Monday 26 October, 2020

صحيفة الاستقلال

طارق شندب لـ”الاستقلال”: لبنان يسير للمجهول وهذه سيناريوهات الحل

منذ 2020/07/10 20:07:00 | حوارات
لبنان يحكمه حزب الله والمليشيا المحسوبة على النظام السوري والصين وروسيا وكلها أطراف تحت العقوبات الأمريكية
حجم الخط

أزمات متتالية يعيشها لبنان إثر تفاقم الضغوط الاقتصادية والمعيشية والمالية والنقدية، في ظل ندرة العملة الأجنبية (الدولار) والانخفاض الشديد في قيمة العملة المحلية (الليرة).

مؤخرا بدأ لبنان يواجه أزمة في الكهرباء بمختلف أرجاء البلاد حيث تنقطع لساعات طويلة، بسبب عدم توفر الوقود، الناجم عن عدم توفر السيولة الأجنبية.

انقطاع التيار الكهربائي بالعاصمة بيروت، يصل إلى أكثر من 12 ساعة يوميا، وأصبح سعر الدولار في السوق السوداء 9 آلاف ليرة، رغم أن سعره الرسمي 1500 ليرة.

"الاستقلال" أجرت حوارا مع المحلل السياسي اللبناني، المحامي الدولي، أستاذ القانون العام والجنائي، الدكتور طارق شندب، تناول فيه جذور الأزمة اللبنانية وواقعها الحالي ومعوقات محاولات الإصلاح الاقتصادي والسياسي، والخيارات المتاحة والعملية وسيناريوهات الحل من وجهة نظره.

جذور الأزمة

  • ماهي خلفيات الأزمة الحالية، وإلى أي فترة يمكن أن نعيد جذورها؟

أولا لا بد من الإشارة إلى أن هناك أزمة بدأت في 2011، مع اندلاع الأزمة السورية، وانقسم لبنان بعدها عموديا بين من يؤيد نظام الأسد الإرهابي، ومن يؤيد الثورة السورية، ومع أن الحكومة كانت قد اتخذت قرارا بعد ذلك، في عام 2014، بالنأي بالنفس عن الملف السوري، إلا أن مليشيا حزب الله ذهبت وشاركت في قتل الشعب السوري".

جاءت الثورة السورية لتكون فاصلة، لكي يظهر التباين في التعاطي الأمني والعسكري والسياسي والقضائي، حيث كان يتهم بالإرهاب أي لبناني يساند الثورة السورية، أو يذهب إلى سوريا، فيما كانت مليشيات حزب الله تذهب في ذات الوقت، وتقتل على مرأى ومسمع من الشعب اللبناني، وعلى مرأى ومسمع من الأجهزة الأمنية والقضائية بدون أي محاسبة، حتى وصل الأمر إلى إطلاق سراح بعض الموقوفين المتهمين بالإرهاب من لبنان، لمبادلتهم بجثث لعناصر من حزب الله، في سابقة خطيرة جدا.

  • أنت تشير إلى أن الأزمة بدأت مع اندلاع الثورة السورية، وما تلاها من أحداث، لكن ألا يمكن القول إن لبنان كان يشهد تأزما سياسيا قبل 2011؟

يجب الإشارة إلى أن الانقسام الحالي في لبنان هو الانقسام الأكبر منذ اندلاع الثورة السورية، لكن لبنان كان قد شهد انقساما آخر قبل 2011، عقب اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 2005، وانقسم الشارع بعد ذلك بين من يتهم مليشيا حزب الله باغتياله، ومن يتهم إسرائيل.

طريقة تعاطي الجانب اللبناني مع الثورة السورية وما تلاها من أحداث أدى إلى تسارع الانقلاب السياسي في لبنان، حيث عمد حزب الله إلى السيطرة على كافة المرافق الحدودية بقوة الأمر الواقع، وزرع نفوذه عبر مليشيا عون الذي جاء رئيسا للجمهورية واستمر نفوذه السياسي والعسكري ليكونا معا في مواجهة كل مكونات الشعب اللبناني.

