Friday 14 May, 2021

صحيفة الاستقلال

بعد انفجار المرفأ.. ما سيناريوهات تشكيل الحكومة اللبنانية؟

منذ 2020/08/27 14:08:00 | تقارير
"سيتم استخدام بعض العنف وحرية التعبير المحدودة لإسكات الأصوات الجديدة"
حجم الخط

لم يكن الانفجار الذي شهدته بيروت قبل أيام مجرد كارثة ولكنه كان مثل الزيت المصبوب على النار المشتعلة في شوارع لبنان التي تطالب بإنهاء نظام المحاصصة. 

لكن تحقيق حلم اللبنانيين يتطلب تغييرا جذريا في نظام قيادة الدولة وربما تبرز حاجة إلى إزالته كليا من أجل إنشاء نظام حكم يلبي مطالب الشعب وطموحاته.

يقول ديفيد رومانو وهو أستاذ سياسة الشرق الأوسط بجامعة ولاية ميسوري: إن التغيير الذي يحتاجه لبنان للتغلب على مثل هذه المشاكل الراسخة يتطلب إزالة النظام الحالي من الجذور رافضا تحميل اللوم على جماعة حزب الله وحدها. 

وأشار رومانو في تحليل نشرته النسخة الإنجليزية من موقع عرب نيوز بتاريخ 11 أغسطس/آب 2020 إلى أنه لا يبدو أن أي علاج بعيد المدى سينجح طالما استمر حزب الله في نشر مليشياته المسلحة بشكل واسع بعيدا عن المساءلة والسلطة. 

نظام الفساد

يقوم نظام الحكم في لبنان على تقاسم السلطات الثلاث بشكل طائفي، بحيث يحصل المسيحيون الموارنة على رئاسة الجمهورية، والمسلمون الشيعة على رئاسة البرلمان، فيما يحصل المسلمون السنة على رئاسة الوزراء.

لكن حكومة حسان دياب الأخيرة لم تحصل على ثقة الطائفة السنية وهو ما أثر على أدائها حيث لم تكن قادرة على التعامل مع مشاكل اللبنانيين وكانت بمثابة واجهة للتحالف بين حزب الله اللبناني الشيعي المدعوم من إيران والرئيس ميشال عون في مواجهة الحلف السني بقيادة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري. 

يقول جيمي ديتمير المحلل بموقع فويس أوف أميركا: إن العديد من الخبراء يعتقدون أن لبنان لا يمكن أن يتغير حتى يتم استبدال حكم العشيرة بسيادة القانون، و"يجب استبدال نظام تقاسم السلطة في الحكم، الذي تدهور إلى المحسوبية وعدم الكفاءة، والكسب غير المشروع، أو على الأقل تعديله وتغييره بشكل كبير".

لكن القول بذلك أسهل من الفعل، كما أقر حسان دياب رئيس حكومة تصريف الأعمال، في خطاب استقالته في 10 أغسطس /آب مستنكرا ما وصفه بنظام الفساد الأكبر من الدولة، وألقى باللوم عليه في إفلاس لبنان على الرغم من مدحه لهذا النظام في خطاباته الأولى. 

وأوضح ديتمير في تصريحاته بتاريخ 11 أغسطس / آب أنه قبل استقالة الحكومة بأيام كان هناك حديث متصاعد عن إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في لبنان، لكن من المحتمل أن يستغرق تنظيم ذلك نحو عام. فيما يرى بول سالم رئيس معهد الشرق الأوسط بواشنطن أن التحدي المباشر حاليا هو تشكيل حكومة تكنوقراط. 

وأضاف سالم في تصريحات لدويتشه فيله: "هذا أيضا لن يكون بسيطا، كانت حكومة حسان دياب التي تشكلت في يناير/كانون الثاني 2020، بعد أزمة سياسية طويلة، حكومة تكنوقراط".  

عندما أعلن حكومته، قال إنها ستعمل على قانون انتخاب جديد، وتشكيل سلطة قضائية مستقلة، والسعي إلى إعادة الأموال العامة المنهوبة، لكنها لم تحصل إلا على دعم حزب الله الشيعي وحلفائه المسيحيين، ورفضتها الطوائف السنية.

واعتبر سالم أن حكومة دياب كان الهدف منها هو امتصاص غضب الشارع وكانت حكومة يمكن التخلص منها، حيث كان واضحا من البداية أنه لن يسمح لها بالنجاح أو بعمل أي شيء رئيسي وبعد ذلك يتم التخلص منها كما حدث الآن. 

