Wednesday 21 October, 2020

صحيفة الاستقلال

فورين أفيرز: أميركا لم تتعلم من هزيمة فرنسا التاريخية.. وهذه النتيجة

منذ 2020/07/24 08:07:00| ترجمات ,دولي ,
"لا يمكن أن يكون هناك خلاص حيث لا يوجد بعض التضحية"
حجم الخط

يصادف هذا الصيف الذكرى الثمانين لسقوط فرنسا المفاجئ والصادم، في أحد أغرب الهزائم الحربية التي منيت بها دولة ما في التاريخ.  

فبعد ستة أسابيع من اختراق الدبابات الألمانية، التي اجتاحت شمال خط ماجينو، عبر غابة آردن الكثيفة في منتصف مايو/أيار، خضع للهدنة المذلة، القائد المعين حديثا للحكومة الفرنسية المارشال فيليب بيتان وخاطب الأمة، قائلا: "بقلب ثقيل أعلن أن الأعمال العدائية يجب أن تنتهي".

وهو ما يتشابه إلى حد كبير مع الهزيمة التي تعرضت لها أقوى دولة ديمقراطية، وذات واحدة من أفضل النظم الصحية، وأكثرها تطورا في العالم، في مواجهة جائحة كورونا.

وهذا ما يحاول أن يقف على أسبابه، تقرير نشرته مجلة فورين أفيرز الأميركية، بالنظر إلى التاريخ والمقارنة بين أسباب كلتا الهزيمتين الغريبتين.

ويقول التقرير: إنه حتى بعد أن اعترف المؤلف، مارك بلوخ، بأن ما كتبه "كان تحليلا غاضبا"، إلا أن كتابه، LÉÉtrange défaite، أو "الهزيمة الغريبة"، يظل من بين أكثر التحليلات الحاسمة لانهيار فرنسا. 

طور بلوخ، وهو أحد أعظم مؤرخي فرنسا في العصور الوسطى، مفهوما مؤثرا، على الرغم من أنه بعيد المنال، عن ما أسماه العقليات، وهي الهياكل الفكرية والعاطفية التي شكلت كيف تصور الأجيال الماضية عالمهم، دون إهمال العوامل المادية.

فليس من المستغرب أن يعتقد بلوخ أن أي تفسير ذي قيمة لكيفية معاناة فرنسا لهزيمة، لم يكن أحد يظن أنها ممكنة، يتطلب غزو العقليات السياسية والعسكرية إبان ذلك الوقت.

وبعد مرور ثمانين عاما، يلقي تحقيق بلوخ ضوءا مفيدا للمؤرخين الذين يعيشون غضبا مريرا خلال سعيهم إلى فهم الهزيمة التي لم يكن من الممكن التفكير فيها للولايات المتحدة في "حربها" ضد الفيروس التاجي الجديد، وفق التقرير.

حرب مضحكة

وغوصا في الماضي، يقول التقرير: "اندلعت الحرب المضحكة أو الزائفة، لمدة ثمانية أشهر ابتداء من سبتمبر/أيلول 1939. وخلال هذا الوقت، عملت فرنسا على تجنيد وتعبئة ملايين الرجال". 

جرى نقل المجندين إلى مواقع دفاعية في جميع أنحاء البلاد، وغالبا ما كان المجندون يفتقرون إلى معدات الحماية أو الوقاية الشخصية العسكرية.

وأوضح: "لقد عانوا من نقص في الأحذية والبطانيات خلال الشتاء البارد بشكل خاص، وندرة مخيفة في الأقنعة. ومن بين الضباط الذين حصلوا على أقنعة رفض بعضهم ارتداءها".

تزامن مع ذلك، كان هناك نقص في القيادة المقنعة. فقد أصدرت الحكومة، برئاسة رئيس الوزراء إدوارد دالاديير، تحريضات فارغة بدلا من أسباب واضحة وقوية للتضحيات التي كانوا يطلبونها من الجنود والمدنيين، وفق التقرير.

وتابع: "عازمة على تجنب عواقب إعلان الحرب، سعت الحكومة إلى إعطاء الانطباع بأنها سعت فقط للسلام بوسائل أخرى، فبحلول أوائل عام 1940، تم تسريح الجنود الذين ينتمون إلى فئات مهنية معينة". 

وكما هو الحال الآن، سعت الحكومة لإضفاء صفة الحياة الطبيعية على الحياة اليومية، وهو ما لم يكن بالأمر الصعب.

وأوضح التقرير: فمع ازدحام مقاهي باريس بالزبائن، والمسارح التي تعج بالجمهور، والملاعب التي تعج بالمشجعين، أعطت المدينة حياة جديدة للقول المأثور "ما حدث حولنا يأتينا". 

ويقول: "بالنظر إلى الوراء في هذه الفترة، يلقي بلوخ باللائمة على الحكومة؛ بسبب فشلها في تزويد الفرنسيين بالحد الأدنى من المعلومات الواضحة والمحددة التي بدونها لن يكون هناك أي سلوك منطقي ممكن". 

كان القادة المنتخبون في البلاد مذنبين بتقصيرهم في واجبهم الذي شكل "أبشع جريمة ارتكبها ديمقراطيونا". 

