Friday 22 October, 2021

صحيفة الاستقلال

ظاهرها الرحمة.. ما الأهداف الخفية للمساعدات الإماراتية إلى السودان؟

منذ 2020/09/07 08:09:00 | تقارير
"لا يمكن أن ننسى كيف استغلت الإمارات شباب السودان"
حجم الخط

"ماذا تريد الإمارات من السودان؟" سؤال يطرح نفسه على أذهان الشعب السوداني، كلما وقعت واقعة، وكان لأبوظبي وجود فيها، وهو ما حدث عندما بدأت أذرع الإمارات "الخيرية"، بالدخول إلى الخرطوم مع كارثة الفيضانات الأخيرة، التي تسببت في خسائر فادحة في عموم البلاد. 

القوة الناعمة الإماراتية، لم تخف أطماع حكام أبوظبي في مقدرات السودان، وخاصة الموانئ الإستراتيجية في الشرق، وتحديدا في مدينة بورتسودان، التي سعت الإمارات إليها، بكل الطرق الشرعية وغير الشرعية، لا سيما القتالات الأهلية والقبلية هناك، مع الخشية من خطر التقسيم والحرب.

أما الأبعد من ذلك فيأتي في طبيعة المشروع الإماراتي في السودان، وامتلاك تصور واضح له، حسب إستراتيجية ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد.

ويدعم ابن زايد بقوة، الجنرال محمد حميدتي قائد قوات الدعم السريع، في إطار تأصيل الحكم العسكري، ومنع أي حكومة مدنية أو ذات انتماء إسلامي من الوجود، بالإضافة إلى قطع الطريق على الخصوم التقليديين في تركيا وقطر من وضع أي قدم هناك.

فيضان المؤامرة

كانت كارثة فيضان النيل، الذي ضرب السودان بقوة خلال الفترة الأخيرة، وتحديدا منذ أغسطس/ آب 2020، حاصدا أرواح العشرات من المواطنين، فضلا عن تدمير ما يزيد عن 50 ألف منزل، حمال أوجه للبلد الذي يعاني الفقر، والفرقة السياسية.

وفي إطار المأساة عملت الإمارات من خلال قوتها الناعمة، ومسلك المساعدات للمتضررين، حتى تحقق مكتسباتها السياسية، وأهدافها الإستراتيجية داخل السودان.

وفي 3 سبتمبر/ أيلول 2020، دشن السفير الإماراتي لدى السودان حمد محمد حميد الجنيبي، المرحلة الأولى من الدعم الإماراتي المقدم لمتضرري السيول والفيضانات، بتمويل حكومي. 

وفي نفس اليوم أصدر عبد الله إدريس الكنين، والي ولاية الجزيرة، المتضررة من أثر الفيضان، القرار رقم (29) لسنة 2020، بتشكيل لجنة لمشروع "زايد الخير" الاستثماري بولاية الجزيرة برئاسة أمين عام حكومة الولاية، وبدعم ورعاية إماراتية كاملة. 

ومع ذلك يبرز التساؤل عن عودة الدعم الإماراتي في هذا التوقيت، خاصة وأنه قبل أشهر قليلة تقاعست الإمارات والسعودية عن دعم السودان في مؤتمر المانحين. 

ففي 25 يونيو/ حزيران 2020، عقدت ألمانيا مؤتمرا دوليا، لمساعدة السودان، في محاولة لإنقاذ الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك، بعد التعثر الاقتصادي، وبروز الأزمات المتعاقبة.

وبينما قدمت بعض دول أوروبا المساعدات لحكومة حمدوك "المتأزمة"، خذلتها دول إقليمية حليفة، على رأسها الإمارات التي قدمت 50 مليون دولار فقط.

وكانت الإمارات قد تعهدت سابقا بتقديم نحو 3 مليارات دولار نقدا وفي هيئة سلع، بعدما أطاح الجيش بالرئيس السابق عمر البشير في أبريل/ نيسان 2019، كنوع من تثبيت النظام الجديد، وتعضيد حليفها الأكبر حميدتي وقوات الدعم السريع. 

إشعال الشرق

منذ الإطاحة بعمر البشير، لا تنقطع الأخبار المتواترة والمتكررة عن اشتباكات وحوادث اقتتال أهلي وطائفي بين المجموعات الإثنية شرقي السودان، خاصة في مدينة بورتسودان، صاحبة الميناء الإستراتيجي على البحر الأحمر، ولم تكن الإمارات بمعزل عن تلك الأزمات الطاحنة، ووجهت إليها أصابع الاتهام.

وأصبح الحديث عن تمدد بعض التشكيلات العسكرية التابعة لبعض زعماء القبائل في شرق السودان، خاصة المرتبطين بالإمارات، قائما عندما شهدت الفترة التي أعقبت عزل البشير، عمليات تجنيد واسعة هناك، لصالح بعض المكونات العسكرية القبلية، وأيضا لصالح قوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي، الموصوف بأنه رجل الإمارات في السودان.

ومنذ سنوات تسعى الإمارات لموطئ قدم في تلك المنطقة، التي تتمتع بأهمية إستراتيجية بالغة، بسبب الموانئ المطلة على البحر الأحمر، وحدودها المتقاطعة مع إثيوبيا، وإريتريا، ومصر شمالا، لذلك فهي مطمع من كل هؤلاء، الذين لا يريدون للسودان أن ينهض.

