Monday 10 May, 2021

صحيفة الاستقلال

الأسوأ منذ الاستقلال.. تحديات اقتصادية تواجه حكومة تونس الجديدة

منذ 2020/03/11 08:03:00 | تقارير
الحكومة الجديدة تواجه العديد من المصاعب الاقتصادية على مستوى المالية العمومية في الدولة
حجم الخط

تواجه تونس مجموعة من الأزمات الاقتصادية الكبيرة مما يلقي على عاتق الحكومة الجديدة التي نالت أخيرا ثقة البرلمان، مهمة إنعاش الاقتصاد، وخفض البطالة والعجز المالي والمديونية، ورفع معدلات النمو بالإضافة إلى تراجع سعر صرف الدينار التونسي.

وفي ٢٧ فبراير/شباط ٢٠٢٠، صوّت البرلمان التونسي، بالأغلبية، على منح الثقة لحكومة إلياس الفخفاخ بموافقة 129 نائبا، فيما تحفّظ نائب واحد بصوته واعتراض 77 آخرين (207 نواب شاركوا في عملية التصويت من أصل 217).

وتعهد رئيس الحكومة الجديدة أمام البرلمان بالحفاظ على قيمة العملة المحلية، وخفض العجز التجاري، والالتزام بتوجيه القروض إلى الاستثمار العام والحد من نسب التداين الخارجي والتضخم، ومكافحة الفساد وكبح الغلاء، واصفا ارتفاع عجز الميزان التجاري بـ"أهم المعضلات" التي تواجه الاقتصاد التونسي،

ويعاني الاقتصاد التونسي من ارتفاع الدين العام في السنوات الأخيرة البالغ 82.6 مليار دينار في شهر يونيو/حزيران ٢٠١٩، مما أدى إلى تنامي الشكوك حول القدرة على سدادها مع ارتفاع تكلفة الدين الخارجي، أمام ضعف النمو المتواصل منذ سنوات.

ونشر المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية خلال الشهر الجاري دراسة بعنوان "دين عام مثير للقلق"، تناولت ارتفاع الدين الخارجي البالغ 76.9 مليار دينار خلال عام 2019 من 60 في المائة خلال عام 2010 إلى 75 في المائة خلال عام 2020، بينما انخفض الدين الداخلي من 40 في المائة خلال عام 2010 إلى 25 في المائة خلال عام 2020.

ووفقا لتصريحات نقلتها جريدة الصباح التونسية في ٢٥ فبراير/شباط ٢٠٢٠ لرئيس البنك المركزي التونسي، مروان العباسي، فإن "تونس ستشهد بين عامي 2020 و2025 سلسلة من الضغوطات المالية جراء حلول آجال السداد السنوي لأصول رقاعية ولاستحقاقات صندوق النقد الدولي"، فهي مطالبة بسداد قروض تبلغ نحو مليار دولار سنويا حتى عام 2025.

تصاحب تلك الديون انعكاسات سلبية على النمو نتيجة التوجيه المفرط للقروض لتسديد الدين مما يجفف موارد التمويل التي يمكن أن يتم توجيهها للنمو الاقتصادي، بالإضافة إلى تزايد عجز الموازنة، حيث يتم توجيه نحو ثلثي الميزانية إلى كتلة أجور القطاع العام.

وبذلك، تصبح نسبة النمو وفقا للمعهد الوطني للإحصاء خلال 2019 تمثل 1 في المائة وهي أضعف نسبة نمو في السنوات الخمس الماضية.

كما ارتفع العجز التجاري إلى 11.164 مليار دينار (نحو 4 مليار دولار) في يوليو/تموز 2019، بالإضافة إلى انخفاض قيمة صرف الدينار التونسي الذي بدأ يتعافى بعد أن شهد تراجعا بلغ أكثر من 40 في المائة خلال عامي 2017 و2018.

أهم التحديات

يرى وزير الشؤون الاقتصادية السابق، رضا السعيدي، أن الحكومة الجديدة تواجه العديد من المصاعب الاقتصادية على مستوى المالية العمومية في الدولة والحاجة إلى الموارد، وعلى مستوى دفع الاقتصاد للخروج من نفق تباطؤ النمو وخلق فرص عمل، بالإضافة إلى انخفاض الحركة التجارية وخاصة الخارجية، وتراجع نمو القطاعات الاقتصادية المهمة مثل القطاع الصناعي.

وأضاف السعيدي في حديث لـ"الاستقلال"، أن فيروس كورونا يعد أحد التحديات لما له من تداعيات سلبية على السياحة داخل تونس باعتبارها وجهة سياحية مهمة.

