقا لسياسة مصر الرسمية في معالجة القضية.

الحالة الليبية

  •  ملتقى الحوار الليبي يتوصل إلى آلية اختيار السلطة 

تحركت المياه الراكدة في ليبيا خلال الأيام الأخيرة؛ حيث توصل أعضاء ملتقى الحوار السياسي إلى آلية لاختيار السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية المقبلة، السابقة على إجراء انتخابات وطنية في 24 ديسمبر/كانون الأول من العام الجاري، وهذه السلطة لديها ولاية واضحة ومحدودة تنتهي مع إجراء الانتخابات الوطنية نهاية العام. 

وشارك 72 عضوا من "ملتقى الحوار السياسي" في عملية التصويت، صوت 51 منهم بالموافقة لصالح الآلية المقترحة، وهو ما يمثل نحو 73 بالمئة من الأصوات المدلى بها، فيما صوت 19 عضوا ضدها، وامتنع عضوان عن التصويت، ولم يشارك اثنان آخران في العملية، ليتم اعتماد الاقتراح بعدما تجاوز الحد الأدنى المطلوب الذي حددته اللجنة الاستشارية بنسبة 63 بالمئة من الأصوات. 

وفي تصريح للأناضول، أوضح عضو الملتقى محمد الرعيض، أن الآلية تنص على أن يدفع الأقاليم الثلاثة بترشيح واحد عن كل منها، شرط الحصول على 70  بالمئة من ممثلي كل إقليم بملتقى الحوار السياسي. 

وتابع الرعيض: "في حال فشل كل إقليم في ترشيح شخصية بالنسبة المطلوبة يتم اللجوء إلى نظام القوائم"، ويمثل إقليم طرابلس (غرب) 37 عضوا في ملتقى الحوار السياسي، فيما يمثل إقليم برقة (شرق) 24 عضوا، وإقليم فزان (جنوب) 14 عضوا.

على إثر هذا الاتفاق، عُقدت جولة جديدة من الحوار الليبي بين وفدي برلمان طبرق والمجلس الأعلى للدولة الليبي، في مدينة بوزنيقة بالمغرب الجمعة 22 يناير/كانون الثاني 2021، وذلك لتلقي ترشيحات لشغل المناصب السيادية، حيث يشكل الوقت عامل ضغط للانتهاء من الإجراءات التنفيذية. 

وحسب عضو بالمجلس الأعلى للدولة فإن تلقي الترشيحات سيكون بين 26 يناير/كانون الثاني 2021 و2 فبراير/ شباط من نفس العام.

وفي وقت سابق، قال عضو البرلمان الليبي محمد الرعيض للأناضول، إن لجنة "13+13" المنعقدة في المغرب، اتفقت على توزيع المناصب السيادية بحسب التوزيع الجغرافي للبلاد على المناطق الشرقية والغربية والجنوبية. 

وقال الرعيض في تصريح للجزيرة، أنه تم الاتفاق على توزيع المناصب السيادية المنصوص عليها في اتفاق الصخيرات، بين أقاليم طرابلس وفزان وبرقة، موضحا أن مصرف ليبيا المركزي وهيئة الرقابة الإدارية سيكونان من حصة شرق ليبيا، بينما سيحصل غرب البلاد على ديوان المحاسبة والنائب العام والمفوضية العليا للانتخابات، على أن تكون المحكمة العليا وهيئة مكافحة الفساد للجنوب الليبي.

في المقابل، رفض المجلس الأعلى للقضاء الليبي، تفاهمات بوزنيقة والتي تعتمد منطق المحاصصة في شغل المناصب السيادية حسب التوزيع الجغرافي، مشيراً أنه يجب أن يكون التقسيم على أساس الكفاءة فقط، ولافتًا إلى قوة حجته بأن الهيئة القضائية هي الوحيدة القائمة المنتخبة في ليبيا وفقًا للقانون.

من جانبها، اعترضت قوة حماية طرابلس على هذا الاتفاق الليبي الأخير، واتهمت أعضاء البعثة بالضغط والاستهتار بمصالح الشعب الليبي، وقالت في خطاب وجهته إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنها رصدت تجاوزات وانحرافا عن المسار الصحيح كما أن لديهم شبهات على الطريقة التي تم بها التصويت والترشيح التي وصفوها بأنها تخدم دوائر حزبية ضيقة. 

على صعيد آخر، يأتي هذا الاتفاق في ظل انتهاء المهلة المحددة لخروج كافة القوات الأجنبية من ليبيا وفق اتفاق اللجنة العسكرية الليبية المشتركة، دون تنفيذ بنود الاتفاق الموقع في جنيف في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. 

إلا أنه لا تزال أعداد كبيرة موجودة داخل البلاد حسب ما كشفته مبعوثة الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ووفق ما عرضته (cnn) الأميركية قبل يومين عن كشفها قوات مرتزقة تابعة لحفتر عن طريق الأقمار الصناعية، ما يدل على بقائهم لمدة أطول.

في هذا السياق، طالبت اللجنة المشتركة (5+5) الدول المعنية بالتنفيذ الفوري لإخراج كافة المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، والامتثال لحظر توريد السلاح المفروض من قبل مجلس الأمن. 

مما يعني أن ثمة عقبات على طريق الوحدة والتفاهم؛ اعتراضات رسمية من جانب مجلس القضاء الأعلى، وأخرى شعبية يمثلها جزء من الشارع وقوة حماية طرابلس، وتحديات داخلية لا زالت قائمة تثير تساؤلات عن المسار المتبع حاليًا والتفاهمات التي أتت بعد سنوات من التناحر ومدى قدرتها على الوصول بالبلاد إلى انتخابات شاملة نهاية العام.

لا شك أن هذه الخطوة ربما تشكل أفقا جديدا في مسيرة الصراع الليبي الممتد على مدار عشر سنوات إلى الآن، إلا أنها محاطة بالعديد من التحديات، رغم وجود دعم دولي للتوجه نحو آلية الحوار والاتفاق مؤخرًا، كما أن الترشيحات وكيفية شغل المناصب والتي تمت على إثرها مناقشات عديدة وانتهت بنوع من التوافق على مستوى لجنة الحوار، إضافة إلى الأداء المرتقب للحكومة القادمة خلال المرحلة الانتقالية هو الذي يحدد ما إن كانت هذه خطوة حقيقة ناجحة نحو الانتخابات الشاملة المنتظر انعقادها نهاية العام. 

  • التوافق على إجراء استفتاء على مشروع الدستور

أعلن أعضاء اللجنة الدستورية المشاركون في اجتماع المسار الدستوري المنعقد، الثلاثاء 19 يناير/ كانون الثاني 2021، بمدينة الغردقة المصرية، اتفاقهم -بإجماع الآراء- على إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المقدم من الهيئة التأسيسية. 