وتعود القصة منذ العام 2008، عندما تقدمت شركة موانئ دبي بعرض لتشغيل ميناء بورتسودان، وتم رفضه في ذلك الوقت من الحكومة السودانية.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2017، قدمت دبي طلبا جديدا لهيئة الموانئ البحرية في السودان، يتضمن إدارة الميناء بالكامل لمدة 50 عاما، إلا أن الهيئة رفضت ذلك واقترحت عليها مناصفة الإدارة مع الشركة الفلبينية التي تدير الميناء منذ عام 2013، وهي شركة الخدمات الدولية لمحطات الحاويات (آي سي تي أس آي) المملوكة لرجل الأعمال الفلبيني إنريك ريزون. 

لكن موانئ دبي رفضت العرض مطالبة بتسليم الميناء كاملا وخاليا من العمالة السودانية، لذلك جاءت ردة فعل الأمين العام لجبهة شرق السودان محمد بري قوية وأعلن رفض الجبهة تشريد أي من العمال الذين يُشغلهم الميناء وعددهم 3000 عامل.

وفي 19 يوليو/ تموز 2018، نشرت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية تقريرا، حذرت فيه من الطموحات الإماراتية بالسيطرة على موانئ شرق السودان.

وقالت المجلة البريطانية: "أبوظبي من بين كل الدول العربية، تسعى لفرض قوتها العسكرية خارج حدودها، وكل موانئ القرن الإفريقي توجد قرب مضيق باب المندب، الذي يمثل نقطة حيوية في مدخل البحر الأحمر، يمر منه 4.8 ملايين برميل نفط يوميا في 2016".

والآن تستغل أبوظبي ضعف يد الدولة، والحكومة المركزية في السودان، لبسط سيطرتها ونفوذها على الأماكن الملتهبة، في ظل أن ما يحدث من صراع بين القبائل، ليس مجرد صراع طبقي أو إثني فقط، بل هناك مشروع تقسيم يسري في الإقليم الشرقي من السودان، وهو مشروع تفكك على أثره تلك المنطقة إلى جغرافيا، متحاجزة ومتباعدة.

وهو المناخ الأنسب الذي تعمل فيه الإمارات، وفق مراقبين، وتستطيع من خلاله تحقيق أهدافها، وانتزاع مكتسباتها، على حساب الشعب، كما حدث في أكثر من منطقة داخل حدود السودان.

وفي 24 ديسمبر/ كانون الأول 2019، خرج محتجون في مظاهرات بالخرطوم، ضد أطماع الإمارات في موانئ السودان ونددوا بما أسموه "التورط  الإماراتي" في ولاية البحر الأحمر.

وراء الخبر!

الصحفي السوداني محمد نصر الدين، قال لـ"الاستقلال": إنه "عندما تقدم الإمارات الدعم السخي للسودان، في ظل أزمة كبرى يعيش فيها الشعب والحكومة، وسائر المؤسسات، لا بد أن نسأل أنفسنا عن طبيعة ذلك الدعم وسببه، فالإمارات لا تلقي بحبالها في موطن هباء، إلا إذا كانت تضع الهدف والدافع من وراء المال المقدم". 

وأضاف: "هناك ظن بأن الإمارات تطمع في موانئ الشرق فقط في بورتسودان، وهي من تشعل كسلا، وتزرع الفتنة بين بني عامر والنوبة، ولكن عين أبوظبي على السودان أبعد من الموانئ، فهي لديها مشروع كامل، وتصور واضح".

وتابع: "فمن ناحية تريد القبض على مقدرات السودان الاقتصادية، ومن ناحية أخرى تريد القضاء تماما على الإسلاميين، ومنع ظهورهم مرة أخرى أو وجودهم على الساحة".

هذا "بالإضافة إلى سعيها لاستغلال الجيش وقوات الدعم السريع ليكونا ظهيرا لها في صراعاتها الإقليمية المتعددة، وتحديدا في اليمن وليبيا، لذلك فالسودان مهم ومحوري لحكام الإمارات". 

واسترسل الصحفي السوداني: "لا يمكن أن ننسى كيف استغلت الإمارات شباب السودان، وغررت بهم عبر شركة (بلاك شيلد) لإرسالهم إلى الحرب في ليبيا، مستغلة الحاجة والأدهى جهلهم بمصيرهم ومستقبلهم".

وتساءل: "هل كانت الإمارات تسعى آنذاك لمساعدة الخرطوم، وأين كانت في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي يعاني منها الشعب؟ ولماذا يظهر دورها في ذلك الوقت تحديدا؟ ولا يمكن إغفال صراعها مع  تركيا وقطر في معركة النفوذ طويلة الأمد، ويدخل السودان بالقطع في ذلك الحيز". 

واختتم تصريحاته: "ونحن في مرحلة الثورة، ووضع انتقالي، لا بد للسودان أن يتحكم بمصيره، ويرسم طريقه، ولا ينتظر المساعدات والمعونات من أحد، بل أن يضع حدا للتدخلات الخارجية، حتى لا نجد أنفسنا أمام مصير مجهول كما حدث في دول مجاورة، خاصة وأن أسباب الصراع والحساسيات القبلية قائمة بالفعل، ويمكن أن تنفجر في أي لحظة، إذا ما أشعلها طرف داخلي أو خارجي، وقتها لن يجد بلدنا من يمد له يد العون أو المساعدة". 


تحميل

المصادر:

1

مساعدات إماراتية لمتضرري السيول في السودان

2

أطماع الإمارات للنفوذ عبر الموانئ تستهدف السودان

3

اتهامات للإمارات بتأجيج دعوات انفصالية في شرق السودان

4

مظاهرة في الخرطوم ضد أطماع الإمارات في موانئ السودان

5

الموانئ مقابل الدعم.. مخاوف سودانية من أطماع الإمارات في البلاد

كلمات مفتاحية :

الإمارات السودان بورتسودان تدخلات الإمارات في السودان حميدتي فيضانات النيل في السودان محمد بن زايد