Saturday 19 June, 2021

صحيفة الاستقلال

تسير على خطى “نداء تونس”.. كيف تواجه “النهضة” شبح الانقسام الداخلي؟

منذ 2020/11/09 14:11:00 | تقارير
الحديث عن فكرة تأسيس أحزاب جديدة من رحم النهضة انتقل إلى منابر الإعلام في سابقة هي الأولى في تاريخ الحركة
حجم الخط

أزمة داخلية ربما هي الأكبر أو الأخطر التي تعيشها حركة النهضة التونسية منذ نشأتها قبل أكثر من 50 عاما، حيث تستمر موجة الاستقالات منذ مدة في صفوف قيادات الصف الأول للحركة التي تقود المشهد السياسي في البلاد بعد فوزها بالانتخابات التشريعية الأخيرة.

آخر استقالة مؤثرة وبارزة شهدتها الحركة تلك التي قدمها المستشار السياسي لرئيس النهضة، وزير الشؤون المحلية في الحكومة السابقة لطفي زيتون.

الخلافات داخل النهضة ليست بالأمر الجديد، لكن المختلف هذه المرة هو خروج الخلاف النهضاوي إلى العلن، حيث ارتفع منسوب الجدل والانتقاد وحتى تبادل الاتهامات إلى درجة غير مسبوقة، بالإضافة إلى انتقال الحديث عن فكرة تأسيس أحزاب جديدة من الكواليس إلى منابر الإعلام في سابقة هي الأولى في تاريخ الحركة.

هذه الأزمات والمشاكل المتتالية في الحزب الأول بتونس، ضاعفت من خشية مناصريها على أن يصيبها ما أصاب غيرها من الأحزاب التي عاشت حالات انشقاق وانقسام أدت إلى أفول نجمها وغيابها نهائيا من المشهد السياسي في تونس.

الأخبار الواردة من النهضة ومحيطها ترجح مثل هذه التوقعات، في ظل استمرار أزمة انعقاد المؤتمر الـ11 للحزب، ومعضلة التمديد لرئيس الحزب راشد الغنوشي، وسط تمسك عدد كبير من القيادات برفض تعديل القانون الأساسي للحركة.

استقالات واتهامات

في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أكد لطفي زيتون أنه قدم استقالته من عضوية مجلس شورى الحركة ومن لجنة إعداد المؤتمر الحادي عشر، كما أشار إلى أنه اعتذر عن رئاسة المكتب السياسي للحركة، بعد ترشيحه من قبل الغنوشي الذي ينوي إدخال مجموعة من التعديلات على المكتب التنفيذي للحزب.

وأشار زيتون في تصريحات لإذاعة موزاييك إلى أن حركة النهضة "تعيش منعرجا خطيرا وعليها أن تهتم بالمشاكل الحقيقية للتونسيين لا بمشاكل لا تخص الشعب في شيء".

وتابع القيادي المستقيل أن الصراع التنظيمي داخل الحركة على أشده، وأن الحزب مشغول تماما بقضية رئاسة الغنوشي للحركة، كما اعتبر الوزير السابق أنه لا يرى النھضة ھي المكان الطبيعي الذي يمكن أن يتقدم بالبلاد نحو الأفضل وهي على هذا الشكل.

وأضاف زیتون أن الحركة ارتكبت عدة أخطاء سیاسیة بینھا إضاعة فرصة تشكيل الحكومة الأولى بعد انتخابات 2019، من خلال سوء اختيار الشخصية التي تقودها (الحبيب الجملي)، وكذلك موافقة الحركة على الإطاحة بحكومة إلياس الفخفاخ.

زيتون الذي لم يعبّر بعد عن موقف واضح من القضية التي تشق حركة النهضة إلى نصفين (التمديد لرئيس الحركة)، معروف قربه الشديد من الغنوشي لدرجة وصف البعض بأنه "صندوق أسراره"، وحتى في لحظات الخلاف القصوى احتفظ الرجل بمكانته ونجح في استعادة موقعه سريعا.

