Wednesday 03 March, 2021

صحيفة الاستقلال

ولاية ترامب.. نتائج عكسية مع إيران وتركيا وتفاقم الصراعات العربية

منذ 2020/10/15 12:10:00 | ترجمات
حظيت سياسات ترامب ثناء محسوبا في جهات غير متوقعة
حجم الخط

قالت صحيفة نيويورك تايمز: إن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط حققت اختراقات مهمة، لكنها قضت في المقابل على أي فرصة لحل أبرز الملفات العالقة في المنطقة.

وأوضح تقرير للصحيفة الأميركية أن ترامب نقل سفارة بلاده في إسرائيل إلى القدس المحتلة، رغم تحذير أولئك الذين قالوا إن هذه الخطوة ستشعل النار في العالم الإسلامي، وانسحب من الاتفاق النووي الإيراني وأمر بقتل قائد عسكري إيراني كبير، متحديا أولئك الذين قالوا إن هذه التحركات ستؤدي إلى حرب.

كما توسط ترامب في معاهدات بين إسرائيل ودولتين عربيتين، داحضا فكرة من يقول بأن مثل هذه الصفقات يمكن أن تأتي فقط في حال إنشاء دولة فلسطينية.

وضاعفت المعاهدات العربية مع إسرائيل عدد دول المنطقة التي لها علاقات مع إسرائيل. وأدى مقتل القائد الإيراني اللواء قاسم سليماني إلى تصفية زعيم شبكة مليشيات خطيرة. وكان نقل السفارة، عن صواب أو خطأ، تنفيذا لخطوة تراجعت عن تطبيقها الإدارات السابقة.

لكن الخطوات الجريئة غالبا ما كانت لها عيوب كبيرة حيث استأنف الإيرانيون مشروعهم النووي، فيما يعتقد الخبراء أن لديهم ما يكفي من المواد النووية لصنع قنبلة. كما أدى مقتل سليماني إلى إفشال أي فرصة للتفاوض على اتفاق نووي أفضل مع إيران، على الأقل في الوقت الحالي.

وبدت فرص حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعيدة أكثر من أي وقت مضى، ولم تحصل الهدية المنتظرة لإسرائيل بتطبيع السعودية العلاقات معها، حتى الآن. 

ويشير التقرير أن ترامب تعامل مع المنطقة كرجل أعمال أكثر من كونه سياسيا، حيث كان يضغط بالتناوب على الخصوم ويقدم الإغراءات الاقتصادية، لكنه يقضي على كل الفرص حيث وجدها.

ومن اللافت للنظر أن هذا النهج قد أتى بثمار لم تحققها المقاربة الدبلوماسية الأكثر إستراتيجية للرؤساء الأميركيين السابقين، لكنها فشلت أيضا في إقناع الفلسطينيين بالتنازل عن تطلعاتهم الوطنية والإيرانيين بشأن أيديولوجيتهم.

إستراتيجية مفقودة

في هذا السياق يقول النقاد: إن ترامب، الذي يفتقر إلى إستراتيجية شاملة للمنطقة، أخطأ كثيرا، مما سمح لتركيا بمهاجمة شركاء الولايات المتحدة المتمثلين بالأكراد في سوريا.

كما زاد ترامب من الخلاف بين حلفاء الخليج، الأمر الذي أعاق احتواء إيران. وأدى تركيزه الكبير على مساعدة إسرائيل وإيذاء طهران إلى تراجع التدخل الأميركي في النزاعات الدموية في سوريا واليمن وليبيا، وهو ما زاد من تفاقم هذه الصراعات.

وفي إحدى المقابلات، قال جاريد كوشنر، صهر ترامب وكبير مستشاري سياسة الشرق الأوسط: إن الإدارة سعت إلى خلق "استقرار أساسي"، جزئي من خلال تشجيع قبول الدول العربية لإسرائيل لمحاصرة "الإرهاب" والتقليل من المخاطر التي يتعرض لها الجنود الأميركيون، ويضع المنطقة "على الطريق المؤدي إلى وضع أكثر استقرارا".

وتابع كوشنر: أن الرئيس ترامب "اتخذ مقاربة براغماتية تتمثل في تحديد الأهداف التي نريد الذهاب إليها، ثم العمل بجد لتحريك الأمور نحوها". ومن أهم أهداف ترامب الطموحة: هزيمة المتطرفين، وإخضاع إيران، وتحقيق ما أسماه "الصفقة النهائية" بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وخلال ولاية ترامب، خسر تنظيم الدولة نفوذه وأصبحت الهجمات التي يشنها أنصاره، والتي كانت تخيف الغرب في السابق نادرة، وذلك على الرغم من أن التنظيم لا يزال يمثل تهديدا قويا، حيث شن هجمات مميتة متكررة في العراق وسوريا وغرب إفريقيا.

لكن الأهداف الأخرى لترامب استعصت إلى حد كبير، حيث رفض الفلسطينيون "اتفاق السلام" رعاه ترامب ويبدو أن احتمالية إنعاشه بعيد المنال.

