Monday 26 October, 2020

صحيفة الاستقلال

للحد من طموح تركيا وتطويقها.. كيف يسعى ماكرون لاستمالة معسكر طهران؟

منذ 2020/09/27 08:09:00 | تقارير
ماكرون يسعى للاستفادة من الدور الإيراني والأنظمة التابعة لها في مواجهة الدور التركي المتعاظم بالمنطقة
حجم الخط

يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في طريقه لإحياء التحالف المنهار بين الغرب وإيران، بعد أن ضاعف من جهوده خلال الفترة الأخيرة، وأجرى زيارات لبيروت وبغداد وقابل مسؤولين من إقليم كردستان العراق.

بحسب مراقبين، فإن ماكرون يسعى للاستفادة من الدور الإيراني والأنظمة التابعة في مواجهة الدور التركي المتعاظم في المنطقة، ودفع تلك التنظيمات لفرض طوق على تركيا، وزرع ألغام في محيط الدولة التركية.

في زيارته الأخيرة لبيروت التي أجراها مطلع سبتمبر/أيلول 2020، أبدى ماكرون لغة مهادنة وتصالحية مع إيران والتنظيمات التابعة لها، حيث أكد على دور حزب الله المحوري في لبنان وبكونه جزءا من العملية السياسية لا يمكن تجاهله أو إغفاله وهو الأمر الذي لقي ارتياحا من قبل حزب الله ومن إيران أيضا.

الولايات المتحدة الأميركية لا ترحب بموقف فرنسا من التنظيمات التابعة لإيران، حيث قالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس عقب تصريح ماكرون الذي أطلقه في بيروت: بأن حزب الله ما زال يشكل تهديدا كبيرا بالرغم مما قاله ماكرون.

ورغم ذلك يسعى ماكرون لاستمالة المعسكر الإيراني لصالحه، خصوصا أن الرغبة الفرنسية في الحد من الطموح التركي تتقاطع مع الرغبة الإيرانية، لا سيما مع تزايد الدور التركي شمال سوريا وفي العراق، وهو الأمر الذي يدعو طهران لاستشعار الخطر على نحو أكبر.

تلك الجهود الفرنسية ليست حديثة، وإن كانت قد تضاعفت الآن مع تزايد النفوذ التركي في المنطقة، وفي 22 أغسطس/آب 2020، عرض ماكرون مقترحات بخصوص الأزمة في إيران تهدف لتخفيف العقوبات عليها، أو توفير آلية تعويض لتمكين الشعب الإيراني من العيش بطريقة أفضل، وهو ما رحبت به إيران وأبدت استعدادها لمناقشة مقترحات ماكرون بحسب تصريح لوزير الخارجية محمد جواد ظريف.

تطويق تركيا

في حديث للاستقلال يقول الكاتب والمحلل السياسي ياسين التميمي: "ماكرون تحركه دوافع العداء لتركيا، وهي للأسف دوافع استعمارية مختلطة بمشاعر دينية، وبموقف فرنسا التقليدي من تركيا ومن مساعيها للدخول في الاتحاد الأوروبي، لكن السبب الحالي هو أن فرنسا بدأت تشعر بالقلق حيال مصالحها في إفريقيا، خصوصا أن التحرك التركي الأخير في ليبيا وفي عواصم إفريقية أخرى بدأ يشعرها بالقلق".

يضيف التميمي: "فرنسا في واقع الأمر، لا تواجه نفوذا تركيا جديدا في المنطقة، بل تحاول أن تمنع أي تحرك آخر، خصوصا إذا كان هذا التحرك من تركيا، ففرنسا تورطت في حرب ليبيا، وفشلت في تحقيق أهدافها التي تشاركت بشأنها مع مصر والإمارات والسعودية وروسيا، فجاء التدخل التركي وعرّى فرنسا كدولة كبرى، في ليبيا وفي غيرها من المناطق، لهذا سعت فرنسا لإثارة مشاكل كبيرة عبر اليونان في شرق المتوسط".