وجاء في مقدمة البيان أنه، بتاريخ 19 يناير/كانون الثاني 2021 اتفق أعضاء اللجنة الدستورية بإجماع الآراء على ضرورة مواكبة التطورات الإيجابية التي تشهدها الساحة الليبية في الوقت الحالي، لا سيما في المسارين العسكري والاقتصادي، وذلك من خلال الاتفاق على الاستحقاق الدستوري لإجراء الانتخابات في الموعد الذي تبناه ملتقى الحوار السياسي الليبي.

ووفقا لتصريح الخارجية المصرية فإن مصر تتطلع لاستضافة الجولة الثالثة والأخيرة المسار الدستوري، في فبراير/ شباط المقبل، بحضور المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا (حكومية)، لوضع خارطة طريق لكل من الاستفتاء والانتخابات.

كما اتفق المشاركون على رفع هذا الاتفاق إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ورفع تقرير بنتائج أعمال اللجنة إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لاتخاذ اللازم بشأن تفعيل هذا الاتفاق وتوفير الدعم الضروري لإجراء الاستفتاء في الموعد الذي تحدده اللجنة بعد الاستماع إلى رئيس وأعضاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. 

يأتي هذا الجهد كذلك في إطار متكامل مع أعمال ملتقى الحوار الليبي برعاية الأمم المتحدة، والذي يوافق على آلية اختيار السلطة بالتوازي مع اعتماد اللجنة الدستورية للاستفتاء. وعلى إثر ذلك توجه رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن مطالبًا بدعم الانتخابات المقرر إجراؤها نهاية العام، ومنح تفويض للبعثة الأممية لدى ليبيا لإتمام ذلك.  

الحالة السودانية

  •  تفاقم النزاع الحدودي مع إثيوبيا

يدور النزاع الحالي بين السودان وإثيوبيا حول منطقة تعرف باسم الفشقة، حيث يلتقي شمال غرب منطقة أمهرة الإثيوبية بولاية القضارف في السودان، ويُذكر أنه بعد عام 1998 دارت نقاشات بين البلدين كانت قد خمدت منذ أمد بعيد ليحددا بدقة الخطوط الحدودية التي يبلغ طولها 744 كيلو مترا.

وفي هذا الإطار كانت الفشقة هى المنطقة الأصعب لتسوية الخلاف حولها، فوفقا لمعاهدات الحقبة الاستعمارية 1902-1907، فالحدود الدولية ممتدة إلى الشرق منها، ما يعني ملكية السودان للأرض، إلا أن الإثيوبيين استقروا فيها ومارسوا الزراعة، وكانت تحصل إثيوبيا منهم الضرائب.

انتهت المناقشات في العام 2008 بين ممثلين للبلدين آنذاك بالاعتراف بالحدود القانونية، إلا أن السودان سمح للإثيوبيين باستمرار وضعهم على الأرض، أدت التغيرات السياسية الكبرى التي حدثت بعد ذلك في كلا البلدين، وخاصة السودان إلى إعادة فتح القضية مرة أخرى، فمن ناحية يتمسك السودان بحقه القانوني من خلال مطالبة النظام العسكري الجديد بأحقيته في الأرض، فيما تفسر إثيوبيا الأمر بشكل مختلف لا يتوافق والرؤية السودانية ما أوقع النزاع مرة أخرى. 

وصرح رئيس مفوضية الحدود السودانية معتز تنقو، في 7 يناير/كانون الثاني 2021، أن الجهود التي بُذلت مع إثيوبيا عبر الحقب المتعاقبة لم تُحسم حتى الآن وطالب بوضع حد لهذا الأمر. 

وفي 12 يناير/ كانون الثاني، قال السودان في بيان عبر وزارة الخارجية، إن عصابات إثيوبية هاجمت منطقة القريشة الحدودية (شرق)، ما أدى إلى مقتل خمس سيدات وطفلين وفقدان سيدتين، وجميعهم سودانيون يعملون بالزراعة، ما أثار غضب الحكومة في الخرطوم.

ومنذ أسابيع تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا توترا متزايدا، على خلفية هجمات مسلحة شنتها قوات إثيوبية على دورية سودانية، قُتل على إثرها عدد من الأفراد في منطقة الحبشة السودانية.

ويتهم السودان القوات الفيدرالية الإثيوبية حيث يقول إن العمليات هذه تُنفذ من خلال مليشيات مدعومة من قبلها، ومن ثم بدأت الحكومة في الحشد الشعبي لمناصرة الجيش وخلق حالة من الدعم المعنوي كذلك الذي يحتاج إليه قادة الجيش خاصة في ظروف عصيبة يعيشها المواطنون بالداخل.

والقيادة السودانية لا تبدي أي استعداد للتنازل بشأن هذه الحدود كما صرح عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة وعدد من القادة العسكريين، كما اعتبر وزير الدفاع السوداني، ياسين إبراهيم ياسين، أنه لا بد من الربط بين ما يجري في مفاوضات سد النهضة وما يجري من نزاعات حول منطقة الفشقة.

وقال ياسين: إن "العامل المشترك بين الأمرين هو المماطلة الإثيوبية"، إلا أنه رفض الحديث عن التفاوض فيما يخص النزاع الحدودي، لأنه لا يعترف بوجود نزاع من البداية، فيما أكد البرهان أن السودان ليس لديه الرغبة في خوض حروب مع دول الجوار. 

وسعيا في خلق حالة تأييد حول هذه القضية، سارع السودان بإبلاغ دول الإقليم بالتوتر الحدودي، كان آخرها زيارة عضو مجلس السيادة محمد الفكي إلى الرياض لشرح أبعاد الأزمة للقيادة هناك.

  • السودان يلوح بخيارات أخرى في مفاوضات سد النهضة

تعثرت مفاوضات سد النهضة مجددا، بعد فشل الاجتماع الوزاري السداسي في التوصل إلى صيغة اتفاق، وذلك بعد استئناف المفاوضات بداية يناير/كانون الثاني 2021، وكان للسودان الاعتراض الأوضح إذ طالبت بدور أقوى للاتحاد الإفريقي حتى ينهي الأزمة بالتوصل إلى اتفاق ملزم للأطراف، يتضمن آلية تشغيل السد، ما لم تقبله إثيوبيا في مماطلة اعتادتها طوال سنوات من التفاوض.

بعد ذلك التعثر الأخير، أعلن السودان عن إمكانية حلول أخرى أمام التعنت الإثيوبي، فقد أعلن وزير الخارجية السوداني عن تقديم اشتراطات للاتحاد الإفريقي للعودة إلى التفاوض "ذو جدوى" مجددا، وإلا فلدينا خيارات أخرى، وفق تعبيره.

ووفق خبراء فإن السودان سيطرق باب مجلس الأمن لمواجهة التعثرات المحتدمة في القضية، وقد أعلنت الحكومة السودانية قبل ذلك أنه لا يمكن الاستمرار إلى ما لا نهاية من المفاوضات. 

وأشار وزير الموارد المائية السوداني ياسر عباس، إلى أن الاحتجاج الأبرز للسودان على الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا هو مواصلة إثيوبيا عملية ملء السد للعام الثاني بمقدار 13 مليار متر مكعب دون اتفاق، وهو ما يعد خرقا للنظام الدولي، كذلك فالسودان مخاوفه الأساسية من استمرار التشغيل أن يؤثر تشغيل السد على سلامة أكبر سدوده وأقربه منه وهو سد "الرصيرص"، الذي يبعد 100 كيلومترا عنه وتنتهي بحيرته عند حوافه.

