Wednesday 21 October, 2020

صحيفة الاستقلال

انهزمت في اليمن.. لماذا تخشى مصر التورط في حرب مع إثيوبيا؟

منذ 2020/06/20 16:06:00| تقارير ,مصر والسودان ,
القاهرة أمام خيارات معقدة وتساؤلات صعبة وتخشى الدخول في حروب إقليمية وينخرط جيشها في براثن الحرب بليبيا وإثيوبيا
حجم الخط

ستظل الهزيمة في اليمن شبحا يطارد الجيش المصري مهما طال الزمن وبعدت المسافات، فدخول مصر إلى اليمن في ستينيات القرن الماضي وفق ما أطلق عليه "فيتنام المصريين"، كان من الأسباب الرئيسية لانهيار التجربة الناصرية، وهزيمة يونيو/ حزيران 1967 أمام إسرائيل، وفقدان سيناء، وإثقال مصر بديون وخسائر اقتصادية هائلة.

منذ ذلك الوقت، والجيش المصري يخشى من التورط في صراع عسكري إقليمي، تكون عواقبه كارثية مثلما حدث في حرب اليمن.

أحاديث تتوارد ودعوات ترفع بضرورة تدخل مصر عسكريا في ليبيا لإنقاذ جنرالها الانقلابي خليفة حفتر، الذي يتلقى هزائم متوالية من حكومة الوفاق المدعومة من تركيا والمعترف بها شرعيا.

نفس الأحاديث والدعوات تتكرر في الملف الأخطر وهو سد النهضة الإثيوبي، الذي يهدد حياة 100 مليون مصري، في ظل تصعيد مستمر من جانب أديس أبابا، لتجد القاهرة نفسها أمام خيارات معقدة، وتساؤلات صعبة، هل تذهب إلى حروب إقليمية، أم تنظر إلى مآلات حرب اليمن فتتحسس الخطى وتدرس العواقب؟

محرقة اليمن

الدبلوماسي البريطاني أنتوني ناتنج، مؤلف كتاب "ناصر"، الذي روى جزءا من سيرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كتب عن تجربته في حرب اليمن قائلا: "كان عبد الناصر يريد استرجاع هيبته بعد انفصال سوريا، وكان انتصار عسكري سريع وحاسم يمكن أن يرجع له قيادته للعالم العربي".

مازالت حرب اليمن تشكل واحدة من أثقل الخسائر العسكرية والاقتصادية في التاريخ المصري الحديث، وهو ما مثل نقلة في منهجية الإستراتيجية العسكرية المصرية، من حسابات التدخل العسكرية الإقليمية الخارجية.

في 26 سبتمبر/ أيلول 1962 قامت الثورة اليمنية بقيادة المشير عبد الله السلال، والدكتور عبد الرحمن البيضاني، ثم طلب مجلس قيادة الثورة اليمنية مساعدات عسكرية من مصر.

بدأت القاهرة منذ 30 سبتمبر/ أيلول 1962 الاستجابة لهذه الطلبات وأرسل المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية، والقائد العام للقوات المسلحة، اللواء علي عبد الخبير، ومعه فرقة من الصاعقة والمظلات إلى اليمن.

ومع تطور المعارك بين قوات الثورة، والقوات الموالية للمملكة المتوكلية اليمنية، المدعومة من السعودية والأردن وبريطانيا، قرر عبد الناصر تعزيز دعمه العسكري، حيث كان عدد القوات أقل من 5 آلاف جندي، ارتفع إلى 15 ألفا، وفي نهاية عام 1963، بلغ عدد القوات 36 ألف مقاتل، وبنهاية عام 1964، وصل العدد إلى 50 ألف جندي مصري في اليمن.

وبلغ العدد ذروته نهاية عام 1965، حيث وصل إلى 55 ألف جندي، تم تقسيمهم إلى 13 لواء مشاة ملحقين بفرقة مدفعية، وفرقة دبابات والعديد من قوات الصاعقة وألوية المظلات.

وكتب الروائي المصري "وجيه أبو ذكري" عن خسائر مصر في حرب اليمن، في كتابه "الزهور تدفن في اليمن" أنهم كانوا "20 ألف عسكري".

كانت الخسائر المادية والمعنوية لا تقل عن الخسائر البشرية، حيث ضعفت قوة مصر الدبلوماسية على المستوى الإقليمي، وحدث شلل اقتصادي وأزمات داخلية، وبحلول عام 1965، كان الدين الخارجي قد بلغ 400 مليون جنيه مصري، وتضاعف الإنفاق العسكري، وتم وقف العديد من المشاريع الصناعية الكبرى، وارتفعت أسعار الكثير من السلع.

