أزمة تحوم فوق عمان.. هل تنجو السلطنة بعد وفاة قابوس؟

12

طباعة

مشاركة

نشرت صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية مقالا للكاتب جورج مالبرونو، تحدث فيه عن سياسة السلطان قابوس بن سعيد، الذي توفي في 10 يناير/ كانون ثاني الجاري، والذي حكم سلطنة عُمان لمدة 50 عاما، ووصفته الصحيفة أنه قام خلال فترة حكمه بتحديث بلاده وجعلها متفردة ومتميزة عن باقي بلدان الخليج.

وقال الكاتب في مقاله، إن "جنتلمان الخليج" ويقصد به السلطان قابوس، توفي عن 77 عاما، في مسقط بسبب السرطان، إذ كان يحكم عُمان بقبضة من حديد منذ عام 1970، فهو شخصية غير نمطية معروفة بتذوقه للأوبرا والموسيقى الكلاسيكية وثقافته البريطانية.

سمة فريدة

وأضاف: "لكن السمة الفريدة في حكمه تتجاوز الوضع الاجتماعي، إذ أنه حليف للولايات المتحدة، التي لها قاعدة في سلطنة عُمان، كما كان قابوس صديقا لإيران، حيث يتقاسم البلدين مضيق هرمز الذي يمر عبره 30 بالمئة من النفط العالمي، ووسيط فعال بقدر هدوئه في الأزمات، سواء الرهائن أو الحروب التي دمرت الشرق الأوسط لمدة ثلاثين عاما".

وأشار الكاتب إلى أن "هذا البلد الصغير الواقع في الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، ويبلغ عدد سكانه أربعة ملايين نسمة فقط، يتناقض بشكل كبير مع دول الخليج الأخرى، إذ أنه بعيد جدا عن الغنى الفاحش لدبي، وتشدد المملكة العربية السعودية والرغبة في تعزيز وجوده كقطر".

وأكد مالبرونو أنه "مثل معظم حكام هذه المستعمرات البريطانية السابقة، تلقى قابوس دراسته في الأكاديمية العسكرية المرموقة في أكاديمية ساندهيرست ببريطانيا العظمى وتخرج منها بعد عامين برتبة ملازم، ثم خدم في ألمانيا ضمن فرقة عسكرية بريطانية لمدة عام".

وأوضح: بعد عودته مرة أخرى لمسقط، اصطدم بأبيه الذي يحجم عن استخدام النفط لتطوير بلده، وفي عام 1970 استولى على السلطة، وأطلق على دولة مسقط وعُمان اسم "سلطنة عمان"، موحدا بذلك الساحل التجاري للبلاد ومذهب الإمامية الإباضية، هذه الطائفة المسلمة، ذات الأغلبية في الدولة.

ولفت الكاتب إلى أن قابوس نفذ "تحديث متحكم فيه" لبلده: حيث بنى الطرق والموانئ والمطارات والمدارس والجامعات. ولكن في الوقت نفسه، اشترى السلطان السلام الاجتماعي عن طريق إعادة توزيع الأموال والآلاف من وظائف الخدمة المدنية.

وبين أنه في عام 2009، ساعد واشنطن في تأمين الإفراج عن العديد من المحتجزين لدى إيران، وقبل ثلاثين عاما، لعب بالفعل دور الوسيط بين إدارة جيمي كارتر- الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة- ونظام آية الله الخميني أثناء أزمة الرهائن الأمريكية في طهران.

كما أنه خلال السنوات الأخيرة، كان لبلاده دور حاسم في إطلاق سراح العديد من الرهائن الغربيين - بمن فيهم الفرنسيون - المحتجزون في اليمن المجاور، وأخيرا، لعبت مسقط دورا هاما في الاتصالات السرية الأولى بين الدبلوماسيين الأمريكيين والإيرانيين في ربيع عام 2013، والتي بعد ذلك بعامين أدت لتوقيع اتفاقية فيينا التاريخية بشأن الطاقة النووية لطهران، بحسب الكاتب.

وأوضح الكاتب أنه "بفضل التعزيزات التي أرسلها شاه إيران، نجح السلطان الشاب عام 1975 في إخضاع الانفصاليين في ظفار، حيث إن دينه لإيران لم ينساه أبدا، حتى بعد أن أطاح الملالي بالشاه عام 1979".

