Wednesday 16 June, 2021

صحيفة الاستقلال

حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني.. هذه تداعياته على الأرض

منذ 2019/03/12 11:03:00 | ترجمات
حماس وصفت قرار حلّ المجلس بأنه انقلاب على الشرعية
حجم الخط

تعيش الساحة السياسية الفلسطينية مشاكل داخلية وخارجية منذ سنوات طويلة، فالاشتباك الداخلي بين أهم قوتين في فلسطين: حماس وفتح تسبب في انقسام فلسطين سياسيا إلى قسمين عاصمتهما غزة ورام الله.

وتسبب هذا في مشاكل كثيرة على الصعيد الخارجي لتباين السياسات المتبعة من الطرفين. وبينما ترى فتح أنها قد جُردت من كل شيء بعد توقف المفاوضات مع إسرائيل، تواجه حماس مشاكل عديدة بسبب الغارات الإسرائيلية إلى جانب المشاكل الإقليمية في دول الجوار. ورغم المبادرات العديدة للمصالحة بين حماس وفتح، إلا أنها بقيت حبيسة الأوراق والتنظيرات.

وعلى الرغم من بعض الأحداث التي أحدثت بعض التقارب، إلا أن قضية الأسلحة التي تملكها حماس لم تزل تسبب استمرار النزاع. ولا يزال النزاع مستمرا بين فتح وحماس بسبب هذا، فعباس يرى حماس جزءا من الدولة التي يترأسها، بينما حماس لا تعترف به وبفتح حركة مقاومة لإسرائيل.

في هذه الأوضاع المتأزمة، وفي الوقت الذي ازدادت فيه سياسات إسرائيل شدة وحدة بدعم أمريكي، قرر رئيس السلطة الفلسطينية في ٢٢ ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٨، حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني، مما يرى أنه جاء في سياق استمرار النزاع بين الطرفين، وقد لقي هذا القرار صدى في الساحة الفلسطينية، وصار حديث كثير من الناس وموضع نقاشهم.

ما خلفيات حلّ المجلس التشريعي؟

في ٢٢ ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٨، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني بشكل فعلي. هذا القرار يعود لعباس، وإن كان قد أعلن أنه قرار المحكمة الدستورية، وكان عباس قد هدد غير مرة بحلّ المجلس الذي تسيطر عليه حماس.

وقد دعت المحكمة في قرارها الرئيس عباس إلى إجراء انتخابات برلمانية في الأشهر الست المقبلة. وقد زاد الطين بلة النقاشات التي ظهرت إبان هذا الإعلان حول مشروعية المحكمة الدستورية. المحكمة الدستورية التي صادق على تأسيسها عام 2006، وأسست استنادا إلى القانون الأساسي الفلسطيني المعدل عام 2003 أي إلى الدستور الفلسطيني.

أجري بعد انتخابات 2006 التي فازت بها حماس وقبل أن يبدأ المجلس التشريعي أعماله، تغيير في قانون المحكمة الدستورية وأخرجت منه المادة الخامسة التي تنص على لزوم إقرار قرارات المحكمة الدستورية من المجلس التشريعي. لكن بعد نقاشات استمرت طويلا لم تقم المحكمة إلا عام 2016، قد عين أعضاؤها جميعا بقرار منه، وكان من أول قراراتها منح رئيس السلطة بصورة استثنائية صلاحية رفع الحصانة عن النواب. وهكذا تحولت المحكمة الدستورية إلى طرف في النزاع الداخلي.

بعد الصراعات التي جرت عام 2007، هُمش المجلس التشريعي -الذي تشكل حماس أغلبيته- من الرئيس عباس ولم يجتمع المجلس من عام 2007 إلى يومنا هذا مرة أخرى. وفعليا كان أكثر أعضاء المجلس من حماس قد اعتقلوا من قوات الاحتلال الإسرائيلي. أما النواب الحمساويون في غزة فاستمروا في اجتماعاتهم برئاسة نائب رئيس المجلس.

ونتيجة تهميش المجلس التشريعي في رام الله من حكومة عباس، لم يعد المجلس يقوم بأي من أعماله، وإن بقي كرمز برلماني بين مؤسسات الدولة. لكن في الفترة الأخيرة بدأ بعض مسؤولي حكومة رام الله وكذلك عباس بالتلويح بحلّ المجلس التشريعي. ومن ذلك طلب المجلس الثوري لحركة فتح حلّ المجلس التشريعي، وتحويل صلاحياته إلى المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية (الذي تسيطر عليه فتح).

