بالضبطية القضائية.. لماذا يحصن جيش مصر العاملين في هيئاته الاقتصادية؟

أحمد يحيى | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

"تدعي المؤسسة العسكرية أنها توظف 5 ملايين شخص، لكن جميعهم تقريبا يعملون في الواقع من قبل المقاولين المدنيين من القطاع الخاص الذين يعملون لصالح تلك المؤسسة"، كان ذلك جزءا من مشهد توصيف الباحث الرئيس بمركز "كارنيغي" يزيد صايغ عن طبيعة العلاقات المدنية العسكرية الاقتصادية في مصر، والتي يهيمن عليها الجيش بدرجة كبيرة. 

جاء عام 2020. ليحمل إلى العالم "جائحة كورونا" التي قتلت مئات الآلاف، وقوضت الاقتصاديات العالمية، وهو ما ترك أثره بطبيعة الحال على مصر، التي كانت في الأساس تعاني من أزمات اقتصادية صعبة، ولكن ما زاد الوضع تعقيدا تغول المؤسسة العسكرية من خلال الشركات والمشروعات، التي أتت على البقية الباقية من مساحة للمدنيين. 

بالإضافة إلى مسألة أخرى، تتمثل بمنح مزيد من ضباط الجيش، خاصة الذين يعملون في الهيئات الاقتصادية للقوات المسلحة مثل "جهاز المشروعات الخدمة الوطنية"، حق الضبطية القضائية، الذي يمكّنهم من القبض على المدنيين وإحالتهم للمحاكم العسكرية.

ضبطية قضائية 

قبل أن ينتهي عام 2020. العصيب على المصريين والعالم بسبب "جائحة كورونا"، والذي خلف أوضاعا اقتصادية مزرية، لا سيما على الدول النامية، قرر وزير العدل المصري عمرو عمران، في 30 ديسمبر/كانون الأول، مفاقمة المعاناة بمنح عشرات الضباط العاملين في "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" التابع للقوات المسلحة، صفة مأموري الضبط القضائي، لضبط الجرائم التي تقع في دوائرهم. 

القرار الذي حمل رقم (8407) لسنة 2020، نص على "منح الضباط العاملين في الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق، صفة الضبطية القضائية في دائرة اختصاصهم، وكذلك الضباط العاملون في المواقع التابعة للشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية". 

كذلك، أعطى القرار للضباط العاملين في "الشركة المصرية للتعدين وإدارة واستغلال المحاجر والملاحات" صفة الضبطية القضائية أيضا. 

يذكر، أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذي أعطى وزير العدل حق الضبطية القضائية لضباطه، هو جهاز تابع للقوات المسلحة، أنشئ عام 1979، بغرض إنشاء مشاريع وشركات هادفة للربح، تحت اختصاص الجيش المصري. 

وأبرز من شملهم قرار الضبطية القضائية، من الرتب العسكرية الكبيرة، اللواء "حمدي بدين"، رئيس مجلس إدارة "الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية"، وهو القائد السابق للشرطة العسكرية، واشتهر اسمه بين المصريين على خلفية تورطه في وقائع الاعتداء على المتظاهرين في أعقاب الثورة المصرية عام 2011، وتوقيع "كشوف العذرية" على المتظاهرات. 

شمل القرار أيضا قائد بحيرة البردويل، اللواء "محمد رشاد"، والمشرف الفني على أحواض السمك، المقدم "محمد السعيد"، ومدير مصنع إنتاج الثلج، الرائد "محمد عبد الحميد"، ومسؤول وحدة المصايد البحرية، النقيب "إسلام ضياء"، وقائد مجموعة الأقفاص السمكية البحرية، النقيب "إسلام سامح". 

والضبطية القضائية، التي حصل عليها كل هؤلاء العسكريين، بتعريفها القانوني هي "سلطة البحث عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى"، ويطلق على من يخول إليهم الضبطية القضائية، صفة "مأمورو الضبط القضائي".