رفض زيتون ترشيح النهضة عبد الفتاح مورو لخوض سباق الانتخابات الرئاسية الأخيرة، معلنا حينها دعمه لترشح وزير الدفاع السابق عبد الكريم الزبيدي المؤيد من قبل حزب نداء تونس حينها.

مستشار الغنوشي

لطفي زيتون في الأصل إعلامي وناشط سياسي منذ فترة مبكرة من عمره، وهو كذلك باحث متخصص في الدراسات السياسية والتاريخ، ويعتبر من أبرز القيادات داخل حركة النهضة.

عمل زيتون بين عامي 1993 و 2006 كمدير مكتب الغنوشي في لندن، كما عمل لاحقا مستشارا سياسيا له بعد عودتهما إلى تونس بعد العام 2011، وشغل أيضا المنصب نفسه لدى رئيس الحكومة السابق حمّادي الجبالي، كما شغل منصب وزير الشؤون المحلية في حكومة إلياس الفخفاخ.

واعتبر زيتون أحد كبار منظري التوافق بين حركة نداء تونس التي تمثل النظام القديم والإسلاميين في تونس ممثلين في حركة النهضة، وكان مقربا أيضا من الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حيث تم تداول اسمه كأحد المرشحين لشغل منصب مستشار لديه.

كثير من المراقبين يرفض أن تكون استقالة زيتون في سياق الغضب المتصاعد في أوساط حركة النهضة والانتقادات المتتالية لأداء الغنوشي وأهمها إصراره للترشح لولاية جديدة على رأس الحركة مع تعطيل إجراء المؤتمر العام للحركة في موعده المحددة قبل نهاية العام 2020، حسب تعبير عدد من القيادات التي عبّرت عنها في رسالة موجهة للغنوشي عرفت برسالة الـ100.

أول الردود على هذه الاستقالة جاءت من القيادي بالنهضة والوزير السابق عماد الحمامي، أحد الموقعين على رسالة  الـ100، حيث قال في مداخلة على إذاعة "ماد أف أم" 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2020: إنه يحترم قرار زيتون، مستنكرا في المقابل تصريحاته التي أدلى بها بعد استقالته، معتبرا أن ما ينتقده زيتون في الإعلام الآن كان يمارسه قبل استقالته داخل الحركة، مذكرا بأنه مستشار الغنوشي لسنوات.

حزب جديد

استقالة زيتون ليست الأولى في الحركة، كما أنها ليست الأكبر حجما في صفوف قيادات النهضة، حيث سبق وأن استقال رئيس الحكومة السابق والأمين العام للحركة حمادي الجبالي عام 2013.

كما استقال نائب رئيس الحركة والقيادي البارز الذي مسك لسنوات طويلة الملفات الداخلية للحركة عبد الحميد الجلاصي وكذلك أعلن المرشح الرئاسي السابق ورئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) بالإنابة وأحد مؤسسي الحركة عبد الفتاح مورو حين قرر اعتزال العمل السياسي بعد خسارته الانتخابات الرئاسية.

إلا أن لطفي زيتون عبّر هذه المرة علنا عن توجهه نحو تأسيس حزب سياسي، ولم يتوسع كثيرا في الحديث عنه، إلا أن مصادر مقربة من القيادي المستقيل أكدت تواصله مع عدد من السياسيين في مقدمتهم وزير الدفاع السابق عبد الكريم الزبيدي من أجل المشاركة في تأسيس حزب جديد.

نفس المصدر أكد لـ"الاستقلال" أن "لطفي زيتون يتوجه من أجل تجميع قيادات سياسية متحزبة ومستقلة من مختلف المدارس الفكرية وتجتمع حول مشروع الدولة الوطنية والمصالحة الشاملة بين التونسيين وإنهاء كافة صراعات الماضي من بينها الملاحقة القضائية لرموز نظام ابن علي".