واستأنفت إيران تخصيب اليورانيوم، كنتيجة مباشرة لانسحاب الرئيس الأميركي من الاتفاق النووي، الأمر الذي جعلها أقرب إلى القدرة على صنع قنبلة، فيما تواصل المليشيات المتحالفة معها قصف سفارة الولايات المتحدة في بغداد بالصواريخ.

كما أعطى ترامب الأولوية لمبيعات الأسلحة التي تهدد حقوق الإنسان في أكثر من مكان، حيث وقف إلى جانب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بعد أن قتل عملاؤه الكاتب المعارض جمال خاشقجي وشن حربا كارثية في اليمن. 

وتعطي خطة ترامب لبيع طائرات F-35 المقاتلة الشبح إلى الإمارات العربية المتحدة علامات على بدء سباق تسلح إقليمي جديد.

ويقول منتقدو سياسة ترامب: إن تركيزه على عقد الصفقات قد تجاهل كل المشاكل باستثناء المصادر الاقتصادية للعديد من أزمات المنطقة.

وفي هذا السياق قالت لينا الخطيب، الخبيرة في شؤون المنطقة في تشاتام هاوس، وهي مجموعة بحثية بلندن: "الشرق الأوسط ليس سوقا، ومحاولة حل أزماته من خلال التعامل بهذه الطريقة، ببساطة لا يجدي".

السلام الميت

كان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أكثر ساحات المعارك التي ترك فيها ترامب بصمة كبيرة حيث تجاهل مطالب الفلسطينيين واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى هناك.

وفيما كانت الانتفاضة الفلسطينية محدودة تجاه هذه التحركات ، قطع ترامب التمويل عن الفلسطينيين وطرد دبلوماسييهم من واشنطن وأغلق القنصلية الأميركية في القدس المحتلة.

وعندما ظهرت "رؤية السلام" التي طال انتظارها في كانون الثاني/يناير، بدا الأمر وكأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد صاغها، متجاهلا المطالب الفلسطينية الرئيسية وشجع على ضم إسرائيل لأراضي الضفة الغربية المحتلة، لذلك رفضها الفلسطينيون بأشد العبارات.

وتوقف الضم وسط معارضة سياسية إسرائيلية، لكنه خلق فرصة لاتفاق أساسه: في مقابل "تعليق" إسرائيل للضم، تطبع الإمارات العربية المتحدة علاقاتها مع تل أبيب، قبل أن تتبعتها مملكة البحرين.

وكان دافع الإمارات العربية المتحدة للارتماء في أحضان إسرائيل تراجع التزام إدارة ترامب بالمنطقة، خاصة بعد رفضها الرد على إيران بعد هجومها على منشآت النفط السعودية في العام 2019.

في ذات السياق قال مارتن إنديك مبعوث الولايات المتحدة السابق لمحادثات السلام: "كان الإماراتيون يبحثون عمن يمكنهم الاعتماد عليه، وكان الجواب الواضح هو أقوى جيش في المنطقة".

أما بالنسبة للفلسطينيين، ربما كان هذا هو الإجراء الأكثر قسوة، فقد اعتمدت إستراتيجيتهم للضغط على إسرائيل على التضامن العربي لحرمان "تل أبيب" من القبول الذي تتوق إليه.

ويشير التقرير إلى أن إدارة ترامب عملت على تحويل المنتج الفاشل إلى ثروة تسويقية، حيث أكد ديفيد فريدمان السفير الأميركي في إسرائيل "لقد كنا أذكياء وانتهازيين".

علاوة على ذلك، أكد كوشنر أن الصفقات مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين ستجبر الفلسطينيين في النهاية على العودة لطاولة المفاوضات حيث قال: "سيكونون أقوياء فقط طالما لديهم الموارد"، لكن قلة فقط يتوقعون أن تكون خطة ترامب للسلام أساسا لأي محادثات مستقبلية.

ويشير مايكل هيرزوغ، مفاوض السلام المخضرم والزميل في معهد سياسة الشرق الأدنى: "إذا كانت لديك معايير تدعمها إسرائيل فقط، ويرفضها الفلسطينيون والعرب والأوروبيون وما إلى ذلك، فمن المحتمل ألا تصمد لفترة طويلة". 

أقصى ضغط 

ركز ترامب الكثير من اهتمامه على إيران التي وصفها بأنها أكبر مصدر لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال دعمها لشبكة من المليشيات النشطة في جميع أنحاء العالم العربي.

وفيما سعى الرئيس السابق باراك أوباما لإغراء إيران بوعود تخفيف العقوبات والانفتاح على الدول الغربية، وهو نهج أدى إلى اتفاق دولي للحد من برنامجها النووي، أعلن ترامب أن الصفقة فشلت بسبب عدم تراجع طهران عن برنامجها الصاروخي وسلوكها العدواني، لينسحب من الاتفاقية ويشن حملة "أقصى ضغط" التي تهدف إلى تقييد الموارد المالية الإيرانية.