كيف واجه الفلسطينيون هذا القرار؟

بينما أيدت حكومة رام الله وحركة فتح هذا القرار، عارضته الفصائل الفلسطينية الأخرى وعلى رأسها حماس. منظمة التحرير الفلسطينية وفتح برئاسة عباس، تحاولان إنهاء فترة المرحلة الانتقالية، التي بدأت بتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، والشروع في مرحلة تأسيس دولة فلسطين المستقرة. فقد بات موقع الإدارة الفلسطينية في خطر بعد توقف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية التي كانت بدأت بعد اتفاقية أوسلو. ويحاول رئيس السلطة عباس وحكومة رام الله مواجهة توقف المفاوضات بالرجوع إلى المنظمات الدولية (كهيئة الأمم المتحدة)؛ لإضفاء مشروعية على الدولة الفلسطينية وإدارتها. وهذه المحاولات مستمرة منذ عام 2012.

تحاول منظمة التحرير الفلسطينية إكساب هذا القرار مشروعية ضمن سياستها الخارجية لإكساب دولة فلسطين وإدارتها الشرعية المطلوبة. في هذا السياق صرح صائب عريقات أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية بقوله: "نهدف إلى الانتقال إلى مرحلة الدولة بعد فترة التأسيس التي كنا فيها". وفيما برّأ عريقات حركة فتح من أية مسؤولية سلبية، اتهم حماس بالتفرقة والوقوف ضد الوحدة الوطنية. لكن هذه التصريحات وإن أفادت بأن حلّ المجلس كان لإنشاء الدولة، لا تمنع من أن يكون هذا القرار في سياق النزاع الداخلي.

وفي الطرف الآخر، جاء أكبر احتجاج من المجلس التشريعي الفلسطيني. وقال رئيس المجلس عزيز دويك إن هذا القرار بمثابة انقلاب دستوري. دويك الذي قال إنه لم يستطع دخول مكتبه في المجلس منذ عام 2006، اتهم عباس بمحاولة تهميش المجلس. وكان دويك قد مُنع من قوات الأمن الفلسطيني من حضور المؤتمر الصحفي للاحتجاج على القرار، وبعد إيقافه لمدة نصف ساعة سمح له بالرجوع إلى مدينة الخليل.

أما حماس التي رأت أن القرار يستهدفها بالأساس، فقد ذكرت أن هذا الفعل سياسي بحت، مضيفة أن القرار خال من المشروعية لعدم مشروعية المحكمة الدستورية أيضا. أما أعضاء المجلس الحمساويين في غزة فقد اجتمعوا في المبنى الإضافي للمجلس في غزة يوم 26  ديسمبر/كانون الأول 2018 محتجين على القرار.

وبالنسبة لباقي الفصائل، كالجبهة الشعبية لتحرير الفلسطينية، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وحزب الشعب الفلسطيني، فقد رفضت القرار واستنكرته. وكانت هذه الفصائل قد امتنعت سابقا عن حضور اجتماعات منظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى جانب آخر، فقد استنكر حقوقيون هذا القرار ووصفوه بعدم المشروعية. وقال رئيس لجنة تدوين الدستور وعميد كلية الحقوق بجامعة النجاح أحمد مبارك خالدي: "إن القرار غير دستوري، وإن دورة المجلس التشريعي الفلسطيني لا تنتهي، إلا بعد أداء أعضاء المجلس الجديد اليمين الدستورية".

ما الآثار المحتملة لهذا القرار على الساحة السياسية الفلسطينية؟

يبدو أن هذا القرار الذي صدر عن رأي أحادي غير جماعي؛ سيعمق الخلافات بين الأطراف في الساحة الفلسطينية.

النزاعات الموجودة في الساحة الفلسطينية والتي بدأت بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، والاشتباك الداخلي الذي تلاها إثر اعتراض عباس على نتائج الانتخابات، استمرت بترتيب عمليات للقضاء على وجود حماس في الضفة الغربية وفي قطاع غزة. وقد جرت أكثر من محاولة للمصالحة بين الطرفين، منها: مفاوضات جرت في مصر في مايو/أيار 2011، وفي قطر بشهر فبراير/شباط 2012، وقد وقعت الأطراف اتفاقية عام 2014 على إجراء حكومة وحدة وطنية وانتخابات تشريعية ورئاسية، لكن لم يجرِ تنفيذ أي من هذه البنود على أرض الواقع. ومؤخرا وقع الطرفان اتفاقية مصالحة في العاصمة المصرية القاهرة، لكنها بقيت كسابقاتها غير مطبقة على أرض الواقع.

