Thursday 29 October, 2020

صحيفة الاستقلال

إبراهيم الحمدي.. الرئيس الذي عرقل اغتياله وحدة اليمن 13 عاما

منذ 2020/10/12 20:10:00 | شخصيات
الرئيس إبراهيم الحمدي كان يعمل من أجل إعلان مشروع الوحدة اليمنية لكنه كان مقتنعا بأن تكون عبر خطوات تدريجية ومدروسة
حجم الخط

11 أكتوبر/تشرين الأول 2020 هو الذكرى الـ43 لاغتيال رئيس اليمن الأسبق إبراهيم الحمدي في صنعاء عام 1977، قبل أشهر قلائل من تحقيق الوحدة اليمنية إثر توقيع اتفاق قعطبة التاريخي.

ورغم أن إعادة تحقيق الوحدة بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي تمت في 1990 أي في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح، إلا أن إبراهيم الحمدي كان قد أسس مداميك هذا المشروع وقطع خطوات مبكرة نحو تحقيق هذا الهدف بالتنسيق والاتفاق مع رئيس الشطر الجنوبي حينها الرئيس سالم ربيع علي.

في 11 فبراير/شباط 1977، تم توقيع اتفاق قعطبة التاريخي، بين الرئيسين إبراهيم الحمدي وسالم ربيع علي، لإقامة مجلس أعلى مشترك، يضم الرئيسين ووزراء الدفاع والخارجية والاقتصاد والتخطيط، لمتابعة كافة القضايا الحدودية التي تهم الشعب اليمني، وتنسيق الجهود في كافة المجالات، بما في ذلك السياسية الخارجية.

كان ذلك تمهيدا لإعلان الوحدة، وكان يفترض أن تفصل أشهر قليلة عن إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، إلا أن اغتيال الحمدي شكل إعاقة لهذا المشروع وأخره لأكثر من 13 عاما، كما أسهمت تصفية رئيس الشطر الجنوبي في تأخير وعرقلة مشروع الوحدة اليمنية.

خلافات حدودية

كان الشطران الشمالي والجنوبي يشهدان توترا واحتقانا سياسيا بسبب عدة ملفات، منها خلافات حدودية بين الشطرين أدت إلى اندلاع مواجهات عسكرية في المناطق الحدودية بين البلدين في سبتمبر/أيلول 1972، إلا أن الحمدي تمكن من صهر جليد الخلافات بين الشطرين.

ومع أن الحمدي كان يعمل من أجل إعلان مشروع الوحدة، إلا أنه كان يرى أن الوحدة يجب أن تكون عبر خطوات تدريجية ومدروسة، وهو ما كان يعمل عليه ويصرح به في لقاءاته وتصريحاته الصحفية.

في يناير/كانون الثاني 1977، أكد في تصريح صحفي على ضرورة تحقيق الوحدة وبخطوات مدروسة، وهو الأمر الذي يخالف ما انتهجه صالح بإعلان الوحدة الكاملة بدون تدرج، فتسبب باندلاع حرب بين الشطرين بعد 4 سنوات فقط من إعلان الوحدة.

السعودية كانت تعارض قيام الوحدة وترى فيها قوة لليمن وتهديدا إستراتيجيا لها، فكانت تزعجها تحركات الحمدي، وهو ما دفع البعض لاتهام السعودية بالوقوف وراء اغتياله.

تنمية اقتصادية

رغم توليه الرئاسة لنحو 3 سنوات و4 أشهر فقط، إلا أن فترته شهدت تحولات تنموية كبرى في المجال الاقتصادي والتنموي، حيث أجرى الحمدي حزمة واسعة من الإصلاحات التي أسهمت بتحقيق قدر عال من الاستقرار الاقتصادي، وارتفاع معدل التنمية في اليمن، وتغيرت فيها الأرقام والمؤشرات الاقتصادية بشكل إيجابي على نحو متسارع.

قفزت اليمن من الترتيب الأخير في قائمة الدول النامية إلى واحدة من 10 دول هي الأسرع نموا في العالم، وفق تقارير البنك المركزي اليمني.

تقارير البنك المركزي اليمني خلال الفترة من 1974 ـ 1977، أشارت إلى أن الناتج المحلي الإجمالي حقق نسبة نمو بلغت من 56.1% عام 1977، بزيادة تبلغ 130% عن عام 1974، والذي كانت نسبة النمو فيه 21.5%، قبل تولي الحمدي الحكم.

ارتفعت نسبة السيولة في التداول المالي خلال فترة حكم الحمدي، من 25.6%  إلى 67.3%، وحقق ميزان الخدمات معدلات كبيرة وصلت إلى 4 مليارات و457.3 مليون ريال، بعد أن كانت 727.7 مليون ريال عام 1974.

