Tuesday 19 January, 2021

صحيفة الاستقلال

34 عاما على مذبحة عدن.. لماذا استمرت دوافع الصراع جنوبي اليمن؟

منذ 2021/01/13 20:01:00 | تقارير
الصراع في عدن جنوبي اليمن مازال قائما ودوافع تكرار المذابح مازالت متوفرة، لكن بأدوات وأسلحة مختلفة
حجم الخط

رغم مرور 34 عاما على ذكرى مذبحة 13 يناير/كانون الثاني، مازال جنوب اليمن، يشهد صراعات لا تقل حدة عن تلك التي اندلعت بين أجنحة الحزب الاشتراكي الحاكم في عدن عام 1986.

كان التوتر قد بلغ أشده بين أجنحة الحزب الاشتراكي المتصارعة في تلك الفترة خاصة جناحي الرئيس الأسبق عبد الفتاح إسماعيل، ورئيس الدولة في تلك الفترة علي ناصر محمد.

ورغم مضي تلك الأعوام على المذبحة، فالصراع في عدن مازال قائما، ودوافع تكرار المذابح مازالت متوفرة، لكن بأدوات وأسلحة مختلفة عما كان عليه الحال في الثمانينات من القرن الماضي.

الصراع حاليا يأخذ نطاقا أوسع مما كان عليه في السابق، ففي حين كان الصراع سياسيا ضمن نطاقات حزبية داخلية، فإن الصراع الحالي سياسي تغذيه أطراف خارجية.

 ملامح الصراع

عام 1963، كانت ملامح الصراع قد اندلعت بين المكونات الثورية التي قاتلت من أجل استقلال جنوب اليمن عن الاحتلال البريطاني (839 ـ 1967) أو ما سمي بعدها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

كان الخلاف بين الفصائل في مجمله يتمحور حول من يتولى قيادة الثورة المسلحة ويرسم سياسات النضال ضد الاحتلال البريطاني، وخاض تيارا "جبهة التحرير" و "الجبهة القومية"، صراعا داميا حسم في النهاية لصالح الأخيرة.

كانت "جبهة التحرير" تؤمن بأولوية العمل السياسي إلى جانب النضال المسلح، بينما كانت "الجبهة القومية" تجعل الأولوية للكفاح المسلح وتمنحه مساحة واسعة في العمل الثوري، ورغم محاولات مصر حينها في التوفيق بين الفصيلين الثوريين، إلا أنها باءت كلها بالفشل.

دارت معارك طاحنة بين الجانبين، تمكنت في آخر الأمر "الجبهة القومية" من ترجيح الكفة لصالحها، وفرار قادة "جبهة التحرير" إلى اليمن الشمالي حينها، ما هيأ لها استلام السلطة بعد انسحاب بريطانيا، وإعلان الاستقلال وتنصيب أمين عام "الجبهة القومية" قحطان الشعبي أول رئيس لليمن الجنوبي.

ورغم اندلاع الثورة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1963، فإن صراع المكونات الثورية أخر انسحاب بريطانيا (أحكمت قبضتها على البلاد لنحو 128 عاما) إلى 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1967، أي بعد نحو 4 سنوات.

خلال هذه السنوات الأربع، استفادت بريطانيا من الفراغات التي نشأت عن صراع المكونات الثورية في ترتيب أوراقها والبقاء لأطول فترة ممكنة تمكنت خلالها من تدشين اعتقالات وشن حملات قمع رهيبة.

وحسب مذكرة للاستخبارات الأمريكية سي آي إيه، تم رفع السرية عنها، فإن جذور الصراع بين الرفاق قد بدأ بالتنافس بين "جبهة التحرير" ذات التوجه القومي العربي ومدعومة من مصر، وجبهة أخرى أكثر راديكالية هي "الجبهة القومية"، وانتهى الصراع لصالح الأخيرة بتفضيل من بريطانيا فيما لاذ قادة جبهة التحرير بشمال اليمن.

