Friday 30 October, 2020

صحيفة الاستقلال

انكماش وبطالة وفقر.. هل تونس قادرة على طلب المزيد من القروض؟

منذ 2020/09/09 14:09:00 | تقارير
تونس بحاجة إلى الاقتراض ولكنها غير قادرة على ذلك
حجم الخط

كشف تقرير المعهد الوطني للإحصاء في تونس عن مؤشرات سلبية كبيرة وصادمة تعكس مدى تدني الوضع الاقتصادي، مما يحتم على صانعي القرار الالتفات نحو السياسات الاقتصادية ووضعها في إطار التصحيح والتطوير.

وتناول التقرير انكماش اقتصاد البلاد بنسبة 21.6 % في الربع الثاني من العام 2020 على أساس سنوي بسبب أزمة فيروس كورونا، كما ارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى 18% في نفس الفترة. 

وفي النصف الثاني من العام الحالي، هبط الناتج المحلي لتونس بنسبة 20.4% مقارنة بالأشهر الثلاثة الأولى من 2020.

وانخفضت إيرادات السياحة في الشهور الستة الأولى من العام الحالي بأكثر من 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2019، بعدما خلت منتجعات وفنادق تونس من السائحين الأجانب، في بلد يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على قطاع السياحة.

وتوقعت تونس أن تصل نسبة النمو خلال الربع الأول من العام نحو 0.5%، لكن المعدل تراجع إلى تصنيف سلبي في حدود 2.2-%.

وفي يوليو/تموز 2020، قال وزير المالية التونسي بالحكومة المستقيلة، محمد مزار يعيش: إن تكلفة أزمة كورونا في البلاد قاربت 1.76 مليار دولار، نظرا إلى تأثيرها الشديد على الاقتصاد، بينما زادت الفجوة المالية في موازنة البلاد إلى 2.8 مليار دولار خلال العام الجاري.

فيما رجح صندوق النقد أن ينكمش الاقتصاد التونسي بـ 4.3 % لعام 2020، إلا أن رئيس الحكومة المستقيلة توقع تجاوز نسبة الانكماش 6%.

اقتصاد هش

تأتي تلك المؤشرات نتيجة واقع مرير، حيث ارتفعت نسبة الفقر لدى الأطفال إلى 25 % بعد شهرين من الحجر الصحي الشامل مقابل نسبة بـ19 % من قبله، وفق ما أظهرته نتائج دراسة نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف تونس.

وأرجعت الدراسة ارتفاع معدل الفقر في أوساط الأطفال إلى تدهور المقدرة الشرائية لعائلاتهم، مشيرة الى أن معدل انخفاض القدرة الشرائية بلغ 7% لكنه يرتفع إلى نسبة 10% في أوساط الفقراء مقابل 5% فقط لدى الأغنياء.

وبحسب الخبير الاقتصادي، محمد صادق جبنون، فإن تونس مثل باقي الدول تعرضت لأزمة كوفيد 19 والتي كانت لها آثار قوية تبينت في حجم الانكماش الاقتصادي، مضيفا أنه قبل هذا الانكماش كانت هناك أزمة هيكلية نظرا لعدم تغير النموذج التنموي في هذه السنوات الأخيرة وعدم التحول لاقتصاد القيمة المضافة.

وأضاف جبنون، لـ"الاستقلال"، أن الاقتصاد التونسي فيه جانب من الهشاشة والضعف مما يجعله غير قادر على توفير العمل لطالبه، إضافة إلى صعوبة التمويل بالنسبة للمؤسسات وضغط الجباية المرتفع، مشيرا إلى أن كل هذه العوامل أتت معها أزمة كوفيد 19 لتزيد من حدتها ولتكشف نقاط الضعف هذه.

 وتابع: "الأهم هو نسبة البطالة التي تجاوزت الـ 18% في الأرقام الرسمية لترتفع النسبة العامة لأكثر من 21% دون احتساب الذين يعملون في القطاع الموازي ولا يتمتعون بالتغطية الاجتماعية".

بالإضافة إلى أن هنالك 61% من المؤسسات لا تستطيع الحصول على تمويلات من البنوك و35% من المؤسسات تفكر في تقليص العمالة أو التوقف عن النشاط نهائيا، وفق الخبير.

وتابع: "صندوق النقد الدولي أشار في تقريره الأخير الذي صدر في شهر يوليو/تموز 2020 بأن هذه الأزمة غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ 50 عاما نظرا لحدة تفشي كورونا".

وبالتالي هذه أزمة اقتصادية واجتماعية متجذرة وقوية أثرت على اقتصاد المنطقة والاقتصاد التونسي ليس استثناء، حيث فاقم من الأمر المشاكل الهيكلية الموجودة فيه أصلا حتى قبل 2011، وفق تعبيره.