تتابعت بعد ذلك خطوات الانقلاب السياسي، وشهد لبنان حالة من سوء الإدارة منذ عام 1992، حتى هذه اللحظة، فساد ممنهج في وزارة الطاقة والكهرباء التي كانت تستنزف أكثر من نصف ميزانية لبنان، لتغطية العجز في ميزانية وزارة الطاقة والكهرباء، الذي تناوب عليها منذ نحو 3 عقود وزراء محسوبون على المعارضة السياسية آنذاك، أي على التيار العوني، ومحسوبون أيضا على حلفاء سوريا، وحلفاء حزب الله، وبالتالي كان هذا هو الهدر الأساسي في ميزانية الدولة، بالإضافة إلى الهدر في شتى مرافق الدولة.

لم يتم طوال هذه الفترة محاسبة أي فاسد أو سارق للمال العام، بل كان يحتمي الجميع بقوة الأمر الواقع لحزب الله وأتباعه في لبنان، حتى وصل الأمر إلى إفلاس المصارف اللبنانية وتوقفها عن صرف أموال المودعين، وهنا كانت الطامة الكبرى.

إصلاح المسار

  • برأيك ما الذي أعاق محاولات الإصلاح، خصوصا عقب الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية التي طالبت بإعادة تصحيح المسار؟  

الأزمة الآن في لبنان هي أزمة سياسية تحولت إلى أزمة اقتصادية، واندلعت على إثرها ثورة ضد الفساد وضد السياسيين، إلا أن مليشيا حزب الله عارضتها بقوة الأمر الواقع، تارة بالترغيب وتارة بالترهيب واستعمال السلاح.

وكانت الدولة بأجهزتها تقف إلى جانب المليشيا، فسرقت أموال المودعين، وبات الوضع الاقتصادي منهارا، فتوقفت التحويلات من الخارج، وسحبت البنوك الدولية اعتماداتها من لبنان، ولم يعد أحد يثق بالاقتصاد اللبناني.

نتيجة لذلك اتجهت السياسية الخارجية اللبنانية، عبر وزارة خارجيتها، إلى محور ما يسمى "الممانعة"، وهو المحور الذي يضم النظام السوري والعراقي في الجامعة العربية، حيث كان التصويت يتعارض مع المحور العربي الذي كان لبنان يسير في فلكه وهو محور السعودية أو محور دول الخليج إن صح القول.

نتج عن ذلك أن فقدت الليرة 80 بالمائة من قيمتها مقابل الدولار، وما زال التدهور مستمرا، ووصلنا إلى مكان توقفت فيه المساعدات الدولية والعربية للبنان، وأصبحنا أمام شبه انهيار، سرقة أموال الناس، فساد في الإدارات لم يسبقه فساد منذ تأسيس الدولة اللبنانية.

لم يعد المودعون قادرين على الحصول أموالهم وإيداعاتهم، نتيجة الفساد وتهريب أموال البنوك إلى الخارج لبعض القوى السياسية، بالإضافة إلى التهرب الضريبي، ودعم النظام السوري بمواد أساسية مدعومة من الدولة، كالمازوت والقمح، ما تسبب في تكبد الدولة خسائر كبيرة".

الخيارات المتاحة

  • برأيك، ماهي الخيارات المطروحة للتعامل مع الديون المستحقة وتخفيف الأعباء، سواء الديون الداخلية أو الخارجية؟

الديون الخارجية ليست كالديون الداخلية، الديون الخارجية أنت تتعامل فيها مع دول، مع البنك الدولي، مع مؤسسة النقد الدولي، والتعامل فيها يجب أن يكون شفافا، وفيه التزام بالوقت، الدولة اللبنانية تخلفت عن سداد الدفعة الأولى من المستحقات عليها في اليورو بوند، ما أدى إلى تراجع تصنيف لبنان في الدول الملتزمة بالدفع، وهذا أمر سيئ للغاية على الاقتصاد اللبناني وعلى سمعة لبنان.

بالتالي يجب إعادة جدولة لهذه الديون، وإجراء مفاوضات مع الصندوق الدولي، والدول الأخرى التي لها التزامات على لبنان.

