Thursday 24 June, 2021

صحيفة الاستقلال

مصطفى السيد.. مغربي أسس البوليساريو وتفرق دمه بين الجزائر وموريتانيا

منذ 2020/12/01 20:12:00 | شخصيات
"عشريني أسس البوليساريو ورحل تاركا وراءه أزمة فشل الجميع في حلها"
حجم الخط

عادت قضية الصحراء "الغربية" أو "المغربية" باختلاف روايتي طرفي الصراع إلى سطح الأحداث مجددا، بعد إعلان جبهة "البوليساريو" في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، إنهاء الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 1991 مع المغرب، وهو ما قد يمهد الطريق نحو مواجهة عسكرية بين الجانبين في إقليم الصحراء المتنازع عليها. 

هذه الأحداث أعادت إلى الأذهان السنوات الأولى لانطلاقة الجبهة وتأسيسها على يد زعيمها الأول مصطفى السيد، الذي وضع البذرة الأولى لتنظيم سياسي مسلح، ورحل تاركا وراءه أزمة عالقة لعقود في المغرب العربي فشلت كل محاولات حلها. 

نشأة بمواقف

عام 1948، ولد "السيد" بمنطقة "بئر لحلو" جنوبي المغرب، في وقت كانت تعيش فيه المملكة احتلالا مزدوجا، فرنسيا وإسبانيا.

تعلم "السيد" في زوايا (مدارس المتصوفة) الصحراء وحفظ أجزاء من القرآن الكريم في طفولته، وفي 1958، نزحت عائلته إلى مدينة طانطان جنوبي المغرب على غرار بعض العائلات الصحراوية بحثا عن مكان لجوء؛ هربا من الاستعمار الإسباني.

وما بين 1961 و1969 تدرج في المدارس الابتدائية، ثم الثانوية مرورا بالإعدادية بكل من مدن طانطان ومراكش وتارودانت، إلا أنه عانى كثيرا من الطرد بسبب مواقفه السياسية المناهضة للاستعمار.

رغم ذلك حصل "السيد" على شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة) بمعهد "ابن يوسف" في مراكش عام 1970 والذي تزامن مع أوج الانتفاضة الشعبية ضد المستعمر الإسباني. 

بعدها التحق بجامعة "محمد الخامس" في العاصمة الرباط، ليتخصص في العلوم السياسية، وتميزت فترة دراسته، بشدة انتمائه للعروبة والإسلام، وبناء ثقافته على أسس اللغة العربية.

وركز في قراءاته على مؤلفات الأدباء العرب، مصطفى لطفي المنفلوطي، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وإحسان عبد القدوس، توفيق الحكيم، وشعراء المهجر، وكل الكتب التي ألفها المفكر الإسلامي سيد قطب. 

للتأسيس روايتان

تعددت الروايات حول الأسباب المباشرة لتأسيس "البوليساريو"، حيث تتداول روايتان في صلب هذه القضية الشائكة، وتعتبر بعض المصادر التاريخية أن قمع الاحتلال الإسباني مظاهرات منتصف يونيو/حزيران 1970 في ما عرف بـ"انتفاضة حي الزملة" في مدينة العيون، والتي دعت لها المنظمة "الطليعية لتحرير الصحراء"، دفعت عددا من الشباب الصحراوي إلى تأسيس الجبهة.

بينما ذكرت مصادر أخرى أن نشأة التنظيم السياسي والعسكري إلى اللحظة التي قمعت فيها السلطات المغربية بقسوة مظاهرة مجموعة من الطلبة في أزقة طانطان -التي كانت تابعة إداريا لإقليم طرفاية- عام 1972 على هامش احتفالات بموسم المدينة.

في 10 مايو/أيار 1973، أعلن عدد من الشباب من أصول صحراوية، يتبنون الفكر اليساري الاشتراكي، خلال متابعة دراستهم في جامعة "محمد الخامس"، في مقدمتهم مصطفى السيد ومحمد عبد العزيز، وولد الشيخ بيد الله، عن تأسيس الجبهة.