وتطورت نسبة البطالة حسب الجنس إذ ارتفعت ثلاث نقاط بالنسبة للذكور لتبلغ 15.2 % خلال الثلاثي الثاني من سنة 2020 مقابل 12.3 % في الثلاثي الأول من السنة الجارية.

وفي صفوف الإناث ارتفعت نسبة البطالة من 22 % خلال الثلاثي الأول من السنة الجارية إلى حدود 25 % في الثلاثي الثاني من سنة 2020.

من جانبه يرى الخبير الاقتصادي، عز الدين سعيدان، أنه من الخطأ إرجاع أسباب تلك المؤشرات السلبية وحصرها في جائحة كورونا فقط، لأن وضع الاقتصاد التونسي وكل المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية كانت سيئة جدا حتى قبل تفشي الفيروس.

وبرر سعيدان ذلك لـ"الاستقلال" بأن نسبة النمو المسجلة في السداسي الثاني من سنة 2019 كانت صفرا ونسبة النمو المسجلة في الثلاثي الأول من هذه السنة قبل جائحة كورونا بلغت 2.2-%.

وأشار إلى أن السبب الأساسي لهذا الوضع الذي تعيشه تونس هو سوء إدارة الأزمة من الجانب الاقتصادي والمالي، لأن المؤسسة الاقتصادية بالخصوص والدولة أيضا كانت في أمس الحاجة في تلك الفترة الصعبة إلى السيولة الإضافية، "ولم يتوفر لها هذا مثل العديد من البلدان سواء كانت المتقدمة أو الصاعدة أو النامية برنامج إنقاذ وقت حدوث الجائحة".

أزمة اجتماعية

يأتي ذلك في ظل تراجع الطلب الخارجي، والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالخارج كالسياحة والنقل والتصدير، بالإضافة إلى التجاذبات السياسية التي تزيد الضبابية وحالة عدم اليقين لدى المستثمرين المحليين، ما سيؤدي إلى انكماش الاستثمار الخاص المحلي، وبالتالي الاستثمار الأجنبي المباشر.

وأكد جبنون، أن تلك الأزمة الاقتصادية تؤدي إلى أزمات اجتماعية نظرا لاستفحال البطالة والهجرة غير المنتظمة، بالإضافة إلى التواترات السياسية والاجتماعية القائمة، مما سيؤدي إلى ارتفاع كلفة المعيشة كالذي تم الإعلان عنه مؤخرا من زيادة في سعر الحليب وفي تعريفة الكهرباء والماء مع مستوى أجور متدني للغاية تعتبر الأضعف في العالم العربي.

وأعلن مدير وحدة الإنتاج الحيواني بالاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، منور الصغيري، في منتصف أغسطس/ آب عن رفع أسعار بيع لتر الحليب نصف الدسم عند الاستهلاك بنحو 11% من 1120 مليم إلى 1250 مليم.

ويرى سعيدان أن هذا الانكماش دليل على أن هناك نموا سلبيا وبالتالي تقلص في النشاط الاقتصادي مما يؤدي إلى نتائج سلبية من إفقار البلاد والمواطنين وتفاقم البطالة، تسبب أوضاع اجتماعية صعبة يصعب التعامل معها وبخاصة في ظل غياب برامج اقتصادية أو خطة إنقاذ.

وأشار إلى أنه لا يجب أن ننسى في ظل تلك الأوضاع أن هناك تفاقما كبيرا في حجم الدين سواء الدين العام أو الدين الخارجي مما يمس من هيبة الدولة واستقلالية القرار.

وبلغ الدين العمومي في يونيو/حزيران 2019 نحو 82.6 مليار دينار (30.15 مليار دولار)، بينما بلغ الدين الخارجي فقط 71.1% من إجمالي الدين، وفقا لنشرة أصدرتها وزارة المالية حول الدين العمومي.

صعوبة الاقتراض

وفي خضم ذلك، قال رئيس الحكومة التونسية المشكلة حديثا، هشام المشيشي: إن الدين العمومي يتفاقم وأصبحت تونس تقترض 15 مليار دينار (5.4 مليار دولار) سنويا، بالإضافة إلى أنها مطالبة بسداد 7.5 مليار (2.7 مليار دولار) خلال 2020.

وأكد أن هناك تراجعا في الإقبال على المواد الاستهلاكية بنسبة 21.5%، بالإضافة إلى تراجع استهلاك المواد الغذائية بنسبة 5.7% مع تراجع كبير في الإدخار.