وأشار إلى أن الطبقة الطائفية كانت تأمل في أن يؤدي فشل الحكومة إلى إقناع عدد كاف من المواطنين داخل وخارج البلاد بأنهم في نهاية المطاف هم الوحيدون الذين يمكنهم تقديم أي شيء.

أزمة الحكومة

يتخوف الكثير من اللبنانيين من أن يؤدي الوضع الحالي والخلافات المتواصلة بين الطوائف الحاكمة وعدم القدرة على التوصل إلى اتفاق يلبي مطالب الشارع إلى فراغ سياسي كالذي عانى منه لبنان في السابق. 

يقول الصحفي اللبناني عبد الرحمن صلاح: إنه "إنه بالنظر إلى المواقف المعلنة حتى اللحظة، من الواضح أن وجهات النظر بين كبريات القوى السياسية لا تزال متباعدة عن بعضها، وهذا يعني أن عملية تشكيل الحكومة المرتقبة ستحتاج وقتا إضافيا، إلا في حال جاءت كلمة سر من الخارج".

وأضاف صلاح لـ"الاستقلال": "هناك أكثر من طرح وكل مجموعة تحاول تسويق ما يناسبها، فمثلا حزب الله يسوق لحكومة سياسية ويرى أنه لا يمكن أن تحل الأزمة الحالية بدون قرار سياسي وحكومة وحدة وطنية، وهذا خيار مرفوض طبعا من الشارع وبعض القوى السياسية كحزب القوات والتقدمي الاشتراكي".

الطرح الثاني والذي يحاول الحريري تسويقه هو أن يأتي هو على رأس حكومة جميع أعضائها من التكنوقراط، ومن دون أن يتدخل أحد في تحديد أسمائهم، وهذا لا يلقى قبول كتلة الرئيس عون ولا قوى  8 آذار، لتخوفها أن يكون هذا بابا لسيطرة الحريري على مفاصل مهمة في الدولة.

أما الطرح الثالث والذي يطالب به الشارع ومقبول خارجيا بنسبة كبيرة هو تشكيل حكومة تكنوقراط تمنح صلاحيات تشريعية، تتولى إجراء إصلاحات أساسية في مفاصل الدولة، لكنه يلقى معارضة شديدة من قبل حزب الله، وتململا من قبل باقي الأحزاب.

ويحتاج اللبنانيون إلى الكثير من الدعم الدولي في ظل التدهور الاقتصادي الحالي وتراجع أسعار العملة المحلية خلال الشهور الأخيرة بشكل كبير وارتفاع معدل البطالة، ومن أجل الحصول على الدعم يجب أن تكون هناك حكومة يرضى عنها المانحون الدوليون.

وقد برز ذلك خلال مؤتمر الدول المانحة التي رفضت تقديم الدعم للحكومة وفضلت تقديمه من خلال الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية.

وبالنظر إلى الوضع الداخلي والدولي، فإن أي حكومة تأتي بغير رضا المجتمع الدولي لن تتمكن من إيجاد حل لمشاكل لبنان كما يقول صلاح، ولذلك فالحكومة التي ستنجح عمليا هي التي ستتشكل برضا المجتمع الدولي، وتحديدا الولايات المتحدة. 

ويضيف صلاح: "وبالنظر إلى الشروط الحالية للولايات المتحدة فإن القوى السياسية لن تجرؤ على مسايرة حزب الله في طرحه، إلا إذا وقع اتفاق أميركي إيراني قد يغير خريطة المواقف في لبنان".

غير ذلك، فإن الاتجاه نحو حكومة تكنوقراط هو الخيار الأكثر إمكانية بعد خيار الفراغ، والذي وللأسف هو الخيار رقم واحد من حيث الاحتمالية، بحسب وصفه.

أما المحلل السياسي اللبناني خطار دياب فيرى ضرورة إبعاد لبنان عن الصراعات الخارجية. وشدد في تصريحات لموقع دويتشه فيله الألماني في 12 أغسطس/ آب على أن التغيير في لبنان لن يكون ممكنا إلا بعد تغير موازين القوى الداخلية.

وأوضح خطار أن المشكلة الأساسية تتمثل في ربط مصير لبنان بإيران كونها تدعم حزب الله وتضغط على اللبنانيين من خلاله، ما يجعل بيروت رهينة الصراع بين طهران وواشنطن. 