ويتابع المحلل السياسي: "من ضمن مساعي الرئيس الفرنسي محاولة إحياء التحالف مع من يعتبرهم أعداء تقليديين، وهو يتتبع خطوط الصراع المذهبي التي حركت النزاعات في المنطقة لقرون من الزمن، الصراع السني الشيعي، لهذا عمل على إحياء ما كانت إدارة أوباما قد أقامته من تحالفات وعلاقات مع إيران، ومنحت إيران فرصة للعب بالعديد من القضايا والملفات مقابل حسم ما يسمى بالملف النووي، ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي".

يضيف التميمي: "لهذا ماكرون ذهب إلى بيروت وقدم نفسه كزعيم يستطيع أن يتصرف في المنطقة كدولة إقليمية كبرى، ثم انتقل مباشرة إلى العراق، وكان قد أرسل وزيرة الجيوش لمقابلة زعيم إقليم كردستان العراق، وهو يتحرك محاولا إحداث طوق حول تركيا، مع ملاحظة أن فرنسا هي من شجعت ووقفت وراء مخطط إقامة الدولة الكردية جنوب تركيا، هي تتبنى نزعة عدائية تجاه أنقرة، سواء تحركت تركيا في إفريقيا أم لم تتحرك".

المحلل السياسي يضيف: "باعتقادي فإن موقف فرنسا من تركيا مرتبط بصراع حضاري ديني، وله علاقة بصراع جديد بين الغرب والأمة الإسلامية التي تمثلها حاليا وبشكل حرفي تركيا".

وختم حديثه بالقول: "تركيا الآن هي الممثل الأخلاقي الحقيقي والمباشر للأمة الإسلامية، السنية تحديدا، لهذا ماكرون ذهب إلى العراق وتحاور مع نظام مهترئ في بغداد، محاولا ترميم جبهات متصدعة في كردستان، وكل هذا من أجل تطويق تركيا أو زرع الكثير من الألغام في محيطها".

دور "حزب الله"

ماكرون أجرى مطلع سبتمبر/أيلول 2020، زيارة لبيروت، هي الثانية له خلال أسبوع، ورغم حديثه عن الفساد إلا أنه تجاهل تماما سلاح حزب الله، بل وصف حزب الله اللبناني بأنه "منتخب وجزء من النظام السياسي اللبناني".

وحسب جريدة النهار اللبنانية نقلا عن الكاتبة منى فياض فإن ماكرون كان لدى زيارته لبيروت قد تجاهل سلاح مليشيا حزب الله، مضيفة: أن "ماكرون عمليا يساعد حزب الله المأزوم على تخطي تفجير 4 أغسطس / آب 2020، الإجرامي، كي يتفرغ لغسل يديه من دم بيروت".

ذلك الأمر كان قد لاقى ارتياحا كبيرا لدى الحزب، وكان لافتا أن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أبدى إيجابية إزاء حراك ماكرون، من دون أن يصنفه في إطار التدخل الخارجي في شؤون لبنان، بخلاف توصيفه لأي حراك أميركي مماثل".

وفق حديث أستاذ العلاقات الدولية في بيروت وباريس كريم بيطار لوكالة فرانس برس، فإن فرنسا "تعترف بتوازن القوى، أي أن حزب الله لاعب سياسي رئيسي وله حاضنة شعبية واسعة شيعيا، وهو موجود ليبقى"، بخلاف الموقف الأميركي الذي يرى أن  حزب الله يتمتع بنفوذ مفرط يجب احتواؤه في أسرع وقت يمكن.

تضيف فرانس برس، أن فرنسا تعد القوة الغربية الوحيدة التي تتواصل مباشرة مع حزب الله، موضحة أن "خطوط التواصل المباشرة بين باريس وحزب الله لطالما كانت مفتوحة، في وقت تنشغل فيه واشنطن باستحقاق الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020".

"وفي اللقاء الذي عقده ماكرون في بيروت مع ممثلي القوى السياسية التسع الأبرز كان يجيب على كل من تحدث عن سلاح حزب الله بأن يتركوا هذا الموضوع جانبا، وأن ذلك ليس وقته المناسب، وفي ذات اللقاء توجه ماكرون إلى محمد رعد، رئيس كتلة حزب الله في البرلمان، بالقول أنت تجلس صامتا فيما أنا أدافع عنك".