ولفت مالبرونو إلى أن السلطان أدرك بسرعة أنه لضمان الهدوء اللازم لتنمية بلده، كان عليه أن يفعل كل شيء لإبقاء عُمان خارج الاضطراب الإقليمي، فمنذ حرب الخليج الأولى عام 1990 وحتى الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، حافظ على نوع من الحياد السويسري، يتكون من تحالفات خفية وشبكات تشكلت بأناة.

ونقل الكاتب عن دبلوماسي فرنسي عاش لفترة طويلة في مسقط، قوله: "عُمان بعيدة عن كونها ملاذا للحرية، قابوس سلطان مستنير ربما، لكنه استبدادي على أي حال، فالصحافة مكممة، والأحزاب السياسية محظورة. فعُمان مصممة خصيصا لقابوس الذي يرأس الجيوش ورئيس الوزراء ووزير الدفاع ومحافظ البنك المركزي".

وأكد الدبلوماسي الفرنسي أن "اتخاذ القرارات الكبيرة يتم في مجلس الوزراء الملكي وليس في مجلس الوزراء".

ولفت مالبرونو إلى أنه في سفينة "والد الأمة"، تمكن شخصان من الظهور: رجله الأيمن، يوسف بن علوي، رئيس الدبلوماسية العمانية، ووزير مكتب القصر، والجنرال سلطان بن محمد نعماني، واحد من أرقى العائلات في البلاد، الذي ترأس أجهزة أمن الدولة، المخابرات التي تم إنشاؤها على النموذج البريطاني من طراز MI-5، ومع ذلك، لم يخلفه.

سويسرا الخليج

ونوه الكاتب الفرنسي إلى أن قابوس تزوج لفترة قصيرة في منتصف سبعينيات القرن الماضي من بنت عمه، التي طلقها بسرعة، لكن لم ينجب منها ولم يكن له وريث.

وإلى جانب الخيول في ممتلكاته في سين -مارن بفرنسا، فـ"البابا"، كما وصفته رعيته، "أحب اليخوت الضخمة" يتذكر الدبلوماسي، وآخرهم وصل إلى ميناء مسقط في صيف عام 2016 .

وأكد مالبرونو أنه في عام 2011، وللمرة الأولى منذ أربعين عاما، خرج المتظاهرون إلى الشوارع للتنديد بالفساد وسوء الإدارة في البلاد، حتى لو ظل محصورا في بضع مدن، فإن "الربيع العربي" وصل إلى شواطئ السلطنة الهادئة.

وتابع الكاتب: أنه "في ظل قلق، جيرانه الكبار في الخليج تم منح مسقط مساعدات (10 مليارات دولار)، وإضافة إلى بعض الإصلاحات وإقالة مجموعة من الوزراء - الذين ظلوا مستشارين للسلطان - تمكن قابوس من إخماد الاحتجاج لكن استمرت مسألة خلافته مطروحة".

وبين أنه في غضون ثلاثة أيام من وفاته، اجتمع مجلس عائلة آل سعيد، الذي حكم في مسقط منذ عام 1750، وعين ملكا جديدا من نسل تركي بن ​​سعيد بن سلطان، وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق، ترك قابوس خطابا يحتوي على اسم الشخص الذي سيخلفه، بيد أن هذا الإجراء لم يكن ضروريا، إذ اتفقت العائلة بسرعة، وأدى وزير الثقافة وابن عم قابوس، هيثم بن طارق، اليمين الدستورية بعد بضع ساعات من الوفاة.

وأشار مالبرونو إلى أن علاقاته الجيدة مع إيران الثورية أزعجت جيرانه السعوديين، إذ رفض الملك السابق أن يكون جزءا من التحالف الذي أنشأته الرياض في عام 2015 ضد المغامرة الشيعية في العالم العربي، وكذلك ضد تنظيم الدولة، ونظرا لتزايد التوترات بين بلاده وجيرانها في الخليج، وافق قابوس أخيرا في عام 2016 على الانضمام إلى التحالف السعودي.

واعتبر الكاتب أنه بجانب تقلبات ما بعد الخلافة يمكن الحديث عن أزمة اجتماعية تحوم فوق عُمان، فمع انخفاض أسعار النفط، خسرت الدولة 40 بالمئة من إيراداتها، كما حذر خبير اقتصادي.

وفي نهاية التقرير أكد الكاتب الفرنسي أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تنجو "سويسرا الخليج" بسلطنتها المختلفة عقب رحيل قابوس؟