وأوضح سعيدان، أن تونس بحاجة إلى الاقتراض ولكنها غير قادرة على ذلك لأن التصنيف الائتماني لها تمت مراجعته 8 مرات نحو الأسفل منذ الثورة حتى الأن.

وأشار إلى أنه وفقا لهذه المؤشرات الآن، فتونس غير قادرة على الدخول للسوق المالية الدولية وإمكانية الاقتراض الوحيدة ستكون إما من الداخل أو من الخارج ولكن على مستوى ثنائي مع بعض الدول أو على مستوى المؤسسات الدولية.

واستدرك: "لكن العلاقات مع صندوق النقد الدولي معلقة. ليس هناك محادثات مع الصندوق، فقط هناك تفاوض حول الدخول في برنامج جديد وبالتالي إمكانية الاقتراض بالعملة الأجنبية أصبحت صعبة جدا".

وفي 12 مايو/أيار، خفضت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني مستوى تونس من درجة (B+) إلى (B)، وأشارت إلى أن هذا التراجع ناتج عن ارتفاع احتياجاتها إلى التمويل الخارجي بنسبة 39 % من إجمالي الناتج المحلي سنويا في الفترة 2019 - 2021. كما لفتت إلى الارتفاع الكبير في عجز الحساب الجاري والدين الخارجي.

بينما أشار جبنون، إلى أن الاقتراض العمومي وصل إلى نحو 95% من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى أنه من الصعب الآن الاقتراض من الأسواق الدولية بنسب فائدة ميسرة، على الرغم من أن تونس بحاجة إلى 10مليار دينار (3.6 مليار دولار) لسد خدمات الدين وجزء من أصل الدين.

وأشار إلى أنه لا بد من خطة جديدة للتفاوض مع صندوق النقد والبنك الدوليين، والعمل على تحفيز الاستثمار الذي يعد هو المحرك الوحيد القادر على إنقاذ الاقتصاد.

الحل سياسي

وطالب جبنون بضرورة إيجاد أرضية اتفاق سياسي حول وحدة وطنية تسمح بإيجاد اتفاق سياسي وخطة إنقاذ اقتصادي حقيقي يمر عبر تحفيز القطاعات المنتجة وإلغاء البيروقراطية وكل العراقيل التي تقف أمام المؤسسات والاستثمار والتصدير.

وأضاف أنه لا بد من مزيد للحريات الاقتصادية ومراجعة القوانين والتخلص من بعضها وتطويرها بصفة استعجالية.

وتابع: "لا بد من خطة تحفيز للمؤسسات تبدأ بتخفيض الضرائب والمساهمات الاجتماعية وتعديلها وحسن التحكم في الإنفاق الحكومي وبالتالي هذه كلها معادلة دقيقة وصعبة وتتطلب إرادة سياسية قوية وأرضية سياسية تدعم الحكومة الجديدة".

من جانبه قال سعيدان: إنه لا بد من الاستقرار السياسي، وأن تشمل الحكومة المكلفة حديثا كفاءات وطنية ليس لها أي أهداف سياسية، وهدفها الوحيد إنقاذ الاقتصاد، على ألا تكون موجهة ضد الأحزاب.

ونالت حكومة هشام المشيشي ثقة البرلمان التونسي في 2 سبتمبر/ أيلول، وحصلت على ثقة 134 نائبا مقابل اعتراض 67 نائبا دون تسجيل أي احتفاظ.

وكان المشيشي تعهد في كلمته أمام النواب بـ "التعامل البناء مع جميع الأطياف والأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية، إيمانا بالدور الوطني لكل هذه القوى الحية في خدمة البلاد وتحقيق مطالب الشعب".

وقدم أولويات عمل حكومته، ومن بينها إيقاف نزيف المالية العمومية وإصلاح القطاع العمومي واستعادة الثقة ودعم الاستثمار والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطن وحماية الفئات الهشة.


تحميل

المصادر:

1

 اقتصاد تونس يسجل انكماشا 21.6% في الربع/2 على أساس سنوي

2

اليونيسف : ارتفاع نسبة الفقر لدى الأطفال في تونس بعد الحجر الصحي

3

 ارتفاع نسبة البطالة في تونس

4

تونس ترفع أسعار الألبان 11%

5

 ارتفاع الدين العمومي في تونس الى 82.6 مليار دينار

6

Fitch Downgrades Tunisia to ‘B’; Outlook Stable

7

 فيديو.. رئيس الحكومة التونسية المكلف: نقترض 15 مليار دينار سنويًا

كلمات مفتاحية :

أزمة اقتصادية الاقتصاد انكماش اقتصادي بطالة تونس فقر هشام المشيشي