في الوقت نفسه دشن كذلك القيادي المستقيل من الحركة عبد الحميد الجلاصي مشاورات واسعة قد تصل به إلى تأسيس حزب سياسي جديد.

ويبدو أن الجلاصي الذي كان له لسنوات الدور الأبرز بحركة النهضة والمسؤول على ترتيب صفوف التنظيم، لا يراهن فقط على قيادات النهضة المستقيلين ومنخرطيها في مشروعه السياسي الجديد، حيث يسعى للتواصل مع شخصيات وطنية تشترك في الدفاع عن قيم الثورة والديمقراطية في تونس.

الجلاصي عبر خلال تصريحات لإذاعة "راديو ماد" عن حزنه من أن تلقى حركة النهضة مصير حركة "نداء تونس" بسبب طموحات وصفها بالشخصية لبعض الأفراد، وإصرار على التعنت وعدم احترام القانون داخلها، داعيا رئيس الغنوشي إلى الإبقاء على رصيده التاريخي والسياسي في الحزب، وأن يعي بأن معركة التمديد في ولايته خاسرة أخلاقيا وسياسيا".

المحلل السياسي التونسي بولبابة سالم يرى أن "الاستقالات الجديدة دليل على وجود أزمة حقيقية داخل النهضة، وهناك حسابات وطموحات تسبق كل مؤتمر في جميع الأحزاب".

وفي حديث لـ"الاستقلال" قال سالم: "بعض المستقيلين يريدون موقفا واضحا من الغنوشي قبل المؤتمر باحترام القانون الداخلي وإعلان انسحابه، إلا أن الغنوشي يتمسك إلى اليوم بمقولة إن المؤتمر سيد نفسه، لكنني أعتقد أنه في النهاية سيحترم القانون الداخلي".

وأضاف: "لا ننسى خبرة الغنوشي السياسية ودهاءه، وهو يتابع جيدا التفصيلات التي تخص أصحاب هذه الدعاوى، أما عن تشقق النهضة، فهذا الأمر حسب ظني صعب جدا لأن قوة النهضة في صلابة قواعدها وتماسكهم وارتباطهم بالحركة التي جمعتهم لعقود، لذلك فإن تشكيل المستقيلين لأحزاب جديدة يبدو صعبا جدا في هذه المرحلة".

نداء تونس

حزب "حركة نداء تونس" أسسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي عام 2012، وفاز عام 2014 بالانتخابات التشريعية والرئاسية مهيمنا على الساحة السياسية، إلا أن هذا الحزب الكبير والقوي لم يصمد طويلا.

بدأت أولى الانشقاقات منه بعد استقالة الأمين العام للحزب ومستشار رئيس الجمهورية محسن مرزوق الذي أسس بدوره حركة مشروع تونس عام 2016، تبعه انشقاق حزب "بني وطني" بقيادة الوزير السابق سعيد العايدي في نفس العام، كما أسس مدير ديوان الرئيس قائد السبسي رضا بالحاج حزب "تونس أولا"، بعد استقالته من مهامه في الرئاسة والحزب الحاكم حينها.

الانشقاق الكبير في حزب الرئيس السبسي قاده رئيس الحكومة حينها يوسف الشاهد بعد خلاف حاد مع رئيس الجمهورية ليؤسس نهاية عام 2018 حركة "تحيا تونس"، الذي حصد 10 مقاعد في برلمان 2019 بينما لم يتمكن حزب "نداء تونس" من الحصول سوى على 4 مقاعد فقط.


تحميل

المصادر:

1

لطفي زيتون ضيف الماتينال

2

لطفي زيتون ‘’تونس أهم من النهضة ‘’

3

نداء تونس.. من الفائز الأكبر في 2014 إلى الانهيار الكبير في 2019

4

عبد الحميد الجلاصي : حركة النهضة تلميذ متوسط في قسم كسول

كلمات مفتاحية :

تونس حركة النهضة راشد الغنوشي لطفي زيتون