خلاف أيدلوجي

في البداية كانت "الجبهة القومية" اليسارية منفتحة على مصر ورئيسها جمال عبد الناصر، غير أن هزيمة مصر في حربها ضد إسرائيل في 5 يونيو/ حزيران 1967، جعل بوصلة "الجبهة القومية" يتجه نحو الاتحاد السوفيتي، وبالتالي شهدت تحولا أيدلوجيا قادها إلى اليسار الماركسي.

تنوعت القيادات داخل "الجبهة القومية" نفسها بين معتدلة وماركسية راديكالية تأثرت بالاتصال الأيدلوجي مع الاتحاد السوفيتي، وبسبب ذلك التنوع نشأت خلافات بين الرفاق.

أسفرت هذه الخلافات عن الإطاحة بقحطان الشعبي أول رئيس للجنوب في 22 يونيو/حزيران 1969، في أول انقلاب نفذته القيادات الراديكالية داخل التيار اليساري الحاكم.

بعدها بدأت اليمن الدخول في فوضى سياسية وصراعات داخلية وصلت ذروتها في عقد السبعينيات بين تيارين بين سالم ربيع علي الذي تولى الرئاسة عقب الإطاحة بقحطان الشعبي، وقائد الحزب الاشتراكي عبد الفتاح إسماعيل، لتنتهي بالإطاحة بسالم ربيع علي (سالمين) ثم تصفيته، في يونيو/حزيران 1978، على يد علي شائع، والد شلال شائع، رجل الإمارات الحالي في عدن.

بسبب ذلك الصراع، توقفت عجلة التنمية وكرس الحزب الاشتراكي من أيدلوجيته الماركسية وفلسفته الاقتصادية في محاربة ما يسمى بالطبقة البرجوازية، فقام بتأميم الممتلكات الخاصة و العقارات والأراضي، وحارب الملكية الخاصة.

كما حارب الحزب المظاهر الدينية ورجال الدين والظاهرة القبلية بكافة أشكالها، بصفتها إحدى مظاهر الرجعية، ما دفع كثيرا من أبناء الجنوب للنزوح إلى شطر اليمن الشمالي الذي كان يشهد نموا اقتصاديا وحراكا اجتماعيا جيدا في تلك الفترة.

مذبحة مروعة 

تنامى الصراع بين الجناحين المعتدل والراديكالي داخل الحزب الاشتراكي، عقب الإطاحة بالرئيس سالمين في 1978، وبلغ أوجه في النصف الثاني من عقد الثمانينات.

نشب صراع هو الأشد في قيادة الحزب بين جناحي الرئيس الأسبق عبد الفتاح إسماعيل ورئيس الدولة في تلك الفترة علي ناصر محمد، وانتهت الأمور بهزيمة فصيل علي ناصر وفراره إلى اليمن الشمالي.

وفي 13 يناير/كانون الثاني 1986، حدثت المذبحة الأكثر دموية في تاريخ الجنوب، حيث دشنت لعمليات قتل واعتقال وحملات مداهمة وتفتيش للبيوت والمارة والسيارات، وأسفرت عن مقتل نحو 9 آلاف شخص، وإصابة نحو 16 ألفا آخرين خلال أسبوع، وكانت كثير من التصفيات تتم بالهوية والبطاقة الشخصية.

بدأ الأمر بمواجهة مسلحة داخل قاعة الاجتماعات في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني بعدن، أسفر عن مقتل أكبر قيادات الحزب.

خلال المذبحة قتل الحارس الشخصي للرئيس علي ناصر محمد، كما قتل معه صالح مصلح وزير الدفاع، وعلي شائع، وعلي عنتر، وهم من أبرز القيادات الاشتراكية المناوئة للرئيس علي ناصر محمد.

وفي حين نجا عبد الفتاح إسماعيل في ذلك الهجوم، لكنه لم ينج من الملاحقة، فقد تم إعدامه بدون محاكمة بتهمة محاولة الانقلاب على نظام الحكم، في حين قالت لجنة تحقيق إنه احترق داخل عربة مدرعة، عقب اعتراضه من قبل عناصر مسلحة يتبعون الرئيس ناصر، وهو الأمر الذي لم تتمكن من إثباته الأدلة.