وفي 6 مايو/أيار 2020، صدق رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي على القانون رقم (22) لسنة 2020، بتعديل بعض أحكام القانون رقم 162 لسنة 1958. في شأن حالة الطوارئ.

ونصت المادة الأولى على أن "تتولى قوات الأمن أو القوات المسلحة تنفيذ الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه، فإذا تولت القوات المسلحة هذا التنفيذ يكون لضباطها ولضباط الصف بها اختصاصات مأموري الضبط القضائي".

وبتلك التعديلات، أعطت السلطة الحق الكامل لأول مرة لضباط القوات المسلحة، وضباط الصف (المتطوعون)، بالضبطية القضائية في حق المدنيين، بمعنى أنه يحق لتلك الفئات بموجب هذا القانون القبض على المواطنين، والنقطة الأخطر تتمثل في تمكنهم من إحالتهم للمحاكم العسكرية بشكل مباشر.

شبكة متشعبة

الضبطية القضائية لضباط جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، جزء من حصاد مرّ للعام 2020، لما هو أكبر، حيث عملت القوات المسلحة في ظل منظومة عبد الفتاح السيسي، على مزيد من الهيمنة الشاملة على الاقتصاد المصري.

ففي 22 ديسمبر/كانون الأول 2020، أصدرت وزارة الإنتاج الحربي تقريرها السنوي الذي يظهر استغلال وضعها الخاص لإنشاء أو تخطيط 19 شركة أو مصنعا أو خط إنتاج جديد للسلع المدنية بين 2019 و 2021. جرى ذلك فيما تسعى الحكومة المصرية لبيع أو إعادة هيكلة عشرات شركات قطاع الأعمال العام، 

وشمل تقرير وزارة الإنتاج الحربي، والذي جاء تحت عنوان "إنجازات وزارة الإنتاج الحربي خلال عام 2020/2019"، قيام الوزارة العسكرية، بإنشاء 6 شركات وخطوط إنتاج جديدة، وهذه الشركات هي: 

  • شركة "أبو زعبل" لخدمات التخريم، بالتعاون بين "مصنع 18 الحربي" والشركة العربية للصناعة والتعدين.
  • شركة النجيل الصناعى "Ever Green"، بالتعاون بين "مصنع 81 الحربى"، وشركة "IMUT".
  • شركة "هليوبيسان" لموانع التسرب، بالتعاون بين "مصنع 81 الحربي"، وشركة "بيسان" السعودية.
  • شركة المعصرة "جاز مترو"، لإنتاج عدادات الغاز مسبوقة الدفع والذكية.
  • خط إنتاج البطاريات الحامضية بمصنع 270 الحربي.
  • خط إنتاج عدادات المياه الميكانيكية ومسبوقة الدفع ، بالتعاون بين "مصنع 45 الحربي"، وشركة "أفق" لخدمات الطاقة.

وتحت مسمى "استغلال فائض الطاقة الإنتاجية"، ذكرت الوزارة في تقريرها السنوي أنها تعمل على إنشاء 13 شركة وخط إنتاج جديد، وهي "مجمع لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية - شركة لصناعة مواسير مياه الشرب والصرف - شركة لإنتاج الأسطوانات المتطورة للغاز الطبيعي - شركة "أسترو للفلاتر" لإنتاج فلاتر الهواء لمحطات الكهرباء".

ومنها أيضا "مصنع لإنتاج الأتوبيسات الكهربائية - مصنع لإنتاج إطارات السيارات - شركة "آي دي دبليو تي" لتحلية ومعالجة المياه - خط إنتاج المعدات الثقيلة "اللوادر، والهراس، والكلارك" - خط إنتاج الجرارات الزراعية - خط إنتاج محركات الديزل - خط إنتاج المعدات والآلات الزراعية - خط لإنتاج أجهزة القياس الطبية - إنتاج اللودر المصري "LD-900" محليا داخل مصنع 100 الحربي".