ويلاحظ أن فعالية أي شكل من أشكال الحكم، سواء كانت ملكية أو ديمقراطية، تتأثر عندما يكون هناك انفصال بين القيم المعلنة للنظام والقيم الفعلية لمن يديرونه.

وتابع: "في هذا الصدد، اتفق بلوخ الديمقراطي الاجتماعي مع السياسي هنري دي كيريليس، محافظه المعاصر، الذي انتقد الحكومة لفشلها في حشد الفرنسيين". 

فقد أعلن كيريليس أن "التعبئة الأخلاقية لفرنسا هي أهم شرط للنصر"، مضيفا: "سننتصر فقط إذا كنا على استعداد لتقديم التضحيات اللازمة". 

ويعتقد التقرير أن بلوخ كان قاسيا في حكمه على القيادة العسكرية، ليس قانعا فقط بالإدانة لـ "عدم كفاءتهم الكاملة"، بل نفى بلا رحمة أن يكون هناك أي مبررات لذلك.

في الواقع، عقليتهم الجماعية، التي شكلتها الحرب الأخيرة، كانت غير قادرة على تقدير الحرب التالية. 

ويضيف التقرير: "لم يتمكنوا من رؤية أن الدبابات الألمانية سوف تقتحم عبر آردن وتحطم القوات الفرنسية، كما لم يتمكن أسلافهم من أن يروا أن حرب الحركة في عام 1914 ستتحول قريبا إلى حرب خنادق استمرت أربع سنوات على ما يبدو لا نهاية لها".

وفي مواجهة هذا التهديد الجديد، كانت القيادة الفرنسية العليا "تؤمن بعدم فعل شيء والتصرف كما تصرفنا دائما".

استخدام التاريخ

وبعد هذا العرض الصادم لهزيمة فرنسا الغريبة، يمكن للمؤرخين المستقبليين الذين سيرون كيف فشل القادة الأميركيون في رؤية "أزمتنا الطبية والسياسية" أن يأخذوا صفحة من كتاب بلوخ الأخير وغير المكتمل. 

الكتاب بدأ بكتابته للإجابة على السؤال الذي سأله أحد أبنائه: "أخبرني يا أبي، ما فائدة التاريخ؟".

لم يعش بلوخ طويلا بما يكفي لإكمال الكتاب، ففي ربيع عام 1944، تم القبض عليه من قبل المليشيات الفرنسية وتسليمه إلى قوات الأمن الخاصة الألمانية، التي عذبته وأعدمته لاحقا. 

لكن مخطوطه غير المكتمل، الذي يرى أن المرء يسيء فهم الحاضر عندما يجهل الماضي، قدم لطفله وللقراء إجابة، تنطبق تماما على "الهزيمة الغريبة" لحزب سياسي أميركي كبير، عندما صعد دونالد ترامب من خلال صفوفه باعتباره المرشح الرئاسي فيما يتعلق بأقوى ديمقراطية في العالم، وكذلك عندما اجتاح فيروس كورونا جمهوره.

وتابع التقرير: "يلاحظ بلوخ أن الهياكل المادية والعقلية تلتزم جيدا بالظروف التي منحتهم الحياة، وسيستكشف المؤرخون الأميركيون هزيمة الجمهوريين المؤسسين، الذين فشلوا وراء خط ماجينو للتوقعات التقليدية، ولم يروا أن إدارة ترامب ستخترق المبادئ التأسيسية للبلاد وكذلك تلك الخاصة بحزبهم".

وأردف: "غير قادرة على رؤية ما وراء المسلمات العقلية والأنماط السابقة للمكافأة المادية، واجهت حكومة الولايات المتحدة وباء الفيروس التاجي بنفس الطريقة التي واجهت بها فرنسا تقدم ألمانيا".

فقد أعلنت الحرب دون التخطيط لأية حالات طارئة معينة، وفشلت في التوحد مع الجمهور حول التهديد الذي واجهته، ناهيك عن إقناعها بتقديم تضحيات.

ويقول بولخ: "كما أن دراسة الماضي تساعد المرء على معرفة الحاضر بشكل أفضل، فإن حضور الحاضر يضيء الماضي". ويحذر من أننا "سنهلك أنفسنا بلا جدوى في السعي لفهم الماضي إذا كنا جاهلين تماما بالحاضر".

وواصل التقرير: "قد يفهم الأميركيون اليوم أفضل من أقرانهم السابقين تجربة أولئك الذين أُفسدت ديمقراطياتهم، وربما سيشعرون ببعض التواضع في لقائهم التالي مع أمة تكافح أو تستسلم للفيروس الأيديولوجي نفسه".

وتابع: بالنظر إلى الماضي الفرنسي وإلى المستقبل الأميركي، ربما سيستخلصون بعض الفهم من مارك بلوخ الذي كتب أنه "لا يمكن أن يكون هناك خلاص حيث لا يوجد بعض التضحية، ولا توجد حرية وطنية بالمعنى الكامل إلا إذا كنا قد بذلنا جهدنا لتحقيق ذلك".


تحميل

المصادر:

1

The Strange Defeat of the United States

كلمات مفتاحية :

الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب فرنسا فيروس كورونا هزيمة فرنسا