وكتب المؤرخ الإسرائيلي ميخائيل أورين، عن مدى استفادة الدولة العبرية من تلك الحرب، أن "مغامرة عبد الناصر العسكرية في اليمن كانت كارثة لدرجة أنه يمكن مقارنتها بحرب فيتنام".

وفي نهاية الأمر كللت حرب اليمن، بهزيمة عسكرية ثقيلة للجيش المصري، في 5 يونيو/ حزيران 1967، واحتلال شبه جزيرة سيناء بعد العدوان الإسرائيلي. 

ومنذ ذلك الحين تتحسب الدولة المصرية من الانزلاق في مستنقعات قتال إقليمية بشكل منفرد، ورغم اشتراك القوات المصرية في حرب تحرير الكويت أو عملية عاصفة الصحراء عام 1990، لكنها كانت ضمن قوات التحالف، ولم تكن منفردة.

مسافة السكة

في معرض ترشح السيسي للانتخابات الرئاسية في مايو/ آيار 2014، بدعم إماراتي وسعودي، قال تعبيره الشهير: "عندما يتعرض الأمن القومي العربي، والأشقاء في الخليج لتهديد مباشر، سيكون الجيش المصري مسافة السكة"، وأكد أن القوات المسلحة المصرية هي "جيش كل العرب".

لكن تصريحات السيسي، تهاوت أمام أول اختبار حقيقي، عندما أطلقت السعودية عملية عاصفة الحزم ضد الحوثيين في اليمن مارس/ آذار 2015، تحت مظلة التحالف العربي، وطلبت من مصر المشاركة لكنها رفضت.

السيسي قال وقتها في الندوة التثقيفية السادسة عشر للقوات المسلحة: "الجيش المصري لمصر وليس لأحد آخر"، وهو ما أحدث فجوة في ذلك الوقت بين القاهرة والرياض، وهاجمت وسائل إعلام سعودية مصر.

ومع مرور الوقت، عادت فكرة مشاركة الجيش المصري على نطاق واسع في عمليات عسكرية خارج الحدود، للطرح مرة أخرى، لكن هذه المرة في ليبيا الجارة الغربية، بضغط وطلب من أبوظبي الداعم الأكبر لنظام السيسي.

في 6 يونيو/ حزيران 2020، طلب الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، المقرب من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، من الجيش المصري قتال القوات التركية فى ليبيا.

وقال عبد الله في تغريدة على تويتر: "طرابلس أصبحت أول عاصمة عربية تقع تحت الاحتلال التركي والرهان على دور مصري حاسم خاصة الجيش المصري الذي هو ضمن أقوى 10 جيوش في العالم لردع أردوغان ووقف زحف مرتزقته شرقا وغربا وجنوبا".

تأزمات المسألة الليبية التي لم تجد حلا بالطرق الدبلوماسية، رفع منسوب الحديث عن خيارات القاهرة العسكرية، وذكر موقع "ديفينس بلوغ" المعني بالشؤون العسكرية، أن القوات المسلحة المصرية نشرت دبابات أبرامز القتالية على الحدود مع ليبيا.

لكن التطورات المتسارعة في الملف الليبي وهزائم حفتر تزامنت مع ما تواجهه القاهرة من أزمة كبرى في الملف الآخر الشائك، والذي يزيد أهمية عن الملف الليبي، ويتعلق بالأمن القومي وحياة 100 مليون مواطن وهو سد النهضة الإثيوبي.

ضرب السد

بعد سنوات طويلة من المفاوضات مع إثيوبيا والسودان، لم تتوصل مصر إلى أي اتفاق بشأن سد النهضة وحماية حقوقها المائية التي تعتبرها قضية أمن قومي رئيسية، غير قابلة للتفاوض أو التنازل عنها.

ومع ما تعتبره مصر تعنتا من جانب الحكومة الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، والإصرار على ملء الخزان، ما يعرض مصر لموجات جفاف مدمرة، بدأ المصريون يتساءلون عن الخيارات المطروحة وما هي الخطوات القادمة التي يمكن أن يتخذها نظام السيسي؟.

في 15 يونيو/ حزيران 2020، قال نائب رئيس هيئة الأركان الإثيوبي الجنرال برهانو جولا: إن "بلاده ستدافع عن مصالحها حتى النهاية في سد النهضة. أديس أبابا لن تتفاوض بشأن سيادتها على المشروع الذي يثير خلافا حادا مع مصر".