تبقى مسألة السد في طور المناقشات والتفاوض السلمي إلى الآن، رغم تصعيد الخطاب السياسي لدى الخرطوم، والخطر المتربص بها حيال استمرار أديس أبابا في خطواتها العملية في ملء السد، إلا أن الأيام القادمة تشهد بالضرورة إما حسما من قبل الاتحاد الإفريقي، أو مرحلة جديدة تشهد اضطرابا بين الدول الثلاث ولا يبدو أن أيا منها يحتمل الظرف السياسي الراهن فيها دخول حرب أو ما شابه. 

  • السودان وإسرائيل.. نحو تطبيع كامل 

كشف وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين، الأربعاء 27 يناير/كانون الثاني 2021، بعد عودته من زيارة للخرطوم، والتقائه بكبار القادة في البلاد، من بينهم رئيس مجلس السيادة البرهان، ووزير الدفاع، ياسين إبراهيم، أنهم عبروا عن رغبتهم في تعزيز العلاقات مع إسرائيل، حتى بعد تغيير الإدارة الأميركية.

وتوقع كوهين، أن تتطور هذه العلاقات إلى تبادل سفارات في الربيع المقبل، قائلا إنه اتفق مع البرهان على أن يتم التوقيع على العلاقات الدبلوماسية الكاملة في حفل رسمي في واشنطن، بصفتها الراعية الرسمية لهذه العلاقات. 

وصرح كوهين في لقاء له مع الإعلام الإسرائيلي، أنه تفاجأ بمدى الحماس لدى قيادات السودان بإقامة التطبيع الكامل وسريعا وبهذا التطور في العلاقة، على غير العادة من أن يضغط ويطلب الجانب الإسرائيلي ويلقى تعنتا عربيا، إلا أن المبادرة كانت عربية هذه المرة، والتي اعتبرها كوهين لحظات تاريخية غير مسبوقة، معبرا أنهم دخلوا الخرطوم تساورهم مشاعر القلق، ولكنهم خرجوا مطمئنين.

ويبدو أنه من المفارقات أن القادة العرب قد التقوا في السودان عام 1967، وأطلقوا "اللاءات الثلاثة"، لا صلح لا اعتراف لا تفاوض، وكان ذلك بعد أحداث النكسة من ذلك العام، لتأتي بعد 43 عاما ويبادر السودان بهذا اللقاء الذي يحتفي بإسرائيل خلاله، ويوقعان اتفاقات اقتصادية وأمنية ويتفقان على تطبيع كامل.

يُذكر أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، قد أعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2020، أنه يعتزم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مقابل التطبيع مع إسرائيل ودفع مبلغ 335 مليون دولار لـ "ضحايا الإرهاب الأميركي وعائلاتهم"، وهو ما استجاب له النظام سريعاً بتحويل المبلغ المطلوب وإقامة التطبيع.

ويبدو أن النظام العسكري في السودان لا ينطلق من مبادئ وطنية أو قيمية استقرت في نفوس الشعب السوداني على مر التاريخ، ورغم ذلك لا زالت تتزايد المعاناة الاقتصادية التي وصلت حدا غير مسبوق من ارتفاع الأسعار، وانهيار العملة الوطنية، إلى غير ذلك من المشكلات السياسية والفئوية الضاربة في البلاد.

وقد صرح بذلك السفير السوداني السابق، إدريس سليمان، للأناضول، قائلا إن "التطبيع غير نافع، والسودان لا يحتاجه، فهو يزيد من أزمات السودان، وبعض الأطراف في الحكومة تحاول من خلاله تثبيت موقعها في السلطة".

  • أحداث دارفور

اندلعت اشتباكات في مدينة الجنينة في ولاية غرب دارفور، في 16 يناير/ كانون الثاني، نتج عنها مصرع 83 وإصابة نحو 169 جريحا حسب آخر بيان لوزارة الصحة، طبقا لوكالة الأنباء السودانية، وقام رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بإرسال وفد إلى الجنينة يضم كافة الأجهزة الأمنية لمتابعة الأمر والتحقيق في الواقعة. 

يُذكر أن الاشتباكات اندلعت بين قبيلة المساليت وبدو عرب رحل، ثم هاجمت مليشيات مسلحة مؤيدة للبدو الرحل الجنينة، وأضرمت النيران في عدة منازل، حسبما ذكر شهود عيان، وقد شددت هيئة محامي دارفور على سرعة احتواء الأزمة قبل تفاقمها، كما أدانت نشر الذعر في المدينة، ومحاصرة معسكر ومنطقة كرنديق وما حولها وممارسة انتهاكات لحقوق الإنسان وتفشي أعمال السلب.  

وتأتي أعمال العنف في دارفور بعد 3 أسابيع من انتهاء مهام قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، العاملة في البلاد منذ 13 عاما، وتسلم الخرطوم لمهام الأمن، وقد وُقّع العام الماضي اتفاق سلام شمل معظم المجموعات المتصارعة في دارفور، وليس كلّها. 

وكانت المطالبة بتحقيق العدالة لشعب دارفور، من بين المطالب الأساسية التي رفعتها التظاهرات المدنية التي دعمت الإطاحة بالبشير بعد توليه الحكم لأكثر من 3 عقود.

ويتوقع مراقبون المزيد من تدهور الأوضاع الأمنية في دارفور، في ظل عدم وضع ترتيبات بديلة محكمة بعد انتهاء مهمة البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي "يوناميد" في الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، كما لم تُطبق حتى الآن بنود اتفاق السلام الموقع في أكتوبر الماضي بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات الدارفورية المسلحة.


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

تحسنت أسعار النفط في السوق الدولي خلال يناير 2021، ليصل إلى 55 دولارا للبرميل في المتوسط، مما أنعش آمال بداية موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، ولكن هذا الأداء لم يستمر طويلا وسط تذبذب أداء الأخبار المتعلقة بسلالات كورونا الجديدة وانتشارها في بعض البلدان في أوروبا.

وثمة توقعات بأن تنطلق المنطقة العربية لتحقيق معدل نمو إيجابي خلال 2021، يتراوح ما بين 2.8 بالمئة و3.5 بالمئة بعد أن حققت نموا سالبا في 2020 بنحو 3 بالمئة، وشهدت المنطقة كذلك في عام 2020 تراجعا في صادراتها بنحو 50 بالمئة، بسبب اعتماد الصادرات السلعية العربية على النفط بشكل كبير. 

وخلال يناير 2021، استمر تراجع الأوضاع الاقتصادية في دول النزاع بالمنطقة العربية في كل من (ليبيا، واليمن، وسورية، ولبنان، والعراق). 