علاوة على ذلك، فإن طريقة تكليف مصطفى أديب تشكيل الحكومة اللبنانية أعطت مؤشرا حول كيفية تعاطي الفرنسيين مع هذا الملف، ففي الوقت الذي كان يشكو اللبنانيون من تدخل حزب الله في تشكيل الحكومة، باتت فرنسا ترسم مسارا سياسيا يحتم على الرئيس المكلف أن يأخذ موافقة حزب الله، في تحول أثار مخاوف من تسوية سياسية لصالح إيران على حساب اللبنانيين".

وبحسب "بي بي سي"، فإن البعض قد رأى أن زيارة ماكرون الأخيرة "تشتري وقتا" لإيران وحزب الله، وهو أمر تحتاجه طهران بقوة بسبب العقوبات الأميركية، فهو على ما يبدو يضمن للإيرانيين بقاء وتقوية حزب الله مقابل دعمهم له في مواجهته الكبرى.

استئناف الدعم

في 2 سبتمبر/أيلول 2020، أجرى ماكرون زيارة إلى العاصمة العراقية بغداد، والتقى الرئيس العراقي برهم صالح، ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بالإضافة إلى رئيس إقليم كردستان شمالي العراق نيجيرفان بارزاني، وقادة آخرين.

ووفق الأناضول، فقد ناقش اللقاء سبل دعم حكومة الكاظمي لمواجهة تحديات الأمن والاقتصاد وجائحة كورونا، بالإضافة إلى الحرب ضد "تنظيم الدولة".

وفي الزيارة أكد الرئيس الفرنسي في مؤتمر صحفي مشترك في بغداد مع نظيره العراقي برهم صالح "دعمه" للعراق أمام تحديات التدخل الأجنبي وتهديدات تنظيم الدولة".

وحسب قناة "فرانس 24"، فإن زيارة ماكرون، التي تعد أول زيارة لرئيس منذ تشكيل حكومة الكاظمي في مايو/أيار 2020، تعكس الرسالة التي حملها وزير خارجيته جان إيف لودريان لدى زيارته إلى العراق منتصف يوليو/تموز 2020، حين دعا بغداد إلى أن "تنأى بنفسها عن التوترات الإقليمية".

الجدير بالذكر أن وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس يارلي كانت قد أجرت زيارة لبغداد قبل زيارة ماكرون بحوالي أسبوع، وقابلت وأبدت استعدادها لاستئناف برنامج تدريب القوات العراقية.

ووفق فرانس 24، فإن بارلي تطرقت للحديث عن "التدخلات التركية" على الأراضي العراقية، خصوصا الضربات الجوية ضد حزب العمال الكردستاني (حركة التمرد الكردية التركية) في كردستان العراق.

وصرح مصدر في وزارة الجيوش الفرنسية لفرانس 24 بالقول: "انتقلنا إلى مستوى مقلق من المساس بالسيادة العراقية"، مؤكدا من جديد "دعم فرنسا الكامل للسيادة العراقية في إطار توازن إقليمي معقد".

بدا واضحا من خلال إعلان الدعم للقوات الكردية أن فرنسا تسعى لتعزيز الدور الكردي والتنظيمات الكردية في شمال العراق لمواجهة تركيا، والحد من نفوذها، وهو ذات الدور الذي تقوم به فرنسا من خلال دعم المليشيات التابعة لإيران في كل من لبنان والعراق.


تحميل

المصادر:

1

ماكرون يؤكد “دعمه” للعراق أمام تحديات التدخل الأجنبي وتهديدات تنظيم “الدولة الإسلامية”

2

ماكرون يصل بغداد في زيارة رسمية أول رئيس يزور العراق منذ تشكيل الحكومة الجديدة في مايو

3

رئيس إقليم كردستان العراق يزور بغداد للقاء ماكرون

4

لماذا تجاهل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سلاح حزب الله اللبناني؟

5

هل تصب زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى لبنان في مصلحة حزب الله وإيران؟

6

حزب الله نقطة خلاف باريس وواشنطن في مقاربة أزمة لبنان

7

ماكرون في المنطقة: لعب في الوقت الضائع وعين على إيران في لعبة المصالح

8

وزيرة الجيوش الفرنسية تزور العراق

9

فرنسا تندد بـ”التطور الخطير” في العراق وتطالب تركيا بتوضيح كامل

كلمات مفتاحية :

إيران إيمانويل ماكرون العراق بيروت تركيا تنظيم الدولة حزب الله فرنسا لبنان واشنطن