وينضم إلى تلك التحديات القطاع الزراعي الذي يعد من القطاعات الأساسية في البلاد لارتباطه بالعوامل المناخية التي ينتظرها ندرة في الأمطار خلال الفترة المقبلة، مما قد يؤثر بالسلب على الإنتاج الزراعي خاصة في الزراعات الكبرى مثل الحبوب والزيتون والتمور.

وأشار الوزير السابق، إلى أن قطاع الفوسفات والأسمدة يعاني ضعفا في النمو والإنتاج، مضيفا أن معدل الإنتاج في السابق كان يتراوح بين 7 و8 مليون طن بينما الآن بالكاد يصل إلى 4 مليون طن، مما يؤثر على إنتاج أحد القطاعات الأساسية المصدرة، كما أنه مرتبط بالقطاع الزراعي.

وأكد السعيدي على أن من ضمن الصعوبات الاقتصادية والمالية إصلاح القطاع العمومي بحيث يصبح أكثر مردودية، والتقليص من العجز المالي في المؤسسات التي تعاني صعوبات مالية كبرى كالقطاعات الإستراتيجية مثل النقل والصناعة والقطاع الجوي وغيرها من المؤسسات التي تبلغ نحو 100 مؤسسة عمومية كبرى، بالإضافة إلى تحفيز الاستثمار لدفع محركات النمو.

بينما قال الخبير الاقتصادي والمالي، عزالدين سعيدان: إن أهم هذه التحديات هو إيجاد الموارد المالية حتى تستطيع الدولة أن تُسير أمورها بصفة عادية من دفع للأجور ونفقات الدولة العادية، مما يقتضي ترميم العلاقة ما بين تونس والمانحين الأساسيين الدوليين وبخاصة الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وصندوق النقد.

وتابع في حديث لـ"الاستقلال": "في هذا الإطار ربما يجتمع في أبريل/نيسان القادم (٢٠٢١) صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مع رئيس الحكومة وبعض أعضاء الحكومة لمحاولة إقناع هذه الجهات أن هناك توجها جديدا في تونس وهذا ربما يعيد صياغة ميزانية جديدة لسنة 2020 من شأنها أن تعكس سياسة الحكومة الجديدة".

وأضاف سعيدان، أن من ضمن الأولويات الواجب على الحكومة الالتفات إليها هو الجانب الاجتماعي للتونسيين، حيث أنهم في أشد الحاجة إلى المساعدات من أجل تلافي أي انفجار اجتماعي، مؤكدا على ضرورة اتخاذ هذا في الحسبان حتى ولو كان على حساب المشاريع الاقتصادية.

ويرى الاستشاري في إستراتيجيات الاستثمار صادق جبنون، أن الحكومة الجديدة تواجه أزمة اقتصادية لم تعرفها البلاد منذ الاستقلال وبخاصة في الهيكلية الاقتصادية.

وأشار في حديث لـ"الاستقلال"  إلى تراجع النمو الصناعي والواردات الضرورية للصناعة والإنتاج بنسبة 226 في المائة، بالإضافة إلى التضرر الهيكلي في قطاعي الزراعة والاستثمار، وارتفاع نسب البطالة البالغة 15 في المائة.

الحلول اللازمة

أوضح الوزير السابق، أن على الحكومة أن تضع نصب أعينها برنامجا عاجلا يستهدف إعطاء نفس جديد للنشاط الاقتصادي بتيسير العملية الاستثمارية وبدفع المشاريع المعطلة أو التي تعاني صعوبة في الانطلاق وسن قوانين لتسهيل نشاطات المؤسسات الصغرى والمتوقفة وإعطائها المزيد من القدرة على الاستمرار والقدرة على تجاوز الصعوبات.

بالإضافة إلى  التحكم في عجز الميزان التجاري المختل وإعطاء الأولوية للواردات من المدخلات الصناعية ونصف المواد المصنعة والأولية.

وأشار إلى أنه لا بد من تقليل الواردات الكمالية التي تعيق تحجيم التحسن في الصادرات مقابل الواردات، ودعم المؤسسة الاقتصادية لتكون إلى جانب المؤسسات المصدرة لزيادة الصادرات، مما يقلص من العجز التجاري ويحسن من سعر صرف الدينار الذي تراجع وتقهقر في السنتين الماضيتين أكثر من 30 في المائة من قيمته الأصلية.

فيما يرى جبنون، أن الحديث عن حلول أو اتفاق سريع يعد صعبا نظرا للتناقضات الأيدلوجية الموجودة، مشيرا إلى أنه على سبيل المثال: "هنالك إشكالات خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بصندوق النقد الدولي وكيفية الاتفاق معه حول الوصفة التي يطلبها".