وتعول التقديرات المتفائلة بأداء معدل النمو الاقتصادي للمنطقة في 2021، على الانتعاش النسبي المتوقع على الطلب على النفط، وكذلك انتعاش السياحة خلال الفترة المقبلة من عام 2021، وهما قطاعان مهمان في اقتصاديات المنطقة.

ولكن يخشى من أداء بعض الدول العربية الكبيرة والتي تعتمد على السياحة في عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة للوقاية من انتشار فيروس كورونا، وبالتالي يجعلها في إطار المناطق التي يخشاها السائحون، وكذلك تأخر العديد من الدول العربية في التعامل مع تلقيح مواطنيها بصورة غير جدية.

إلا أن ما حمله يناير 2021 من قضايا مهمة على صعيد الدول العربية الكبرى، تمثل في عزم السعودية على طرح المزيد من أصول شركة "أرامكو" في الأسواق خلال الفترة القادمة، وكذلك قيام الحكومة المصرية باتخاذ قرارها بتصفية شركة الحديد والصلب المصرية، وهما القضيتان اللتان ركز عليهما التقرير هذا الشهر.  

أسباب طرح المزيد من أسهم أرامكو السعودية

أواخر عام 2019، شهدت الأسواق الدولية طرح الأسهم التي طال انتظارها، وهي أسهم شركة "أرامكو" التي تعد أكبر شركة نفط في العالم، وكان الجدل قد ثار بشكل كبير حول طرح أسهم الشركة، سواء من حيث تقدير قيمة الشركة، أو من حيث التوقيت الذي تطرح في السعودية أسهم الشركة.

فتقديرات الشركة كانت عند نحو 2 تريليون دولار، كما أن أسواق المال العالمية، لم تكن في وضع أفضل لاستقبال الطرح، بسبب الأوضاع العالمية غير المستقرة اقتصاديا وماليا.

ولكن تمت الصفقة، وحصلت السعودية على نحو 25.6 مليار دولار نتيجة بيعها عدد من أسهم الشركة، ثم ارتفعت قيمة المبيعات فيما بعد إلى 29.4 مليار دولار نتيجة بيع المزيد من الأسهم، وكانت التحليلات حول إقدام السعودية على بيع أسهم الشركة متعددة.

ومن بين هذه التحليلات، تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي، بالاتجاه نحو المزيد من خصخصة الشركات العامة، أو الأزمة المالية التي ألمت بالمملكة نتيجة انهيار أسعار النفط منذ عام 2014، كما كانت مشروعات رؤية 2030 حاضرة بقوة، نظرا لاحتياجاتها لتمويل ضخم، في الوقت الذي تعاني فيه الأوضاع المالية بالمملكة من أزمة، وكذلك الحرب المفتوحة التي تخوضها السعودية في اليمن، والتي تكلفت تريليونات الدولارات، حسب بعض التقديرات.

ولكن في الأيام الأخيرة من يناير 2021، صرح ولي العهد ابن سلمان في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار بالمملكة، أن "سوف يكون هناك طروحات لأسهم أرامكو قادمة في السنوات القادمة، وهذا الكاش سوف يتحول لصندوق الاستثمارات العامة ليعاد ضخها داخل المملكة وخارجها". 

وتأتي تصريحات ولي العهد بالمزيد من خصخصة أرامكو، لتطرح نفس التساؤلات التي أثيرت حول خصخصة الشركة في نهاية 2019، فالاقتصاد العالمي يعاني من تداعيات سلبية بسبب أزمة جائحة كورونا، وثمة أوضاع غير مواتية بأسواق المال الدولية، فضلا عن أن الطلب على النفط، لازالت تحوم حوله إرهاصات عدم التعافي، بسبب التقديرات المتشائمة لأداء الاقتصاد العالمي بسبب كورونا.

كما أن تصريحات ولي العهد، تضعنا أمام احتمالات مفتوحة، فهو لم يتحدث عن طرح واحد قادم لأرامكو، ولكن لطروحات قادمة خلال السنوات القادمة، وهو ما يعني أن الباب قد فُتح ولن يغلق، وليس هناك حدود قصوى لخصخصة الشركة، التي تعد أكبر أصل رأسمالي لدى المملكة العربية السعودية. 

الأمر الثاني أن عوائد الخصخصة ستوجه لصندوق الاستثمارات العامة، وهو الصندوق الذي يحتاج لمزيد من الشفافية فيما يتعلق بطبيعة استثماراته. فضلًا عن قراراته الاستثمارية ومدى تمتعها بالاستقلالية، وعدم توظيف موارده في إطار سياسي، أو في إطار توجيهات من قبل ولي العهد، سواء في الداخل أو الخارج.

كما أن طبيعة المشروعات المحلية التي تضمنتها تصريحات ولي العهد، تحتاج إلى تمويلات ضخمة، فمثلًا مشروع نيوم وحده، قدرت الاستثمارات التي يحتاجها بنحو 500 مليار دولار، ولازالت الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ساهمت أو ستساهم فيه محدودة للغاية، وهو ما يعني أن عوائد خصخصة أرامكو، لن تكون ذات قيمة في ظل احتياجات مشروع نيوم وغيره من المشروعات التي تضمنها تصريح ابن سلمان.

ومن المستبعد بنسبة كبيرة، أن تستفيد مشروعات رؤية 2030 بالسعودية، من تدفق كاف من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بسبب سوء الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة، والتي تعتبر السعودية جزءا منها بشكل كبير، وبخاصة تلك المتعلقة بحرب اليمن. 

وتتكرر الاعتداءات من قبل مجموعات الحوثيين على مناطق مهمة إستراتيجيا في السعودية، مثل آبار النفط، وليس بمستبعد ما لم تنته هذه الحرب، أن تكون مناطق مشروعات رؤية 2030 أهدافا جديدة لدى الحوثيين، وهو ما يجعل المستثمرين الأجانب يحجمون بشكل كبير عن المجيء للمملكة والاستثمار في هذه المشروعات.

والأمر الثاني الذي قد يعيق مجيء الاستثمارات الأجنبية لمشروعات رؤية 2030 في السعودية، هو تراجع ثقة المستثمرين في دراسات جدوى هذه المشروعات وطرق إدارتها في ظل النظام السياسي القائم في المملكة.

ومما يساعد على فهم الوضع المالي في السعودية، واعتبار ما يعانيه من مشكلات دافعا للتفكير في طرح حصص أكبر من أصول أرامكو، ما نشر مؤخرا من تقديرات صندوق النقد الدولي حول أداء معدلات النمو الاقتصادي بالمملكة عند معدل 2.6 بالمئة، بعد انكماش وصل إلى 5.7 بالمئة عام 2020. وإن كانت الرياض تختلف حول هذه التقديرات، وتقدم تقديرات أكثر تفاؤلًا حول نمو اقتصادها في 202، عند معدل 3.2 بالمئة.

ولكن تقديرات صندوق النقد الدولي، قد تكون الأقرب إلى الصواب في ضوء قراءة ما صدر من بيانات تخص ميزانية المملكة في 2021، حيث قدرت النفقات العامة بالميزانية بـ 990 مليار ريال سعودي، بتراجع نحو 87 مليار ريال عن عام 2020.