وتبعا لذلك، حقق الميزان التجاري تحولا من عجز بمقدار بـ83.7 مليونا إلى زيادة بمقدار مليار و472.7 مليونا عام 1977، وانتهج الحمدي سياسة الانفتاح على الأسواق العالمية الأخرى، فقفزت حوالات المغتربين من 564 مليون ريال إلى 4 مليارات ريال.

ولم يكن تمويل الخطة معتمدا على القروض والمنح والمساعدات الخارجية، بل كان تمويلها محليا، بحسب خطاب شهير له عام 1975.

ابن القاضي

ولد الحمدي في 30 سبتمبر/أيلول 1943 في مدينة قعطبة التي كانت تعد حينها تابعة لمدينة إب، غير أنه من ريدة بمحافظة عمران، ينحدر من قبيلة بني السريحي التابعة لخولان، وكان يتنقل مع والده الذي عمل قاضيا في كل من ثلاء وذمار، ثم حاكما شرعيا في قعطبة.

تعلم الحمدي على يد أبيه القاضي محمد الحمدي مبادئ العلوم الشرعية واللغوية، وحفظ القرآن في سن مبكرة، ثم درس الابتدائية والإعدادية في المدارس والمعاهد في مدينة ذمار وسط اليمن.

درس الحمدي الثانوية في مدينة صنعاء، ودخل بعد ذلك كلية الطيران عام 1959، لكنه لم يكمل دراسته فيها، وعاد ليساعد والده في القضاء بين المتخاصمين في تلك الفترة، لتندلع بعدها ثورة 1962، وينخرط بالقتال في صفوف الثورة وينشغل عن الدراسة.

عقب ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 تولى الحمدي قيادة قوات الصاعقة، وهو في بداية العشرينيات من عمره، وترقى في المناصب العسكرية والقيادية حتى أصبح قائدا لقوات الاحتياط وقوات العاصفة.

وفي عام 1972 أصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الداخلية، ثم نائبا للقائد العام للقوات المسلحة في ذات العام، وهو الأمر الذي مكنه من إجراء الحركة التصحيحية التي أطاحت بالرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني، الذي كان يوصف بالرئيس الضعيف.

كان المقدم إبراهيم الحمدي قائدا عسكريا محنكا ثم سياسيا يمنينا، تزعم حركة 13 يوليو/تموز التصحيحية عام 1974، وأعاد ثورة سبتمبر 1962 لمسارها، بعد أن كانت المؤسسة العسكرية قد اخترقت من قبل القبائل الموالين للمملكة العربية السعودية، وانعكس ذلك على أداء المؤسسات اليمنية بشكل سلبي.

حظي الرئيس الحمدي بكايرزما عالية، كان مقنعا في خطابه وأدائه، وحظي باحترام كثير من اليمنيين، وشكل اغتياله صدمة كبيرة لعدد واسع من اليمنيين، الذين كانوا يعقدون عليه آمالا بإنقاذ سفينة اليمن التي كانت مهددة بالغرق جراء الثورة المضادة التي استمرت لنحو 7 سنوات بزعامة البدر بن أحمد حميد الدين ودعم كامل من المملكة العربية السعودية.

لغز الاغتيال

في واقع الأمر ما يزال اغتيال الحمدي لغزا كبيرا، إلا أن وثائق وشهادات تشير إلى أن السعودية متورطة بشكل أساسي في عملية اغتياله، عبر أدواتها وأذرعها في اليمن، وذلك لتحركاته باتجاه الوحدة مع الجنوب وأنشطته في المنطقة العربية.

تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأسبق حسين الغشمي بالإضافة إلى الرئيس السابق علي عبد الله صالح، كانا من أبرز من تشار إليهما التهمة في حادثة اغتيال الحمدي.

اغتيال الحمدي تم في منزل الرئيس الأسبق حسين الغشمي، حينما دعي إبراهيم الحمدي وأخوه عبد الله لتناول الغداء بمعية عدد من الضباط وسياسيي الدولة من بينهم الرئيس السابق صالح.

عقب الاغتيال تم نقل جثتي الحمدي وأخيه إلى منزل في منطقة حدة وسط صنعاء، ووضعت بجانبهما جثتان لشابتين فرنسيتين لتخريج القصة وكأنهما سقطا في حادثة أخلاقية، غير أن هذه التخريجة لم تقنع اليمنيين.

"الغداء الأخير"

وبثت قناة الجزيرة فيلما بعنوان "الغداء الأخير"، ذكرت فيه محورا عن كواليس اغتيال الحمدي ونقلت في أجزاء منه عن مجاهد القهالي الذي عمل قائدا عسكريا في فترة الحمدي قائلا: "قضية الوحدة كانت ضمن الأسباب التي أدت إلى اغتيال الحمدي".