وتابع: "هناك مكونات من الحكومة تعتبر لديها فكرا اقتصاديا اشتراكيا مثل حركة الشعب، وبالتالي سيكون هنالك حتما سجال مع صندوق النقد الدولي الذي يطلب الآن خصخصة مؤسسات عمومية رئيسية، وأيضا بين حركة النهضة وتوجهها الليبرالي (عقب إصرارها على إشراك حزب قلب تونس بالحكومة)، وهذا يطرح بداية الإشكالات داخل النظام الحاكم، والتي رأيناها الآن في البرلمان على صعيد الانتقادات الداخلية بين مكونات الائتلاف". 

تأخر الحكومة

أشار السعيدي، إلى أن تأخر تشكيل الحكومة ترك القطاعات الاقتصادية والإدارة العمومية والوزارات كلها في حالة انتظار والنشاط الاقتصادي وحتى العمل الإداري كان في حدوده الدنيا مما انعكس مباشرة على النتائج الاقتصادية على المستوى الكمي.

من جانبه قال سعيدان: إن تونس استمرت خمسة أشهر بدون حكومة، حيث كانت المؤسسات شبه متوقفة ولم يكن هناك قرارات جريئة وبالتالي هذا أضر بالاقتصاد التونسي والدليل على ذلك هو أن نسبة النمو خلال 2019 كانت ضئيلة جدا.

والأهم من ذلك هو أن نسبة النمو في النصف الثاني من سنة 2019 كانت صفرا في المائة، وبالتالي هذا يعني أن الاقتصاد التونسي أصبح شبه متوقف عن خلق الثروة الإضافية وفرص العمل.

فيما يرى جبنون، أن الاقتصاد التونسي لم يتأثر بتأخر تشكيل الحكومة بقدر ما تأثر بمقاربة خاطئة قائمة منذ 3 سنوات، تقوم على الضغط الجبائي المرتفع والبيروقراطية المكبلة للاستثمار وعلى مقاومة العجز التجاري على حساب إنعاش الاقتصاد والعودة إلى النمو القوي.

وتابع: "هذه هي المقاربة الخاطئة الأرثوذكسية التي تنصح بها ألمانيا في الاتحاد الأوروبي، هي محدودة لدول مصنعة لديها قدرة مالية كبيرة وليست لدول ناشئة ونامية في حاجة إلى النمو وإلى الخروج من بوتقة الفقر".

وبالتالي كان من الأجدى بحسب جبنون، الرهان على الاستثمار وعلى المؤسسة وخلق الثروة عوضا عن الرهان الكامل على إعادة التوازنات المالية الكبرى على حساب الاستثمار والنمو  وهذا هو السباق الحقيقي الذي أدى إلى الركود الهيكلي الذي يقبع فيه الاقتصاد التونسي حاليا.

مستقبل الاقتصاد

توقع الوزير السابق رضا السعيدي، أن الحكومة الجديدة التي تعرف التحديات المالية والاقتصادية لن يكون العمل سهلا بها، إلا أنها تضم عناصر كفوءة ومقتدرة.

وأضاف: أنه "ربما يكون هناك بعض الإشكاليات على المستوى السياسي ولكن رئيس الحكومة دعا الوزراء لأن يعملوا بشكل متضامن من أجل رفع هذه التحديات ومواجهة الصعوبات، من أجل تحقيق الأهداف الوطنية وتنفيذ البرنامج المشترك الذي اتفق عليه كل الأحزاب المشاركة في الحكومة".

بينما يرى سعيدان، أن تلك الحكومة غير متجانسة وتصرف الأحزاب المكونة في مجلس نواب الشعب في الأيام الأخيرة كان خير دليل على ذلك.

ولفت إلى أن "هذا الائتلاف هش وضعيف ما سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف تلك الحكومة وربما يعقد الوضع، وبالتالي هذه الأحزاب من مصلحتها ومن مصلحة تونس أن لا تجازف من جديد بإسقاط الحكومة أو السير نحو انتخابات برلمانية جديدة لأن هذا سيكون مكلفا جدا وربما يتسبب في مشاكل معقدة".

من جانبة قال جبنون لـ"الاستقلال": إن الاقتصاد لا يعترف إلا بالنجاح والنتائج، لذلك الرؤية حذرة بالنسبة للمستقبل طالما لا توجد خطة إنعاش لإعادة إطلاق الاقتصاد التونسي نحو النمو وخلق الثروة بخطى ملموسة وسريعة.


تحميل

المصادر:

1

تونس مطالبة بسداد 1000 مليون دولار سنويا ديون خارجية 

2

الفخفاخ يتعهد بالحفاظ على قيمة الدينار التونسي وخفض العجز التجاري

3

دين عام مثير للقلق

4

الدين الخارجي لتونس يبلغ 80 ألف مليار!

5

الدينار التونسي يحقق التحسن بالرغم من تعثر التشكيل الحكومي

كلمات مفتاحية :

أزمة اقتصادية إلياس الفخفاخ البرلمان التونسي الحكومة التونسية تونس