 وكذلك نجد أن الدين العام سيصل إلى 937 مليار ريال في 2021، مقارنة بـ 852 مليار ريال، أي أنه مقدر أن يزيد الدين العام في 2021 بنحو 183 مليار ريال.

والمؤشر الأخير المستشهد به على تراجع الوضع المالي هو الاحتياطيات الحكومية لدى البنك المركزي السعودي، والذي يقدر له أن يصل إلى 280 مليار ريال في 2021، متراجعا عن 346 مليار ريال في 2020.

وهذا ما يعني أن ثمة حالة انكماش متوقعة بسبب تراجع الإنفاق العام، وكذلك الاتجاه لزيادة الدين العام، فهي تعني أن الإيرادات المقدرة في الميزانية غير كافية، وإن كانت وزارة المالية ترى أنها ستزيد في 2021 إلى 849 مليار دولار، مقارنة بـ 770 مليار ريال في 2020.

ومن الصعوبة بمكان أن تحقق مشروعات رؤية 2030 عائدات في الأجلين القصير والمتوسط، سواء بالنسبة لطبيعتها أنها مشروعات طويلة الأجل، أو كونها تأتي في ظل أجواء عالمية وإقليمية غير مواتية، وهو ما يمكن أن نفسر من خلاله إعلان ابن سلمان عزمه على خصخصة المزيد من أصول أرامكو.  

تصفية شركة الحديد والصلب المصرية 

رغم أن مصر قد خاضت برنامجا للخصخصة منذ عام 1991/1992، وتم بيع ما يزيد عن 365 شركة، من خلال صور بيع مختلفة، سواء لمستثمر استراتيجي يمتلك حصة كبيرة من أصول الشركات المبيعة كما حدث في بيع بنك الإسكندرية، أو من خلال طرح حصص في البورصة المصرية، كما حدث في الشركة المصرية للاتصالات، إلا أن الاتجاه الذي تتبناه الحكومة مؤخرا يعبر عن مرحلة جديدة للتخلص من الأصول الرأسمالية المملوكة للدولة، وهو التصفية.

 وأُعلن بشكل رسمي عن تصفية الشركة القومية للإسمنت منذ سنتين تقريبا، وأُعلن مؤخرا خلال يناير 2021 عن تصفية شركة الحديد والصلب.

ولا تعرف خطط الحكومات المصرية المتعاقبة طرق أخرى لإصلاح شركات قطاع الأعمال العام، سوى الخصخصة، وحديثا التصفية، رغم طرح الخبراء طرق عديدة، منها تأجير الطاقات العاطلة بالشركات والمؤسسات العامة لصالح القطاع الخاص، أو تأجير الشركات بالكامل للقطاع الخاص، أو الاجتهاد في إيجاد إدارات كفوءة لتولي أمر هذه الشركات.

وخطورة قرار التصفية الذي تقوم به الحكومة المصرية، تجاه الشركات والمؤسسات العامة، يأتي من عدة أمور، منها أن هذه الشركات منتجة، ويمكن إصلاحها وتحقيقها لقيمة مضافة للاقتصاد القومي، وقرار التصفية يحرم مصر من الإضافة التي يمكن أن تحققها هذه الشركات.

والأمر الثاني أن قرار التصفية لا يقتصر على الأصول فقط، بل يشمل العمالة، والتي تقدر في شركة الحديد والصلب بنحو 7 آلاف عامل، وهو ما يعني أن هؤلاء العمال، إما سينضمون إلى صفوف العاطلين، أو يبحثون عن فرصة في القطاع غير المنظم.

إلا أن فرصهم ضئيلة جدا في الالتحاق بالقطاع الخاص المنظم، وقد يتجه بعضهم لإنشاء مشروعات متناهية الصغر، من خلال ما يحصلون عليه من مكافأة تسريحهم من الشركة، والتي قدرت بما يتراوح ما بين 250 ألف جنيه – 300 ألف جنيه.

ومن الآفات التي أمكن رصدها عبر نحو 3 عقود من ممارسة مصر للخصخصة، أنها لم تقدم دعما ملموسا للعمالة المسرحة، سواء تلك التي خرجت في إطار برنامج المعاش المبكر، أو التي تم تسريحها في خصخصة الشركات.

ولا توجد دراسات جدوى حقيقية  لمشروعات صغيرة، لمساعدة هؤلاء العمال ليكونوا مصدرا إضافيا للناتج المحلي الإجمالي، إنما الملاحظ أن نسبة كبيرة تصرفت في مكافآت نهاية الخدمة، أو المعاش المبكر، في تجهيز أبنائهم للزواج، أو بناء أجزاء من وحدات سكانية جديدة فوق منازلهم، أو شراء سلع معمرة (الأدوات المنزلية وغيرها)، ثم انضموا فيما بعد لصفوف العاطلين، مما يعتبر إهدارا للثروات البشرية المدربة في مصر.   

وثمة أمر شديد الخطورة يتحقق في تصفية "شركة الحديد والصلب"، وهو ما تمتلكه الشركة من أراض عقارية، حيث صرح وزير قطاع الأعمال العام، بأنه سيتم التصرف في هذه الأراضي بالبيع للقطاع العقاري، والاستفادة من عائد البيع في سداد الخسائر الخاصة بالشركة، والتي تتراوح ما بين 5 – 6 مليارات جنيه. 

وهنا بيت القصيد، حيث تتحول المنشآت المنتجة، وأصولها إلى نشاط عقاري، من أجل الحصول على سيولة، لا يعلم ماذا ستتصرف فيها الحكومة، بعد سداد الخسائر.. لأن عائد بيع الأراضي سيفوق بكثير قيمة الخسائر.

والمثير للاستغراب في تصرفات الحكومة المصرية في برنامج الخصخصة وتصفية شركات قطاع الأعمال العام، أن الجيش مثلا أنشأ مصنعا في محافظة بني سويف بتكلفة 1.1 مليار دولار، في الوقت الذي يقوم بتصفية شركة القومية للإسمنت، وكذلك فعل مع 3 شركات للحديد مملوكة للقطاع الخاص، فقام بالاستحواذ عليها، ثم يقوم مؤخرا باتخاذ قرار بتصفية شركة الحديد والصلب.

وتنتج مصر من الحديد نحو 7.3 ملايين طن سنويا، بينما يبلغ الاستهلاك المحلي 10.4 ملايين طن، وهو ما يعني أن هناك فجوة في سوق الحديد بحدود 3.1 ملايين طن، يتم تغطيتها عن طريق الاستيراد، وقد يكون قرار تصفية شركة الحديد والصلب، أحد أسباب زيادة حصة مصر من استيراد الحديد خلال الفترة القادمة، لأن الشركة لها حصة إنتاجية في السوق تبلغ نحو 1.2 مليون طن، فإما يتم تغطية حصة الشركة من خلال مساهمة الشركات المحلية، وإما يتم اللجوء للاستيراد.