منذ مطلع السبعينيات، بدأ "السيد" التواصل مع القيادات العربية والإفريقية للتعريف بالقضية التي يدافع عنها، فكان لقاؤه مع الزعيم الجزائري هواري بومدين، الذي أصبحت بلاده أبرز داعم للجبهة. 

وبعدها قصد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ثم القيادة الموريتانية؛ طلبا للدعم والمساندة سياسيا وماديا وخاصة التسليح لخوض المعارك من أجل السيطرة على الصحراء وإقامة الدولة التي أعلنت "البوليساريو" عن تأسيسها تحت اسم "الجمهورية العربية الصحراوية".

كما كثف "السيد" من اتصالاته بالجماهير والنخب في إقليم الصحراء، وفي دول إفريقيا ومناطق تجمعات الجاليات المنحدرة من الصحراء الغربية في البلدان المجاورة أو في البلدان الأوروبية.

وتبعت تلك الخطوة بانطلاق أول رصاصة للجبهة من خلال عملية "الخنكة" التاريخية التي أذنت بقيام ثورة 20 مايو/أيار 1973 والتي حملت شعار "بالبندقية ننال الحرية"، لتنطلق مرحلة الكفاح المسلح ضد الاستعمار الإسباني.

وخلال عامي 1974 و1975، قام مؤسس البوليساريو "السيد" بجولات دولية لشرح القضية الصحراوية وتسليط الضوء على ما سماها "حقائق كفاح الشعب الصحراوي"، عبر تنظيم ندوات صحافية وسياسية في العاصمة الفرنسية باريس والجزائر والعاصمة الليبية طرابلس وبيروت اللبنانية.

وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، تم توقيع الاتفاق الثلاثي الإسباني المغربي الموريتاني، بانسحاب إسبانيا من الصحراء وتقسيمها بين الدولتين، "الساقية الحمراء" للمغرب ووادي الذهب لموريتانيا.

وقبل الاتفاق بأيام، شهد المغرب مسيرة سلمية (المسيرة الخضراء) انطلقت في 6 نوفمبر 1975، نحو الأراضي الصحراوية، بهدف استرجاعها وإنهاء الاستعمار الإسباني بها، بمشاركة 350 ألف شخص.

شهيد أم قتيل

يعتبر الصحراويون، مصطفى السيد "شهيدا" فيما الموريتانيون يعتبرونه "قتيلا"، حيث لقي حتفه على مشارف العاصمة نواكشوط في 9 يونيو/حزيران 1976، بعد أن قاد مفرزة من المقاتلين الصحراويين التي استطاعت الوصول إلى نواكشوط، مستهدفة مقر الرئاسة وبعض السفارات القريبة منها.

نجحت موريتانيا في إبعاد رئيسها المختار ولد داداه وعائلته فورا عن دائرة الخطر، وبدأت عملية تعقب المجموعة الصحراوية، لتنتهي عملية المطاردة في تشتيت سيارات البوليساريو، إضافة إلى نفاد وقود سيارة "السيد"، انتهت بمقتله دهسا بسيارة عسكرية، وفق الرواية الموريتانية، كما قتل أحد مرافقيه وأسر الثالث. 

نُقل جثمان "السيد" إلى العاصمة نواكشوط في طائرة عسكرية رفقة الأسير، وكان في استقبال الطائرة قادة مختلف الوحدات العسكرية والأمنية.

تعرف مدير الأمن محمد ولد اميشين بسرعة على "السيد"، لأن الأخير زار نواكشوط عدة مرات قبل ذلك والتقى بمسؤولين سياسيين وأمنيين موريتانيين، قبل أن تتوتر العلاقة بسرعة بين نواكشوط و"البوليساريو".