آبي أحمد نفسه، سبق وتوعد بالحرب في أكتوبر/ تشرين الثاني 2019، عندما قال: "إذا كانت هناك ضرورة للحرب فنستطيع حشد الملايين، وإذا كان البعض يستطيع إطلاق صاروخ، فالآخرون قد يستخدمون القنابل، لكن هذا ليس في مصلحتنا جميعا".

وفي ظل التصعيد بين الطرفين، يظل خيار اشتعال حرب ضارية بين مصر وإثيوبيا محل شك، لعدة عوامل جيوسياسية واقتصادية، لكن فكرة الصراع ذهبت إلى عقد مقارنات عسكرية بين الجيشين المصري والإثيوبي، إذ يحتل الأخير المرتبة 41 من ضمن أقوى 133 جيشا على مستوى العالم، بينما يحتل الجيش المصري المرتبة 10.

هذه المقارنات جاءت إثر تنبؤ العديد من السياسيين والباحثين، باحتمالية نشوب أول حرب على المياه في التاريخ الحديث، في منطقة حوض النيل بين القاهرة وأديس أبابا.

خيارات معقدة

الصحفي المصري أسامة الصياد، قال "للاستقلال": "الظرف التاريخي الحالي، مختلف عن تورط الجيش المصري في حرب اليمن، قبل نصف قرن، والتقاطعات الإقليمية الحالية تفرض سياقا مختلفا من الإستراتيجيات أمام العسكرية المصرية، وتحديدا في المستجدات الليبية والإثيوبية".

وأضاف الصياد: "الملف الليبي يختلف عن الإثيوبي شكلا ومضمونا، فمسألة ليبيا تتشابك فيها كثير من الأطراف الدولية والإقليمية، ومصر لا تتحرك منفردة، بل تحت غطاء التحالف مع الإمارات، بالإضافة إلى وجود دول مثل روسيا وإيطاليا وفرنسا، ما يجعل مسوغات الحلول متعددة، وقامت القاهرة بالفعل بأكثر من ضربة عسكرية داخل ليبيا، مثلما حدث في درنة، بالإضافة إلى وجود خيار الدعم المقدم إلى حفتر، أو التدخل وتأمين المنطقة الشرقية على الحدود المصرية".

وأردف الصحفي المصري: "أما إثيوبيا، فمصر تخوض معها صراعا منفردا، خياراته محدودة، بسبب التأخر والتخبط في التعامل مع الملف بالغ الحساسية، منذ عام 2011، والخيارات فيها لا تنبع من تحالفات إقليمية، بل من الجيش والنظام الحاكم".

وتابع: "مع تطورات الموقف، الذي يتجه إلى حالة صفرية، تصبح حسابات التورط العسكري أكثر تعقيدا، وتعتمد على العلاقات مع دول الجوار بين مصر وإثيوبيا، وهما السودان وجنوب السودان، وهو ما يحدد إلى مدى بعيد القدرة على تنفيذ ضربة عسكرية، ولا يمكن إغفال عامل الوقت، الذي يحاصر مصر، ففي حالة ملء الخزان، تصبح إمكانية الخيار العسكري مستحيلة، لأن الخسائر الناجمة عنها لا يمكن تحملها".

واختتم الصياد حديثه: أنه "بشكل عام مسألة الدخول في حرب خارج الحدود، لجيش مثل الجيش المصري، يمتلك إمكانيات وتجهيزات عالية ليس بالأمر الصعب، ولا المستحيل، فالانخراط في الحرب سهل، أما الصعوبة فتكمن في إنهاء الحرب وتوابعها على المستويات العسكرية والاقتصادية".


تحميل

المصادر:

1

اليمن.. فيتنام التى غرق فيها عبدالناصر

2

ما حجم خسائر مصر في حرب اليمن 62؟

3

أكاديمي إماراتي يطالب الجيش المصري بالقتال ضد تركيا في ليبيا

4

موقع ديفينس بلوغ: مصر تنشر دبابات أبرامز على حدودها مع ليبيا

5

السيسي: الجيش المصري في “مسافة السكة” للدفاع عن أشقائه في الخليج.. ومغردون: “الرز شكله خلص تاني”

6

السيسي: الجيش للوطن فقط.. ومغردون يسألونه عن “مسافة السكة”

7

مصر بين أزمتي ليبيا وسد النهضة.. هل تدق طبول الحرب أبواب القاهرة؟

8

سيناريوهات التدخل العسكري لحل أزمة سد النهضة

9

سد النهضة الإثيوبي “قد يشعل أول حرب” على المياه في العالم

كلمات مفتاحية :

إثيوبيا الجيش المصري اليمن جمال عبدالناصر حرب اليمن 1962 سد النهضة عبد الفتاح السيسي ليبيا مصر