ومن هنا هناك جوانب كثيرة كان من المفترض أن ينظر إليها قبل قرار التصفية الذي اتخذته الجمعية العمومية غير العادية للشركة، وبخاصة فيما يتعلق بتغطية حصة الشركة من الإنتاج، فقرار التصفية، سيبدأ صفحة جديدة بخروج الدولة من إنتاج الحديد، حيث تم خصخصة شركة الدخيلة من قبل في عهد حسني مبارك، لصالح رجل الأعمال أحمد عز، والذي كان أبرز رجال لجنة السياسات بالحزب الوطني، والمقرب من جمال نجل حسني مبارك.

وقوبل قرار تصفية الشركة، باعتراضات من قبل عمال الشركة، من خلال المظاهرات، والاعتصامات، التي لم تستمر طويلا، ورفعت دعوى قضائية لوقف تنفيذ قرار تصفية الشركة في مجلس الدولة. 

ولكن هذه الإجراءات لن تجدي مع عزم الحكومة على تصفية الشركة، ومما سيعقد الأمور، أن يتم التعامل مع الشركة من خلال صندوق مصر السيادي، والذي له صلاحيات مطلقة بموجب القانون.

ونحن نقرأ ملف تصفية شركة الحديد والصلب، علينا أن نتذكر التزام الحكومة المصرية أمام صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بأن يتم خصخصة 23 مؤسسة من مؤسسات قطاع الأعمال العام، ولعل الشريحة الأخيرة من قرض الـ 12 مليار دولار من صندوق النقد تأخرت، بسبب عدم وفاء الحكومة المصرية بخصخصة المؤسسات المتفق عليها، والتي كان من بينها بنك القاهرة، والذي لم تنله يد الخصخصة بعد.

ولكن إفرازات الأزمة المالية التي تمر بها مصر، والتي ألجأتها لصندوق النقد الدولي بعد مارس/آذار 2020، للحصول على قروض بنحو 8.5 مليارات دولار على دفعتين، جعلت الحكومة تتجه بقوة لتصفية الشركات والمؤسسات العامة، كما تم مع شركة الأسمدة، وشركات غزل المحلة.


المحور الرابع: الحالة الفكرية 

يتناول المحور الفكري لهذا الشهر موضوعين لهما علاقة بإحياء ذكرى "ثورات الربيع العربي"، التي توافق في شهر يناير ثورة الـ25 يناير في مصر عام 2011. أولهما - التغيير الإصلاحي والثوري من منظور الفكر الإسلامي. فالتغيير إلى الأفضل هو هدف كل إنسان حر في هذه الحياة، والأمم الحية، والشعوب الحرة تطمح إلى التغيير- أيضا- مهما كلفها ذلك. 

ويختلف الناس بشأن طريقة التغيير، هل تكون بالإصلاح التدريجي، حتى يتراكم شيئا فشيئا، فينكشف الفساد ويسقط الاستبداد، أم يكون ذلك عن طريق الثورة.

والثورة أنواع: منها الثورة السلميَّة، تلك التي تسعى إلى التغيير دون استعمال العنف، والثورة العنيفة وهي أصعب وأشد طرائق التغيير. 

كيف نظر الفكر الإسلامي إلى هاتين الطريقتين في التغيير؟ وثانيهما- الأدب الثوري ودوره في التغيير السياسي، فللأدب الثوري دور كبير في إنضاج وعي الجماهير، وتكوين الزخم الذي يدفع في نهاية المطاف إلى الثورة على الظلم والفساد والاستبداد. 

فالأدب الثائر هو الذي يلبي مشاعر الجماهير الساخطة على الواقع المرير الذي تريد تغييره، ويكون ذلك قبل الثورة، وفي أثنائها، وبعدها. 

ويتجلى ذلك في أعمال الروائيين، والشعراء، وكذلك في الأدب الشعبي. وكل هذا يهدف إلى إيقاظ الوعي، وشحذ الهمم، ويدفع الجماهير إلى الانتفاضة والثورة . 

ولم تخل أمة من الأمم الثائرة من الأدباء الذين كانوا زادا ووقودا للثورة بما قدموه من أعمال أدبية، وذلك على مستوى العالم، وكذلك على مستوى الثورات العربية، وبخاصة ما عرف بـــ"ثورات الربيع العربي". وللأدب الثوري مميزات وخصائص يجب أن تتوافر فيه، وفي هذه الحالة فهو أقوى الأسلحة وأمضاها، ولهذا يخشاه الطغاة والمستبدون، والأنظمة الجائرة، بل المستعمر المحتل.

أولًا: التغيير الإصلاحي  والثوري من منظور الفكر الإسلامي

التغيير الذي نقصده في هذا الإطار، هو المتعلق بالواقع المرير الذي تعاني منه الشعوب العربية والإسلامية، بالوقوف في وجه الحاكم المستبد، وطرائق هذه المواجهة بين الإصلاحي والثوري؛ للوصول إلى حياة ديمقراطية، ينعم فيها المواطن بحقوقه كاملة من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. 

اختلفت رؤية تغيير السلطة المستبدة غير العادلة لدى كثير من الناس، وذلك باختلاف المرجعيات الفكرية والأيديولوجية. ولاشك في أن حركات التحرر في العالم الحر، كان لها أثر كبير في تكوين هذه الخلفية. 

وكانت الثورة الفرنسية (1789 حتى 1799) إحدى المرجعيات الفكرية عند كثير من الجماهير والنخب في العصر الحديث، والمؤرخون على نطاق واسع، يعتبرون الثورة الفرنسية واحدة من أهم الأحداث في تاريخ البشرية. 

أما على مستوى الفكر الإسلامي، فإن مفهوم الثورة بمضمونه الحديث لم يرد في التاريخ العربي الإسلامي؛ فالحركات التي عرفها المسلمون، كانت إما تمردا على الخلافة، أو محاولات خروج على السلطان، وكانت تسمى محاولات الاحتجاج على نظام الخلافة أو ولاة الأمر المسلمين، " خروجا" أو "فتنة" .

ولعل كلمة "الخروج"، بمعنى الخروج لطلب الحق، هي أقرب كلمة إلى مفهوم الثورة المعاصرة. 

ويرى المفكر العربي عزمي بشارة أن الخروج -هنا- خروج إلى المجال العام، إلى الشارع أو الميدان. وهذا يعني مغادرة الصبر والشكوى والتذمر وحالة عدم الرضا في الحيز الخاص، وحملها إلى الحيز العام.

ويعرفها الدكتور محمد عمارة بأنها: التغيير الجذري والمفاجئ في الأوضاع السياسية والنظم الاجتماعية والواقع الاقتصادي، بوسائل تخرج عن التدرج المألوف، ولا تخلو عادة من العنف والهياج. 

وللثورة الحقيقية 3 ركائز: فكر خلَّاق تنتجه عقول المفكرين، ونخبة شجاعة تتبنى هذا الفكر، وجماهير واعية يصعب التلاعب بها.

وقد ذهب بعض المفكرين السياسيين إلى أن الإصلاح والثورة معناهما واحد أو هما متكاملان، ولا يمكن الفصل بينهما، وهذا صحيح من حيث إن الثورة يجب أن تؤدي إلى الإصلاح. 