وإلى جانب مصرع كبار القيادات في تلك المذبحة، فقد سقط المئات من الكوادر المؤهلة بالإضافة إلى آلاف المدنيين، في حادثة مروعة ما يزال يتذكروها اليمنيون حتى اليوم.

وقتها لم يحسم الاتحاد السوفيتي الصراع لصالح أي جناح، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي في الثمانينات انقطع الدعم عن التيارات اليسارية، ما دفع النظام في الجنوب لإنهاء الصراع عبر تحقيق الوحدة مع اليمن الشمالي عام 1990.

عودة للواجهة

الكاتب والباحث اليمني ناصر المودع أشار في تغريدة عبر تويتر إلى عودة ذلك الصراع التاريخي بين فصيلي "الزمرة" و"الطغمة" أي الجناحين الاشتراكيين المتصارعين.

المودع قال: الصراع الحاصل في الرياض منحصر بين "الزمرة" و"الطغمة"، فبعد أن هيمن الزمرة على سلطة الجمهورية اليمنية يريد الطغمة أن يستحوذوا على جزء منها، هؤلاء جميعهم ليس لهم حق شرعي للحصول على ما يتصارعون عليه، فكلهم عمليا يعملون لتفتيت الدولة اليمنية، الطغمة بشكل ظاهر والزمرة بشكل مستتر.

ذلك الصراع التاريخي المناطقي عاد إلى الواجهة بين أبناء القبائل في المدن الجنوبية، بعد دخول الإمارات إلى اليمن صيف 2015، حيث عملت أبوظبي على استقطاب قبائل الضالع ويافع  وهما من أبناء الفصيل الذي كان يسمى تاريخيا "الطغمة"، وجعلتهم على قيادة المجلس الانتقالي.

وبطبيعة الحال، خاض أبناء الضالع واليافع صراعا مع أبناء قبائل أبين وشبوة، الموالين للرئيس عبد ربه منصور هادي، والذين ينحدرون من الفصيل الذي كان يسمى "الزمرة"، الذي خاض صراعا داميا مع أبناء الضالع ويافع.

وبالتالي، كان الصراع التاريخي أحد مغذيات الصراع الحالي بين المكونات السياسية في الجنوب، وإثر انقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي على الحكومة الشرعية في أغسطس/آب 2019، أخذت الحرب في أحد أشكالها بُعدا مناطقيا بين أبناء القبائل المتصارعة.

اعتمد المجلس الانتقالي على أبناء الضالع ويافع، حيث ينحدر رئيس المجلس الانتقالي من الضالع، في حين ينحدر نائبه هاني بن بريك من يافع، وكذلك الحال في الحزام الأمني والتشكيلات المسلحة التابعة للانتقالي.

وينحدر شلال شائع رجل الإمارات الحالي في عدن من الضالع، وبالتالي أخذ المجلس موقفا معاديا لأبناء أبين وشبوة الموالين لهادي، وكان القائد العسكري في الحزام الأمني منير اليافعي (أبو اليمامة) قد اتهم في يوليو/تموز 2018 أبناء أبين بالإرهاب، وهو الأمر الذي رآه مراقبون بكونه يعيد التصنيف المناطقي للصراع بين التيارين.


تحميل

المصادر:

1

صراع الرفاق الدامي في عدن.. من أول تصفية إلى آخر مذبحة

2

السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي ( روسيا )تجاه اليمن الجنوبي 1967 – 1980

3

أحداث 13 يناير 1986م

4

احداث 13يناير المشؤومة نتذكرها حتى لا يتم تكرارها

5

علي ناصر محمد يروي تفاصيل مجزرة يوم 13 يناير 1986

6

حكم اليسار في جنوب اليمن... وشهادة فواز طرابلسي

7

“خنجر التقسيم”.. جذور الصراع الداخلي والإقليمي على جنوب اليمن

كلمات مفتاحية :

المجلس الانتقالي الجنوبي اليمن جنوب اليمن روسيا عدن