Wednesday 21 April, 2021

صحيفة الاستقلال

التقارب التركي الإيطالي في الملف الليبي.. لماذا أزعج الفرنسيين؟

منذ 2020/06/28 16:06:00 | تقارير
ظهرت خلافات قديمة جديدة بين إيطاليا وفرنسا المتنافستين منذ العام 2011 على استغلال النفط الليبي
حجم الخط

لم تضع الحرب أوزارها في ليبيا، فقوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا تواصل حشد قواتها في محيط مدينة سرت، بوابة الشرق الليبي الخاضع لسيطرة مليشيا اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بعد سلسلة من الهزائم التي مني بها خلال الأسابيع القليلة الماضية.

إنجازات قوات الوفاق وحليفتها تركيا فتح الباب أمام حراك دبلوماسي واسع في المنطقة على ضوء هذه المتغيرات الجديدة.

خلافات قديمة بين إيطاليا وفرنسا ظهرت بين المتنافسين منذ عام 2011 على استغلال النفط الليبي، وعمقتها مساندة كل من البلدين لطرفي الصراع في ليبيا.

ففي الوقت الذي يظهر فيه تقارب في الموقف التركي الإيطالي الداعم لحكومة الوفاق والشرعية الدولية في ملف ليبيا، يأتي موقف فرنسا على الطرف الآخر المعاكس والداعم للانقلابي حفتر، المدعوم من روسيا ومصر والإمارات.

روما وأنقرة

عقب زيارة أجراها وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، إلى العاصمة الليبية طرابلس، على رأس وفد ضم وزير المالية بيرات البيرق، ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، ومسؤولين آخرين، جاءت زيارة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي لويجي دي مايو أجرى زيارة لتركيا في 19 حزيران / يونيو 2020.

في بيان صحفي نشرته وزارة الخارجية التركية حول زيارة الوزير الإيطالي، التي تعد الثانية من نوعها خلال 2020، أوضح البيان أنه تم بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وعملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، كما تم تبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية والدولية الحالية، بالإضافة إلى مكافحة كوفيد-19.

وزيرا خارجية البلدين أكدا في مؤتمر صحفي إثر لقائها بالعاصمة أنقرة، على تطوير تعاون البلدين في عدد من المجالات واستثمار التقارب في المواقف خاصة فيما يتعلق بالملف الليبي.

وزير الخارجية التركية مولود تشاووش أوغلو، أكد على ذلك بقوله: "سنواصل العمل مع إيطاليا من أجل سلام دائم وعملية سياسية مثمرة في ليبيا"، ولفت إلى أنه أطلع نظيره الإيطالي على زيارته التي أجراها قبل أيام إلى ليبيا.

وتابع الوزير التركي: "لم تقف إيطاليا إلى جانب الانقلابي حفتر مثل بعض دول الاتحاد الأوروبي، لكنها بذلت جهودا صادقة من أجل وقف إطلاق النار ودفع العملية السياسية".

وأعرب الوزير عن رغبة تركيا في رؤية إيطاليا ضمن محافل ثنائية وثلاثية حول ليبيا، مبينا أن أنقرة أبلغت ذلك لروسيا ولدول أخرى.

وأكد الخبير في الشأن الليبي بشير الجويني أن "التوازن في موقف البلدين (تركيا وإيطاليا) نابع من عاملين رئيسيين، أولهما أنهما بلدان كانا ولا زالا على اتصال مباشر ومعرفة دقيقة وعميقة بالتركيبة الاجتماعية والحاجات الاقتصادية والتوازنات الداخلية من خلال علاقات تاريخية ضاربة في العمق.

وأضاف الجويني لـ"الاستقلال": أن "العامل الثاني فهو يتمثل في واقعية كل من تركيا وإيطاليا في التعامل مع الملف الليبي، على عكس دول أخرى، لا ترى في ليبيا إلا فرصة لتصدير مشاكل داخلية (مصر مثلا) أو سوق لترويج منتجات واستغلال ثروات (فرنسا مثلا).

وتابع: "المتوقع في المدى القريب، أن يكون لكل منها (إيطاليا وتركيا) مواقف مشتركة تترجم إلى تحرك منسق في الجانب السياسي قد يتم استثماره في أشكال تعاون ثنائي ومتعدد الأطراف".

رفض التقسيم

من جهته، أعرب وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، عن قلقه من الوضع في ليبيا، مؤكدا أن بلاده ستسعى لحماية ليبيا من التقسيم، وأكد أن الحل في ليبيا ينبغي أن يكون سياسيا، ويجب استئناف عملية برلين التي توقفت بسبب جائحة فيروس كورونا.

لا يبدو الموقف الإيطالي مختلفا عما كانت تعبّر عنه خلال الفترة الماضية إلا أنه ظهر خلال الزيارة الأخيرة أكثر وضوحا، وهو ما عبّر عنه الوزير التركي في تصريحه بأنهم في الحكومة التركية "ممتنون لإيطاليا لعدم دعمها الجنرال الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا، على العكس مما فعلت العديد من الدول الأخرى".

حافظت إيطاليا على علاقات جيدة مع حكومة الوفاق، وإن لم تشارك في دعم لها إلا أنها في المقابل لم تتورط في دعم انقلاب حفتر.

ويعيب عدد من المتابعين تأخر الموقف الإيطالي من المعارك الدائرة في محيط العاصمة الليبية طرابلس، لأكثر من 9 أشهر منذ شن مليشيا حفتر هجومها في 4 أبريل/نيسان 2019.