لكن هناك من يرى أن الإصلاح غير الثورة؛ فالثورة - في علوم الاجتماع الغربية - غير "الإصلاح"، لا بسبب تميز وسائلها العنيفة عن وسائل الإصلاح في التدرج السلمي فقط، وإنما لأن معنى "الإصلاح"، في تلك العلوم، هو التغيير السطحي، غير الجذري، والجزئي، غير الشامل، في حين أن الثورة هي التغيير الجذري والشامل للواقع وللأنساق الفكرية السائدة فيه.

وقد اجتمع الفكر الإسلامي وأجمع أعلامه، في عصوره المبكرة، على الانحياز للثورة كسبيل من سبل التغيير. 

فلما عرفت الأنظمة الاستبدادية غير الشورية، طريقها إلى واقع المسلمين، وغلب الطابع الاستبدادي على تاريخ الحكم الإسلامي، أصبح هذا الواقع الشاذ لغلبته واستمراريته، مصدرا من مصادر الفكر لدى تيار من مفكري الإسلام، الذين ناهضوا الثورة كسبيل من سبل التغيير في مجتمع الإسلام.

أما الإصلاح في الفكر الإسلامي والمنظور القرآني، فهو ليس ترقيعا أو مهادنة مع الفساد، بل هو مقاومة له حتى وأنت تخالطه وتتعايش معه اجتماعيا وسياسيا؛ فالمخالطة والعيش المشترك داخل مجتمع هما ضرورة إنسانية وعمرانية، لا غنى عنها ما دامت هناك إمكانية لهذا العيش وحرية في التعبير والدعوة إلى الإصلاح والتنظيم من أجل ذلك.

وتلك الضرورة لا تعفي من مقاومة الفساد والتصدي له بكافة الوسائل الممكنة والمشروعة حسب الوسع والطاقة والاستطاعة، كل بحسب موقعه ومسؤوليته؛ كما في الحديث الشريف: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". 

أما التغيير الذي ورد في الحديث السابق، فهو تغيير السيء إلى ما هو حسن أو أحسن، وهو ما يعرف في الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من هنا قد يرتبط التغيير بمصطلح الإصلاح، وهذا صحيح في جانب، إذ ليس كل  تغيير إصلاحا، فقد يؤدي التغيير إلى الإفساد في الأرض، فيبدأ بفساد الفكر والمنهج وفساد الإرادة، إلى أن يصل إلى هدم القيم والثوابت الأصيلة، مما ينتج عنه اضطراب المجتمع واختلال توازنه .  

ولهذا فكل إصلاح تغيير، وليس كل تغيير إصلاحا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: (إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). الأنفال:53 .

أما تغيير الأنظمة المستبدة، فكما يقول العالم يوسف القرضاوي: "من أراد تغيير منكر الأنظمة والحكومات، فعليه أن يملك القوة التي تصنع التغيير، وهي في عصرنا إحدى ثلاث: "القوات المسلحة، المجلس النيابي، وقوة الجماهير الشعبية العارمة التي تشبه الإجماع، التي إذا تحركت لا يستطيع أحد أن يواجهها أو يصدَّ مسيرتها، لأنها كموج البحر الهادئ أو السيل العرم لا يقف أمامه شيء". 

ومن لم يملك إحدى هذه القوى الثلاث، فما عليه إلا أن يصبر ويصابر ويرابط حتى يملكها أو يملك إحداها، وعليه أن يغيِّر باللسان والقلم والدعوة والتوعية والتوجيه، حتى يُوجد رأيا عاما قويا يطالب بتغيير المنكر، وأن يعمل على تربية جيل طليعي مؤمن يتحمَّل تبعة التغيير".

ثانيًأ: الأدب الثوري ودوره في التغيير السياسي

مثَّل الأدب بتنوعاته المتعددة؛ الشعر والرواية والمسرحية وغيرها، وقودا في الوعي العام الجمعي نحو المقاومة والتحدي، والنهوض والثورة. فالبلدان العربية تقبع تحت نير الاستبداد والظلم  على مر العصور من جور الحكام تارة ومن العدو الغاشم تارة أخرى.

إن للأديب دورا في مجتمعه، هو من أهم الأدوار، فالأديب له عين تكشف الغطاء عن روح الأمة، ويد تربط بين أجزاء شخصيتها ومراحل تطورها، وله قدم تسعى إلى مستقبل أرحب.

وهذا لا يتحقق إلا بتوفُّر أدباء ناضجين مسؤولين واعين لقضايا أمتهم ومؤمنين بمعالجتها، فالأديب له رسالة، وهذه الرسالة تتطلب منه زادا ثقافيا وفكريا يغني تجربته ويعمق رؤيته للمجتمع والإنسان، فعلاقة الأديب بمجتمعه علاقة تفاعليّة، فهو يتأثر بالمجتمع وأحداثه، وبالوسط الاجتماعي ويتفاعل معه، مما يزيد انتماءه وإحساسه، بل يصبح قادرا على التعبير عن آلام هذا المجتمع وتطلعاته. 

وقد مثَّل الشعر والرواية أدوات فائقة الأهمية لإثارة الجماهير وحشدها، ورفض الظلم، والعمل على دغدغة المشاعر الجماهيرية بغية الثورة على هذا الواقع البئيس.

وعندما نتكلم عن دور الأدب الثوري في حياة الأمم، فإننا نقصد كل الأمم بلا استثناء، لقد استطاع الأدب أن يحرك الجماهير ويثوِّرها، ولعلّ تاريخ الثّورات التي عرفها العالم في قرون سابقة، أثبت بأن لكل ثورة أدباءها الذين مهّدوا لها وفتحوا الطّريق أمامها، حتّى تخرج الجماهير للسّاحات وتعلو الحناجر رافضة الاستبداد منتفضة ضدّ آلته. 

فالثورة الروسية سبقتها أعمال أدبيّة تدعو لها وتحرّض على الحاكم المستبدّ ككتابات "تولستوي"، و"غوغول"، و"تشيكوف"، و"غوركي" وغيرهم. 

والثورة الأميركية ضد الاستعمار البريطاني سبقها إلهاب للنّفوس ودعوة إلى طرد المستعمر من طرف الأدباء "توم يين"، و"بنيامين فرانكلين" وغيرهما. 

والثورة الفرنسية أشعل نارها كلّ من "فولتير" و"مونتيسكيو" و"ميرابو" و"دانتون"، وغيرهم.

أما على مستوى الأمة العربية والإسلامية، فلم يخلُ بلد عربي من أدباء، كانوا سببا في رفع وعي الشعب وإنضاجه، حتى وصلت الجماهير إلى مرحلة الانتفاضة في وجه الظلم والثورة عليه.

ومن أشهر هؤلاء الشعراء: إيليا أبو ماضي، ومحمد مهدي الجواهري، وعمر أبوريشة، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم، وعلي محمود طه، وبدوي الجبل، ومحمود درويش، ونزار قباني، وأحمد مطر، وغيرهم كثير. 

