Tuesday 20 April, 2021

صحيفة الاستقلال

طقوس تنصيب بايدن.. لماذا لم يعتبرها علمانيو العرب خلطا للدين بالسياسة؟

منذ 2021/01/24 08:01:00 | تقارير
جرعة الخطاب الديني في حفل التنصيب كبيرة بشكل مُلفت، لكن طبعا عُبّاد الغرب من الليبراليين العرب لن يلاحظوا ذلك، حسب ناشطة
حجم الخط

مشاهد ومراسيم دينية خالصة في البيت الأبيض لم تثر غضب العلمانيين العرب رغم انتقاداتهم الدائمة للرئيس الراحل محمد مرسي.

في بلد هو المدافع الأكبر عن قيم العلمانية بالعالم، زار الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن كنيسة "القديس ماثيو"، قبل تنصيبه، ثم أقسم على "الإنجيل" أمام ملايين المشاهدين، فيما تُوج هذا المشهد بحديث قس بحفل التنصيب وصلاته بآلاف الأميركيين في البيت الأبيض.

وبمتابعة حسابات عدد من العلمانيين المصريين والعرب، لم يعلق أي منهم على طقوس تنصيب بايدن في 20 يناير/كانون الثاني 3032، ولم يعتبروها خلطا للدين في السياسة، على غرار ما يروجون له في بلادهم.

مشاهد ومراسيم دينية خالصة لم تثر غضب العلمانيين العرب، رغم انتقاداتهم الدائمة للرئيس المصري الراحل محمد مرسي، واتهامهم له باستغلال الدين من موقعه السياسي، وهو ما تواجهه أيضا حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي في تونس، من اتهامات مماثلة. 

أشهر العلمانيين المصريين الكاتب خالد منتصر، سبق وانتقد حديث مرسي عن الخلفاء الراشدين أثناء زيارته لإيران في سبتمبر/ أيلول 2012، قائلا عبر تويتر: "دعاء الرئيس مرسي للخلفاء الأربعة في إيران؛ مكانه المساجد والزوايا، وليس المؤتمرات السياسية"، متسائلا: "هل سمعت رئيس فنزويلا يدعو لأصحاب الأناجيل الأربعة؟". 

حساسية مفرطة

الإعلامي الفلسطيني وضاح خنفر، وصف المشهد قائلا: "حفل تنصيب بايدن، بدأ بالصلاة في كنيسة، وتخللته الأدعية والصلوات ومقتبسات من الإنجيل. هكذا يعبر الرئيس عن هوية شعبه ويخاطب وجدانه وعقله الجمعي، في ذلك درس لمن لديهم حساسية مفرطة ضد الخطاب الديني". 

من جانبها، قالت الكاتبة المغربية من أصول فلسطينية سلمى الريس: "جرعة الخطاب الديني في حفل التنصيب كبيرة بشكل مُلفت، لكن طبعا عُبّاد الغرب من الليبراليين العرب لن يلاحظوا ذلك". 

أما الأكاديمي المصري الدكتور أشرف دوابه فتساءل قائلا: "حفل تنصيب بايدن ديني بامتياز.. أين العلمانيين العرب؟"، فيما قال الإعلامي المصري معتز مطر عبر فضائية "الشرق": "ذهب بايدن للكنيسة وأقسم على الإنجيل.. ماذا لو فعلها حاكم مسلم وذهب للمسجد وأقسم على القرآن؟". 

 الوزير السابق والسياسي والأكاديمي المصري الدكتور محمد محسوب، قال إنها "علمانية تختلف عما يروج له البعض"، موضحا أنها "لا تقطع صلتها بالدين، ولا تفزع من دوره بالحياة العامة، ولا تعتبر التدين خطرا على الحرية".

أما الناشط السياسي التركي محمد أردوغان فاستفزه صمت العلمانيين العرب الأتراك إزاء مشهد تنصيب بايدن، وتساءل: "ما رأي علمانيي تركيا وعلمانيي العرب - كارهي الإخوان والإسلام السياسي - بسيدهم الجديد بايدن الذي أدى اليمين بعد أداء الصلاة في الكنيسة؟". 

وأكد السياسي الليبي عبد الرحمن بومازق أن المشهد أظهر الهوية الدينية لأميركا مع أنه يوجد بها مسلمون، لكن تم تجاهلهم"، مضيفا: "وعندما تصل حكومة إسلامية إلى الحكم في بلدان المسلمين يتم محاربتها بكل السبل، نحن أمام عداء ديني".

‏‏وفي نفس السياق، تداول نشطاء مقطعا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يؤدي طقوسا مسيحية، وعلق عليه عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور محمد الصغير، بالقول: "بوتين، يؤدي طقسا دينيا في مياه متجمدة، وبايدن يقسم على الإنجيل ويبدأ عمله من الكنيسة، دون تعليق من العلمانيين العرب الذين لا هم لهم إلا فصل الدين على الحياة، وكأن العلمانية لا تعادي من الأديان إلا الإسلام". 