وقد أدى هذا النهج إلى نفور الحلفاء الغربيين من واشنطن، لكنه نال استحسان ترامب لدى إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، خصوم إيران الذين استاؤوا من مفاوضات أوباما مع طهران.

 في هذا السياق قال عبد الخالق عبد الله  أستاذ العلوم السياسية الإماراتي: "أظهرنا لإيران العصا الكبيرة التي كانت مطلوبة".

وأدت حملة الضغط - بما في ذلك العقوبات على مبيعات النفط الإيرانية والمعاملات المالية - إلى خنق الاقتصاد الإيراني، حيث انخفضت العملة بنحو 50 ٪ مقابل الدولار في سبتمبر/أيلول 2020. وقد تحدث المسؤولون الإيرانيون بصراحة عن المحنة لكنهم ظلوا رافضين لأي حوار مع ترامب.

وقال والي نصر الخبير في شؤون إيران والمستشار السابق في وزارة الخارجية: "لم يحصل (ترامب) على اتفاق ولم يغير النظام ولم يجعل إيران تنسحب من المنطقة وقوض المعتدلين في طهران".

إلى ذلك يقول ترامب وحلفاؤه: إن هذه الإستراتيجية قللت من التهديد الإيراني من خلال إضعاف قدرة طهران على تمويل المليشيات في العراق وسوريا وجماعة حزب الله المسلحة في لبنان والحوثيين في اليمن.

وقال وزير الخارجية مايك بومبيو في مقابلة: "تم حرمان طهران من هذه الأموال والموارد لتجنب مزيد من الهجمات الإرهابية". كما خففت إيران من نشاطها "الاستفزازي" في الخليج العربي في الأشهر الأخيرة، حيث أكد مسؤولو الإدارة الأميركية أن هذا التطور نتيجة مباشرة للضغط الأميركي. 

مع ذلك، يقول السياسيون الإيرانيون: إن ذلك يعكس مخاوف طهران من أن الصراع لن يساعد إلا ترامب على الفوز بولاية ثانية. 

إلا أن كوشنر أكد أن سياسات ترامب أعطت الولايات المتحدة موقفا تفاوضيا قويا، مضيفا: أن "الهدف لم يكن عقد صفقة، بل محاولة ترتيب الطاولة لعقد صفقة جيدة".

لكن مثل هذه المحادثات تبدو بعيدة المنال حيث قال سياسيون إيرانيون: إن مقتل سليماني سيمنع قادة البلاد من التفاوض مع ترامب. وفي هذا السياق قال إبراهيم أصغر زاده، وهو سياسي إصلاحي: "حتى لو أعيد انتخابه، فسيكون ذلك مستحيلا".

ورغم ذلك لا تزال شبكة المليشيات الإيرانية نشطة، وبرنامجها النووي قيد التشغيل، ويقترب بسرعة من القدرة على صنع قنبلة. 

تغيير الحسابات

بغض النظر عمن سيفوز في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، فقد أحدث ترامب تغييرات في الشرق الأوسط يجب أن تأخذها الإدارة المقبلة في الاعتبار. 

ويمكن أن يستمر الزخم نحو اتفاقيات التطبيع، مع انضمام السعودية التي تحسن موقفها تجاه إسرائيل في عهد ولي العهد محمد، باعتبارها أكبر جائزة محتملة بتل أبيب.

 وتقول الصحيفة: "يمكن للإدارة الأميركية المستقبلية أن تستخدم هذا الإغراء للضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات تجاه الفلسطينيين، لكن هناك قلق كبير في إسرائيل بشأن ردة فعل الفلسطينيين على التخلي عنهم من العالم العربي".

وقد يكون لمعاملات ترامب حدود أيضا، فقد رفض قادة السودان الجدد حتى الآن تطبيع العلاقات مع إسرائيل على الرغم من الحوافز المالية الكبيرة لأن القيام بذلك سيتركهم "منبوذين أخلاقيا" أمام الشعب السوداني، كما قال عوفر زالزبرغ، مدير معهد كيلمان للتحول التفاعلي للنزاعات.

مع ذلك، فقد حظيت سياسات ترامب ثناء محسوبا في جهات غير متوقعة حيث قالت إيمي هوثورن، نائبة مدير الأبحاث في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط: "يزيل ذلك الأوهام التي اقتنع بها بعض الناس بأننا اعتدنا أن نكون قوة من أجل الخير".

وقال روبرت مالي رئيسة مجموعة الأزمات الدولية والمسؤولة السابقة البارزة في إدارة أوباما لشؤون الشرق الأوسط: إن سجل ترامب يحمل درسا واحدا على الأقل "قد لا يحب البعض ما نقوم به لكن إذا كان من مصلحتنا القيام بذلك، فنحن بحاجة فقط للمضي قدما".


تحميل

المصادر:

1

For Trump, Defying Mideast Truisms Produced Breakthroughs and Backfires

كلمات مفتاحية :

إسرائيل الإمارات التطبيع العربي السعودية النووي الإيراني الولايات المتحدة الأميركية انتخابات أميركا 2020 دونالد ترامب فلسطين