بالنسبة لموضوع الدين الداخلي، فيمكن إعادة الجدولة مع المصارف، والمصارف أبدت ترحيبا بذلك، لكن ما حصل من تهريب لكمية كبرى من العملة الأجنبية من جميع المصارف في لبنان إلى الخارج طرح أكثر من علامة استفهام.

وفيما يتعلق بسداد ديون الدولة والهيكلة المطروحة تكلمنا عن ذلك سابقا، الأمر بحاجة إلى دراسة جدية حقيقية ورغبة لدى المسؤولين بوضع حد لحالات الفساد والهدر، وكذلك لوقف فوائد الدين، وهي المشكلة الأساسية التي تشكل عبئا كبيرا على الميزانية السنوية للدولة.

كذلك يجب إيقاف حالات الفساد في المؤسسات العامة وفي التوظيف، هناك أكثر من 25 ألف وظيفة وهمية في لبنان، وهناك هدر كبير في ميزان المدفوعات لهذه الجهة.

  • مصرف لبنان سعى إلى اتخاذ إجراءات لوقف تدهور العملة، فضخ الدولار للسوق، لكن ذلك لم يسهم بإيقاف تدهور العملة، برأيك لماذا لم يفلح هذا الأمر؟

المطلوب هو إصلاحات جذرية حقيقية، لا محاولة معالجة الآثار أو النتائج، المطلوب إصلاحات جذرية في القطاعات التي يمكن أن تعطيها عائدات مالية ومردود مالي ضخم، في قطاع الاتصالات، وشبكات الاتصالات الخليوية، وفي قطاع الكهرباء، وقطاع النفط.

لا بد من تحرير قطاع الاتصالات في لبنان، لأنه يمثل عائدا ماليا كبيرا للدولة، لكن لا يتم الاستفادة منه، لأنه يذهب إلى جيوب الفاسدين، ويجب إصلاح هذا القطاع بطريقة حديثة، بحيث تتمكن الدولة من الاستفادة من موارد هذا القطاع المهم.

كذلك الأمر في قطاع الكهرباء، يجب إصلاح هذا القطاع بطريقة جادة، وخصخصته وتحويل مؤسسة الكهرباء إلى مؤسسة خاصة، لوقف الهدر الذي يحصل، فقطاع الكهرباء يستنزف من ميزانية الدولة سنويا حوالي 60 بالمائة، وهو البلاء الأساسي على خزينة الدولة، وعلى ديون لبنان.

سياسة مدمرة

  • بالنسبة للسياسة الخارجية للبنان، برأيك إلى أي مدى أسهمت بوصول الحال إلى ما هو عليه؟

السياسية الخارجية للبنان أضرت بالوضع الاقتصادي بشكل كبير جدا، فعدم التزام الصف العربي والتوجه نحو إيران، أضر بلبنان الذي كان يستفيد من الإيداعات العربية لدعم الخزينة، ويعيش على المساعدات من الكويت والسعودية والإمارات وقطر ومن كل الدول العربية.

انصراف لبنان عن الدول العربية وتوجهه نحو إيران، تسبب بإحجام تلك الدول عن مساعدته، وعن إيداع كميات كبيرة من الأموال في مصرف لبنان، وهذا نتيجة للسياسة الخارجية السيئة التي انتهجها وزير الخارجية السابق جبران باسيل وفريقه السياسي طوال الفترة الماضية حتى هذه اللحظة، حينما أدار ظهره للعرب وتوجه نحو إيران على حساب الدول العربية.

  • وردت فكرة سداد الدين من احتياطات المصرف المركزي، هل هذا برأيك قابل للتطبيق وهل يحل المشكلة أم يفاقمها؟

هذا الأمر سوف يؤدي إلى تدمير الاقتصاد اللبناني، ويتسبب بتدهور العملة بشكل أكبر، وهذا ما يحصل اليوم بالرغم من تدخل مصرف لبنان وضخ الدولار في السوق إلا أنه لم يوقف تراجع العملة، لأن المطلوب إجراء إصلاحات حقيقية وجذرية، ومعالجة أصل المشكلة لا آثارها أو نتائجها.