تلك الترسانة الهائلة من الشركات والمشروعات، ما هي إلا نتاج عام واحد فقط، أما سلسة الشركات والمصانع التي تمتلكها وزارة الإنتاج الحربي، تعد إمبراطورية هائلة داخل مملكة اقتصاديات الجيش في مصر، وقد وضعت الوزارة إستراتيجيتها، بأنها تتلخص في أن تكون مؤسسة صناعية متطورة تعمل كمصدر رئيس لتسليح القوات المسلحة.

ولكن الواقع أنها تتخطى ذلك إلى الهيمنة على القطاعات المدنية، وقد أظهر التقرير السنوي، للوزارة أن "إيرادات النشاط عن العام المالى 2019/2020 بلغت مبلغ 15.5 مليار جنيه بزيادة 2.3 مليار جنيه عن العام السابق"، وتأتي تلك الأرقام المتقدمة في القطاعات الخاصة بالمؤسسات العسكرية، على عكس التأثر والتردي المستمر داخل القطاعات المدنية. 

أدوات السيطرة

تلعب 3 مؤسسات متخصصة تابعة للقوات المسلحة، دورها في المشاريع الاقتصادية، التي يهيمن من خلالها الجيش على مجريات الحياة العامة، وتوفير معظم الحاجات الأساسية في البلاد، وتتمثل تلك المؤسسات في:

"الهيئة العربية للتصنيع"، التي أنشئت عام 1975، بغرض إنتاج وتطوير الصناعات العسكرية الدفاعية، ومع الوقت وجهت قدراتها في دعم مشاريع التنمية المجتمعية، والنقل وحماية البيئة، بالإضافة إلى مجالات البنية التحتية.

ثم "الهيئة القومية للإنتاج الحربي"، وتتولى وزارة الإنتاج الحربي إدارة الهيئة القومية للإنتاج الحربي، حيث تدير أكثر من 15 مصنعا ينتج الأسلحة والذخيرة العسكرية، إضافة إلى بعض السلع مثل التلفزيونات والأجهزة الإلكترونية والرياضية. بينما هناك أيضا قائمة من المشاريع القومية ينخرط الجيش في تنفيذها.

وكذلك "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية"، وكانت مهمته الرئيسة تحقيق الاكتفاء الذاتي للجيش، وعدم الاعتماد على سوق القطاع الخاص في توفير السلع الأساسية، ومع الوقت أسس الجهاز شركات متعددة توغلت في الاقتصاد المحلي، وهيمنت على جزء كبير منه. 

وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول 2020، وتحت عنوان "المؤسسة العسكرية المصرية كرأس حربة لرأسمالية الدولة"، نشر الباحث الرئيس بمركز "كارنيغي" لدراسات الشرق الأوسط، "يزيد صايغ"، تقريرا قال فيه: "أعاد السيسي تنشيط رأسمالية الدولة في مصر من خلال القيادة العسكرية للتطوير العقاري، وإنشاء المجمعات الصناعية والأنشطة الاستخراجية ومزاحمة القطاع الخاص واستخدام الاستثمار الخاص لإعادة رسملة القطاع العام".

وفصل بوضوح: "كيف شهد تدخل القوات المسلحة المصرية في الاقتصاد تحولا من حيث نطاقه وحجمه في عهد السيسي؟".

وأرجع ذلك إلى "استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة في العام 2013، وافتقار السيسي إلى مخطط اقتصادي واضح، ناهيك عن عدم الفهم السليم لديناميات السوق".

وأضاف: أن "اهتمامه الأكبر بتوليد رأس المال مع الحفاظ على النظام السياسي أدى إلى ظهور نسخة جديدة من رأسمالية الدولة المصرية". 

واختتم تقريره باستنتاج أن "الحفاظ على اقتصاد تسيطر عليه الدولة أمر غير قابل للصمود. لكن في الوقت الحالي، لا شيء يفعله السيسي يغير واقع ما وصفه تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في العام 2019. بشأن مصر بأنه، مشاكل مزمنة من ضعف الحوكمة والبحث عن الريع ومخاطر الفساد والحضور المكثف للدولة في الاقتصاد".