والأدب الثوري هو الأدب الذى يهدف إلى إحداث تغييرات جذرية فى الإنسان والمجتمع، وينتج عنه ثقافات جديدة تساعد على نمو المجتمع وازدهاره، مما يحدث طفرة غير مسبوقة في الوعي العام .

وهناك من يرى أن الأدب الثوري يتحرك وفق 3 محاور، وهي مرتبطة بالتغيير الثوري: قبل الثورة، وفي أثناء الثورة، وبعد الثورة. فالأدب قبل الثّورة له طبيعة إسقاطيّة على مظاهر الظلم والاستبداد، والأدب في أثناء الثّورة له صفة الدّعم والتثبيت، وأما الأدب بعد الثّورة فيقوم بدور الرصد والتوثيق.

وهناك من يعرِّف الأدب الثوري بأنه: "ذلك النوع من الأدب الذي يخلق الوعي في النّفوس ويعمّقه فيها، ويصف الحقيقة على وجهها العاري، وببساطتها، كي يعرفها الشّعب ويدرك قيمتها، إنّه الأدب الّذي يفتح عيون الشّعب وبصيرته على الحقيقة ويفتح الأذهان المغلقة على حقيقة الثّورة وضرورتها وأخلاقيّتها. هو الأدب الّذي يلهب النّفوس الخاملة، المستسلمة، المتواكلة كي تبصر وتعي، وتتحسّس وتتألّم، وتستيقظ وتعمل". 

ومهما اختلفت تعريفات أدب الثورة فإنّها تتفق على أنه "أدب يوعّي القارئ ويكشف أمامه حقيقة الواقع الذي يحيط به ليدفعه نحو التّغيير". 

وقد أشار بعض المتخصصين إلى مميزات أدب الثورة؛ أولها: أن يقصد هذا النوع من الأدب الحقيقة، التي تعني الواقعية لا النظرية، فهو لا يحلق في الآفاق بعيدا عن أرض الواقع. 

ثانيها: أنه أدب إنساني، لأنه أدب الثورة، وثالثها: أنه أدب تفهمه الجماهير- ليس غامضا-، وتردده، ويصنع لديها مخزونا ثوريا يَكبر يوما بعد يوم إلى أن تأتي لحظة التغيير المرتقبة، ورابعها: أنه أدب يبعث على التفاؤل والأمل. فالثورة مبعثها الأمل.

وقد شهدت 5 بلدان عربية خلال السنوات الماضية، ثورات انطلقت جميعها في النصف الأول من عام 2011، لتبدأ من تونس، تبعتها في ذلك مصر، ثم ليبيا، فسوريا، وختاما باليمن، لتكتسب تلك الثورات اسم "الربيع العربي"، الذي هو: حركات احتجاجية ضد أنظمة حكم موصوفة بالفساد والاستبداد والفشل في تلبية احتياجات ومطالب شعوبها.

ففي تونس كان شعر أبي القاسم الشابي حاضرا في العقل الجمعي العربي، وهو الذي ألهب حماس شعبه ضد المستعمر الأجنبي  ببيت الشعر الأشهر: 

إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر

لترد عليه الجماهير المصرية بهتاف موحّد: "الشعب يريد إسقاط النظام"، إن شعر أبي القاسم الشابي ساهم في تثبيت الاعتقاد بإرادة الإنسان وشد الهمم، وشعر المصري أحمد فؤاد نجم الذي يلامس هموم المواطن، إضافة إلى ما جادت به القريحة الأدبية الشعبية، هو ما كانت تردده حناجر الثوار في ساحات الثورة في تونس ومصر واليمن ويبعث فيهم استمرار النَفس الثوري.

فالأدب شارك مع عوامل أخرى في صنع الثورة، لكنه –بلا شك- كان عاملا مهما في تأجيجها من عدة جوانب: 

أولاً، الدور الجوهري الذي يلعبه الأدب في نشر الأفكار والقيم والانتقال اللغوي بالناس من مستوى خفيض إلى مستوى أعلى خطابيا وتزويدهم باللغة التي يحتاجون إليها في الممارسة السياسية، وثانيا، الأدب كان محفزاً للثورة وممهدا لها بتأسيس الإطار المفاهيمي المرجعي لها من خلال تداول لغتها وأفكاره.

وثالثاً، الأدب هو الذي قعد للثورة بأن خلق لها قناة لغوية وتعبيرية تستطيع بواسطتها تجسيد نفسها. 

فالكتابة الأدبية الصادقة الملتصقة بهموم الوطن والمجتمع أفتك في تأثيرها من كل أشكال الأسلحة المستوردة، وإن قدرة الأدب على خلق عوالمه، سواء المستوحاة من الواقع أو المتخيلة، تفرض على القارئ إعادة التفكير في معايشه اليومية وفي طريقة تعامل السلطة معه بمختلف تجلياتها البادية والمضمرة. فالكتابة بهذا المعنى تلعب دور مرآة تعكس مأساة المجتمع وتستفز الأفراد والجماعات ليسترجعوا مصائرهم المسلوبة منهم  .          

وهذا أُنموذج  من أدب الثورة؛ يقول الشاعر أبو ياسر السوري، في قصيدته: "مصر الثورة لا سبيل لإذلالها":  

وأرضُ “الكـنانـة”  أبـناؤهـا : أســودُ الـوغى أمَـرَاءُ الـبَــيَـانْ

ومصرُ سـتنهض مهـما كَبَتْ : فَـرَاهِنْ عليهـا وفُـزْ بالـرِّهانْ

فـما دام في مصرَ مـن دولـة : لـفَـدمٍ غـبيٍّ ، ولا أُلـعُـــبَــــانْ

ســهــامُ الكـنانـــــةِ عـيـدانُــهـــا : لِـيَـانٌ، وفـيهــا نِصَالٌ خِـشَــانْ

أُعِيذُ ” الكـنانــة” أنْ يَعـتلِي : على عـَرشِـــهـا حاكـمٌ ثُعـلُبــانْ

يُـمَخْـرِقُ فـيـهــا على شـــعـبـهِ : ويُخـفي ألاعـيــبَـهُ بالـدِّهـانْ

يـبـيـعُ ويـشـري بـهـا زاهـدًا : وبـائــعُ مـصـرَ عـمـيــــلٌ مُــــدَانْ


خاتمة

بحلول الذكرى العاشرة لثورات الربيع العربي، لا تزال المنطقة العربية غارقة في أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويسيطر على غالب الحكومات همُّ الحفاظ على مناصبها ومصالحها بغض النظر عن مصالح ورغبات شعوبها.

وبحلول الذكرى العاشرة، لا تزال الثورة وفكرها حاضرَيْن في وجدان شعوب المنطقة، وحاضرة كذلك في وجدان الحكومات الاستبدادية التي تخشى أن يتكرر فعلها في أي لحظة من اللحظات، كما حدث مطلع العقد الماضي.

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

الأحداث العربية التطورات السياسية العالم العربي المغرب العربي دول الخليج