 

الربيع العربي

يعتبر العلمانيون العرب أنفسهم امتدادا لما جاءت به الحملة الفرنسية على مصر والشام (1798- 1801) ولدولة أسرة محمد علي (1805- 1952)، ورغم تعايشهم مع الإسلاميين طوال تلك العقود إلا أن صراعهم مع الإسلاميين كان أشد حضورا منذ الربيع العربي في 2011، وحتى اليوم، وهو ما شهدته تجارب ديمقراطية للحكم خاضها الإسلاميون في مصر وتونس وليبيا، ورفضها العلمانيون.

في مصر ومع بروز دور التيار الإسلامي المتمثل بجماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والسلفيين، بدت غلظة العلمانيين في أشد صورها عبر وسائل الإعلام وفي الأروقة السياسية والتشريعية مع تبرير رموزها لجرائم الانقلاب العسكري بحق الإسلاميين في مذبحة "رابعة العدوية" و"النهضة" 14 أغسطس/ آب 2013.

وهي الحالة التي بدت واضحة خلال التجربة السياسية لـ"حركة النهضة" في تونس، والتي تواجه الآن صراعا من العلمانيين في البرلمان والشارع رغم ما حدث من توافقات بين الإسلاميين والعلمانيين هناك بالسنوات الأولى لثورة الياسمين التي فجرت الربيع العربي في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010.

ليبيا الجارة الغربية لمصر والشرقية لتونس والتي تبعتهما بثورة في 15 فبراير/ شباط 2011، لإسقاط الزعيم الراحل معمر القذافي، وهي الأحداث التي تلاها ظهور الإسلاميين على الساحة الليبية، ما أثار حفيظة قوى إقليمية وعلمانية أيضا.

تناقضات العلمانيين

الكاتب المصري علاء بيومي أكد أن ذكرى الانقلاب العسكري على أولى تجارب الحكم الديمقراطية في مصر 3 يوليو/ تموز 2013، ستظل حدثا تاريخيا كاشفا ومذكّرا بأزمة القوى العلمانية (يسارية وليبرالية)، التي انحازت أغلبيتها للانقلاب، وبرّرته ودافعت عنه، منطلقة من صراعها المحتدم مع القوى الدينية". 

وفي مقاله "أزمة القوى العلمانية المصرية" في 2 يوليو/ تموز 2019، أشار بيومي لتبرير عدد من أبرز مثقفي القوى العلمانية، كالكاتب علاء الأسواني، للانتهاكات التي تعرض لها أعضاء جماعة الإخوان وأنصارهم بعد الانقلاب، فيما كان الأسواني قد ظهر في مقاطع مصورة يدعو فيها الجيش لفض اعتصام "رابعة" بالقوة. 

 وفي توصيفه لحالة الصراع بين العلمانيين والإسلاميين قال بيومي: "يمثل صراع القوى العلمانية المصرية مع التيار الديني ستارا رئيسا، تخفي وراءه القوى العلمانية عيوبها الهيكلية من ناحية، وفرصة لتقرّب تلك القوى من النظام المصري من ناحية أخرى، كما حدث في يوليو/ تموز 2013". 

وهي النقطة التي وصفتها الكاتبة المصرية الدكتورة أميرة أبوالفتوح، إثر المشهد الديني لتنصيب بايدن، بقولها عن العلمانيين العرب والمصريين "هؤلاء قوم يدعون الليبرالية ولا يؤمنون بالديمقراطية إلا إذا جاءت بأنصارهم، أما إذا جاءت بخصومهم فالويل والثبور لهم". 

 وفي اعتراف من أستاذ العلوم السياسية الدكتور عمرو حمزاوي، بخطأ العلمانيين في التعامل مع الإسلاميين عند وصولهم للحكم، قال: "لم تكن الدوافع الوحيدة لتحالف النخب العلمانية مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية للخروج على الإجراءات الديمقراطية في صيف 2013 هي فشل إدارة الرئيس الأسبق، محمد مرسي، في إخراج البلاد من أزماتها". 

مقال لحمزاوي، كتبه 5 أغسطس/آب 2019، وجاء بعنوان: "عن تبرير العلمانيين المصريين للاستبداد"، أكد فيه أن "دوافع النخب العلمانية في الانقلاب على الديمقراطية لم ترتبط فقط، بما طرح آنذاك كفعل ضرورة لحماية مصر من خطر استبداد ديني محقق والحفاظ على هويتها الوطنية".

حمزاوي أشار إلى "الموقف المضاد للديمقراطية الذي تبنته النخب العلمانية في ذلك الصيف ثم تأييد أغلبية عناصرها لعودة السلطوية وصمتها على انتهاكات مفجعة لحقوق الإنسان". 

الكاتب الأميركي دانيش فاروقي، وفي مقال له بمجلة "فورين بوليسي"، في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، انتقد من أسماهم "الليبراليين العلمانيين المصريين" لافتا إلى أنهم "ناضلوا بشجاعة من أجل الديمقراطية وسيادة القانون الليبرالي في مصر، لكنهم تخلوا عن التزاماتهم في الفترة التي قادت إلى أحداث 3 يوليو/تموز 2013 عندما أطاح الانقلاب بالرئيس المنتخب ديمقراطيا الدكتور محمد مرسي".