يتوقع أن تزيد هذه الخطوة من انعدام الثقة بين حماس وفتح، إذ أن هذا القرار الذي يقف عباس خلفه سيكون بالنسبة لحماس خطوة عدائية تجاه مشروعيتها. كما أن قرار المجلس المركزي لحركة فتح بالاشتراك مع أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية بتشكيل حكومة مستقلة يعد أحد مظاهر هذا النزاع المحتدم. فقد أعلنت قيادة فتح وعباس بهذا القرار أنها رغبت عن حكومة الوحدة الوطنية إلى حكومة تحت سيطرتها.

كما يتوقع أن يكون لهذا القرار الأحادي أضرار كبيرة على الحياة السياسية في فلسطين، إلى جانب تسببه في أزمة دستورية، إذا ما تذكرنا بأنه لم تجرِ أي انتخابات تشريعية أو رئاسية بعد انتخابات 2006، وهذا الموقف هز من مشروعية حكومة فتح وعباس، فاتخاذ قرار كهذا أحادي من طرف غير مستوثق الصلاحية الدستورية؛ سيقود البلاد إلى طريق مسدود.

هذه التطورات كلها ستحدد مسار الحياة السياسية في فلسطين بعد عباس. أحد النتائج المباشرة لحلّ المجلس كانت منع رئيس المجلس عزيز دويك، من تولي رئاسة الدولة بالوكالة حال وفاة الرئيس كما تنص المادة 37 من القانون الأساسي الفلسطيني.

وهذه الخطوة التي جاءت بعد فترة كان رجال الأمن التابعون لفتح يعيقون عمل أعضاء المجلس الحمساويين، تحرم حماس من فرصة اختيار خلف لعباس.

في سياق آخر، نرى خطوات رئيس السلطة محمود عباس في الفترة الأخيرة أكثر تحكما ونفوذا، لا سيما ومعظم مستشاريه ومعاونيه من رجال الأمن والخبراء الأمنيين.

يمكن القول، بأن الوضع إذا استمر كما هو الآن فليس بيد حماس أية فرصة لاختيار خلف لعباس؛ لأن الأمر منحصر في حاشية الأخير، هذه الحاشية التي لها علاقات وثيقة بمسؤولي تل أبيب، وهذا يعني أن إسرائيل أيضا سيكون لها يد في تحديد السياسة الفلسطينية.

النتيجة

يبدو أن النقاشات حول مشروعية ودستورية قرار حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني ستعمق الخلافات بين الأطراف الفلسطينية. هذا القرار الذي اتخذه عباس وحركة فتح، ورفضته كل الأطراف الفلسطينية؛ سيعمق الانقسام الجغرافي ويضعف الحالة السياسية الفلسطينية في خطوة بعيدة عن المصالحة.

حماس ستكافح ضد هذا القرار، وقرار إعلان الانتخابات المحتملة، لكن احتمال تراجع حكومة رام الله وعباس في وقت يلاقون فيه ضغطا من إسرائيل وأمريكا ويتخوفون منه على مستقبلهم، هذا الاحتمال ضعيف جدا. ويمكن أن يفتح هذا القرار طريقا إلى إنشاء منظومتين سياسيتين مختلفتين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا سيسهل عمل إسرائيل المدعومة من أمريكا في تصفية المقاومة الفلسطينية.

ويظهر من هذا القرار أيضا أن حكومة رام الله ماضية قدما في معاداة حماس ومعاقبتها. ويمكن أن تكون خطوة عباس التالية إعلان غزة منطقة منشقة. وحكومة رام الله التي لا تملك سيطرة على القدس، وغزة ستكتفي بإدارة الضفة الغربية؛ حيث يتواجد الفلسطينيون بكثرة. ودولة وإدارة كهذه تسهل أعمال مخطط ترامب الذي ينتظر أن يعلنه في الفترة المقبلة، والذي –بالطبع- سيكون منحازا لإسرائيل.


تحميل

المصادر:

1

موقع مركز “سيتا” التركي للأبحاث

كلمات مفتاحية :

إسرائيل المجلس التشريعي حماس فتح فلسطين محمود عباس