وفي ظل التكهنات المستمرة يتوقع المحلل السياسي جورج علم في تصريحاته لدويتشه فيله في 12 أغسطس/ آب أن تؤدي الضغوط التي تمارسها بعض القوى الدولية إلى الذهاب لمؤتمر تأسيسي لنظام جديد تقبل به كل الطوائف السياسية، معتبرا أن لبنان أمام مشهد سيتم خلط الأوراق فيه بشكل واسع ويحتمل أن يؤدي في نهايته إلى تغيير سياسي مستقبلي. 

وزن الشارع

يرى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تقرير منشور بتاريخ 17 أغسطس/ آب 2020 أن الرأي العام اللبناني أصبح له وزن محلي ودولي وأنه الضمانة الوحيدة لعدم تعزيز الاصطفافات الدولية والإقليمية لنظام المحاصصة الطائفي في لبنان. 

وأشار التقرير إلى أن الأمر يعتمد على قدرة الرأي العام على فرض تغيير طريقة الانتخابات على الأقل وفرض الحراك الثوري نفسه طرفا في أي حوار وطني قادم. 

واعتبرت نانسي عز الدين، الباحثة المساعدة في وحدة أبحاث الصراع في كلينجينديل، في تصريحات لمجلة نيوزويك بتاريخ 10 أغسطس/ آب  أن "النخبة السياسية في لبنان تمر بأزمة لذلك فهم يسعون باستمرار لإنقاذ مواقعهم واستخدام أسلوبهم في صرف الانتباه عن الأمور ذات الأولوية".

وقالت: إن المأزق السياسي الذي نتج عن استقالة دياب سيمنحهم مساحة واسعة للقيام بذلك، وأن المشاحنات السياسية القادمة ستؤكد الانقسامات الطائفية في لبنان وتسمح لكل حزب بإعادة ترسيخ أهميته داخل مجتمعه الطائفي. 

وأكدت نانسي أن الأصوات الجديدة، مثل الجهات الفاعلة في المجتمع المدني والأحزاب السياسية الجديدة والمتظاهرين، ستضعف طوال العملية لأنها تصبح أقل صلة بأغلبية السكان.

 كما سيتم استخدام بعض العنف وحرية التعبير المحدودة لإسكات الأصوات الجديدة باستمرار ولن تساعد الأزمة الاقتصادية حيث سيسعى المواطنون "الطريق السهل"، المتمثل بالحصول على الدعم من القادة الطائفيين.

المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الأمنية والدفاعية اعتبر أن انفجار بيروت كان بمثابة مثال لفشل الدولة، ويشير إلى المستقبل الغامض للبلاد في ظل نظام سياسي محطم، ربما يكون بداية نهاية نظام كان مدفوعا بالأرباح وتراكم رأس المال على حساب كل شيء. 

تقول ريما ماجد، الأستاذة المساعدة في الجامعة الأميركية في بيروت في تقرير للمعهد بتاريخ 18 أغسطس/ آب: إنها تعتقد بأن اللبنانيين لديهم أوقات قاتمة للغاية في المستقبل، وعبرت عن احتمال نشوب حرب أهلية جديدة تفضي إلى وضع اتفاقية دولية لتهدئة الوضع، وأكدت أن ذلك لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نظام يديره مجرمون على حد وصفها. 

فيما قالت سالي يوسف، الباحثة المقيمة في لبنان للمعهدالملكي: إن لم تكن حربا أهلية، فنحن على الأقل ننظر إلى فترة كبيرة من العنف المتصاعد بين الجمهور الذي يشعر بالخيانة والنخبة السياسية التي أعماها الجشع.


تحميل

المصادر:

1

Analysis: Lebanon government steps down. So what?

2

Lebanon on Brink of Crisis As Resigning Cabinet Leaves Power Vacuum After Blast

3

What’s Next for Lebanon?

4

Beirut’s Explosion: Is it the Beginning of the End of Lebanon’s Broken Political System?

5

أين تتجه الأزمة السياسية في لبنان بعد تفجير مرفأ بيروت؟

6

لبنان.. مستقبل النخب والعائلات الحاكمة بعد استقالة الحكومة؟

كلمات مفتاحية :

حسان دياب حكومة لبنان سعد الحريري لبنان مرفأ بيروت