وبين رفض العلمانيين كل ما صدر ويصدر عن تيار الإسلام السياسي واعتباره خلط للدين بالسياسة، وبين تجاهلهم لمشهد تنصيب ترامب الديني، يرى المؤرخ والأكاديمي المصري الدكتور عاصم الدسوقي، أن "هذه المظاهر الدينية ليست ضد العلمانية"، مؤكدا أن "العلمانية تعني فصل الدين عن السياسة". 

وفي تفسيره للعلمانية الأميركية، أوضح بحديثه لـ"الاستقلال" أن "الحاكم أيا كان لا يحكم طبقا لأصوله الدينية"، مشيرا إلى أنه "لو حكم بمقتضى أحكام أصوله الدينية سوف يشعل الفتنة الطائفية في بلده"، لافتا إلى أن "العلمانية بهذا تعني أن الدين لله والوطن للجميع". 

معزوفة طبيعية

من جانبه، يعتقد الباحث والإعلامي أحمد رشدي، أن "هذه الفئة قلة ولكنهم فقط يملكون الإعلام والمال وأدوات التأثير فيظهرون وكأنهم هم الأغلبية".

رشدي، في حديثه لـ"الاستقلال"، يعتقد أن"مشهد تنصيب بايدين، بما شمله من طقوس دينية لم يكن نسقا متفردا أو معزوفة شاذة، فالمتأمل لما كان عليه (بوش الابن) وهو يصيح سنعلنها حربا مقدسة باسم الصليب فور هجمات 11 سبتمبر 2001، يعلم يقينا أن أم الديمقراطيات بلدة دينية". 

وأوضح رشدي أن "النشيد الوطني الأميركي يطلبون فيه من الرب أن (يرعى أميركا)، وعلى عملتها (الدولار) قد كتبوا (نحن نؤمن بوجود الله)"، مضيفا أن "الأمثلة أكثر من أن تحصى للتدليل على تدين الدولة الأميركية بغض النظر عن الشعب ذاته". 

"وفي الجهة المقابلة، نجد وريثة الإلحاد الشيوعي تعتز بنصرانيتها الأرثوذكسية، والقساوسة يباركون الأسلحة، ويحمسون الجند قبل ذهابهم لقتل المسلمين في سوريا"، هكذا يشير الباحث المصري لوضع الدين في روسيا أيضا، مضيفا: "بل إن أوروبا حاضنة العلمانية الأم ترفع شعار النادي المسيحي في وجه تركيا وفرنسا واليونان خير شاهد".

وتابع: "وعلى ذلك نجد أن العالم يتجه يمينا منذ بداية هذه الألفية حتى لدى أتباع الأديان الوضعية كالهند والصين، والعجيب أن الرابط الوحيد الذي يجمعهم هو اضطهاد المسلمين دون غيرهم ومحاولات طمس هويتهم".

مضيفا: "الجميع يعلم أن مشكلات عصر الحداثة وما بعده تستدعي وجود بديل حضاري قوي يجبر خلل البشرية وليس من فكرة لديها القدرة على ذلك إلا المنهج الرباني المتمثل في القرآن الكريم". 

رشدي واصل، رؤيته بالقول: "إضافة إلى أنه الدين الأكثر نماء حول العالم فأتباع كل ملة يتناقصون، والمسلمون يتزايدون رغم ما هم به من محن، لذا كان دور الطابور الخامس الذي يتمثل في جيل تم زراعته بين المسلمين يعتنقون فكر الشرق والغرب أكثر من أصحاب الفكر نفسه، فرأينا مثلا سقوط الاتحاد السوفيتي ولا يزال لدينا منظمات شيوعية". 

لكن، لماذا أصبح العلمانيون العرب أشد تطرفا في علمانيتهم من العلمانية الغربية؟، أجاب رشدي: "رأينا تهافت الفكر العلماني واتجاه الناخبين في العالم إلى تأسيس أحزاب دينية واختيار الحكام الأكثر تأثرا وتأثيرا بالدين".

وختم حديثه بالقول: "ولدينا يحاولون نزع الهوية ويقتلون الحاكم المسلم المتمسك بالدين، لأن أهواءهم ومصالحهم تتعارض مع مصالح عموم الشعوب والتي ترتبط بالدين، يساعدهم على ذلك التوجه الدولي بمحاربة الإسلام كقيمة حضارية".


تحميل

المصادر:

1

أزمة القوى العلمانية المصرية

2

عن تبرير العلمانيين المصريين للاستبداد

3

التيار الإسلامي في ليبيا

4

وجهات نظر تونسية: لماذا اختلف طريقا ثورتي تونس ومصر؟

5

Alaa al-Aswany Believes in Democracy, Except When He Doesn’t

كلمات مفتاحية :

أميركا البيت الأبيض تونس جو بايدن عهد بايدن ليبيا مصر