مساعدة دولية

  •  في فبراير/شباط الماضي، أعلنت الحكومة اللبنانية أنها ستطلب رسميا مساعدة فنية من صندوق النقد الدولي للتفاوض مع الدائنين على محو وتأجيل جزء من الديون العامة، هل برأيك الحكومة اللبنانية جادة في التعاطي مع توصيات صندوق النقد، وهل سيتجاوب الصندوق الدولي مع هذه الفكرة؟

في واقع الأمر، صندوق النقد الدولي كان قد جاء إلى لبنان وأجرى محادثات مطولة مع الحكومة اللبنانية، وطلب إصلاحات في قطاع الكهرباء وقطاع الاتصالات وخصخصة الاتصالات، وإجراء حوكمة في شتى مجالات الإدارة، لكنه لم يلمس أي نيات جادة من الجانب اللبناني في القيام بإصلاحات.

  • ما الإجراءات المترتبة على عدم دفع الديون، هل الحجز على الأصول اللبنانية في مختلف أنحاء العالم أمر وارد، برأيك؟

أعتقد أنه لا يمكن الحديث عن هذا الأمر حاليا، لكن يمكن طرحه باعتبار أن الأمور تسوء من يوم لآخر، فتخلف لبنان عن دفع الديون المستحقة، سوف يؤدي إلى تصنيفها كدولة متخلفة، ودولة اقتصادية منهارة.

وبالتالي قد يؤدي ذلك، وهذا ما نخشاه، إلى الحجز على أموالها وأصولها في الخارج، وعلى احتياطات البنك المركزي اللبناني في الولايات المتحدة، وقد يتطور الأمر للحجز على الطائرات اللبنانية، ووقف التعامل مع لبنان في عدة مجالات.

حل عملي

  • لو فكرنا بشكل عملي وجاد، برأيك ما هي الخطوات الأولى التي يجب أن تتخذها الحكومة اللبنانية للبدء في الإصلاحات؟

هناك خطوات يمكن أن تباشرها الحكومة اللبنانية بشكل عاجل، لو كانت جادة في تطبيق إصلاحات، يجب عليها أن تباشر بإيقاف الفاسدين وناهبي المال العام، وتجبرهم على إعادة ما سلبوه.

لا بد من عملية حقيقية لمكافحة الفساد، تبدأ من محاسبة جميع السارقين، والحجز على جميع ما نهبوه، ويجب أيضا إجراء عملية محاسبة شفافة لمن قام بتهريب الأموال الأجنبية إلى الخارج.

هذا الأمر لم يحصل للآن رغم حديث الحكومة عن رغبتها في إجراء إصلاحات، لكن لم يتم إيقاف سارق واحد أو حتى محاسبته، ولم يتم اتخاذ أي إجراء حقيقي ضدهم.

المحاسبة والحجز على المنهوبات هي الإجراء الأول، لإثبات صدق النية، وحتى نظهر نية حسنة لصندوق النقد الدولي، عدا ذلك نحن أمام حالة من تضييع الوقت فقط.

  • ما السيناريوهات المحتملة للأزمة الحالية؟

في واقع الأمر، لبنان إلى المجهول، غدونا في مواجهة اقتصادية صعبة جدا، يتحدث الجميع عن انهيار أمني قريب، لتغطية الفشل السياسي، وغدا اقتصاد لبنان القائم على الاقتصاد الحر اقتصادا تابعا للمحور، لا يمتلك ما يأكله، إن صح التعبير.

فحزب الله يتحكم بالسياسة الداخلية والخارجية، وهي المليشيا المحسوبة على النظام السوري والصين وروسيا، وكلها أطراف تحت العقوبات الأميركية، وأتوقع انفجارا اقتصاديا غير مسبوق، مع تمنياتنا بأن لا يحصل ذلك.


تحميل

كلمات مفتاحية :

اقتصاد حزب الله لبنان لبنان ينتفض مظاهرات لبنان