وبمقتل "السيد"، بدأت حلقة أخرى من الحرب الضروس بين موريتانيا والصحراء، قبل أن تضع الحرب أوزارها بعد الانقلاب على الرئيس "ولد داداه" وإعلان موريتانيا تخليها عن حقها في الصحراء. 

كما تتم تداول رواية أخرى تقول إنه قتل بطائرات فرنسية ومغربية أثناء محاولة "البوليساريو" إسقاط نظام "ولد داداه".

رواية ثالثة

إلا أن رواية ثالثة تتهم الجزائر باغتيال مؤسس "البوليساريو"، هذه الرواية أكدها العديد من القادة الصحراويين العائدين إلى المغرب في إطار مبادرة "الوطن غفور رحيم"  التي أطلقها الملك  الراحل الحسن الثاني.

وجاءت المقولة الشهيرة لـ"السيد": "لقد أجرمنا في حق شعبنا"، بعد أن تأكد من أن فكرته لتحرير الصحراء من الاستعمار الإسباني أصبحت تسير في مسار غير واقعي وخاصة بعد أن بدأ جهاز المخابرات الجزائري يتحكم في أدق تفاصيلها خدمة لطموحات الجزائر في المنطقة.

العديد من العائدين وهم من المؤسسين للبوليساريو أوضحوا أن وصول القيادي الصحراوي إلى هذه الخلاصة منتصف السبعينيات جعلته يخبر العديد من المقربين منه أنه على استعداد لفتح مفاوضات مع المغرب لكسر خيوط الانفصال التي بدأت القضية الصحراوية تسير فيها.

وفي هذا الإطار، فاتح "السيد" العديد من شيوخ الصحراء وفي المقدمة أسرة "آل ماء العينين"، بأنه مستعد للبدء في حوار جدي مع الوطن الأم المغرب، خاصة بعد أن تأكد من أن مفتاح القضية الصحراوية، في المغرب وليس الجزائر.

وحسب ما يتم تداوله في مواقع مغربية فإن المخابرات الجزائرية نبهت "السيد" في أكثر من مناسبة أن فتح قنوات اتصال بينه وبين السلطات المغربية يعتبر خطا أحمر لا يمكن تجاوزه.

وانتقلت المخابرات الجزائرية بعد معركة "أمغالا" التي شنتها قوات "البوليساريو" ضد المغرب، وشارك فيها الجيش الجزائري إلى لهجة التهديد بالتصفية الجسدية بحق "السيد" إن هو حاول الاستمرار في التفكير بفتح حوار مع الرباط.

وحسب العديد من الوثائق التي يتم تداولها باعتبارها جزءا من أرشيف "البوليساريو"، تحدثت عن اغتيال "السيد"، فإن القيادة الجزائرية وعلى رأسها الرئيس بومدين أعطت أوامرها بإنهاء حياة القيادي الصحراوي مباشرة بعد أن تم رصد اتصالات بينه والمقربين منه مع بعض شيوخ الصحراء في المغرب.

كما كشفت هذه الوثائق خطة الاغتيال التي وضع تفاصيلها بأوامر من بومدين شخصيا، الجنرال المعروف بلقب "المانشو"، بأن يتم اغتيال "السيد" على الأراضي الموريتانية و"قد حصل بالفعل".


تحميل

المصادر:

1

ذكرى تأسيس جبهة البوليساريو: مكاسب وانجازات في ظل الإصرار على تنفيذ الوعود الأممية

2

شريط فيديو: عن الشهيد الولي مصطفى السيد مؤسس جبهة البوليساريو

3

محطات من تاريخ الصحراء الغربية.

4

حقائق تنشر لأول مرة..اغتيال مؤسس جبهة البوليساريو

5

من هو مؤسس جبهة البوليساريو مصطفى السيد

6

تاريخ تأسيس البوليساريو

كلمات مفتاحية :

البوليساريو الجزائر المغرب مصطفى السيد موريتانيا