القهالي أضاف: أن "السعودية كانت تضغط على الغشمي ألا يترك الحمدي يزور عدن. كان همهم ألا يذهب الحمدي إلى عدن، لا سيما وأنه (الحمدي) كان على وشك اتخاذ قرارات مهمة سوف تُحدِث تحولات كبيرة داخل اليمن والمنطقة بالاتفاق مع الرئيس سالم ربيع علي".

ونقلت مقابلات الجزيرة إفادة للسفير إدوارد غنيم التي قال فيها: "كان هناك اعتقاد واسع في اليمن وسمعته من أصدقائي اليمنيين بشكل خاص بأن عملية اغتيال الحمدي كانت بالأساس عملية أشرفت عليها السعودية باستخدام يمنيين يتقاضون رواتب منها بواسطة أشخاص يقومون بتنفيذ مهماتها، كان من بينهم بالطبع الغشمي وعلي عبد الله صالح الذي كان يعمل وقتها في الجيش بتعز".

ونقلت الجزيرة أيضا وثيقة أرسلتها السفارة الأميركية في 5 يناير/كانون الثاني 1978 وفيها: "مع أننا لا نعرف من يقف وراء اغتيال الحمدي، لكن ثمة اعتقاد راسخ منتشر على نطاق واسع في شمال اليمن يزعم بتورط السعودية في اغتيال الحمدي".

وسلط الفيلم الوثائقي الضوء على تليغراف أرسل في 2 يناير/كانون الثاني 1978 وفيه: "تود السفارة في صنعاء أن تفيدكم بأن رئيس الجمهورية العربية اليمنية إبراهيم الحمدي قد قُتل على يد زملائه الضباط. كما تود السفارة أن تشير إلى أن الغشمي لعب دورا في عملية الاغتيال، وأن علي عبد الله صالح كان أحد المشاركين في جريمة الاغتيال. وتضيف السفارة أن الدافع وراء الاغتيال يعود إلى تحسن علاقات الحمدي مع الجنوب وفتورها مع السعودية".

ذاكرة اليمنيين

رغم مرور أكثر من 4 عقود على رحيله، إلا أن الحمدي ظل حاضرا في وجدان اليمنيين وذاكرتهم الوطنية، وهو السر الذي أجاب عنه تقرير للسفارة البريطانية في اليمن أعدته عام 1975.

التقرير البريطاني قال: "حظي الحمدي بشعبية واسعة وسط اليمنيين باعتباره قائدا ناجحا في الحرب ورجلا يعتني بمن يعملون معه وقت السلم، وقد جعلت منه تلك الصفات صاحب كاريزما داخل القوات المسلحة اليمنية، كما وجد دعما من المجتمع خصوصا وسط العلماء المحافظين بوصفه رجلا ملتزما بتعاليم الدين.

يضيف التقرير: "إلى جانب ذلك، نال الحمدي إعجاب الطبقات والمناطق المحرومة، لثقتهم في أن تنفيذ وعوده في المساواة ستعود عليهم بالفائدة. وللسبب نفسه، حظي الحمدي بدعم الإصلاحيين البراغماتيين من تيار يسار الوسط، لكنه واجه معارضة من اليسار المتطرف لاعتقادهم بأن حكم الحمدي يعوق مشروعهم في الاستيلاء على الدولة".

ويتابع التقرير: "وبما أن الحمدي رجل صاحب عقل ثاقب ولديه موهبة في الذهاب مباشرة إلى جوهر المشكلات، فقد اعتبره الوزراء من ذوي التعليم الغربي، رجل دولة يمكن العمل تحت سلطته".


تحميل

المصادر:

1

إبراهيم الحمدي... حلم الدولة

2

تصفية حركات التصحيح بقيادة الحمدي¡ وسالمين جعلت

3

خواطر عن 13 يونيو 1974

4

في ذكرى حركة 13 يونيو التصحيحية.. لماذا يبحث اليمنيون عن “الحمدي”؟

5

قصة اغتيال الرئيس اليمني الحمدي.. مراجعة نقدية لفيلم “الغداء الأخير”

6

الرئيس الحمدي باني نهضة اليمن الأول ومؤسس دولته الحديثة

7

“الغداء الأخير”.. الدور الأسود للسعودية في تاريخ اليمن

8

إبراهيم الحمدي على موسوعة الويكيبديا

كلمات مفتاحية :

إبراهيم الحمدي اغتيال السعودية الوحدة اليمنية اليمن ثورة مضادة