أول المواقف الإيطالية جاء في 25 كانون الأول / ديسمبر 2019، على لسان  نائبة وزير الخارجية مارينا سيريني، التي وصفت الوضع في ليبيا بأنه "لا يزال مقلقا للغاية" مؤكدة "الحاجة الملحة لالتزام المجتمع الدولي بأسره للتوصل إلى وقف إطلاق النار، ومنع الجهات الفاعلة خارج ليبيا من التدخلات، أيضا تلك ذات الطبيعة العسكرية، والتي بالتأكيد لن تدعم الاستقرار".

مقابل فرنسا

يرى عدد كبير من المتابعين أن زيارة المسؤول الإيطالي تعتبر ضربة مباشرة للموقف الفرنسي الذي ندد وشجب سياسة تركيا منذ أيام في ليبيا، لكنه فشل في تحقيق إجماع أوروبي حول الموضوع.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، انتقد تدخل تركيا في ليبيا، محذرا من أن أنقرة تمارس "لعبة خطيرة" عبر تقديم الدعم العسكري لحكومة الوفاق.

ماكرون قال مساء 22 يونيو /حزيران 2020: "أعتبر الآن أن تركيا تمارس لعبة خطيرة في ليبيا، وتخرق جميع الالتزامات التي تعهدت بها في مؤتمر برلين".

من جهتها وصفت تركيا الانتقادات الفرنسية لها بغير المقبولة، واتهمت باريس بأنها تعمل لمصلحة دول أخرى في المنطقة، في إشارة إلى الإمارات ومصر، وبأنها سبب في تفاقم الأزمة. كما وصفت التصريحات الفرنسية بأنها "تنم عن سياسة مبهمة ويتعذر تفسيرها".

روما فضلت التخلي عن مواقف الاتحاد الأوروبي خصوصا فرنسا في التعاطي مع الملف الليبي، وأعطت الغلبة للتنسيق مع تركيا التي غيرت موازين القوى في ليبيا بتدخلها العسكري، وكانت روما حانقة ومنذ سنوات على ممارسات باريس التي رغبت في إنهاء النفوذ الاقتصادي الإيطالي في ليبيا. 

تراجع فرنسي

يبدو أن خسائر حفتر المتتالية والصراع الذي نشب أخيرا في معسكره، خاصة بعد إعلان نفسه حاكما للبلاد، منقلبا على داعميه في مجلس نواب طبرق (شرقا) وحكومة عبد الله الثني المنبثقة عنه، جعلت الفرنسيين يتجهون لرفع يدهم الداعمة عن مليشيات حفتر في معاركها الأخيرة.

وفق متابعين، فإن تدخل روسيا عبر مرتزقة الفاغنر، تحوّل إلى عنصر إحراج لداعمي حفتر من داخل حلف الناتو، والذي عبّر أمينه العام عن انزعاجه في أكثر من مناسبة من تنامي نفوذ روسيا في ليبيا.

وحسب مجلة إنتلجنس أونلاين الاستخباراتي الفرنسي، في عدده الصادر 10 يونيو/حزيران 2020، فإن باريس تتجه إلى التراجع بشكل ملموس عن بعض المسارات التي سلكتها في ليبيا في السنوات الماضية.

وحسب الموقع، فقد طلبت قوات حفتر مساعدة فرنسا من أجل تشغيل المروحيات الجنوب إفريقية من طرازي "غازيل Gazelle" و"سوبر بوما Super Puma"، والتي كان قد سلمها فريق جنوب إفريقي بقيادة كريستيان دورانت ولافراس لويتينج، الذين غادرا البلاد في عجلة من أمرهما، حاملين معهما كتيبات الأدلة المرجعية للمروحيات.

من جهتها، قامت المديرية العامة للأمن الخارجي (DGSE) (وكالة الاستخبارات الخارجية الفرنسية)، التي تعرف المروحيات جيدا، بإجراء مراجعة بشأن ما يلزم لتشغيلها. لكن باريس أوقفت العملية، حيث لم ترغب في مزيد من الانخراط.

صراع قديم

لا يخفى على المتابعين للوضع الليبي الدور الذي تلعبه شركتا النفط الفرنسية توتال، والإيطالية إيني، من توفير مناخ للتنافس بين الجارين الأوروبيين، فالأخيرة تتصدر المركز الأول في التنقيب عن النفط الليبي، رغم ما عاشته البلاد من اضطرابات ما بعد اندلاع ثورة 17 فبراير/شباط 2011، التي أدت لإسقاط نظام معمر القذافي، الذي كان يعقد اتفاقات مع المؤسسة الإيطالية ويقدم لها تسهيلات واسعة.

ما بعد القذافي كان سببا كافيا لتوتير الأجواء بين البلدين الأوروبيين، حيث تفجرت قبل سنة موجة من التلاسن بين مسؤولي البلدين، وتوتر في العلاقات الدبلوماسية.

نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني شن يوم 23 يونيو/حزيران 2020، حربا كلامية استهدفت مُجددا باريس وقال: إن "فرنسا لا ترغب في تهدئة الأوضاع في ليبيا التي يُمزقها العنف بسبب مصالحها في قطاع الطاقة".


تحميل

المصادر:

1

تركيا تشكر إيطاليا على موقفها تجاه حفتر

2

تركيا: إيطاليا شريك استراتيجي سنعزز التجارة معه

3

تركيا تحاول استقطاب ايطاليا لتحالف ‘المصلحة’ في ليبيا

4

تركيا.. تأجيل زيارة وزير خارجية إيطاليا لـ19 يونيو

5

لمواجهة نفوذ فرنسا.. هل تحالفت إيطاليا مع تركيا في معارك ليبيا؟

كلمات مفتاحية :

الإمارات النفط تركيا حكومة الوفاق روسيا فرنسا ليبيا مصر